ذكرى قديمة

ذكرى قديمة

16 0

"لقد أنضجتك صدماتك، كما تنضج الثمار تحت الشمس الحارقة، وهذا أرقى ما يمكن أن تمنحه لنا خسائرنا."

   أثيلة.

---

باسم الله الرحمن الرحيم

لا تنسوا التعليق بين الفقرات.

أحبكم، استمتعوا.

---

بابل

لم يكن في الألواح، ولا في تعاويذ بابل، ولا في عقود الجان، أي سطر واحد يشرح كيف يُهدَّأ رضيع في منتصف الليل.

وهذا ما اكتشفه آشور–نامور متأخرًا.

جلس في أطلال بابل، والطفل بين ذراعيه، يحدّق فيه بجدّية العالِم الذي يحاول حل لغز كوني. ليث، من جهته، حدّق عائدًا بنفس الجدية… ثم عبس. عبوس صغير، لكنه كافٍ.

بعد لحظة، فتح فمه وبكى.

تصلّب آشور.

«لا… لا… توقف.»

لم يتوقف.

حاول الساحر أول ما خطر بباله:

رفع الطفل عاليًا، كما لو أنه يقدّم قربانًا للسماء.

ازداد البكاء.

تمتم: «هل… هل تريد تعويذة؟»

البكاء تحوّل إلى صراخ.

في تلك اللحظة، ظهر مخلوق طويل القامة، قوي، كتفيه عريضين، وملامحه حادة لكنها متوازنة بطريقة تبعث على الهيبة. على رأسه تاج من رمادٍ مضيء، لا يُرى إلا إذا اقتربت منه، وكأن الملكية الروحية للجان مرسومة فيه. أجنحته، ليست كبيرة كأجنحة الطيور، لكنها شفافة، تتلألأ في الضوء كأوراق الزمرد، وتتحرك بلا صوت حين يخطو. يتلألأ جلده كالفضة القديمة و تلمع عيناه السوداوان كنجمتين تحميان أسرار الزمان عند سقوط ضوء القمر عليه .

قال بصوت فيه سخرية:

«باسم كل الآلهة يا آشور… أنزله. ليس نيزكًا.»

زمجر آشور: «اصمت، زِمّار. أنا أفكّر.»

اقترب الجنّي، نظر إلى الطفل، فابتسم ليث فورًا… وتوقف عن البكاء.

تشنج وجه آشور. «كيف فعلتَ ذلك؟»

رفع زمّار كتفيه: «أنا محبوب. وأنت… وجهك يُرعب الموتى.»

مدّ الجنّي إصبعه، فأمسكه ليث بقوة غير متوقعة.

شهق زمّار: «آه! صغير… لكن قبضته كقبضة قاضٍ.»

ثم ضحك.

ضحكة خفيفة، حقيقية.

---

شبه الجزيرة العربية

مع شروق اليوم الأول، بدت الصحراء كما لو أنها شهدت جريمة ولم تُرِد أن تتكلم.

الرمال ثابتة، النخيل صامت، والسماء عالية أكثر من المعتاد.

خيمة الطفل بقيت قائمة، لكن روحها غادرت.

جلست وضحاء، أم ليث عند المدخل، تحتضن الهواء، كأن ذراعيها ما زالتا تعرفان وزن ابنها.

لم تصرخ.

الصراخ يحتاج أملًا، وهي فقدته مع الليل.

الأب، الكاسِر وقف صامتًا.

سيفه ما يزال في يده منذ الليلة الماضية.

لم يغمده.

لم يستعمله.

وكأن الحديد نفسه كان أضعف من أن يواجه ما حدث.

وفجأة، ظهر شيخ القبيلة، مُهاب ، جد ليث، يمشي بخطوات هادئة، كل خطوة تقطع صمت الصحراء وكأنها توزن ثقلها. لم يتجه مباشرة نحو وضحاء زوجة ابنه، بل وقف بعيدًا قليلاً، عيناه تتفحصانها بصمت طويل، كأنهما تقرآن كل حركة، كل نظرة، كل نفس.

لم يتكلم، لكنه حمل في صمته رسالة ثقيلة. كان يشير بعين واحدة نحو الخيمة، ثم نحو وضحاء، ثم يترك نظراته تتجول في الصحراء، في الرمال، في الظلال المتناثرة. كل هذه الإيماءات كانت كأنها تقول: هناك شيء فقد، شيء لم يكن ليحدث لو كانت الأمور مختلفة…

لكن وضحاء شعرت بالضغط، رفعت يديها لتغطي وجهها، لكنها لم تخف، بل شعرت كما لو أن الشيخ يعرف أكثر مما تقول الكلمات. لم يُلقِ اللوم، ولم يصرخ، لكنه جعل صمتها يشبه مرآة أمام أخطائها.

ثم اقترب قليلاً، وضع يده على كتفها برفق، لكنه شديد في الحركة. همس:

«حتى الريح تعرف الطريق، وأنت… أحيانًا تتبعين قلبك قبل أن ترى العواقب.»

ا لم تجب. نظرت إلى الأرض، ثم إلى الرمال الممتدة، ثم إلى السماء العالية، وشعرت أن الكلمات لم تُنطق لكنها وصلت، أثقلت قلبها أكثر من أي صراخ.

الشيخ لم يغادر فورًا، وقف للحظة، يراقب المكان، ثم ابتعد بهدوء، تاركًا إياها مع شعور غامض: أن ما حدث ليس مجرد مصادفة، وأن مكانتها بين الأسطورة والواقع الآن على المحك.

---

بابل

في الأيام التالية، تبيّن أن آشور يستطيع:

ممارسة أعقد الطقوس

كسر عقود الجن

العبث بالزمن

لكنه لا يعرف لماذا يبكي طفل جائع.

كان يقف حائرًا، والطفل يصرخ.

قال بجدّ: «هل هو… غاضب من ترتيب الرموز؟»

ضرب زمّار جبهته. «إنه جائع يا عبقري الخراب.»

«جائع؟ من ماذا؟»

حدّق فيه الجنّي طويلًا. «… أنت تمزح؟»

أطعم زمّار الطفل بطريقته الخاصة.

لم يكن طعامًا بالمعنى المعتاد، بل دفء، ونبض، وشيء يشبه الحكايات الصغيرة التي يهمس بها الجن لأطفالهم.

نام ليث فورًا.

جلس آشور يراقبه بدهشة. «لم يكن هذا مدرجا ضمن النبوءة و لا في الطقوس.»

ابتسم زمّار: «الطقوس لا تُربي.»

سكت آشور لحظة. ثم قال، كأنه يبرر لنفسه: «تعلم أنه سيكون شاهدا فقط. لا أكثر.»

لكن حين تحرك الطفل في نومه، ووضع قبضته الصغيرة على إصبع آشور،

تجمّد الساحر.

لا لم يحدث شيء خارق.

لا نار، لا ضوء، لا رموز.

فقط… شعور غريب، ضيق، ثم دفء.

سحب آشور إصبعه ببطء، كمن خاف أن يكسر شيئًا هشًّا.

نظر إلى زمّار. «إنه… مزعج.»

ضحك الجنّي. «نعم. ومؤذٍ للأعصاب. وستحبه.»

زمجر آشور: «مستحيل.»

---

جلس زمّار بجانب آشور، جناحه الكبير ملتف حول ليث الصغير كدرع واقٍ. كانت التهويدة القديمة تتسلل بهدوء في الغرفة، كلمات غريبة كأنها لحن لا يسمعه سوى قلب الطفل.

ليث كان قد هدأ منذ مدة، صراخه اختفى، و سكت تمامًا، جاثيًا على بساط الجلد، مغلقا عيناه، نائما كالملاك.

زمّار ابتسم، وشعر بدفء غريب يسري في أرجاء الغرفة، ثم رفع جناحه نحو السماء. هناك، ظهرت علامة متلألئة في الأعلى، ضوء غامض يشع فوق الدار والصحراء. كان ضوءًا ناعمًا لكنه حازم، رسالة واضحة: الوقت قد حان ليعود إلى القبيلة، حيث تنتظره أمور مهمة.

آشور، الذي وقف مذهولًا، همس:

«ما هذا؟ علامتك في السماء؟»

زمّار هز رأسه بابتسامة نصفها جدية ونصفها مرح:

«القبيلة تنتظرني… تعلم أن لصديقك مكانة مهمة في عالمه، بل حتى في عالمكم فكل السحرة يقدرونه إلا أنت. المهم لا تقلق، الطفل هنا بأمان، ولن يحدث له شيء.»

«مهلا لا يمكنك الذهاب.»

رمش زمار

«و لما؟»

قال آشور:«إن ذهبت سيفعل هذا الشيء شيئا مزعجا.»

ثم اقترب آشور خطوة من زمار محاولا إقناعه و أردف:

«قل لهم إنك مشغول.»

«إنهم يعرفون أنني مشغول.»

«إذن قل لهم إنك… ميت.»

ضحك زمّار. «جرّبت. لم تنجح.»

ثم أضاف:

«اسمع لا وقت لدي، اهتم بالطفل و إن بكى لا ترفعه للسماء و إياك أن تحاول تهدئته بتعويذة جديدة، آخر مرة فعلت ذلك جعلته أخضر. أشكر ذكائي و فطنتي التي مكنتني من رؤيته و إعادته لطبيعته.»

«كان ذلك مؤقتا!» صرخ آشور.

لكن زمار كان قد اختفى.

---

Flashback

في مكان لم يذكر لا في الخرائط و لا في مخطوطات

قبل مدة كانت كافية بإحداث تغييرات كبيرة في العالمين

كان ذلك في زمنٍ كانت فيه قبيلة الجان تؤمن أن كل شيء له مكان،

وأن الملك ليس من يحكم… بل من يمنع الاختلال.

زمّار لم يولد ملكًا، لكنه صار كذلك لأنه الوحيد القادر

على سماع ما لا يُقال.

قبيلته كانت تعيش بين عالمين: لا تنتمي للأرض، ولا تنفصل عنها. توازن هشّ، تحكمه قوانين صارمة، أهمها:

“ما لا ينتمي، لا يُربّى.”

الطفل الذي كسر هذا القانون لم يولد بينهم.

في ليلة بلا علامات، فُتح شقّ صغير في أطراف العالم، ليس بفعل طقس، ولا حرب، بل بسبب خطأ بشري بسيط: تعويذة ناقصة، نُطقت بنية حسنة، وفي مكان لا يجب أن تُقال فيه. التعويذة لم تستدعِ قوة… بل فتحت ممرًا.

ومن ذلك الممر، سقط الطفل.

لم يسقط كجسد، بل كوجود. وُجد فجأة عند تخوم قبيلة الجان، ملفوفًا بصمت غير طبيعي. لا صراخ، لا بكاء. فقط تنفّس بطيء، منتظم، كأنه يعرف أن الصراخ لن ينقذه.

حين حُمل إلى داخل القبيلة، ظهر الخلل الأول:

الأبواب لم تُغلق تلقائيًا.

النار الزرقاء لم تتفاعل.

والحُرّاس لم يشعروا بالخطر… ولا بالأمان.

لم يكن جانّيًا.

ولم يكن بشريًا بالكامل.

أبوه بشري، ساحر من الدرجة التي لا تُذكر في السجلات.

أمّه… لم تكن من عالم الجان، لكنها سمعتهم يومًا، وأجابت دون أن تفهم.

الطفل كان نتيجة لحظة استماع متبادل… لا ينبغي أن تحدث.

القبيلة لم تقبله، لكنها لم ترفضه فورًا.

وزمّار، الملك، رأى فيه ما لم يره غيره:

ليس تهديدًا… بل سؤالًا حيًّا.

قرر، بصفته ملكًا، أن يتحمّل المسؤولية.

