الصندوق الذي لا يجيب

الصندوق الذي لا يجيب

19 0

📖 الفصل الثاني: الصندوق الذي لا يجيب

لم يكن الصباح في ميرال بداية يوم، بل استمرارًا لشيء لم ينتهِ أصلًا.

خرج آزر من غرفته دون سبب واضح. ليس لأن شيئًا دعاه… بل لأن البقاء داخلها أصبح أقل منطقية من الخروج.

في الممر الضيق، كان الضوء يتسرب من شقوق الجدران. لكن في لحظة مرور آزر بجانب عمود خشبي قديم… تأخر الظل عنه نصف ثانية. ليس اختفاءً، بل تأخر. كأن الظل لم يقرر بعد إن كان عليه أن يتبع جسده.

توقف آزر. لم ينظر مباشرة، بل بقي ساكنًا لثانية أطول من الطبيعي. ثم أكمل السير، لكن ذهنه لم يكمل معه بنفس السرعة.

في الطريق إلى السوق السفلي، مرّ بجدار مائل كانت عليه شقوق صغيرة. في لحظة واحدة فقط… تحركت الشقوق “عكس اتجاهها”، ثم عادت كما كانت. لم يكن هناك صوت. حتى فكرة الخطأ جاءت متأخرة في رأسه.

واصل السير، لكن إدراكه أصبح أثقل قليلًا، كأن العالم يحتاج وقتًا إضافيًا ليقرر ما إذا كان يجب أن يكون طبيعيًا. عند دخوله السوق، تغير الهواء. ليس في رائحته… بل في “قراره أن يكون موجودًا”. كانت هناك رائحة غير قابلة للتصنيف: مثل معدن تم غليه ببطء داخل ماء لا يغلي، ومثل مطر لم يسقط بعد لكنه تذكّر أنه سيسقط.

جلس آزر قرب أحد الأكشاك، لم يركز على شيء محدد، بل على عدم انتظام الأشياء حوله. في زاوية السوق، كان صندوق خشبي معروضًا. لم يكن ملفتًا، لكن في كل مرة لم ينظر إليه مباشرة… كان يبدو “أكثر حضورًا” من قبل.

خلف الطاولة، جلس رجل لا يرفع رأسه. قال بصوت عادي:

"لا تلمسه إذا كنت ستندم لاحقًا."

لم يسأله آزر عن السبب، سأله فقط: "كم؟"

لكن السؤال خرج وكأنه تأخر عن فمه. ذكر الرجل ثمنًا بسيطًا؛ بسيطًا لدرجة أنه بدا مهينًا للعالم نفسه.

مد آزر يده، وفي لحظة لمس القماش… تأخر الصوت. كأن العالم احتاج لحظة إضافية ليعترف أن اللمس حدث. ثم عاد كل شيء طبيعيًا. دفع الثمن، وأخذ الصندوق.

في اللحظة التي غادر فيها المكان، لاحظ شيئًا: المسافة بينه وبين السوق لم تتغير بسرعة مشيه، بل كأن الطريق “قرر تقليل طوله”، ثم عاد إلى طوله الطبيعي. توقف آزر عند هذا الإدراك، حدّق في الأرض لثانية أطول من اللازم، كأنه يحاول تثبيت فكرة لم تكتمل بعد.

عاد إلى غرفته، لكن الباب… توقف قبل أن يُفتح. ليس مقاومة، بل “تردد في التنفيذ”. ثم فتح. دخل ووضع الصندوق أمامه. لم يلمسه فورًا، بل جلس ينظر.

في الخارج، مر رافن من النافذة دون صوت دخول، كأن النافذة لم تكن حاجزًا أصلًا. جلس بجانبه وقال:

"اشتريته إذن."

"نعم."

"بثمن؟"

صمت آزر، لكن الصمت هذه المرة كان “واضحًا”.

نظر رافن إلى الصندوق. ابتسامته بدأت… ثم توقفت. لم تختفِ، بل لم تكتمل.

"لا يعجبني شكله."

"لم أقل شيئًا."

"لست بحاجة."

اقترب رافن، ثم توقف فجأة، كأنه شعر أن الهواء حول الصندوق “أكثر كثافة من الطبيعي”.

"افتحه."

فتح آزر الصندوق بدون صوت، حتى الخشب لم يعلّق. في الداخل: حجر أسود. شق دقيق في منتصفه. ليس لمعانًا، بل نقصًا في الإضاءة حوله، كأن الضوء يتجنب الاقتراب منه.

مد آزر يده. اختفى الطعم من فمه؛ ليس فقدانًا تدريجيًا، بل كأن الطعم لم يوجد أصلًا. توقف ونظر إلى رافن، لكن رافن كان ينظر إلى الفراغ بجانب الحجر، كأنه “يسمع اتجاهًا لا يُرى”.

ثم ظهرت الرائحة. مطر يغلي ببطء، ومعدن يحاول أن يصدر صوتًا دون أن يملك حنجرة. سحب آزر يده، لكن الرائحة بقيت في الإدراك.

تحرك الحجر. ليس حركة، بل “اعتراف بوجود من يراقبه”.

همس لم يكن صوتًا: "أخيرًا."

سقط الصندوق جانبًا دون صوت، كأنه لم يعد جزءًا من العالم الفيزيائي. أغلق آزر فمه ببطء، لكن الطعم المعدني عاد.. أقوى، وأقرب، كأنه لم يكن خارج جسده أصلًا.

📖 نهاية الفصل الثاني

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سيد الأختام المكسورة

المؤلف Alaa Eddine
2026/04/18 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة