|هدوء ما قبل العاصفه|

|هدوء ما قبل العاصفه|

18 0

" آنسة إيفلين، استيقظي، أنتِ لستِ في سريرك."

"آسفة، هل يمكنني الذهاب إلى المرحاض؟"

همهم بموافقة، نهضت بثقل، ممسكةً حقيبتي، ونظري معلق بيدي الممسكة بالحقيبة، كأنني احتمي بها. بالطبع كنت أسمع همهمات الطلاب وضحكاتهم، فأنا تلك الفتاة الغريبة التي لا يعرفها أحد، وبالطبع لا يرغب أحد في مصادقتي. لقد حققت رقمًا قياسيًا في السخرية من أول شهر في الجامعة، أعتقد أن عليَّ أن أكون فخورة.

وصلت إلى حمام الفتيات، وضعت الحقيبة بجانبي على الأرض حتى لا تتبلل. اخترت حوضًا عشوائيًا من الخمسة المتماثلين، كان الأخير بجانب الباب. فتحت صنبور المياه... إنها مثلجة، هذا رائع. لا يوجد أحد أيضًا.

صادفت نظري المرآة، تجنبت النظر إلي وجهي بفتور وحاولت إلهاء عقلي عن التفكير. لم أنزل نظري حتى بدأ الهمس بسخرية وتهكم، مما جعلني ازدرق ريقي بتوتر.

"تظنين فعلًا أن هذا سينفع؟ غسل وجهك بالماء البارد والعودة إلى الصف كأن شيئًا لم يكن؟ أنتِ شخص فاشل.

لا أعرف لماذا تصرين على العيش حتى الآن. والداكِ يكرهانك، لا أحد يحبك. ليس لديكِ صديقة، وحتى عندما كان لديكِ واحدة، تخلت عنك وجعلتكِ محط سخرية."

شعرت بضربات قلبي تتسارع كالطبول، وبدأ الصداع من مؤخرة رأسي حتى وصل لعيني. كانت رئتاي تتصارع لإدخال الأكسجين. الصوت لم يصمت، فقط خفت صوته، ربما بسبب أنني بدأت أفقد وعيي. في هذه اللحظة، أمسكت الحقيبة، ويدي ترتعش وتتعرق. تناولت شريط المهدئ، وأخذت واحدة، وبدأت بتمارين التنفس: شهيق... زفير... شهيق... زفير...

نظرت إلى المرآة مرة أخرى. وجهي شاحب، لدي هالات بالطبع، فأنا لم أنم سوى ساعتين منذ يومين. معتادة على هذا؛ سأغفو من التعب لاحقًا لمدة سبع ساعات، أعتقد، ثم أظل هكذا لمدة يومين. أخرجت منديلًا من حقيبتي، جففت يدي ووجهي، ووضعته في سلة المهملات. أخرجت الهاتف لأنظر إلى الساعة؛ إنها الحادية عشرة والنصف، قد انتهت المحاضرة بالفعل. زفرت بارتياح وخرجت من المرحاض لأعود إلى المنزل.

الأجواء هادئة لأنني سلكت شارعًا مختصرًا لأبعد رأسي عن كل الصداع. يكفيني الصداع الموجود بالفعل. وضعت سماعات الأذن لأستمع إلى إحدى القصص المسجله باللغة الروسية. أريد تعلمها، وأيضًا تجعل الصوت أخف. الجو بارد، وهذا ممتع. الشمس موجودة لكنها مختبئة وراء الغيوم. الأرضيات مبللة قليلًا بسبب الأمطار الخفيفة التي تساقطت البارحة. هذه هي سياتل، أكبر مدينة في ولاية واشنطن. باردة وممطرة معظم السنة. جامعة واشنطن رائعة بالنسبة لأي إنسان، لكن بالنسبة لي، هي عذاب حقيقي؛ الكثير من الأشخاص، الكثير من الاجتماعية، وهذا يخنقني. لحسن الحظ، اخترت قسمًا هادئًا ومنعزلًا: الأدب الإنجليزي.

أنا ماهرة في التحليل والنقد والقراءة، لكن بالطبع ليس في الكتابة؛ الكتابة تحتاج لهدوء وعمق، وهذا من الممنوعات لدي. من دون الهدوء، ينشغل عقلي ولا يتوقف. ماذا سيحدث إن هدأ؟ هذا مرعب، لا أريد التفكير فيه. قسم الأدب هو الأهدأ، والطلاب منعزلون. ليس كلهم بالطبع، لكن ما يكفي ليكون قسمي المفضل.

"صدقيني، هذا يخنقهم أكثر؛ لا أحد يريد رؤية شخص مثلك."

لم أتفاعل، فقط تجاهلته. هو محق بالطبع، لم أعد أشعر بالحزن من كل هذه الانتقادات، فقد اعتدت عليها. أنا في عامي الثامن عشر بالفعل، أعيش كل هذا منذ أن كنت في العاشرة. كنت طفلة، لكنني لم أفهم نفسي، لم أفهم أن عقلي مليء بآلاف الشخصيات، ولهذا كنت دائمًا مشتتة وتائهة، لكنني أفهمه الآن. لم يتغير شيء، الفرق الوحيد أنني أصبحت مدركه لما يحدث.

وصلت إلى المنزل، أمسكت حقيبتي لأخرج المفتاح وأدعو بداخلي ألا يكون أحد في المنزل. فتحت بهدوء، وتنهدت براحة عندما لم أجد أحدًا. الأصوات هادئة. التفت لأغلق الباب ولم أستدر حتى سمعت صوت استنكار وسخرية.

"لماذا تتسللين وكأنك سارقة؟ وما الذي ترتديه؟ أيليق هذا بجامعة؟"

أردفتها وهي تعقد يديها أسفل صدرها، مرتدية كنزة صوفية باللون الأبيض وبنطالًا ورديًا، وترفع شعرها البني الفاتح كذيل حصان. بالطبع الكحل يبرز عينيها البنيتين الغامقتين، وأحمر الشفاه الوردي مناسب للبنطال. نظرت إلى ملابسي: بنطال أسود من الجينز، وسترة قطنية سوداء، ومعطف أسود، وشعري كعكة فوضوية. شعري أسود على العكس من شعرها. من يرانا يظن أنها ابنتي، وليس العكس.

"آسفة، سأغيره غدًا."

"جيد، الغداء جاهز."

"لا أريد، أكلت في الجامعة."

همهمت بلا مبالاة وذهبت لهاتفها الذي رن بصخب. ذهبت لغرفتي أخيرًا، أخذت حمامًا دافئًا، وارتديت منامه سوداء. تركت شعري مفرودًا بسبب الصداع؛ لا أريد أن يقترب شئ من رأسي. جلست على السرير بعد أن جففت شعري، أفكر فيما أفعل. الساعة الآن الثانية عشرة والنصف. لدي ساعة قبل أن يعود أبي. ربما سأخرج..."

"يمكنكِ فقط إحضار ذلك المقص من عند منضدة التزيين التي لا تستحقينها في الأصل وتجرحي يدكِ. فقط دقائق وسترتاحين من كل شيء."

اصمتِ... اصمتِ... اصمتِ... أمسكت رأسي بقوة، وصدري بدأ يعلو ويهبط بسرعة شديدة. الصوت في داخلي يضحك كالمجانين. عيناي أخذتا تدوران في الغرفة تبحثان عن المهدئ حتى ثبتت عيناي على المقص على المنضدة المقابلة لوجهي، وعيناي توسعتا بخوف عندما اقترح اقتراحًا آخر

"حسنًا، في قلبكِ مباشرةً. ستكون ثواني وليس دقائق."

بلعت ريقي بخوف. اهدئي... قليلًا فقط وسينتهي... اهدئي...

"حسنًا، سأترككِ الآن. فقط لا تتوقعي هذه الرحمة في كل مرة."

فتحت عيني بثقل لأجد أنني أفقد وعيي أخيرًا. لهذا، تركتني. ابتسمت بتعب ولم أشعر بشيء آخر.

.

.

.

.

.

.

"الجهل نعمة"

الجهل نعمة... هكذا يقال. ربما يكونون على حق. أحيانًا، من الأفضل ألا تعرف. ألا تدرك كم الثقل الذي يمكن أن تحمله على كتفيك لمجرد أنك تعرف.

المعرفة ليست دائمًا قوة. أحيانًا، هي حملٌ لا يطاق. عندما تدرك أن قرارك كان خاطئًا... أن اختيارك قاد إلى الفشل. قد يغفر لك الآخرون، قد يتفهمون أن الأمر لم يكن بيدك، لكنك تظل عاجزًا عن مسامحة نفسك. تظل الحقيقة ترسخ في ذهنك: "لقد كان خطئي."

حينها، تصبح المسؤولية لعنة. تصبح الرغبة في الكمال هوسًا. تظن أن عليك فعل كل شيء وحدك، أن تتأكد من كل شيء بنفسك. لأنك لا تتحمل فكرة أن تكرر الخطأ مرة أخرى.

الجهل نعمة... ربما، لكنني لا أملك رفاهية الجهل. لا أملك رفاهية الخطأ. سأظل أتحمل كل شيء، مهما كان الثمن.

كان الجو باردًا رغم شروق الشمس. بالنسبة لي، الأمر مختلف. أنا مصاص دماء ومستذئب، جسدي يتأقلم مع درجات الحرارة المختلفة ببراعه. الغابة رائعة... ربما بسبب ذئبي، فأنا أحبها، بينما الجميع يكرهونها، وبالأخص ابن عمي.

"أنت مستبد!"

قالها لاندن محاولًا توجيه لكمة إلى وجهي. رفعت ذراعي لحماية وجهي، ثم تحركت بسرعة لأكون خلفه وأسدد له ركلة جعلته يطير عدة أمتار إلى الأمام.

"وأنت مشتت... ماذا يحدث؟"

"ماذا؟! أنا مشتت؟ بالطبع لا! أنت فقط غشاش، تستخدم قوة كائنين، بينما أنا ساحر فقط!"

قالها بحنق وهو ينهض من على الأرض، محاولًا إبعاد خصلات شعره السوداء عن عينيه الخضراوين. كانت بشرته الخمرية تلمع بقطرات العرق. رفعت حاجبي وأنا أنظر إليه، ويداي معقودتان على صدري.

"حسنًا، سأخبرك... عيناك ستطلقان أشعة ليزر!"

قالها ساخرًا، لكنني لم أتحرك من مكاني. صمت لاندن لثوانٍ، ثم بدأت عيناه تتجولان في كل مكان عدا وجهي، واختفت نبرة السخرية، وحلت محلها نبرة مهتزة وقلقة:

"لقد رأيت رؤية..."

"حسنًا، ما هي؟"

قلت بصوت مهتم، وجلست أمامه على العشب. أخذ لاندن نفسًا عميقًا وهو يفكر في تلك الرؤية، ثم زفر بضيق، مدركًا أن لا خير يأتي مع هذه الرؤى.

"رأيت فتاة تقف على قمة تل، وحولها ثلاثة كائنات

مستذئب عملاق ذو فراء أبيض ورمادي، عيناه خضراوان ويعوي نحو القمر.

ومصاص دماء بعيون حمراء متوهجة يقف في الظل.

وساحر بعباءة سوداء يمد يده نحوها.

كل منهم يحاول جذب الفتاة إليه.

كانت هي خائفة، متوترة، وجهها شاحب، وعيناها تتوهجان بألوان متداخلة: أحمر، أخضر، ذهبي. فجأة، تندمج الكائنات الثلاثة لتكون وحشًا غريبًا عملاقًا يغمرها في ظلام. يظهر ساحر غريب للغاية خلف الكائن، بينما يتلاشى كل شيء ما عدا الساحر والفتاة، وهو يهمس بصوت عالٍ:

"القمر سيقرر... هل ستكون السلاح أم الخلاص؟!"

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

|The Moon's Curse| "لعنه القمر "

المؤلف Malak Mohamed
2025/11/05 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة