الفصل الأول : إمرأة في الضباب
كانت جبلة تستيقظ ببطء تحت ضباب الصباح البارد، كأن الجبل يرفض أن يسمح للشمس بملامسة القرية كاملة. البيوت الحجرية المتلاصقة بدت نصف نائمة، وأعمدة الدخان الأبيض كانت ترتفع من المداخن القديمة بهدوء فوق أسطح القرميد الأحمر.
في الطريق الحجري السفلي، مر أسيلاس حاملا عصاه الطويلة وهو يقود قطيعه نحو المرتفعات القريبة من غابة بالوا. كان يعرف طرق الجبل كما يعرف خطوط كفه، لذلك شعر بالانزعاج فور ملاحظته الصمت الغريب الذي يحيط بالمكان.
حتى الطيور لم تكن تغني.
توقف قليلا قرب العين القديمة، ثم انحنى يملأ كفيه بالماء البارد. وما إن رفع رأسه حتى لمح امرأة تقف بعيدا بين أشجار الزيتون.
امرأة طويلة ترتدي ثوبا داكنا.
لم ير وجهها بوضوح بسبب الضباب، لكنه شعر أنها تحدق فيه مباشرة.
تجمد للحظة.
ثم اختفت.
اختفت ببساطة كأن الضباب ابتلعها.
قطب حاجبيه وهو يتمتم: غريب.
لكن أصوات الأغنام أعادته إلى انتباهه، فأكمل طريقه نحو الجبل.
في وسط القرية، كانت الحياة تبدأ بالتدفق ببطء داخل تاجماعت. الرجال جلسوا قرب الجدار الحجري العتيق يتبادلون أخبار المحاصيل والبرد القادم، بينما الأطفال يركضون بين الأزقة الضيقة بضحكات عالية.
ومن بين تلك الأصوات كلها، كان صوت واحد يعلو أكثر من غيره.
شانيا.
كالعادة.
وقفت قرب باب بيتها وهي تتحدث مع امرأتين بصوت مرتفع: أقول لكما إنني رأيتها بنفسي ليلة أمس قرب الوادي الأسود.
ضحكت إحدى المرأتين: رأيت ماذا هذه المرة يا شانيا.
وضعت يدها على صدرها باستياء: كأنني أكذب دائما. رأيت امرأة تمشي وحدها بعد منتصف الليل.
قالت الأخرى ساخرة: ربما كانت كالا.
ابتسمت شانيا فجأة: بل كانت تشبهها فعلا.
وفي تلك اللحظة تماما، خرجت كالا من الزقاق الحجري المؤدي إلى الساحة.
ساد صمت قصير.
كانت جميلة بشكل لافت، بشعرها الأسود الطويل وعينيها الهادئتين اللتين جعلتا معظم أهل جبلة يشعرون بالارتياح فور رؤيتها.
ابتسمت لهن بهدوء: صباح الخير.
ردت المرأتان التحية بسرعة، بينما حاولت شانيا إخفاء ارتباكها.
اقتربت كالا أكثر وهي تحمل سلة خبز دافئ تفوح منه رائحة الحطب: أعددت خبزا هذا الصباح. سأرسل بعضه إلى بيت كميليا.
تنهدت إحدى النساء بحزن: المسكينة لم تعد تأكل منذ اختفاء طفلها.
انخفضت ابتسامة كالا قليلا: سيعود بإذن الله.
لكن عينيها تحركتا نحو الأطفال الذين يلعبون قرب الساحة.
وثبتتا عليهم طويلا.
طويلا أكثر مما ينبغي.
وفي الجهة الأخرى من القرية، كان مسيناس يصلح بابا خشبيا أمام منزله حين سمع صوت خطوات خفيفة خلفه.
التفت مبتسما: استيقظت أخيرا.
اقتربت كالا منه بهدوء ووضعت يدها على كتفه: أنت تعمل منذ الصباح.
ضحك: لو تركت الأمور لك وحدك سينهار البيت فوق رؤوسنا.
ابتسمت بخفة، ثم جلست قربه تراقبه بصمت.
كان يحب هذا الصمت فيها.
منذ زواجهما قبل عامين، لم يشعر مسيناس بالراحة مع أحد كما شعر معها. كانت هادئة، مختلفة عن بقية نساء القرية، وكأنها جاءت من مكان بعيد لا يشبه جبلة.
وأحب ذلك فيها.
رفع رأسه نحوها: هل ستذهبين اليوم إلى بيت كميليا.
أومأت: لن أتأخر
تنهد الرجل وهو يمسح العرق عن جبينه: أتمنى أن تجد طفلها.
انخفض بصر كالا للحظة قبل أن تهمس: بعض الأطفال لا يعودون حين تأخذهم الأرض.
قطب حاجبيه: ماذا.
رفعت عينيها نحوه بسرعة ثم ابتسمت: أقصد الغابة. ربما ضاع فيها فقط.
لم يعلق.
لكن الكلمات بقيت عالقة داخل رأسه دون سبب واضح.
مع حلول المساء، بدأت الرياح الباردة تنزل من المرتفعات، وغرق جزء كبير من جبلة داخل الضباب الرمادي الكثيف.
في بيت كميليا، كانت المرأة تبكي بصوت مكتوم وهي تضم قميص طفلها الصغير إلى صدرها.
جلست كاهينة قربها بصمت، بينما اشتعلت النار بهدوء داخل الموقد الحجري.
قالت كميليا بانهيار: ثلاثة أيام يا خالة كاهينة. ثلاثة أيام ولا أثر له.
رفعت العجوز عينيها المتجعدتين نحوها: هل أخبرك بشيء.
هزت رأسها ببطء.
اقتربت كاهينة أكثر وهمست: حين كنت صغيرة كان الأطفال يختفون أيضا.
تجمدت المرأة: ماذا.
أكملت العجوز بصوت خافت: ثم توقف الأمر فجأة.
شهقت كميليا: ولماذا يعود الآن.
لكن كاهينة لم تجب مباشرة.
بل التفتت نحو النافذة.
كان الضباب كثيفا بالخارج حتى بدا كأنه جدار حي يحيط بالبيت.
ثم همست: لأنها عادت
سطور تائهة