"انتهيت! " أعلمت الجدة فورما وضعت مشد الشعر و الذي يحمل شكل نجمة، تفحصت إيفلين شكلها،..، كانت للمرة الأولى منذ مدة ترفع شعرها الأسود المموج الذي ورثته من أمها بمشد الشعر، و تركته منسدلا على كتفيها اللتان زينتا بأكمام زهرية عريضة ، حملت حقيبتها و تفحصت فستانها الوردي ، ارتدت جوارب بيضاء طويلة و حذاءا اسودا بعنق طويل، سألت بابتسامة: " كيف أبدو يا جدتي؟ "
" جميلة كعادتك، كيف لا و أنتِ حفيدتي! " قالت جملتها الأخيرة بفخر لتظهر على وجه الطفلة ملامح سعيدة، سمعت صوت خطوات قادمة لتجد بنجامين يحمل حقيبته باهمال و هي مستعدة لتقسم بأنه لا يحمل فيها سوى قلم جاف و علبة سجائر، نطق بانزعاج: " هل نذهب؟ مللت من الانتظار، و أيضا، ما هذا الذي على رأسك؟ "
" مشد شعر، اتفقت و صديقتي المفضلة على ارتدائه، ألا أبدو جميلة به؟ " سألت في الأخير ليقول بسخرية: " تبدين فظيعة. "
رفعت جدته حاجبها باستنكار لكنها فوجئت عندما رأت سعادة تفيض من عيني حفيدتها، ولا تعلم أن هذه طريقة بنجامين في مدحها، بسبب كبريائه الذي يمنعه من قول كلمات لطيفة لأخته.
توجهت ايفلين نحوه لترمي حقيبتها إليه و تأمر: " إذن أيها الخادم، احمل حقيبتي و لنذهب، قبل أن أتأخر عن المدرسة! "
"أ أبدو لكِ خادماً أيتها الحمقاء البشعة؟" استنكر باستهجان لتومئ و ترد شعرها للخلف بتكبر و استعلاء و تتجه نحو جدتها لتقول: " على الأميرة الذهاب الآن، وداعا! "
أكملت سيرها لترد جدتها: " إلى اللقاء! "
أومئت لها لتفتح الباب و تضع يدها على خصرها لتخاطب بنجامين مع حاجب مرفوع: " ما الذي تفعله عندك أيها الخادم الوضيع؟ اتبعني! " امرته لترسل نظرة احتقار و تترك الباب مفتوحا ليتنهد بانزعاج و يقول لجدته: " يبدو أنها تحتاج لإعادة تربية! "
" هي مجرد طفلة! لا تضع عقلها مع عقلك. " قالت جدته بينما في عينيها نظرة استمتاع.
لم يفهم، هل يتفقان عليه أم ماذا؟ ما الذي فعله لهما ليحاولا استفزازه بشتى الطرق و الوسائل؟
اكتفى بالصمت و تبع أخته التي سبق و أن مسحت بكرامته الأرض-من وجهة نظره-، لم عليها أن تتقمص دور الأميرة الحقيرة في كل مرة؟
وصلا أخيرا للمدرسة، بعد مشاجرات و مشاحنات لا حصر لها، هي تريد أن تغيظه و هو يريد استرجاع ما تبقى من كرامته باستفزازها.
رمى حقيبتها ليقول: " من الآن على الأميرة الغبية حمل حقيبتها وحدها! "
رفعت حاجبها مستنكرة ليبتسم هو بمكر و يلتفت ليغادر.
" هي مجرد طفلة، و أنتَ كالأحمق تسايرها! " جزء منه عاتبه في نفسه، صحيح أنها تثير الأعصاب دائما لكنه أكبر منها، يفترض به أن يكون عاقلا ولا يكترث لأمرها، لكن،..، تلك النظرة المنزعجة على وجهها تستحق!
" أخ غبي! " تمتمت و هي تحمل الحقيبة، ارتدها لتعدل فستانها و شعرها قليلا و تتوجه نحو صفها.
دخلته لتجد صديقتها علياء تجلس في الطاولة الثانية، ترفع يداها إلى السماء لتستنتج أنها تدعوا، و قد وضعت مشد شعر كخاصتها على شعرها الأشقر.
" علياء؟ " سألت بهدوء لتتمتم علياء ب' آمين' و تنزل يديها، وجهت حدقتيها الخضراوتين الغابيتين لصاحبة الصوت لتجد ايفلين، ابتسمت تلقائيا قائلة: " وفيت بكلمتك و لبسته!"
" طبعاً! و ها نحن ذا كالتوأم! " ردت عليها لتكتفي الاخرى بابتسامة جعلت من غمازتيها تظهر، قرصتها ايفلين من خدها ليظهر الألم عليها، ما جعل الأخرى تضحك بمكر و تفلت يدها و تجلس بجانبها.
" هل أتيت مع والدتك ؟ " بادرت بالسؤال لتومئ الأخرى: " أجل! لكن حالما أركب مع أمي يسود الصمت، سوى مشاكسة يعقوب بالطبع! "
بللت شفتيها لتقول: " أشتاق للركوب مع أبي و عمتي! البقاء معهما ممتع! "
تنهدت الأخرى: " فلتحمدي الإله! أنظري إلى حالي و أنا أضطر للذهاب مع أخي الوغد! جميع فتيات هذا العالم لديهم إخوة يهتمون بهم و يراعون مشاعرهم أما أنا، فيرمقني طول اليوم بنظرات باردة، لا يبتسم ولا يضحك ولم أسمعه طوال هذه الثمان سنوات من عمري ينطق بكلمة لطيفة، أو محسنة للمزاج! لدرجة أنني أشعر احيانا بأنه روبوت آلي لا إنسان بمشاعر! " تذمرت لترد الأخرى: " لا تنزعجي! هذه شخصيته، فلربما يملك أسباباً جعلت منه شخصا كهذا! "
" لكنه لم يكن هكذا! أخي لم يكن هكذا! " ردت بحزن باد على تفاصيل وجهها، طأطأت رأسها لتردف: " رأيت صوراً له مع والداي... والداي اللذان لا أتذكرهما قط! " قالت عبارتها الأخيرة، بنبرة متألمة، ممزوجة مع دموع مكبوتة، غصة في حلقها تزيد من ضيقها، لكنها اضافت على أي حال: " كان يبتسم، الحياة في عينيه، السعادة في تفاصيله،..، لم يكن يرتدي الأسود، لم يكن يستمع لأغاني حزينة، لم يكن باردا، لم يكن يدخن! " سقطت دمعة على وجنتها،..، تقدمت علياء منها،..، هي حزينة لحزن صديقتها، لكن، ليس و كأن بيدها حيلة، أمسكت يديها برفق،بيديها الدافئتان، مسحت عليهما بلطف، ثم التقطت تلك الدمعة لتحموها و تترك أثرها، سألتها: " هل لي أن أقرأ عليكِ بضعا من آيات القرآن؟ أنتِ تشعرين بالراحة لسماعه صحيح؟ "
ابتسمت الأخرى بامتنان لمراعاة صديقتها، أومئت لها لتقول: " الآيات الأولى من سورة.. الفتح؟ هكذا كان اسمها! اقرئيها علي! "
شدت على يديها، اغلقت عينيها لتقرأ بهدوء، و استشعار لآيات الله: " أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم...
إِنَّا فَتَحۡنَا لَكَ فَتۡحٗا مُّبِينٗا (1) لِّيَغۡفِرَ لَكَ ٱللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنۢبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعۡمَتَهُۥ عَلَيۡكَ وَيَهۡدِيَكَ صِرَٰطٗا مُّسۡتَقِيمٗا (2) وَيَنصُرَكَ ٱللَّهُ نَصۡرًا عَزِيزًا (3) هُوَ ٱلَّذِيٓ أَنزَلَ ٱلسَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لِيَزۡدَادُوٓاْ إِيمَٰنٗا مَّعَ إِيمَٰنِهِمۡۗ وَلِلَّهِ جُنُودُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَكَانَ ٱللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمٗا (4) لِّيُدۡخِلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنۡهُمۡ سَيِّـَٔاتِهِمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عِندَ ٱللَّهِ فَوۡزًا عَظِيمٗا (5). "
أنهت القراءة لتفتح عينيها، و تقابل عينيها التي اغرورقتا بالدموع، لم تكن دموع حزن، أو انكسار أو ألم، بل كانت دموع سعادة، طمأنينة و سكينة، لربما يتسائل البعض، كيف للمطمئن أن يبكي؟ و لكن، السؤال الأصح، كيف لمستمع، أو قارئ للقرآن أن لا يبكي عند تلاوته؟ وهو الذي إن أنزل على جبل لكان خاشعا متصدعا من خشية الله، كيف لا و هو كلام الإله! الواحد الأحد، الذي خلق، و عفى و غفر، تجاوز و عدل، يسمعنا و يبصرنا، و هو بكل خبايانا و اسرارنا عليم.
هي لا تعرف اللغة العربية، اللغة التي أنزل بها الفرقان، لكنها تدرك تماما، أنه في هذه الآيات، قال الله لرسوله صلى الله عليه وسلم، بأنه فتح له فتحا مبينا، و المقصود به، صلح الحديبية، و سماه سبحانه و تعالى هكذا، بسبب دخول الناس في دين الاسلام أفواجا، ليغفر الله له، بسبب المشقات و الطاعات الكثيرة التي حصلت، و ينصر الله رسوله ﷺ على أعدائه و يرشده لصراط مستقيم لاعوج فيه، هو الله، الذي أنزل الطمأنينة على قلوب المؤمنين الحق، الذين آمنوا بالله و صدقوا رسولهﷺ و اتبعوه، في يوم الصلح، ليزدادوا تصديقا، و إيمانا مع تصديقهم، و لسبحانه جنود السماوات و الأرض ينصر المؤمنين بها، و كان الله عليما بخلقه، حكيما في تدبيره، ليدخل الله الذين آمنوا به، جنات تجري من تحت قصورها و أشجارها الأنهار، خالدين فيها، ماكثين فيها للأبد، و يمحوا عنهم ذنوبهم فلا يعذبهم بها، و ذاك هو الفوز العظيم، نجاة من النار و ظفر بالنعيم.
هي على دين عائلتها، المسيحية، جدتها كذلك و والداها ماتا على هذا الدين، و شقيقها كان مسيحيا في وقت مضى،..، لكن علياء تدرك، أن صاحب هذا القلب الذي يطمئن لآيات الله، لم يتحجر بعد، لم يصبح قاسياً بعصيان خالقه بعد، لذا فطريق الهداية مفتوحة لها، فطرتها لم تلوث بعد، هي فقط ضلت الطريق، و إن كانت صاحبة بحق، فهي ستدلها على النور، طريق الاسلام، الذي يرشدها للسبيل الصحيح، الصراط المستقيم الذي لا عوج فيه!
هي تخشى على صديقتها من عذاب شديد، تريد أن تأخذ بيدها للجنة، حيث تجد العوض من كل ضيق، و بإذن الله، ستفعل، هي تدعوا الرحمان، الرب الذي أخبرنا أن ندعوا، فيستجيب،..، أجل، الله يستجيب، هو سميع عليم، فيضل من يشاء، و يهدي إليه من يشاء، و هو العدل! لا يظلم أحدا، سبحانه و تعالى.
.....................
تضرب بقدميها الأرض بتوتر، تنظر لها تارة و تخفض بصرها عنها تارة أخرى..
" لما أنتِ خائفة لتلك الدرجة؟ فقط أخبريها بما يخالجك و ستساعدك! " تمتمت و هي تشعر بانفجار أعصابها من كثرة التفكير،..، لا زالت لا تدري لما كل هذا التوتر و كل هذه الاحتمالات؟ أليست هي الفتاة المعروفة بشخصيتها الاجتماعية؟
" صباح الخير! " قطع شرودها صوت مألوف، توجهت أنظارها نحو صاحبه لتجد ذلك الفتى الأشقر صاحب العينين الخضراوتين يبتسم لها.
" أهلا جوزيف! " رحبت بابتسامة متوترة، قضب جبينه ليسأل بقلق: " هل أنتِ بخير؟ تبدين شاحبة و متضايقة. "
نفت بسرعة لتقول: " أنا... أنا بخير.. لا شيء.. يدعو للقلق" ردت عليه بتوتر واضح ، اومئ بتفهم رغم أنه لا زال لا يفهم سبب تصرفاتها الغريبة،..، نظر للأرض بشرود، أحس بهالة مظلمة ورائه ليلتفت،..، ليجد دانيال يكتف يديه و ينظر له ببرود، و رغبة بالقتل تظهر جليا في زرقاوتيه.
" ابتعد عنها! " هذا ما صرخت به تعابيره الجامدة، رفع حاجبه بانزعاج، لما يتدخل في كل أمر يخصها؟ هو لا يعني لها شيئا! هو مجرد صديق! لكنه يرفض أن يتقرب أي شخص منها و كأنها ملكه، لكنه استسلم ليقول بابتسامة متكلفة: " في الواقع أتيت لألقي عليك التحية فحسب فلدي أمور أريد فعلها ، وداعا! " اقحم يديه في جيب سرواله و ابتعد بينما الغيظ يتصاعد داخله، دانيال جرح كبريائه و لكنه لا يريد مشاجرته، فعندما يتعلق الأمر بالشجار، دانيال شخص لا يجدر به أن يصارعه،..، البتة!
أخذت نفسا عميقا لتقرر أن تذهب لها، لكن قبل أن تقوم بأي حركة دخل الأستاذ لتبدأ المحاضرة.
حسنا، لا بأس بالتأجيل قليلا، صحيح؟
لم تركز على الدرس البتة، كانت تنتظر أن ينتهي الأستاذ و تهرول لها، و هذا ما فعلته، ففورما خرج، قامت من مكانها و قدماها ترتجف،..، سارت نحوها و هي بالكاد تحافظ على توازنها.
عندما وصلت لها وجدتها تجمع حاجياتها، ألقت السلام بشكل آلي: " السلام عليكم ورحمة الله."
صوتها كان خافتا جدا، ظنت بأنها لم تسمعها لتعيد بصوت من المفترض أن يكون عاليا، لكنه كان أشبه بهمس: " السلام عليكم ورحمة الله. "
" و عليكم السلام ورحمة الله تعالى وبركاته، لا داعي لتكرار السلام مرتين ! " ردت ممازحة لتتورد وجنتا الأخرى باحراج، رفعت رأسها لها بابتسامة لتقول بنبرة لطيفة: " هل تريدين مني أن اساعدك في شيء ما؟ "
حبا في الله! فليعلمها أحدكم كيف تتكلم، و كيف تتنفس بالطبع!
"فقط أمعني النظر ليليا! بالله عليكِ ما المخيف في هذه الفتاة الجميلة اللطيفة؟ هي ليست وحشا كي يأكلك! فقط تكلمي! "
" أ... أنا... ف... في.. ا.. الواقع.. " كانت تتحدث بتوتر واضح، تخفض صوتها تارة و ترفعه تارة أخرى، رعشة أصابتها لتضحك الأخرى عليها بخفة،..، أمسكت كتفيها لتساعدها على التوازن ولا تعلم بأنها كانت تزيد الطين بلة بهذه الوضعية: " استرخي يا فتاة! تنفسي بعمق و أخبريني بما تريدين، بأي طريقة، و بأي شكل يساعدك! " طمأنتها لتغمض الأخرى عينيها بينما الاحراج كان شعورها الطاغي، ردت شعرها خلف أذنها و نظرت للأرض،..، صمتت تفكر كيف تنظم عبارتها و عندما فعلت صرحت بها قائلة: " هلا ساعدتني على الإلتزام بتعاليم الاسلام؟ "
فتحت عينيها ببطئ، و علامات الصدمة على وجهها هو ما استقبلها من الظلام،..، تحولت الصدمة لسعادة غامرة،..، أمسكت يديها لتقول بابتسامة شقت وجهها: " يا الله! الحمد لله الذي وهبني هذه النعمة، أنتِ لا تعلمين مدى سعادتي، أنا؟ منحني الله فرصة لأساعد أحدهم على أن يلتزم؟ و تسألين؟ بالطبع سأوافق! سنحضر هذه الحصة و نخرج لنتغذى ثم نصلي معا الظهر في مسجد قريب ما رأيك؟ "
" حسنا و لكن... " ردت و هي مستغربة من حماسها الشديد، و قبل أن تضيف أي حرف قالت الأخرى: " إذن سآخذ بيدك حتى نصل! ثم سأحدثك عما تريدين، لنبدأ بأصول التوحيد! فقه الطهارة و الصلاة أمر مهم كذلك! سنركز على الجانب التطبيقي كذلك كي لا تنسي حسنا؟ "
ابتسمت الأخرى لا شعوريا لتعانقها بقوة، لم ترد نائلة السبب لكنها بادلتها العناق على أية حال،..، لتقول ليليا: " أشكرك جزيل الشكر! منذ اليوم سأتبعك في كل شيء حتى ألتزم! "
نائلة بعدما فكت العناق: " أولا... بدلي عبارة شكرا ب' جزاك الله خيرا'، ثانيا، عليك أن تعرفي بأنني لست فتاة صالحة كما تظنين! "
بقيت الأخرى تحملق فيها تنتظر أن تضحك بعدها قائلة:'حسنا كنت أمزح'، لكنها لم تجد شيئا كهذا.
تبسمت نائلة: " ما بك؟ ما بال هذه التعابير؟! "
" قولي أنك تمزحين! " صرخت لتجفل نائلة، التفت الجميع لهما بدهشة، حاولت نائلة اصلاح الأمر قائلة: "فقط تكلمي بهدوء، فالجميع ينظر لنا الآن!"
" كيف لي أن أتوقف؟ تقولين أنكِ لست ملتزمة؟ إن لم تكوني أنتِ كذلك فمن سيفعل؟ " صرخت مرة أخرى لتزفر الأخرى بتعب، نفت برأسها لتوضح بهدوء: " أنا لست ملتزمة، هذه هي الحقيقة، أنا فقط أجاهد نفسي كي أطبق تعاليم الإسلام، حتى أنا إنسان أخطئ و أذنب، تميل نفسي للملذات و المعاصي، ولا يوجد شخص لا يذنب ليليا! "
رفعت حاجبها باستغراب لتقول: " لكنك تبقين فتاة صالحة. "
" لا أرى نفسي أنني كذلك " ردت عليها لتتنهد ليليا مستسلمة: " حسنا إذا، أظن أن هذا الحوار العقيم لن ينتهي برأي يرضي الطرفين، سنتوقف عند هذا الحد! "
اومئت الأخرى بتفهم، ابتسمت بخفة على تغيرها السريع، كانت قبل دقائق متوترة و خائفة، و ها هي الآن تتحدث معها كما لو أنهما صديقتان منذ مدة طويلة، مدت يدها لتصافحها: " و إذن، هل نصبح صديقتين؟ "
" و تسألين؟ طبعا! " صافحتها بقوة بكلتا يديها و شدت عليها بضع ثواني لتردف: " و إذا، فلنذهب، الجو هنا يشعرني بالضيق! "
أومئت لها لتفلت يدها و تحمل حقيبتها في نية لاتباع ليليا، لكن عيناه التي وقعت نظراتها عليهما صدفة، جعلتها تتسمر مكانها.
هو معروف ببرودة أعصابه، و خلو عينيه من جميع أشكال الحياة، كأنهما انعكاس،..، للفراغ.
لكن لماذا؟ لماذا عندما تتلاقا عيناهما، تشعر و كأنهما انعكاس، انعكاس لتلك المشاعر التي تجتاح قلبها؟ ما تلك الأحاسيس التي تروادها؟ تشعر قلبها بألم ممزوج مع سعادة، حزن مع فرح، انكسار مع جبر، و كأن شيئا ما، تعلم اسمه لكن لا تعلمه في نفس الوقت، تعلم ماهيته لكن لا تعلم في نفس الوقت، تشعر به لكن لا تشعر به في نفس الوقت!
قطع شرودها صوت ضميرها و هو ينصحها بغض البصر، لتفعل بسرعة و تهرول خارجاً بينما أفكار ناقصة، أصوات داخلية بعيدة، لا تسمع صوتها تتضارب في رأسها.
و مجددا هي تصنع عاصفة هوجاء في داخله الفارغ، يشعر و كأن كل شيء يتضارب، لسبب ما، شعور يجتاحه، إرادة قوية، ردة فعل لا يتحكم بها، يشرد مفكرا لكن لا يفكر في شيء، هي تجعله يفكر في اللاشيء!
أشعل سجارة و هو يكبح رغبته في الابتسام، لسبب ما، هي تجعله يرغب بالابتسام، لا زال لا يدري ما الذي اقترفته بحقه؟ ما الذي فعلته به؟ شيء ما مميز حولها يريد معرفته، لربما هو يعرفه لكن، شيء ناقص فيه، عليه أن يجده ليعلمه.
--------
و هما الآن جالسان في أحد المطاعم، طلبا بيتزا بالجبن، تماما كما تحبها.
" نائلة، أ أنتِ بخير؟ " سألت ليليا بقلق، نظرت لها بتعابير مستغربة لتقول: " ما خطب هذا السؤال فجأة؟"
" لا أعلم و لكن، منذ قليل،بدوت شاردة و أنتِ تحدقين في شخص ما، لم أميزه، ما الأمر؟ " سألت في نهاية حديثها لترمش الأخرى و هي مشوشة، و كأنها تستوعب ما قالته، و عندما فعلت توسعت عيناها فجأة، حسنا عليها أن تتحكم في نفسها، إن علمت ليليا بالذات بأنها كانت تحدق في بنجامين و شاردة الذهن كذلك، فهذا يعني أن كارثة، كارثة ستحدث!
تنهدت الأخرى لتكمل غذائها و هي تحدق بها، بحاجبين معقودين، نظرة شك في حدقتيها، ابتلعت آخر لقمة قائلة: " لماذا لا تريدين أن تجيبي؟ " اردفت بينما لمعت عيناها مكراً: " أم أنكِ مهتمة بشخص ما ولا تريدين أن تخبريني؟"
اختنقت الأخرى بطعامها لتسعل بقوة، ضربت صدرها عدة مرات لتتبلع و تشرب من كأس ماء سكبته لها ليليا لتقول بصدمة: " ما الذي جعلك تفكرين في ذلك؟"
" ردة فعلك هذه تبرهن لي شكوكي! " ردت بابتسامة لتنفي الأخرى و هي تحاول اخفاء إحراجها: " كلا! أنتِ مخطئة! و أيضا كفي عن محاولة التلصص على أموري الخاصة، هذا لا يصح! "
رفعت الأخرى حاجبا لتتورد نائلة خجلا، ليليا لا يستهان بها! لقد قرأت ما كان يجول في بالها حقا!
حمحمت لتحاول تعديل صوتها و تقول بهدوء مخالف لمشاعر الاحراج و الخجل الذي بداخلها: "اقترب موعد الصلاة، سأدفع و لنذهب للمسجد!"
ابتسمت الأخرى و حاولت مسايرتها: " لا، بل أنا من سيدفع. "
" لا! لن أسمح لك!"
" أنا جادة نائلة! لن تدفعي! "
"أقسم بالخالق الذي خلقني و خلقك بأنني لن أسمح لك بأن تدفعي بدلا عني! لقد حلفت."
نظرت الأخرى بانزعاج لتتنهد مستسلمة: " بما أنك فعلتِ فلا بأس، هذه المرة فقط! "
ابتسمت الأخرى بامتنان لتتجاوزها للدفع.
----------
خرجت علياء و هي ممسكة بيد ايفلين،كانتا مع مجموعة من الفتيات اللواتي تدرسن معهما،وجدت والدتها أو المعلمة صفية مع أخيها تنتظرها عند السيارة لتقول مودعة:" أمي تنتظرني ،الوداع يا رفاق!"
افلتت يد إيفلين ليلوح لها الجميع، لكن قبل أن تخطو ممبتعدة قالت ايفلين: " هل أخبرتك من قبل أن والدتك جميلة؟ "
اومئت أحد الفتيات موافقة: " معها حق! إنها في غاية الجمال! "
و استمرت الفتيات بمدح والدتها لتلتفت علياء و تجد علامات منزعجة على وجه صفية، أدركت أنها تأخرت لتقول: " أشكركن! هذا لطف منكن! " لوحت لهن مبتعدة و هي تقفز بطفولية.
" آسفة على التأخير! " تأسفت فورما وصلت لعند أمها ليقول يعقوب و هو يخرج رأسه من نافذة السيارة: " كنت على وشك أن أخبر أمي بأن نذهب و نتركك! "
"أصمت!" أمرته لتكتف صفية يديها: " ما الذي قلته بخصوص أسلوبك الفظ مع أخيك؟ ثم ما الذي جعلك تتأخرين كل هذا الوقت؟ "
ابتسمت علياء لتقول بثقة: " الفتيات أخبرنني بأنك جميلة و مدحنك جميعا، لذا تأخرت! "
تحولت ملامحها العابسة ليظهر شبح ابتسامة على شفتيها و تقول: " أعيدي قول هذا عندما نكون مع ريان! "
استغربت علياء من طلب والدتها لكنها أومئت على أية حال و ركبت بجانب يعقوب، دخلت صفية سيارتها و قبل أن يبدأ طفلاها بالشجار هددتهما: " أقسم بالله، بأنني إن رأيتكما تتشاجران مجددا فسألقي بكما خارجا و أعود لوحدي! "
ابتلعا الطفلان ريقهما بخوف و لزما الصمت، و هذا ما جعل صفية تشعر براحة داخلية، رؤيتهما و هما يتنازعان على أتفه الأمور مزعج بحق!
-------
أنهت ليليا وضوئها لترتدي خمارا و عباءة كانتا موجودتان في المسجد ، وجدت أن نائلة قد انتهت من صلاتها و ها هي ذي تنتظرها، وقفت أمام القبلة لتصلي، عقدت نائلة حاجبيها و هي تراها بتلك الحالة، تصلي بسرعة و كأنها فعلّت زر التسريع، عدة أخطاء في سجودها و ركوعها و قيامها، لا خشوع ولا تدبر ثم سلمت لتقول: " و الآن، هل يجدر بي قول شيء ما؟ "
رمشت نائلة عدة مرات لتتنهد بتعب و تتمتم: " يبدو أن لي الكثير للقيام به. "
" ستعيدين صلاتك! "
"مهلا، لماذا؟"
" هناك العديد من الأخطاء، سأخبرك بها و تعيدين الصلاة من جديد حسنا؟ "
أومئت ليليا بينما تعقد حاجبيها بعزم، لتقول نائلة: " أولا بالنسبة ليديك، وضعت اليسرى فوق اليمنى و هذا خطأ، بل عليك وضع يدك اليمنى فوق اليسرى، لست في ماراثون أو ما شابه، صلي بتأن و خشوع، بالنسبة لركوعك، عليكِ أن تنحني حتى تشكلي زاوية قائمة بين ظهرك و ساقيك، في سجودك عليك أن تضعي جبهتك، انفك، كفا يديك بدون اسناد مرفقيك، و اصابع قدميك على الأرض، احرصي على تغطية قدميك في الصلاة، في تشهدك، انظري لسبابتك، و اجعليها ثابتة،..، هل هناك شيء يجب أن أعيده لك؟ "
حركت رأسها للجانبين نافية لترد: " لقد فهمت، سأعيدها، و إن رأيتِ أي خطأ آخر فلا تترددي في اخباري."
أومئت الأخرى لتبدأ ليليا الصلاة، كانت تحاول التركيز عليها، حاولت هذه المرة فعل ما قالته نائلة، حاولت ألا تسرع، فقط بهدوء و ثبات، و عندما سلمت و إنتهت زفرت لتقول: " وجدت صعوبة كبيرة في الخشوع! "
ابتسمت نائلة لتقول: " حتى أنا أجد صعوبة في ذلك بعض الأحيان، لكن ما علينا سوى أن نجاهد أنفسنا، بالطبع لن تخشعي من المرة الأولى لذا عليكِ المحاولة. "
أخذت ليليا نفسا لتومئ بتفهم، مالت رأسها متسائلة: " هل لكِ وجهة محددة؟ "
" أريد الذهاب للمكتبة! " ردت بحماس لتتفاجئ الأخرى من تغيرها المفاجئ لكنها قالت على أي حال: " سأذهب معكِ إذن، رغم أنني لا أحب الكتب. " قالت عبارتها الأخيرة بصوت منخفض لتنهض من على السجاد و تخرجا من المسجد....
وصلتا لوجهتهما أخيرا، تكاد نائلة تقفز من السعادة، بينما كانت ليليا تمسك رأسها الذي كاد ينفجر من كثرة ألمه..
محاولة سماعها لأحاديث نائلة عن الكتب جريمة في حق نفسها!
و ما يجعلها مستغربة هو أنها كانت تتحدث و تثرثر طوال الطريق دون فاصلة بين حديث و آخر، ثم تسير بلهفة و حماس؟! هي متعبة في مكانها حقا!
دخلتا المكتبة حيث دلكت ليليا رأسها بعنف لترفعه و تتفحص المكان، لكنها لم تجد نائلة، لا عن يمينها ولا شمالها ولا أمامها ولا خلفها! و كأن الأرض انشقت و بلعتها..
لم تكن المكتبة بالمكان الصغير لذا فكرة البحث عنها بدت متعبة، فما بالك بتطبيقها؟ و هذا ما دفعها لتسند ظهرها لأحد الجدران و قد أخرجت هاتفها لتشاهد بعض مقاطع الفيديو، فهي لا تحب الكتب ولا تستهويها القراءة، على عكس أحدهم و الذي يبتسم حاليا بغرابة بينما يتفحص كل كتاب يمر من أمامه، و أنتم تعلمون جيدا عن من أقصده..
