طعم الضوء الميت

طعم الضوء الميت

19 0

📖 الفصل الأول: طعم الضوء الميت

استيقظ آزر وهو يلعق الدم عن شفته.

تشقق الجلد عند زاوية فمه أثناء النوم مرة أخرى. مدّ يده إلى جرّة الماء قرب الفراش، قلبها ببطء، فلم تسقط منها إلا قطرتان دافئتان بطعم الغبار. ابتلعهما رغم الاشمئزاز.

صمت.

فوقه، تسرب الضوء من شقوق السقف. ضوء ثابت، باهت، لا يحمل دفئًا ولا رحمة. ضوء يجعل الحلق ييبس، والجلد يتشقق، والنهار يبدو أطول مما ينبغي.

لم يكن أحد في ميرال يحتاج إلى رفع رأسه ليتأكد من وجود الشمس الكاذبة؛ كانوا يشعرون بها في أفواههم أولًا.

ثم في أجسادهم.

نزل آزر إلى الزقاق الضيق أسفل المبنى.

الحجارة كانت ساخنة بلا حرارة، كأنها تتذكر النار فقط دون أن تحملها.

الهواء خفيف إلى درجة لا تُشبع الرئتين، كأنه يُستعار ثم يُسحب قبل أن يكتمل.

جلس قرب الجدار.

وأخرج قطعة معدنية صدئة.

بدأ يفركها بحجر صغير.

مرة.

ثم مرة أخرى.

أصابعُه احمرت سريعًا، ثم سال خط رفيع من الدم على رسغه دون أن ينتبه.

لم يكن يفعل ذلك من أجل البيع فقط.

كان يحتاج شيئًا يقاومه.

شيئًا لا ينهار بمجرد النظر إليه.

شيئًا يمكنه لمسه دون أن يتغير.

في آخر الزقاق، كان رجل هزيل يساوم بائعًا على كتاب قديم ممزق.

— "صفحتان ناقصتان!" صاح البائع.

— "وأسنان ناقصة أيضًا." رد الرجل بهدوء، ثم مدّ خاتمًا نحاسيًا من إصبعه.

"خذ هذا… وأعطني العظم."

لم يأخذ الكتاب.

أخذ قطعة عظم يابسة ملفوفة بخرقة، وانصرف يعضّها كما لو كانت طعامًا حقيقيًا.

ظل آزر ينظر لثوانٍ.

ثم خفض عينيه إلى القطعة المعدنية في يده.

وعاد للفرك.

هبط ظل من فوق الجدار.

اصطدم شيء بالأرض.

تدحرج.

ثم استقر في حضن آزر.

رغيف خبز.

قبل أن يتكلم، هبط صاحبه.

قَفز رافن من السور، انحنى عند الهبوط كقط، ثم اعتدل ببطء، مبتسمًا:

"كاد يسبقني."

نظر آزر إلى الرغيف.

"من أين؟"

مسح رافن الغبار عن كتفه.

"القطاع الثالث."

توقف آزر لحظة.

شمّ الخبز.

"مخبز العجوز ناحم."

اتسعت ابتسامة رافن.

"كنت أراهن أنك ستعرف الرائحة."

"لديه كلبان عند الباب."

"الآن لديه كلبان غاضبان."

ساد صمت قصير.

ثم هز رافن رأسه:

"عين أقل… حزن أكثر… وخبز أخف."

قسم الرغيف نصفين.

ووضع أحدهما فوق ركبة آزر النازفة.

"كُل قبل أن يبرد."

"إنه بارد أصلًا."

"إذن قبل أن يشيخ."

أكل الاثنان بصمت.

لم يكن الجوع وحده ما يملأ اللحظة.

بل شيء يشبه التعب المشترك.

فجأة…

توقف آزر.

لم يلتفت.

لكن عينيه ثبتتا في الفراغ.

في الشارع، مرت امرأة.

ظلها سبقها بخطوتين.

ثم عاد إلى مكانه.

كأن شيئًا انزلق للحظة ثم أُعيد.

رمش آزر.

لم يحدث شيء.

لكن الهواء أصبح أثقل.

توقف المضغ في فم رافن.

"رأيتها؟"

سأله آزر دون أن يلتفت.

صمت رافن لحظة أطول من اللازم.

"رأيتك تتجمد."

خفض آزر يده.

القطعة المعدنية بين أصابعه لم تعد صلبة.

صارت ناعمة.

كالرمل.

ثم انهارت.

وتساقطت فوق قدميه دون صوت.

في السماء، مر طائر أسود.

لحظة واحدة فقط…

انثنى جناحه دون أن يتحرك جسده.

كأن الصورة نفسها أخطأت.

شعر آزر بطعم معدن بارد يملأ فمه.

ليس دمًا.

شيئًا أقدم.

أثقل.

وكأنه ليس من جسده أصلًا.

وقف ببطء.

ضجيج السوق عاد كما كان:

أصوات، صراخ، خطوات، حياة.

لكنها بدت بعيدة.

كأنها تحدث خلف جدار زجاجي لا يمكن لمسه.

وفي تلك المسافة الغريبة بينه وبين العالم…

شعر بشيء داخل صدره.

يفتح عينه.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

سيد الأختام المكسورة

المؤلف Alaa Eddine
2026/04/18 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة