ليتك تفهمين قلبي فأنا أجهله
# فيروزة
الأمر ليس أنه لا يريدها، هو يريدها منذ زمن وليس من الآن لكنه لا يريدها بهذا الشكل، أرادها عاشقة، أراد أن تأتيه مبتسمة سعيدة متلهفة للقائه خجلة من نظراته، وليس مظطرة، ابتسم بسخرية من نفسه فهي حتى مظطرة لم تأتيه، بل هو من جائها، كان قد أقسم من قبل ألا يلتفت إليها بعد جروح تجاهُلِها له، كان يتشاجر معها ويستفزها في كل فرصة، والأمر لم يكن رغبة في الشجار قدر ماكان رغبة في تلك اللحظات التي لا تتجاهله فيها، أقسم ألا يأتيها إن لم تأتيه لكنه أخلف قسمه، لم يستطع أن يراها تتأذى، لن يسمح لهم بإيذائها، رغم كل شيئ هو يعرف أنها تستحق الفرح هي طيبة صافية النية لا تؤذي أحدا، كيف سيفرط بكل تلك الرقة، يعرف أنه أحيانا سيؤذيها لكن ليس كما آذوها هم، يعرف أن حياتهما معا ستكون صعبة، وخصوصا أن كلاهما لم يتصالحا مع بعض داخليا رغم صلحهما الظاهري، لكن كل ذلك يهون المهم ألا يراها تلك الإنسانة الحية الميتة الهستيرية، لا أحد يعرف أنه عايش معها جنونها وتألم لآلامها، ولايريد لأحد أن يعرف وخصوصا هي، هو يفضل أن تراه قاسي على أن تراه بهذا الضعف أمامها.
لا بأس سيتحمل، هو يعرف أنها يوما ما ستحبه وستتلهف لقربه، لكن يوما ما هذه ألا يبدو وكأنها تعني مستحيل حقا لا يدري.
أحب طيبتها، هي تقول أنها توقفت عن طيبتها لكنه لا يصدق، فكيف للطيب ألا يكون طيبا، هي حتى لم تقم بأي مخططات احترازية لتنتقم لنفسها وكرامتها ومشاعرها المهدورة، هي فقط كل همها ألا يروها ضعيفة، ألا يروها وهي تتناول مهدئاتها، يعرفها تقنع نفسها أن هذا هو انتقامها أن يروها بخير، هو الأمر كذلك لو أنها فعلا كانت بخير لا تمثل، لكنه سيجعلها بخير وسينتقم لها ولنفسه، فهي لسنة كاملة لم تعاني لوحدها بل عانى معها قلبه، سيكون مرشدها في كل خطوة، ولا بأس لو اكتفت هي بانتقاماتها البسيطة المعنوية، هو كحبيبها سيأخذ بثأرها بأقسى الطرق.
أفاق من شروده وأفكاره على صوت طقطقة أصابع أمام وجهه وقد كانت والدته مليكة وقالت: أتعلم يا ابن بطني عندما أراك شاردا هكذا أضع يدي على قلبي وأتسائل ترى أي مصيبة تنتظركِ يا مليكة.
أراد أن يمازحها قليلا فتراجع في جلسته على الكرسي ووضع رجل على رجل وابتسم لها.
أما هي ما إن رأته مبتسما حتى تأكدت بأن هناك مصيبة فقالت: والله هذه الابتسامة ورائها بلاء، أنا أعرفك.
قال مبتسما: بالله عليك والدتي أكلما ابتسمت تحملينني مصيبة، هذا و أنت والدتي هذا رأيك بي إذن لا عتب على الغريب.
قالت والدته معترضة: عفوا يا ولدي الحبيب لا يلدغ المرء من نفس الجحر مرتين، أنسيت الماض، هل أذكرك به.
ما إن سمع كلمة الماض حتى علم أن والدته مستعدة لفتح جميع المواضيع و الدفاتر القديمة ومن هنا للمساء لن تقفلها أبدا لذلك نهض وجلس بجانبها ووضع يده على كتفها وأمسك بيدها قبلها وقال: ست الحبايب ثقي بي قليلا، لدي خبر سيسُرُّك كثيرا، ولكن قبل أن أخبرك أريدك أن تتكتمي لا أريد لرامي و هند أن يعلما على الأقل حاليا.
عقدت حاجبيها في تسائل: ما الأمر؟؟؟؟
قال: قررت أن أتزوج!!!
لم يستوعب كيف صرخت بفرحة: ستتزوج!!! هل أنت جاد؟؟؟
ثم قامت بإطلاق زغرودة عالية.
حمد الله أن هند وأخيه ليسا هنا اليوم، ثم أمسك بيد والدته وأجلسها: هذا وأنا قلت لك فلنجعل الأمر سرا تفضحينني هكذا.
قامت بإمساك رأسه وحضنته بقوة حتى كاد يختنق.
فقال من بين أنفاسه: أمي لو أردت قتلي هناك طرق أسهل من الخنق أقسم.
فور أن سمعت كلماته حتى أبعدته عنها ساخطة عليه: وتقول أنني لست حنونة عليك أبدا و عندما أحاول أن أعطيك جرعة حنان تعترض و....
لم يدعها تكمل دخل في صلب موضوعه محاولا استغلال وقفت غياب هند ورامي وقال : ألا تريدين أن تعرفي من هي؟؟!!
قالت: بالطبع أعرفها.
حدق في عينيها جيدا يستشف صدقها وسأل: تعرفينها حقا!!!
أتحِفيني والدتي العزيزة وقولي من هي.
أجابت بكل ثقة: حبيبة.. ابنة خالتك.
وضع يديه على وجهه وقال: وعادت حليمة ياحاتم ياطائي...
لاحظت أن جوابها لم يلقى استحسانه فسألته ماذا أليست هي؟؟؟ من إذن؟؟؟ ثم أن حبيبة هي أفضل الخيارات أو أقول لك أصمت لا تخبرني دعني أحزر.
ابتسم وقال: أتحفيني!!
قالت: سهام ابنة جيراننا
قال: لا.
قالت هدى ابنة عمتك، وأخبرك من الآن إن كانت هي فأنت لن تتزوج ابنة صفية تلك.
قال: اطمإني ليست هي، لكن أريد أن أفهم ما أوجه اعتراضك على ابنة عمتي.
عبست ملامحها: وكأنك لا تعرف، لن أناسب صفية أبدا.
قال :أمي أما تزالان عدوتان؟؟
قالت: مادخلك أنت هيا أخبرني من هي.
أخذ نفسا عميقا وقال: سلاف.
سألت: من سلاف؟؟؟
قال: هناك سلاف واحدة في حياتنا.
نهضت بعنف وقالت: أستتزوج مطلقة ولم يسبق لك الزواج وفوق هذا فاقدة للأهلية ورفضتكَ من قبل ، ظننتك محيتها من رأسك ولا تفكر فيها بالكامل
أمسك بيدها وأجلسها مجددا وقال معاتبا: أمي لا تقولي عنها هذا، لا تنسي هي أخت هند حبيبة قلبك، هند ستاخذ بخاطرها لو سمعتك، ثم منذ متى كان الطلاق يعيب المرأة.
قالت: لكن كيف ستتزوج بمجنونة.
أغمض عينيه بيأس وقال: أمي الناس لا تعرف تقول عنها هذا، لكن أنت تعرفين الحكاية فكيف تقولين عنها هذا.
قالت: أنا أحب هند لكن سلاف لا أحبها فل تختر فتاة أخرى، منذ البداية لم أحبها كيف سأحبها الآن.
قال: للأسف أمي إما سلاف أو لا شيئ، لا يهمني إن كانت مجنونة أو معتوهة أو مريضة، أنا أريدها قلبي يريدها، لا أتخيل حياتي بدونها.
اعترضت لمرة أخيرة: ماذا لو رفضتك مجددا؟؟؟
قال باندفاع: لن ترفضني أنت فقط وافقي.
قالت: أنت عرضت الأمر عليها أليس كذلك؟؟؟
قال: نعم، رجاء وافقي.
قالت: موافقة، لكن إن لم تجعلك سعيدا كما أختها تسعد أخاك، فأنا سأقف لها بالمرصاد، أعرفك أنت طيب وستبلعك بشربة ماء تلك المجنونة.
قال باعتراض: أمي أرجوك عودي لسانك اسمها سلاف وليس مجنونة، صدقيني بعض الكلمات جارحة وخصوصا إن كانت من الأقرب إلينا، أتعلمين لا أصدق أنك وأخيرا اعترفت بأني طيب، كله بسبب حبيبة القلب، لم أتزوجها بعد وبدأت بإنصافي.
دفعته قائلة: انهض، انهض تعبير مجازي ياحبيبي ، أتريد أن أذكرك بمصائبك.
قبل يديها وقال: أرجوك لا تفعلي سأخرج حالا ولكن كما اتفقنا إياك وأن تخبري حبيبة قلبك بهذا الأمر أنا أحضر لمفاجأة في زفاف إلياس.
قالت له بفضول: أي مفاجاة أخبرني ولن أخبرها.
قرصها من خديها الممتلئتين وقال: ستعرفينها في وقتها.
قالت قبل أن يخرج: هل أستطيع أن أخبر خالتك، أم أن الأمر سر على الجميع.
ابتسم وقال: لا بأس أخبري خالتي العزيزة، فقط لا تخبري هند وابنك.
ثم خرج أما هي فالتقطت هاتفها تتصل بأختها كعادتها.
**************************************************************************************
في منزل يوسف وأسماء (والدي غزل)
رمت بهاتفها على الطاولة وهي تتأفأف بملل، ولاحظت أختها آيات المنهمكة في هاتفها وتبتسم بشكل أحمق قالت في نفسها: الحمقاء من المؤكد تضحك على إحدى نكات شريف غير المضحكة أبدا وسرعان ما ابتسمت بإحباط شريف على الأقل ينكت، الذي عندها متجهم دوما، ألا يقولون فترة الخطوبة للتعارف، آيات تعرف عدد الأنفاس التي يتنفسها خطيبها، أما هي ياحسرة لا تعرف عنه سوى معلومات الدفتر العائلي وأنه صديق أخيها، لا تعلم لما استمرت في الخطبة، هما لا يبدوان كالمخطوبيين العاديين، لكنها مرتاحة جدا، لا تشعر بالنفور نحو هذا الارتباط، ورغم قلة تواصلهما إلا أنها ليست منزعجة أبدا، هي أصلا تكره ذلك النوع من الرجال اللّحوحين، ولكنها أيضا لا تنكر أحيانا تنزعج قليلا فهي تريد ولو قليلا من الاهتمام شعور بأنها مرغوبة ، تنهدت تنهي أفكارها فخاطبتها أختها: ما كل هذه التنهيدة، فيما تفكرين؟؟؟
أجابتها: لا شيئ فقط متوترة لم يبقى وقت كثير على زفافي وسنفترق، لا أصدق أنني بعد فترة لن آتي لهذا البيت سوى للزيارات.
تنهدت آيات ولم تعرف ماذا تقول فهي تعاني من نفس التوتر لأن زفافها هي الأخرى قريب جدا ولكنه توتر أخف لأنها لن تتزوج بغريب وبعائلة غريبة.
خرجت هديل من غرفتها وعندما رأت حالتهما تلك توجهت للمطبخ، وأحضرت تسالي وعصائر و جائت وضعت كل شيئ على الطاولة وجلست بينهما تحتضنهما بحب، وقالت احتفالا بفراقكما وباستفرادي بالبيت وبوالدينا في المستقبل القريب، لنتفرج فيلما ونودع بعضنا، هجمت عليها الفتاتان تدغدغانها في كل مكان وتقولان: تستفردين بالبيت إذن يا عصفورة هااا
ومن بين ضحكاتها ترجتهن أن يتوقفن وقالت بأنها تمزح حتى تركنها وسط ضحكاتهن جميعا، وفي النهاية استقرت الثلاثة فتيات على الأريكة كل واحدة مستندة على الأخرى يبكين ظاهرا على الفيلم، لكنهن الحقيقة يبكين فراقا قريبا.
فجأة فتح الباب ودخل من الباب والديهما وقبل أن تعاقبهن والدتهن على الفوضى التي تسببن فيها في الصالة، نهضن من مكانهن وهن يتدافعن، كل واحدة تريد أن تنفذ بجلدها، أقرب غرفة كانت لآيات لذلك هي لم تعاني فورا توجهت إليها وأغلقت الباب بالمفتاح، المشكلة كانت عند غزل التي سبقتها هديل للغرفة ونستها بل وأقفلت الباب، فأخذت تضرب الباب بقوة وهي تقول: يا غبية، يا غبية افتحي الباب، ليست غرفتك لوحدك، افتحي.. افتحي...
وسرعان ما فتحت هديل الباب فدخلت فأغلقنه بسرعة وهن يسمعن تحلطم والدتهن تقول: الصباح رباح، لن تهربن للأبد على كل حال، التنظيف ينتظركن ينتظركن، وأنت يا عروس لا تظني أن لكونك عروسا ستكونين معفية، من غير المنطقي ألا أستفيد منك قبل أن تغادري....
لم يكن منهن إلا أن انفجرن في الضحك، وسرعان ما استلقت كل واحدة مكانها، وقد أخذ النعاس مأخذه منهما فغطت الاثنتان بالنوم.
هديل غطت في نوم هادئ، لا يكدره لا حبيب ولا غريب، أما غزل فغطت في نوم حالم.
في الصباح استيقظت هديل بإنزعاج على رنين الهاتف المتواصل وقد كان هاتف غزل، لم يكن منها إلا أن صرخت بأعلى صوت وهي تضرب غزل الغارقة في سباتها كي تستيقظ، وبعد مجهود استيقظت فزعة وهي تقول: ماذا هناك؟؟؟ من مات؟؟؟
قالت هديل بسخرية: أنا من سأموت بسبب رنة هاتفك المزعجة التي توقظني من نومي أنا وتفشل في إيقاظك،.
قالت غزل بغضب بسبب استيقاظها من النوم بفزع وهذا ما تكرهه بالكاد توقف شريف عن زياراته الصباحية ليزعجها هاتفها اليوم، التقطته ترى من المتصل وما إن رأت المتصل حتى اعتدلت في جلستها وهي تملس على شعرها تعيد ترتيبه وكان المتصل سيراها، ثم تحمحت تجلي صوتها تحت نظرات الاستغراب من هديل، وفجأة اتسعت عينا هديل مما تسمعه من غزل.
غزل بصوت ناعم لم تعرفه هديل: صباح الخير، أنا بخير، وأنت كيف حالك؟؟؟
الطرف الآخر:؟؟؟؟؟
غزل: لا أبدا لم تزعجني أنا مستيقظة أصلا، كما أن نومي خفيف، ولست من محبي النوم كثيرا.
هنا انفجرت ضحكات هديل بسبب أكاذيب أختها، مما اظطر غزل أن تعلق المكالمة وبيدها الاخرى اقفلت فم هديل وتوعدتها بعينيها فرفعت هديل يديها علامة الاستسلام فتابعت معه حديثها: ماذا قلت أنك تريد؟؟؟
الطرف الآخر:؟؟؟؟؟
غزل: أممم حسنا سأرى أي وقت يناسبني واتصل بك.
وما إن أغلقت الهاتف حتى لحقت بهديل التي خرجت من الغرفة هربا منها، وقد نسيتا ماتسببتا به البارحة من فوضى، لكنهما توقفتا فجأة عندما رأين آيات بالفعل بدأت في التنظيف، فتذكرن الكارثة وقبل أن يهربن تم القبض عليهن بنجاح فاستسلمن لمهمة التنظيف، لكن غزل لن تكون غز لو لم ترمي آخر أوراقها فقالت: أمي اتصل بي إلياس يجب أن نتقابل اليوم.
تسائلت والدتها: لماذا لا يأتي إلى هنا؟؟؟
هزت كتفيها وقالت: لا أدري ، على ما أظن موضوع يخص الشقة كما تعلمين، ولكن عليك أن تدرك بأني لن ألحق الموعد لواستمررتُ في التنظيف.
ساندتها هديل: أجل سنتأخر على الرجل وهذا لا يصح
تسائلت غزل: وأنت مادخلك الموعد خاص بي أنا.
قالت هديل: اقتراب زفافك وعقد قرانك الذي تم قبل الزفاف لا يعني أننا سنرضى باللقاءات في الخارج دون طرف ثالث.
كانت ستقول شيئا لكن قاطعتها والدتها: أختك معها حق، لكنكما أيضا ستنهيان التنظيف أولا وبعدها تخرجان موعد من الصباح هذا ماينقصني فتيات يحسبنني ساذجة وهنا تمتمت بكلمات أغنية جائت في بالها «على مين..على بابا...على مين ؟؟؟ مش على بابا»
وفجأة خرجت من حالتها هذه لتدخل حالة أخرى حيث نظرت لآيات متسائلة: غريب أنك لم تعترضي على التنظيف كأختيك؟؟؟
قالت آيات مازحة: إنه قدري وأنا قدره، وهل يهرب المرء من قدره يا أسماء.....
قالت والدتها ترد مزحتها: يقولون اقلب الجرة على فمها تخرج البنت لأمها، أنت محقة هذا قدركن كما كان قدري أنا أيضا من قبل، إلى أن تزوجت وتخلصت من قدري هذا بإنجابي ثلاث فتيات يتولين التنظيف عني
صرخت الفتيات معترضات: أمي!!! أنت تمزحين أليس كذلك؟؟؟
ضحكت وقالت: ما بكن غضبتن، أنا لا أمزح، أنتن أيضا ستفعلن مثلي، وتتزوجن وتنجبن فتيات، وعندها تكن لديكن السلطة العليا.
قالت الفتيات: إذن تعترفين أن ماتمارسينه بحقنا هو اضطهاد واستغلال سيئ للسلطة والصلاحيات المقدمة لك.
ضحكت وهي تتوجه لغرفتها لترتاح: اعترضن لو استطعتن.
وتركتهن وهي تبتسم.
***************************************
************************************
كل مرة ألتقيك فيها لأعرفك أكثر، أجد نفسي أني أجهلك أكثر، ربما أنت من ذلك النوع الذي كلما غرقنا فيه كلما أردنا الغرق أكثر.
فيروزة
الصمت هو كل مابينهما في أغلب لقائاتهما، أكل العلاقات هكذا، أم هي علاقتهما فقط، لأنها هكذا ولأنه أيضا هكذا، بعد السلام والسؤال عن الأحوال يسود الصمت وتختفي الكلمات.
انتظرت وانتظرت أن ينطق لكن أبا الهول أبى إلا أن يخرجها عن شعورها ورغم خروجها عن شعورها لكنها تمالكت نفسها، واستدعت هدوء الكون أجمع لتسأله: إلياس أظنك قلت أن هناك شيئا مهما علينا الحديث بخصوصه.
ارتشف من كوب القهوة أمامه ثم قال: في الواقع ليس هناك شيئ بالغ الأهمية، لكننا ومنذ يوم الخطوبة لم نتقابل ولم نتحدث أو نعرف شيئا عن بعضنا البعض
غمغمت مع نفسها: وأخيرا أحس الجبل
سألها: أقلت شيئا؟؟؟
ابتسمت وردت: أقول لك ها أنذا اسأل ما شئت.
ورفعت كأس الماء لتشرب في انتظار إجابته أو بتعبير
أدق سؤاله لكنها سرعان ما شرقت بالماء عندما سمعت سؤاله والذي كان: كم وزنك؟؟؟
تمالكت نفسها ومسحت ماسببته من فوضى، وقد اغتاظت من سؤاله و خصوصا عندما لمحت شبه ابتسامة ارتسمت على وجهه وسألته بدورها مدعية أنها لا يهمها الأمر و أنها ليست محرجة: ولم تسأل؟؟
أجاب: ولم تسألين لم أنا أسال، هو سؤال واحد وإجابته واحدة.
وعندما ظن أنها ستجيبه فاجأته عندما قالت: لا شأن لك بوزني..
رد عليها: إذن من له شأن غيري؟؟؟
قالت بعناد: لا أنت ولا غيرك.
قال مجددا: وما الضّير لو أخبرتني بوزنك.
هنا نفذ صبرها وقالت بشبه عصبية رغم أنها حاولت أن تكون نبرتها هادئة: وأنا لا أريد ان أخبرك عن وزني ولن أخبرك، لم لا تفهم من أول إجابة منحتك إياها على شكل سؤال...
شعر إلياس أن الأمر تافه وقد بدأ يخرج عن كونه تسلية، وربما هو بالفعل أحرجها دون أن يشعر لذا قال: أعتذر منك لم أقصد شيئا، اعتبريني لم أسال.
اعترضت: ولكنك في النهاية سألت
رد عليها: وماذا إذن؟؟ أجل تسائلت واعتذرت!!!!
صمتت كما صمت هو.
وفي النهاية قررت غزل إنهاء هذا اللقاء الفاشل والعودة للمنزل.
أما هو لم يبالي أوصلها وعاد لعمله ولا يشغل باله وقلبه أي من تلك الأشياء التي تشغل غزل.
وفي مكان عمله تذكر أنه لم يحادثها بالموضوع الضروري الذي لأجله التقى بها فبعث إليها رسالة مضمونها اختاري وبعدها بعث لها صورا تحمل ألوانا وأنواعا عدة من بعض الأشياء في شقتهم.
*****************************
في مكان آخر خارج المدينة في أحد الشاليهات،تجلس مقابلة للتلفاز، لكنها مشغولة التفكير، فجاء من خلفها وأغمض عينيها قائلا: احزري من؟؟؟
نزعت يديه من عينيها بقوة وصرخت قائلة: يونس هذا أنت بالتأكيد من غيرك؟؟؟
قال بمزاح: يبدو أنك غاضبة جدا أين الطفلتين
أجابت: لا لست غاضبة أبدا، ثم لما تسأل عن الطفلتين وكأنك تهتم.
اقترب منها وجلس بجوارها واضعا ذراعه حول كتفها، حاولت الابتعاد لكنه جذبها نحوه يحتضنها ويضع راسها على صدره: متى تفهمين أن هذه الرأس مكانها هنا، سواء كنت غاضبة أم لا.
اعترضت قائلة: لست غاضبة.
شاكسها: بل غاضبة جدا، ألا ترين هذا الدخان الذي يخرج من أذنيك...
وكزته بخفة على صدره وهي تقول: توقف عن هذا أنا بالفعل غاضبة، غاضبة منك جدا، لقد قلت لي أنها إجازة لنا ولطفلتينا، قلت أنها إجازة من العمل لكنك أتيت هنا لتعمل، وتتركني مع الطفلتين ليوم كامل، عندما أهاتفك لا ترد، لديك عمل، كنت أتركني على الأقل أساعد في تجهيزات زفاف إلياس مع الفتيات، أنت حرمتني من الإستمتاع هناك وهنا، فكيف لا أغضب.
لم يعرف بماذا يجيبها فهي محقة تماما، فقال: حسنا معك حق، هذه المرة بالفعل أنا لا أطاق، كيف لي أن أصالحك؟؟
كانت ستتكلم بحماس لكنه رفع سبابته في وجهها وهو يبعدها عن حضنه: ولكن إياك أن تطلبي مني أن نعود الآن لن نعود إلا قبل يوم واحد من الزفاف.
نهضت من جانبه غاضبة: من المفروض أنك تصالحني، ولكنك تضع الشروط لمصالحتي، وذلك الزفاف لن تذهب إليه إلا في آخر لحظة، وأنت المطلوب منك أن تكون هناك من أول لحظة، مطلوب منك أن تساعد شقيقك.
أجابها وقد أظلمت ملامحه: تعلمين أني لن أحضر قبل الموعد الذي أخبرتك به، كما تعلمين أنهم ليسوا بحاجة لي، وتعلمين أنني لن أغادر من هنا، فماذا تريدين بالظبط؟؟؟
بهتت ملامحها وكادت تبكي لكنها تمالكت نفسها وقالت: لا أريد منك شيئا، فقط ابقى بعيدا عني، أو أقول لك عد من حيث أتيت، أنا وطفلتي بخير بدون حضورك.
تركته وذهبت لغرفة طفلتيها باكية.
أما هو فسقط بجسده على الأريكة وهو يضع يديه على وجهه يصارع أفكاره ويصارع شياطينه، إلا أن أخرجه من تلك البؤرة رنين هاتفه، وقد كانت المتصلة سلاف أجاب بابتسامة ارتسمت على وجهه: السلام على بعض الناس.
أجابته: بعض الناس قد اشتاقوا لبعض الناس.
ضحك قائلا: تريدين الصراحة وأنا أيضا اشتقت لك.
سألته: ألن تعودوا قريبا لم يبقى وقت كثير على الزفاف، ولا تخبرني أنك ستعود في آخر الاسبوع.
اجابها: لن أعود إلا في آخر يوم.
قالت له: أرجوك أريد أن أفاتحك بموضوع مهم يخصني، لا أريد أن تتفاجى به عندنا تأتي في آخر يوم.
قال معترضا: سلاف أنا لا أستطيع....
قالت وهي تقريبا ستبكي: يونس، هناك من تقدم لي، ولقد وافقت، لكني أريدك أن تخبرني أن ما أفعله صحيح.
قال لها: أكيد استشرت إلياس لما تريدين رأيي أيضا
أجابته: أنت تعرف أنك الوحيد الذي يرمي الحقيقة بوجهي، وأنت تعرف أن أهلنا بكل حبهم لي لم يجعلوني استفق على نفسي من غفوة الجنون التي كنت غارقة بها، لكن وحدها صفعتك على وجهي، وحدها كلماتك القاسية جعلتني أقوى، أنا بحاجة إليك لتخبرني أني قوية.
شعر بالحزن على حالتها ما إن تذكر كيف كان وضعها في تلك الفترة فقال: سلاف أنت قوية بكلماتي أو بدونها، أنت تجاوزت الأمر بإرادتك ليس بسببي.
قالت وهي تبكي: أنت لا تفهم، لقد عادا....
نهض من مكانه وقام برمي المزهرية التي كانت قريبة منه بغضب: أين رأيتهما؟؟؟
أجابت لم أرهما، آدم من فعل
وإلياس تشاجر مع زوجها في البناية عندما التقوا صدفة.
سألها: لحظة!!! أخبريني من تقدم إليك
قالت: آدم.
قال مباشرة: إذن وافقي.
استغربت من إجابته وقالت: ألن تعارضني وتخبرني أن لا أوافق إن كنت لست مقتنعة أو بدافع الانتقام
قال: بل تزوجي للانتقام، أتريدين أن يأتوا ويروك مازلت مكانك، حتى لو كنت تتمزقين ألما، ابتسمي، لا أريد أن أرى ألمك أريد ابتسامتك، آلامك دعيها لك لغرفتك لِلَياليك، أما للناس ولنا وللذيْن قد عادا أرينا جميعنا تلك الابتسامة.
ابتسمت فعلا من كلماته وقالت: ستأتي أليس كذلك
قال: بالتأكيد، لكن لا تلوميني إن تشاجرت مع أخاك الآخر..
قالت: لا لن ألومك أبدا!!!!.
أقفل المكالمة، وإذ بيدين تلتف حول جذعه من الخلف أخذ نفسا عميقا وهو يضع يده فوق يديها وقال بنبرة بان عليها التاثر: رنيم!!! حبيبتي....
قالت مممممم
قال: ابقي هكذا...
قالت: هل سنعود؟؟؟؟
اجابها: نعم
سألت مجددا: يونس؟؟؟
همهم: ممممم!!!
كيف تفعل هذا أنا الغاضبة وأنا من تصالحك
ضحك بقوة وأنزل يديها وجعلها تستدير ناحيته وحاوط وجهها بيديه: حبيبتي أكان هذا العناق المواسي صُلحا.
هزت رأسها بنعم!!
استطرد قائلا: إذن أنت مفاوضة فاشلة في الحب للأسف.
ابتعدت عنه: الحق علي، جئت إليك بعد سماعي لانكسار المزهرية، فخفت أن يكون هناك موضوعا خطيرا، ثم أخبرني لم كسرتها الحمد لله لم تستيقظ الطفلتين، وإلا كنت أنت من ستهتم بهما.
قاطع كلامها وهو يحاوط كتفيها ويعتذر: أنا آسف حقا، كنت سأصالحك، لكن اتصلت سلاف لم أكن لأتركك حزينة وغاضبة مني.
قالت: حقا!!!
قال حقا ، ها هل رضيت؟؟؟
ابتعدت عنه وهي تبتسم بشقاوة وتقول: تؤ تؤ، يبدو أني لست الفاشلة الوحيدة في مفاوضات الحب، هناك فاشل آخر هنا، هل تصالحني بمجرد عناق يا يونس، هل تراك كبرت يا يونس؟؟؟
وهربت صارخة بعلو صوتها بعد أن رأته يلاحقها ليمسك بها وشرار الحب والغيظ العبث يتطاير من عينيه، حتى أنها نسيت أنها بصراخها ستوقظ طفليها، وعندما أمسك بها وقام بحملها على كتفه وهي انطلقت ضحكاتها بلا توقف، وهي ترجوه أن ينزلها، ولكن توقفت مشاكسة الاثنين لبعضهما، عندما سمعا صوت الطفلتين خلفهما: أبي أمي!!!
_ أبي لماذ تحمل أمي هكذا؟؟؟
_أمي ماذا هناك لم تصرخين وتضحكين.. هل يضربك أبي؟؟؟
أنزلها يونس بخيبة أمل: ها... تفضلي لقد جائتا مَن مِز المفروض أنهما ضرتيك، بينما في الواقع هما ضرتين لي أنا.
حالته تلك جعلت ضحكات رنيم تنطلق مجددا وهي تنظر لطفلتيها وتقول: يا بنات أهربن والا سيقبض علينا يونس، ولن يفلتنا...
فانطلقت الطفلتين هاربتين وهن يضحكن وهي كذلك معهم، فاستسلم يونس للعبتهم ضاحكا أيضا وانطلق خلفهن يحاول الإمساك بهن، فبالنهاية هذه اللحظات لاتتكرر ولا تحدث دائما.
انتهى
قراءة ممتعة
فيروزة