"ليليا؟" أجفلت لصوته لترفع رأسها بسرعة، لتجد رايدن يحمل كتابا بينما يتفحصها باستغراب.
"ما الذي تفعلينه هنا؟" سأل فورما وجهت انتباهها له لتقول: " بل أنا من يجدر به طرح هذا السؤال! "
تنهد ليمرر أنامله على شعره الذهبي و يقول: " تعلمين جيدا أنني مولع بالقراءة و لذا يمكنكِ القول أن أحد وجهاتي المفضلة هي المكتبة، على عكسكِ. "
أطفأت هاتفها و وضعته في جيب سروال الجينز العريض الذي ترتديه لتقول: " يمكنك القول أنني رافقت أحدهم فحسب. "
" و ها قد عدت! " قطع حديثهما صوت نائلة الذي أتى خلف ظهر رايدن ليلتفت و يجدها تقف مستغربة، رفع حاجبا ليقول: " منذ متى و أنتما ترافقان بعضكما البعض؟ "
" منذ اليوم فحسب! " ردت ليليا ليسأل مجددا: " هل أصبحتما صديقتين؟ "
أومئت ليليا بحماس ليصمت هو لبضع ثوان، ثم مد يده ليصافح ليليا: " على كل حال، أنا ذاهب، أراكما غدا! " بادلته المصافحة و أراد الخروج إلا أنه تذكر نائلة ليلتفت لها و يمد يده لها، لكنها رفعتها حد رأسها لتخاطبه بينما تشيح بنظرها عنه: "آسفة، لا أصافح الرجال!"
رفع حاجبه مستغربا لكنه وضع يده في جيبه قائلا: " عذرا، لم أكن أعلم! "
"لا بأس." ردت بتحفظ، و غادر هو بينما لا زال في حيرة من أمره بين تصرف ليليا و نائلة.
ابتسمت نائلة فورما غادر لتقول: " أعتذر على التأخير، سأذهب لدفع ما اشتريت و نخرج! "
أومئت لها ليليا لتلتفت الأخرى، و إذ بها متعجبة، لماذا كانت متحفظة جدا في تعاملها مع رايدن؟ بينما تتعامل معها بسلاسة؟
دفعت نائلة كتبها لتخرج و هي تكبح رغبتها في الصراخ بسعادة، توقفت مستغربة لشرود ليليا لتسألها: " ماذا هناك؟ لم أنتِ شاردة الذهن؟ "
" بسبب موفقك معه في المكتبة! " ردت بسرعة و كأنها كانت تنتظر اللحظة التي ستسألها فيها، ابتسمت نائلة لتجيب: "كنت سأتحدث معك بخصوص هذا يا ليليا!"
مالت الأخرى رأسها بغير فهم لتزفر و تشرح: " في الواقع، علينا أن ندرك أننا كمسلمون، رجالا أو نساءا على حد سواء،أنه يوجد حدود لا نتجاوزها أثناء التعامل مع الجنس الآخر، من غير المحارم، فلا يجوز لنا أن نتلامس و لو كان ذلك بشكل بسيط كالمصافحة، و هذا لأن الرسول ﷺ قال: " لَأنْ يُطعَنَ في رأسِ رجلٍ بِمِخْيَطٍ من حديدٍ خيرٌ من أن يمَسَّ امرأةً لا تَحِلُّ له " ، أن تكون مساحة محترمة بالطبع، كما يفرض غض البصر، و هذا لقوله عز و جل: " قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ "و قال أيضاً:" وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ"، كما لا تجوز الخلوة بين المرأة و الرجل و هذا لأن رسول الله ﷺ قال: " لا يخلون رجل بامرأة؛ فإن الشيطان ثالثهما. "
أومئت ليليا بصمت بينما لا تبدي أية تعابير، ابتلعت نائلة ريقا لتكمل: " و هناك أمور محرمة علينا نحن النساء المسلمات، فيحرم علينا الخضوغ بالقول، فقد قال الله سبحانه و تعالى: "يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاءِ ۚ إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا (32)"
" ما معنى الخضوع بالقول؟ " سألتها لتجيب: " هو أن تتميع المرأة في كلامها، و ترقيق صوتها و تليينه عند التحدث مع الرجال الأجانب. "
أومئت لتقول: " الرجال الأجانب هم غير المحارم صحيح؟ "
" نعم، صحيح! " ردت عليها بابتسامة لتميل رأسها: " لكن في آية الخضوع بالقول، ألم يخاطب الله سبحانه و تعالى نساء النبي صلى الله عليه وسلم؟ فلماذا عنيت بهذا الأمر المسلمات أجمع؟ "
ابتسمت لا تلقائيا و أدركت أنها كانت تركز مع حديثها جيدا، لتوضح: " دعيني أطرح أنا عليكِ سؤالا، كمسلمة، من هن النساء اللواتي ستتبعينهن كقدوة لكِ؟ "
"النساء الصالحات، كأمهات المؤمنين رضي الله عنهن، و نساء المؤمنين!" ردت لتبتسم و تردف: " فهمت مقصدك الآن! أ من شيء آخر عليكِ أن تذكريني به، كي التزم به عند تحدثي مع رجل أجنبي؟ "
"الحجاب!"
ردت باختصار، لاحظت تقضيبة صغيرة بين حاجبي ليليا، لتومئ صامتة، تنهدت ثم قالت: " أنا لست محجبة، أجل أنا عاصية لأمر الله و أريد أن ألتزم، و أنا أعترف... " صمتت لتقترب من نائلة أكثر و تسألها بصوت خافت: " أنتِ لن تتركينني صحيح؟ أدرك أنني مذنبة كثيرا، ذنوبي بلغت حدا مخيفا! لكنني في حاجة لصحبة تصلحني! أريد صديقة تأخذ بيدي من ظلام الخطايا إلى نور الهداية! "
امسكت نائلة يد ليليا و تقول: " أحببت اعترافكِ بأخطائك دون تبرير لنفسك، ولا أنكر أنني أعجبت حقا بكِ، ليس عيبا أن تخطئي، بل العيب أن تستصغري ذنبك و تؤجلي التوبة و تعرضي عن ذكر الله و ترفضين الرجوع له، الله يحب التوابين، يحب الأوابين، أو تعلمين من هو الأواب؟ "
حركت رأسها للجانبين نافية، لتشرح: " هو الذي يتوب بعد ذنبه، مرة، مرتان، عشرة، لا حد لتوبته، ذلك هو من يحبه الله، لذا، كوني توابة أوابة، تتوبين بعد معصية، فيتوب الله عليكِ. "
" و هل سيقبل الله توبتي؟ أنا مذنبة لدرجة تجعلني أستحي من الله! "
ضحكت نائلة عليها لتقول: " بخصوص ذلك، تجدين جوابه في سورة الزمر. "
" أي آية تقصدين؟ "
"لن أخبرك بالطبع!" قالتها ممازحة لتكتف يديها بانزعاج، لكنها تناست ذلك قائلة: " حسنا، سأقرأها و أعدك بأنني سأجد الجواب الذي قصدته.. " أخرجت هاتفها لتردف: " سأعطيك حساباتي على مواقع التواصل، و رقم هاتفي، هكذا لن يكون لكِ أية عذر في حال أردت منك شيئا و لم تجيبي! "
" حسنا حسنا! " قالت بتذمر لتضحك ليليا عليها بخفة...
--------
صلت العشاء ثم دعت الله بكل رجاء، أن يتوب عليها، رفعت يداها للسماء قائلة: " اللهم أعني على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك. "
كانت تقول هذا الدعاء فحسب، عدة مرات، بكل صدق، بكل ما تملكه من تضرع و خشوع، شعرت بشعور يجتاح صدرها، شعرت بالراحة، راحة لا مثيل لها، ابتسمت تلقائيا، ثم تذكرت كلام نائلة من قبل، لتنهض بسرعة نحو مصحفها، فتحته، لتبحث عن سورة الزمر..
سقطت دمعة على خدها، دمعة تعبر عن الاحساس الذي سكن بداخلها،..، كانت نائلة على حق، فهنا وجدت جوابها، هنا وجدت راحتها، لتعيد قراءة تلك الآية:
"قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53)"
و هنا الله، يأمر الرسول ﷺ بأن يقول للعباد، المسرفين، كثيري الذنب، العاصين لأوامره، الغارقين، بكل ما تحمله الكلمة من معنى، في ملذات الدنيا، بأن لا ييأسوا من رحمة الله، ولا يقنطوا منها، و أن لا يفقدوا الأمل، في أن يتوب عليهم، و يغفر لهم، و يعفوا عنهم، بسبب آثامهم، أ تعلمون لماذا؟... رغم ذنوبهم، يعفو عنهم؟
لأنه غفور،...، رحيم...
نستغفر فيغفر، نتوب فيقبل، ندعو فيستجيب، نطلب الهداية فيهدي، نندم و نعود، فيصفح عنا، على الرغم، من أننا نحن ،..، احيانا،..، نحن رغم أنانيتنا نستحي من أنفسنا، نحن نتهم أنفسنا و نحملها العذاب، لكنه أرحم بنا من أنفسنا، إن ربنا، يدعونا للتوبة، يدعونا للعودة له، يدعونا للعمل الصالح، لتجنب العذاب، لتجنب العقاب، لأن نقي أنفسنا حر جهنم و أهوالها،..، أما نحن، فعلينا إما الاستجابة، و مجاهدة نفسنا، و إما الإعراض و الاستكبار، و الغوص في أعماق الظلمات،..، و بعد مدة، نجد أنفسنا، في يوم الحساب،..، و هناك، حيث الصراط، إما تستقيم فيستقيم مسارك، و إما تنحرف، فيكون الهلاك...
يتبع.....
و قال أيضا: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ." ، و أيضا لا تجوز الخلوة بين المرأة و الرجل و هذا لأن رسول الله ﷺانتهيت و قال أيضا: "وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ." ، و أيضا لا تجوز الخلوة بين المرأة و الرجل و هذا لأن رسول الله ﷺانتهيت