القافلة التي لا تُصدر ظلًا

القافلة التي لا تُصدر ظلًا

19 0

الفصل الرابع: القافلة التي لا تُصدر ظلاً

في صباح الرحيل، كانت ميرال أكثر هدوءًا من المعتاد. ليس لأن الناس ناموا جيدًا، بل لأن المدينة تعلّمت أن تصمت حين يُطلب منها رجال.

في الساحة الترابية، وقف المختارون في صف غير مستقيم. وجوه نحيلة، أعين حذرة، وأكتاف تعرف معنى الحمل قبل أن تلمسه. لم يرفع أحد صوته، حتى السعال كان يحدث وكأنه يعتذر.

آزر وقف في الطرف. لم يُخبره أحد لماذا اختير، ولم يسأل. منذ الليلة الماضية، صار يشعر أن بعض الأسئلة تصل متأخرة… فلا تعود تستحق أن تُقال.

مرّ هادور أمام الصفوف. خطواته لم تكن ثقيلة، لكن الأرض كانت تتصرف كأنها تسمعها قبل حدوثها. توقف أمام رجل قصير انحنى أكثر من اللازم. رفع هادور يده، لم يضربه، فقط عدّل كتفه المائل بلمسة واحدة. صرخ الرجل، ثم اعتدل فورًا. لم يجرؤ أحد على النظر.

تحركت القافلة عند أول اهتزاز للضوء. عربتان، حبال، قِرَب ماء نصف فارغة، وحارس يحمل رمحًا أطول من حاجته. سار الجميع نحو البوابة الغربية. خلفهم، بقيت ميرال كما هي: مدينة تبدو وكأنها اعتادت الفقد حتى لم تعد تعدّه خسارة.

ظهر رافن عند آخر لحظة. كان يمشي بجانب العربة الثانية وكأنه كان هناك منذ البداية.

"نسيت أن تودعني،" قالها وهو يلتقط كيسًا سقط من أحد العمال قبل أن يلاحظ صاحبه.

نظر آزر إليه: "أنت غير موجود في القائمة."

"أنا لا أؤمن بالقوائم."

لم يبتسم آزر، لكن شيئًا خفيفًا تحرك في صدره ثم اختفى.

خارج ميرال، تمددت الأرض في صمت واسع. الرمل لم يكن ذهبيًا، كان بلون شيء استُخدم كثيرًا ثم تُرك. الهواء جاف، لكنه يحمل برودة لا تأتي من طقس.

سارت القافلة ساعة… أو ما يشبه الساعة. في الصحراء، الزمن لا يُقاس بسهولة. لاحظ آزر أولًا أن أصوات الخطوات لم تعد متساوية؛ بعضها يصل مبكرًا، وبعضها لا يصل أصلًا. ثم لاحظ شيئًا آخر: العربتان تسيران جنبًا إلى جنب، إحداهما ينساب ظلها على الرمل بوضوح، والأخرى… لا شيء.

أبطأ خطواته. لم يحدق مباشرة، بل نظر إلى الأرض قرب عجلاتها. لا خط داكن، لا اختلاف في الضوء. كأن الشمس نفسها رفضت الاعتراف بوجودها.

"رأيتها؟" صوت رافن جاء منخفضًا.

لم يلتفت آزر: "أي جزء؟"

"جزء أنني لست الوحيد الذي بدأ يكره هذه الرحلة."

رفع آزر عينيه نحو العربة. كانت مغلقة من الجهات الأربع؛ خشب داكن، مسامير جديدة، وقفل قديم أكثر من اللازم. مرّ الحارس قربهما، شدّ الرمح في يده: "ابتعدا عنها."

"عن العربة أم عن الظل؟" سأل رافن.

لم يجب الحارس، لكن قبضته ازدادت بياضًا.

تابعوا السير. لم يعد رافن يتكلم كثيرًا. كلما فتح فمه، أغلقه قبل أن تخرج النكتة؛ كأن الكلمات نفسها لم تعد مناسبة لهذا المكان.

عند الظهيرة التي لا تختلف عن الصباح، توقفوا للاستراحة. جلس الرجال بعيدًا عن العربة التي بلا ظل؛ ليس باتفاق، بل كما تبتعد الحيوانات عن حفرة لم ترها بعد.

آزر شرب جرعة ماء كانت دافئة، بطعم النحاس. تذكر الحجر، فابتلع بسرعة. في الريح، سمع شيئًا: طرقٌ خفيفٌ منتظمٌ من داخل العربة. رفع رأسه، لم يتحرك أحد. الطرق عاد، ثلاث مرات، ثم صمت.

وقف رافن ببطء، ولأول مرة لم يكن في وجهه أثر ابتسامة: "قل لي إنك سمعت."

"سمعت."

"جيد،" صمت لحظة، ثم أضاف: "هذا أسوأ."

تقدم هادور من بعيد. لم يسأل ماذا حدث، نظر فقط إلى العربة، ثم إلى آزر. توقف نظره عليه نصف ثانية أكثر مما ينبغي، وقال بهدوء: "نواصل السير."

لم يعترض أحد. لكن حين تحركت القافلة من جديد، كان آزر متأكدًا من شيء واحد: الطرق لم يأتِ من شيء محبوس داخل العربة، بل من شيء… يحاول الدخول إليها.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سيد الأختام المكسورة

المؤلف Alaa Eddine
2026/04/18 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة