أحضرتُ العديدَ من الأشياء: حليب، حلوى، مثلجات. أعلم، هذا جنون، فوق وسط كلِّ ذلك الصقيع، فقط تُريحني للغاية، ذلك الإحساس برأسي متجمِّد، رائع. خرجتُ وأنا أُدخل الباقي إلى محفظتي مرةً أخرى. سمعتُ صوتًا غريبًا، همسًا لا أعلم، لم أُعِرْهُ اهتمامًا، ووضعتُ المحفظة في حقيبتي، ودَفَعتُ شعري إلى الخلف. سرتُ بضع خطوات، ولديَّ شعورٌ سيئ. صوتُ دماغي أصبح أعلى، ضرباتُ قلبي تتسارع، أشعر بالاختناق. وقفتُ في منتصف شارعٍ طويل، والهدوء يعمُّ الأرجاء. ولكن ليس ذاك الهدوء... هناك صوتُ أنفاسٍ متقطعة، تخرج بصوتٍ خشنٍ ليمزِّق السكون بشكلٍ مخيف. لأسمع صوتَ رأسي يتحدث بسخرية، جاعلًا الأمر أسوأ فقط:
"ماذا؟ أتشعرينَ بالخطر على حياتكِ البائسة؟"
حسنًا، حسنًا، سأمشي بهدوء وسأتجاهله. لم أكَدْ أَخطو خطوةً واحدة، حتى سمعتُ صوتَ خطواتٍ بجانبي. التفتُّ للصوت حتى ظهر شيءٌ ما... تلك ليست أصوات أقدامٍ بشرية، تلك أصوات حواف! الشمس لم تشرق بعد، فأنا بالكاد أخذتُ خمسَ دقائق، ولكن الظلام ليس دامسًا، بل كافٍ لأرى شيئًا مريبًا...
ظل... ظلٌّ كبير... إنَّه ذئب!
لحظة... إنَّه ذئب؟! يا إلهي، هل بدأتُ أهلوسُ حقًّا؟ أم ماذا؟! نظر إليّ بتفحُّص، شعرتُ كأنه ينظر داخلي، ليس ينظر إليَّ فقط... كان كبيرًا، أسود، عيناه متماثلتان، لا يُميز فيهما غير البياض حول الحدقتين. لديه هالةٌ مريبة، ليس كالذي في حلمي. تقدَّم نحوي، وأنا لا إراديًا تراجعتُ للخلف. ليس خوفًا... بل كان شيئًا ما بداخلي يعلم أنَّه شيءٌ خطير.
توقَّف عند نقطةٍ ما، أصبح بيني وبينه ثلاث خطوات تقريبًا.
"أعتقدُ أنَّه علينا التحدُّث، آنسة أفيلين."
اتسعتْ حدقتاي بصدمة. هل هو... يتكلَّم؟ ذئب يتكلَّم؟ لحظة، هذا ليس ذئبًا! ذلك ليس حجم ذئب! شعرتُ بأطرافي تتجمَّد من الرعب، وقلبي كاد ينفجر. لحظة! هذا يعني أن الذئب في حلمي... كان يتحدَّث؟!
"هل... أنت تتحدَّث، أم أنا أُهَلْوِس؟"
قلتُها، وما زالت عيناه ثابتتين في عينيّ مباشرة، بينما ملامحُ الصدمة لا تزال على وجهي. شعرتُ به يبتسم بسخرية، حتى أردف بتسلية:
"لم أعتقدْ أنكِ لا تعلمين شيئًا. هذا جيد... سنخوض محادثة سلسة، لن أحتاج لتلك الهيئة."
تلك الهيئة؟ ماذا يقصد بـ... لحظة! ماذا يحدث؟! إنَّه يتحوَّل! اختفى الفراءُ الأسود الكثيف، وبدل الأربع حواف أصبح قدمين وذراعين. كان يرتدي فقط بنطالًا قصيرًا يصل لركبته. لديه بشرةٌ غامقة، عيناه سوداوان، بنيته الجسدية قوية. عيناي ما زالتا في وضع الصدمة، حتى أردف هو، جاذبًا انتباهي وهو يمدُّ يده لي وينطق بنبرةٍ لعوبة
"أنا كارل... تشرفتُ بلقائك."
لا أعلم كم من الوقت ظلت يدُهُ ممدودة، لم أستطع التحرك. أريد الهروب، ولكن جسدي نسي كيف يتحرَّك. نظر إليَّ هو بغضبٍ لتلك الحركة، ثم تبدَّلت ملامح وجهه بسرعة، محافظًا على ابتسامته، ثم أكمل بنفس النبرة
"حسنًا، أنتِ مرتبكة، لا بأس. فقط أريد أن أخبركِ من أنتِ."
خرج صوتي أخيرًا، وأنا أَزدَرِقُ ريقي وأحاول التماسك، ولكن هيهات، رأسي كان يصرخ، وقدماي لن تصمدا لوقتٍ أطول. أردفتُ بنبرةٍ مهزوزة، بينما شيءٌ ما بداخلي يخبرني أن أركض
"ماذا تعني بإخباري من أنا؟ بالطبع أنا أعرف من أنا!"
"حسنًا، هناك فقط جزء بسيط... أنتِ لستِ إنسانة."
"لستُ إنسانة؟!"
"نعم، أنتِ ثلاثية، لديكِ قوة الثلاث أجناس: مصاصة دماء، مستذئبة، ساحرة."
رمشتُ ببلاهة عدَّة مرات، ثم أردفتُ بسخرية لم أستطع إخفاءها
"أنت تهذي... أم أن هذه إحدى أساليب التنمُّر الجديدة؟"
"بالطبع لا... يمكنكِ القدوم معي، وسوف أُقنعك."
"هل أنت فعلاً تمزح؟!"
لم أسمع منه إجابة، بل بالعكس، ملامح وجهه كانت جادة للغاية، بجانب تلك الابتسامة اللعوبة. صرختُ بعصبية لم أنجح في إخفائها أيضًا، ولا أعلم كيف حصلتُ على تلك النبرة.
"لن أذهب معك لأي مكان"
التفتُّ لأُكمِل طريقي، نظرتُ إلى الأرض، لأرى ظلَّه يكبر، وعظامه تتقطَّق، وعيناه تتوهجان باللون الأخضر للحظة، ثم تعودان للسواد. التفتُّ بتردد وخوف شديدَين، وقد نسيتُ لوهلة كيف أتنفَّس، لأرى ابتسامته اللعوب التي أظهرت أنيابه بوضوح، وجسده امتلأ بالفراء الكثيف مرة أخرى، وهو يُردف
"حاولتُ أن أكون لطيفًا."
أخيرًا، الأدرينالين جرى في دمي، فانطلقتُ أركض بسرعة. التفتُّ برعبٍ لأجده يحاول الوصول إليّ، ظللتُ أركض، نظرتُ إلى الأسفل، وجدتُ ظلَّه يقفز من فوقي. أحنَيتُ رأسي، ولكن تعثرتُ في صخرة لأقع. حاولتُ الاعتدال بسرعة، لكنه أصبح أمامي بالفعل. رفع مخالبه على وجهي، وسار على طول وجهي ثم رقبتي، وهو يُردف بأسفٍ ساخر
"خسارة... ذلك الوجه الجميل. للأسف، الأوامر كانت واضحة: إن لم تأتي معك... اقتلها."
صمت للحظة، ثم تحولت تلك الابتسامة الخبيثة لأخرى متعطشة للدماء، عندما أنهى آخر حرفٍ في آخر كلمة. شهقتُ بألمٍ وصدمةٍ مكتومتين، لأجده يغرس مخالبه بقوة في كتفي. شعرتُ بألمٍ حاد، كتفي ثُقِبَ بالفعل. ازدادت ابتسامته المتعطشة للقتل. حاولتُ دفعه بوهن، ولكن هيهات، لم أُزحزِحه. أخرج مخالبه بقوة، ثم رفع يده عاليًا ليمزق قلبي، ولكن شيئًا ما تحرَّك بجانبي بسرعة رهيبة وهجم على ذلك الذئب بقوة. أسقطه أرضًا، ثم حاول لكمه، لكن قلبه الذئب فأصبح هو تحته. اخترقت مخالبه كتفه، ولكمه في وجهه بشدة
"حقًا؟ هذا أفضل ما لديك؟"
أردفها وهو يدفعه بقدمه بقوة، ثم مسح شفتيه التي كانت تدمى قليلًا بينما يلهث. نظر لكتفه، الجرح يتلائم بالفعل! ابتسم بسخرية، أسرع للذئب الملقى على الأرض قبل أن يتدارك الموقف، لكمه بقوة، ثم كسر عنقه. نفض الغبار الوهمي عن يديه... لأفقدُ الوعي بعدها، ولم أرَ شيئًا سوى عينَيه وهو يقترب بسرعة، كانتا تبرقان... لم أستطع ملاحظة لونهما، زيتيَّتين؟ أعتقد. رمشتُ مرتين، ثم أصبح جفنيَّ ثقيلَين للغاية... لم أعُد أرى شيئًا، فقط... ظلام.
.
.
.
.
.
.
.
نظر لتلك القابعة على الأرض، بعد أن شعر بوخزٍ في قلبه. كاد رأسُها يصدم الأرض، ليصل إليها بسرعة، أمسك رأسها، نظر لبشرتها الشاحبة، حاول إفاقتها، بينما أُذُناه تستمعان لنبضها... ارتعدت أوصاله بلا سببٍ مقنع، على الأقل بالنسبة له. ثم عقد حاجبَيه باستفهام عندما لاحظ انخفاض النبض للحظة، ثم عاد لطبيعته. نظر للجرح، وهو يحاول إزاحة السترة الثقيلة ما يكفي لرؤية الجرح.
هذا غريب... إنَّه يتلائم!!
.
.
.
.
.
.
.
.
الناس العاديون غالبًا ما يخافون من الموت. بعيدًا عن الأسباب الشائعة، يبدو أن أكثر ما يتفق عليه الجميع هو الخوف من النسيان... البشر لا يريدون أن يتم تجاهلهم. على العكس، يقضون حياتهم في البحث عن أصدقاء، وظائف، وشبكات اجتماعية. ينخرطون في المجتمع ويتعرفون على الكثيرين، ورغم كل ذلك، قد يُنسَون بسهولة.
لكن ماذا عن أولئك الذين لم يفعلوا شيئًا من هذا؟ الذين لم يبحثوا عن أصدقاء، لم يقعوا في الحب، ولم ينخرطوا في المجتمع. على العكس، كانوا صامتين، هادئين، بالكاد يمكن ملاحظة وجودهم.
ماذا سيحدث عندما يموتون؟ إن لم يلاحظهم أحد وهم على قيد الحياة، فهل سيتذكرهم أحد بعد موتهم؟
لا أشعر بشيء... لا شيء فعلاً.
كانت عيناي مغمضتين عندما سمعت صوتًا، ليس غريبًا، لكنه ليس مألوفًا أيضًا. كان يكرر اسمي بهدوء مريح. لم أرد الاستيقاظ أبدًا، ولكني اضطررت عندما شعرت بأنفاس قريبة من رقبتي. تجعّدت ملامح وجهي، وما زالت عيناي مغمضتين. فتحت عيني على مضض، ببطء، لأرى أنني ممددة على أرضية سوداء، وكل شيء حولي أسود، وكأني في الفراغ.
ولكن... ما تلك الأنفاس؟
نهضت بجذعي، وأنا أشعر بكل عظمة في جسدي تؤلمني. وما إن نهضت، وجدت على جانبي الآخر تلك الذئبة مرة أخرى، تقف بشموخ، بفروها الأبيض وأطرافه الرمادية، وعيناها الخضراء تتوهجان. أردفت باستنكار، بينما تراجعت للخلف خطوتين
"ألا تنامين مطلقًا؟"
"مع تلك الأصوات في رأسي؟ لا، لا أنام. وإن فعلت، أنام من الإرهاق، وأستيقظ بعدها بعدة ساعات، ولا أكون بالفعل نائمة، حتى عقلي يظل مستيقظًا."
أردفتها بسخرية، ثم أغمضت عيني وفتحتهما عدة مرات لأنظر لها مرة أخرى، ثم سألت بتردد، وأنا أضع يدي على رأسي عندما تذكرت ما حدث
"هل كل ذلك حقيقي؟... أكنت أحلم؟ أم ماذا؟"
نظرت إلي طويلًا، لعدة دقائق، ثم أردفت بنبرة جادة
"هناك الكثير من الأشياء التي لا تعرفينها عن نفسك، أفيلين. بل أنتِ لا تعلمين بالأصل أي شيء. هذا سيكون شاقًا، وسيكون صعبًا، أعلم ذلك، ولكن يجب أن يحدث. أنتِ، وفقط أنتِ، بمساعدة شخص آخر، ستكونان طوق نجاة للعالم كله. عليكِ تقبّل ذلك."
"أنا؟! أنتِ تمزحين، حقًا؟"
"لا أفعل. أعلم أن هذا صعب التصديق، ولكن عليكِ أن تثقي به."
"أثق؟!! حسنًا، كان يمكن أن أصدق كل هذا الهراء عن إنقاذ العالم، ولكن أن أثق بشخص؟ لا، لا، أنتِ تحلمين!"
قلت ذلك وأنا أقف بفزع، ونبرتي أصبحت غاضبة بالفعل، لأشعر بعدها بدوار قوي كدت أن أقع أرضًا لولا أنها أسندتني.
أردفت بعدها بنبرة دافئة للغاية، ومع كل حرف، كان الصوت يصبح أبعد، وأشعر أنني أقع في حفرة عميقة مظلمة
"فقط... ثقي به، سيكون أمانك."
---
"هل هي بخير، لاندن؟"
"يا إلهي، جايس! هذه المرة الثالثة تسأل نفس السؤال! نعم، هي بخير، فقط أنها أول مرة تستخدم قدراتها في الشفاء. جزء من الختم انكسر، لا أعلم سببه، وإن كررت ذلك السؤال سوف أقتلك، حقًا!"
سمعت صوت شخصين، لم أعرف من هما، ولكن هناك إحساس غريب، أشعر أن من بينهما شخص متوتر للغاية، قلبه يدقّ بهلع، وليس لدي أي فكرة لماذا أنا منزعجة.
فتحت عينيّ ببطء، وشعرت بذراعين تمسكان بي، ويدي كانت على صدره.
جسده بارد للغاية، ولكن لا أعتقد أن لدي مشكلة مع هذا.
بمجرد أن فتحت عينيّ، سمعت قلبه يدقّ أسرع من ذي قبل. نظر إلي بسرعة، وكأن حواسه كلها انتبهت معًا ليضع كل تركيزه عليّ، وأنا رفعت عيني اللتين كانتا على يدي، التي على صدره، لأنظر له.
عيناه كانتا ساحرتين، لم أرَ في حياتي مثلهما.
كانتا بلونٍ فريد، يمزج بين الأخضر والبندقي، كأنهما خليط من الزيتون والذهب، يتغير بريقهما حسب الإضاءة. في الضوء الخافت، تبرز الدرجة البنية الدافئة، بينما تحت أشعة الشمس، تتلألأ بخضرة زيتونية مشرقة، تحيط بها لمحات ذهبية.
بشرته بيضاء، ولكن لديه تلك البشرة البرونزية أيضًا.
شعره بني فاتح، مخفف من الجانبين، وعالٍ قليلًا من النصف، وشعره مموج.
لديه فك حاد، وعيناه كانتا دافئتين للغاية.
سمعت دقات قلبه تدق بشكل مختلف، كأنه...
لحظة! هل توا سمعت صوت دقات قلبه؟!
فتحت عينيّ بصدمة عند هذه النقطة، وأنا أحاول النهوض بعد أن استدركت المسافة بيننا، لأشعر بدوار شديد، كدت أن أقع.
"اهدئي، لقد تم ثقب كتفك بمخالب ذئب توًا، تريثي قليلًا."
أردفها بينما أمسك بي بغضب طفيف.
نظرت إليه وأنا أحاول ربط ما حدث، ثم أردفت بأول ما جال في ذهني
"أنا أسمع دقات قلبك... لحظة، هل أفعل هذا؟!"
"بالطبع، ما المشكلة؟ لا أفهم لما أنتِ متوترة."
أردفها بقلق ممزوج باستنكار، حتى فتحتُ عينيّ بصدمة، إنه جاد للغاية، يتحدث وكأنه يقول لي: "بالطبع، أنتِ بشرية..."
يا إلهي! أنا لست بشرية حتى!
"يا أحمق! هي لا تعلم شيئًا عن كونها الثلاثي."
أردفها ذلك الشخص الذي لم ألحظ وجوده سوى الآن، وهو يعنف صديقه بينما يدلك حاجبيه بعصبية. رمشتُ عدة مرات، ثم أردفت بعصبية وقد سئمت من كل هذا الهراء
"حسنًا، ماذا بحق السماء هو الثلاثي؟ وما تلك الذئاب؟ وكيف..."
لم أكمل جملتي حتى شعرت بطنين قوي في أذني لدرجة أنني وضعت يديّ عليهما محاوِلةً إيقافه.
شهقت بقوة عندما سمعت آلة القهوة في المقهى الذي يبعد شارعين عن مكاني، وسمعت صوت أمٍّ تودّع طفلها في آخر الشارع، وسمعت أحد المدمنين يتعارك مع شاب آخر لأنه طلب منه مبلغًا كبيرًا وهو لا يملكه، وانتهى الموقف بضربٍ مبرح.
ثم سمعت العصافير تطمئن على أعشاشها، والبيض ينشق ليخرج صغارها وتدفئهم بحب.
استفقت من كل هذا على يد ذلك الشاب وهو يقول بتوتر لم ينجح في إخفائه، وهو يضع يده على كتفي ويحاول تهدئتي
"اهدئي، اهدئي، أعلم أن هذا مريب، ولكن فقط تنفسي ببطء حتى أستطيع الشرح لكِ."
نظرت إليه وكأنني أتشبث به، وحاولت التنفس، حتى سمعت صوت رأسي اللعين
"هل ستثقين به؟ ألا تتذكرين آخر مرة؟... هو فقط شخص جيد، ليس إلا...
أنتِ لا تستحقين، لا تستحقين أي شيء."
حرّكت رأسي في الجهتين بسرعة، وبدأت أذرف دموعي دون أن أنتبه، بينما نظري ثبت على الأرض، والهلع احتل قلبي.
كنت أرتجف بشدة، وجهي أصبح أحمر للغاية، جسدي ينتفض، ركبتيّ كانتا ترتعشان، كدت أفقد توازني وأسقط على ركبتي، حتى ضمني إليه وأمسك رأسي من الخلف، ويده الأخرى على كتفي.
كان يمسكني بقوة، بينما جسدي كان متخشبًا، كنت كتمثال من الحجر المتين. لم أجد الوقت الكافي لأُصدم من فعلته، فقد كنتُ مشتتًا تمامًا. الأصوات تتشاجر في رأسي، وحلقي جفّ، وكل ما أردته هو أن ينتهي الأمر… ليس الآن… يكفي.
تلك الحالة التي رآني بها الجميع، لم أتحملها. وفي لحظة ما، شعرت بشيء غريب… نوع من الهدوء. نعم، ذلك الهدوء الذي لا أجده أبدًا… وجدته هنا. كان الأمر مريبًا جدًا، ومع ذلك، لم أفكر كثيرًا… كل ما كان يشغلني هو تلك الطمأنينة الغريبة التي تسللت إلى قلبي، وسط الفوضى.
ما زالت الأصوات تتصارع في رأسي، لكن هناك سكينة… لم أشعر بها يومًا في حياتي، إلا مع شخصٍ واحد: جدتي.
سنة كاملة لم أحظَ بذلك العناق الهادئ.
استفقت من كل هذا على صوت يتنحنح، ثم يردف بتردد
"أعتذر حقًا على المقاطعة، ولكن تعويذتي لن تصمد أكثر من ذلك."
استدركت ما أفعله في تلك اللحظة وابتعدت عنه بسرعة، وأنا أدفعه.
شعرت بأنفاسي تُسلب، وكأني تركت جزءًا مني في هذا العناق الدافئ.
ثم أردفت بتوتر شديد وأنا أعتذر، بينما أمسح آثار الدموع عن وجنتي، وأرجع شعري خلف أذني...
"أعتذر حقًّا، أنا آسفة، فقد كانت إحدى نوباتي ولم أُحضر معي مُهَدّئي. أعتذر للغاية... أنا آسفة."
"لا، لا تعتذري، أنا لم أنزعج حقًّا. لستِ بحاجة لذلك. أنا من عليه أن يعتذر، فقد أربكناكِ. بالطبع تظنين أن هذا جنون... حسنا لنبدأ مره اخري، أنا جايس... جايس وايلاند."
اعتذر باهتمام بالغ، ثم مدّ يده بابتسامة رائعة. كان منظره رائعًا للغاية. الشمس أشرقت بالفعل، وعيناه أصبحتا باللون الأخضر الزمردي. كانت هيئته متكاملة. كان يرتدي بنطالًا أسود وتيشيرت بنفس اللون، وسترة جلدية، وحذاء بلون مماثل. نظرتُ إلى يده لثوانٍ، ثم وضعتُ يدي بتردد في يده. كانت باردة للغاية وكبيرة أيضًا، يدي أمامه مثل يد طفل. أردفتُ بعدها بثوانٍ
"أفيلين وينسلو."
ابتسم بلُطف وهو يُكرر اسمي خلفي كأنه يُجربه
"أفيلين... إنه رائع."
نظرتُ له ورمشتُ عدّة مرات. أهو حقًّا يقول إن اسمي رائع؟! نظرتُ للشخص الآخر الذي بجانبه، فوجدته ينظر له بحنق. وما إن لاحظ نظراتي، حتى مدّ يده نحوي وأردف بابتسامة وهو يتنهّد:
"لاندن وينسلو."
"أأنت أخوه؟"
"للأسف، ابن عمه."
أردف الأخيرة بنبرة آسفة، لينظر له جايس والشرر يتطاير من عينيه. كانا يبدوان رائعَين حقًّا. ابتسمتُ بهدوء على منظر جايس وهو ينظر له بحنق، ولاندن ينظر له بتحدٍّ وهو يعقد ذراعيه أمام صدره، ثم نظر إليّ وأردف بهدوء
"آنسة أفيلين، لدينا الكثير لنتكلم عنه."
"ما رأيك أن نذهب لمكان؟!"
"أنا فقط أسايركم، هل فعلاً تظنون أنني سأصدق كل هذه الترهات حول إنقاذ العالم وأنا؟!!"
أردفتُها بسخرية، وأنا أشير لنفسي في آخر كلمة، ثم استدرتُ لأذهب، لاشعر بدُوار بشع. تذكرتُ فقط الآن أنني لم آكل حتى الآن. كدتُ أقع، ولكن بالطبع، أمسك بي. أشعر أنني أصبحتُ حقًّا مثيرة للشفقة.
"ضغط دمها منخفض، وحرفيًّا جسدها يلتهم نفسه. متى آخر مرة أكلتِ؟"
أردفها لاندن بصدمة وهو يمسك يدي، ويبدو أنه يتابع النبض، حتى أردفتُ بتردد
"لا أتذكر... فقد كنتُ أحضر من المتجر أشياء للأكل، وحدث ما حدث."
"حسنًا، لمَ لا نذهب إلى أي مقهى قريب؟ أنتِ تحتاجين للتغذية ونتحدث قليلًا."
قالها بود وهو يقترح بهدوء، وعيناه مُثبتتان في عيني بعمق. لم أكن أنوي الموافقة، حتى أردف مرة أخرى وهو يستشعر ما سأقوله، بينما رأسه يميل قليلًا، وأردف بابتسامة
"فقط اسمعي ما سأقوله، وأخبريني بعدها بردّكِ، حسنًا؟"
كنتُ في حالة تناقض للغاية. الصوت اللعين عاد مرة أخرى وأصبح يبثّ السُّم في رأسي. وفي نفس الوقت، كل ذرّة في جسدي تودّ أن تذهب إلى أي مكان سيكون هو فيه، وتُخبرني أن ألتصق به. كدتُ أستمع لكلام رأسي كالعادة، حتى شعرتُ بدُوار مرة أخرى.
لم يكن لديّ القدرة أبدًا على الاعتراض. كنتُ أشعر بنفسي يثقل فعلًا. أومأتُ له وأنا أحاول إشاحة بصري عن عينيه. كانتا مُثبتتين عليّ بشكل مرعب... ليس مرعبًا سيئًا، بل مرعب بشكل لطيف. وأنا لا يجب أن أسمح لنفسي بالانجراف. ابتسم هو باستحسان، ونظر للاندن، الذي كان ينظر له بحنق واضح، كأنه سيُصاب بالجلطة فعلًا. ثم أردف بجديّة وقد أصبحت ملامحه مختلفة، لا أعلم... ربما أشدّ قليلً
"لاندن، اذهب للمجلس وأخبرهم ما حدث، وانتظرني هناك."
"متأكد؟ لا تحتاجني؟"
قالها بشك واضح ممزوج بالاستنكار، لينظر له جايس بحاجبين مرفوعين وعين ثابتة عليه، كأنه سيُطلق ليزر، ليتنهد الآخر ويرفع يده باستسلام، ثم ابتسم له وانحنى انحناءة صغيرة مودعًا لي. أومأتُ له بابتسامة، ثم مدّ يده لجانبه، لتفتح دائرة كبيرة باللون الأبيض. اتسعت عيناي بصدمة. أهذا حقيقي بالفعل؟! أغمضتُ عيناي وأنا أحاول أن أجعل عقلي يتوقف لدقيقة، بينما صوت رأسي أصبح عاليًا مجددًا، لوهلة، حتى استفقتُ على يديه مرة أخرى على كتفي. وأدركت أني لدي خلل ما بالفعل. بالطبع لا يعلم شيئًا، ولكن بالطبع ربط بين مظهري وأنا أضع وجهي في الأرض وأقبض على يديّ بشدة، وتنفسي يعلو ويهبط بوضوح. وضع يديه على كتفي كمحاولة لجعلي أستفيق:
"نذهب؟"
كدت أومئ بالموافقة، حتى شعرت بسائل على كتفي، وتذكرت أن مخالب الذئب اخترقتني. كيف أستطيع الوقوف؟ فتحتُ فمي لأسأل وأنا مصدومة، ولكن حقًّا لا طاقة لي. كدتُ أقول إني أُهَلْوِس، ولكن الدم على سترتي واضح. ليس واضحًا تمامًا بالطبع، فالستره باللون الأحمر القاتم، ولكن هناك بقعة أغمق من بقية السترة. نظرتُ له، وأردفتُ بقلة حيلة
"فقط... سأذهب لتغيير السترة وأتي معك."
"لن أترككِ، بالطبع ليس الآن على الأقل. لا أضمن عدم محاولة أحد آخر لمهاجمتكِ."
"أنا ليس لدي طاقة للجدال. أقف بمعجزة حقًّا... حسنًا، ابقَ في الفناء الخلفي للمنزل، غرفتي في الطابق الأول بالأصل."
كاد أن يردف موافقًا، ولكن فجأة نظر لي وقد استوعب شيئًا ما، ثم أردف بتردد وهو يعقد حاجبيه
"لحظة، أهلكِ... ماذا ستقولين لهم عن السترة؟"
"لا تقلق، لن يهتموا."
أردفتُها بشبه ابتسامة ساخرة، وأنا أستدير للذهاب، بينما شعرتُ به ينظر لي بنوع من الصدمة أو عدم الفهم. حسنًا، لو هو هذا الشخص الغامض التي حدثتني عنه تلك الذئبة، فحقًّا أنا أشفق عليه. الطريق كان أبطأ قليلًا رغم قربه، ولكن كنتُ متوترة. هو لم يتكلم أبدًا، ولكنني أشعر بنظراته. ينظر لي بتفحص، كأنّ أي شيء سينقض عليّ ويقتلني. حسنًا، هذه أمنية من أمنياتي.
وصلتُ للمنزل وجعلته يقف في الفناء، وذهبتُ لأدخل من الباب. كنتُ في طريقي لغرفتي، حتى رأيتهم مجتمعين على الطاولة يضحكون ويتبادلون الأحاديث. ابتسمتُ بسخرية، ثم كدتُ أكمل طريقي، لأسمع صوت أمي تُردف باستنكار، بينما تترك الشوكة التي كانت بيدها وتمسح فمها
"أفيلين، أَلَم تكوني في غرفتك؟"
كدتُ أنفجر ضحكًا حقًّا، ولكني تمالكت نفسي. يا إلهي، جايس كان يظن أنهم سيقلقون. كدتُ أنطق، لينطق أبي هذه المرة باستغراب أكبر
"ما هذا؟! كأنكِ كنتِ في عراك."
نظرتُ لنفسي في المرآة بجانب الباب، لأرى شعري مبعثرًا، وبنطالي مليء بالغبار. أردفتُ بأول شيء جاء في ذهني، فقط أريد أن أهرب منهم
"كنتُ أنوي القيام بالجري، ولكني تعثّرت وسقطت."
ضحكوا بشدة، كأني قلتُ نكتة ما. نظرتُ لهم ببرود قاتل. شخص آخر كان سيبكي، سينهار، ينظر لهم بتقزز. حتى... قد تخطيتُ كل هذا من سنين. كنتُ أبكي بقهر، كثير جدًّا. ولكن الآن؟ أنا لا أتذكر آخر مرة بكيتُ فيها. بالطبع، أبكي الآن، ولكن فقط عند نوباتي، وبالكاد أذرف القليل من الدموع. لا أعلم السبب، ولكني لم أعد أشعر بالحزن. أشعر أنني أصبحتُ خاوية. لا يوجد مشاعر في قلبي، عدا تلك التي تُشعرك أنها ثقيلة على الناس. أنا حتى لا أغضب. أعتقد أن هذا ما يُسمونه بفقدان الإنسانية. رائع! وينتظرون مني إنقاذ العالم؟! هذا جنون.
أخبرتهم أني سأغيّر ملابسي وأذهب للجامعة. لم يهتموا كثيرًا بما قلت، أومؤوا لي بعدم اهتمام. دخلتُ غرفتي، وشعرتُ بصدري يعلو ويهبط بثقل. زفرتُ بحنق، وحاولتُ تنظيم نفسي. أنا لا أود الدخول في نوبة مرة أخرى. بالكاد خفّ ارتعاش يديّ. وبمعنى "خفّ" أي أنني قادرة على تحريكهما، لا يتشنجان، لوصف أدق.
غيّرت ملابسي بسرعة. كدتُ أرتدي السترة السوداء، ولكن تذكرتُ أمي. أنا حقًّا لا أريد التكلم معها، وبالطبع لستُ مستعدة لسماع محاضرة عن الموضة. لذا، أخرجتُ بنطال جينز أسود، وارتديتُ هاي كول باللون الأبيض، ومعطفًا طويلًا باللون ذاته يصل للركبة، وهاف بوت بنفس اللون، ولكن نعله من الأسفل باللون الجملي. رفعت شعري ذيل حصان، وأخذت حقيبة صغيرة باللون الجملي، وضعتُ فيها مُهدّئي وبعض الأشياء المهمة فقط، فأنا لن أذهب للجامعة على أي حال. خرجتُ لأجد أمي تتحدث في الهاتف بالمطبخ، ولم أرَ أبي، لذا توقعت أنه خرج بالفعل. زفرتُ بارتياح، جيد.
Malak Mohamed