لم يستشر المجلس في البداية، لأن الملوك أحيانًا يخطئون حين يظنون أن الوقت في صفّهم.

كبر الطفل قليلًا، لا في السن، بل في الأثر.

وجوده كان يُربك النظام:

الجان الأقوياء يفقدون حدّتهم قربه،

النزاعات تخفّ،

والقرارات تُؤجَّل.

وهنا بدأ الرفض الحقيقي.

القبيلة لا تخاف الشر فقط،

بل تخاف الخلل الهادئ.

قالوا لزمّار:

– هذا الطفل لا يهدّدنا الآن، لكنه يغيّرنا.

– وجوده يجعلنا نتردّد.

– التوازن لا يقوم على الشفقة.

وزمّار، الملك الحكيم، أخطأ خطأً قاتلًا:

أجاب بعقله… لا بقلبه.

قال إن التغيير ليس بالضرورة خرابًا.

قال إن الطفل لم يختر وضعه.

قال إن السيطرة ممكنة.

لكنه لم يقل الحقيقة كاملة:

أنه صار يرى الطفل كجزء من القبيلة.

و لم يقل الجملة التي كان عليه قولها: أنا تعلقت به.

لم يكن زمار يشعر بالخطر، بل بشيء أخطر، كان يشعر بالتعاطف، كان يشعر بالتعلق، كان...يحب ذلك الطفل.

حين اجتمع المجلس، لم يكن النقاش عن القتل.

القتل جريمة، والقبيلة لا تريد أن تصير مجرمة في حقّ ذاتها.

فجاء القرار الأبرد:

الفصل.

الفصل ليس نفيًا، ولا موتًا.

هو إعادة الوجود إلى حالة غير محسوبة.

مكان بيني، خارج الزمن النسبي، بين عالم الإنس و الجن. لا ذاكرة فيه ولا مستقبل.

الفصل يتم بثلاث مراحل:

قطع الارتباط بالمكان

إسكات الأثر

سحب الاسم من السجلات الوجودية

زمّار وافق… ظنًّا منه أنه يستطيع التدخل في المرحلة الثانية.

حين بدأ الطقس، لم يُقيّد الطفل. لم يُمسّ بسوء. كان هادئًا، كأنه فهم أخيرًا لماذا لم ينتمِ. زمّار أمسك بيده، حاول أن يثبّت حضوره، أن يربطه بالعالم.

لكن الفصل لا يُقاوَم بالقوة.

في المرحلة الثانية، بدأ الطفل يخفّ.

ليس جسديًا، بل وجوديًا.

دفؤه اختفى.

نظرته صارت بعيدة.

وفي اللحظة التي كان يجب على زمّار أن يوقف الطقس كملك…

تردّد كأب.

وهذا التردّد كان النهاية.

حين اكتمل الفصل، لم يبقَ جسد.

لم يبقَ صوت.

فقط إحساس بأن شيئًا كان هنا… ولم يعد.

القبيلة استعادَت توازنها.

المجلس اعتبر القرار ناجحًا.

والملك… فقد شيئًا لا يُستعاد.

منذ ذلك اليوم، لم يعد زمّار يثق في القوانين وحدها.

ولا في حكمه حين لا يعترف بما يشعر.

منذ ذلك اليوم، لم تعد قبيلة الجان تتحدث عن الأطفال.

ومنذ ذلك اليوم، تعلّم زمّار درسًا لم يُكتب في أي قانون:

أن الحماية التي لا تعترف بالعاطفة…

ليست حماية، بل تأجيل للفقد.

ولهذا قرر زمار انه إن وُضع في نفس الموقف و لو بعد قرون، لن يرى ذلك المخلوق سواء جنيا كان أم بشريا كنبوءة.

سيراه فرصة أخيرة.

ليس لإنقاذ العالم…

بل لتصحيح فشله الأول.

و لو كلفه عرشه.

End of flashback

---

كان زمار ينتقل من عالم الإنس الى قبيلته عبر ممر. الممر لم يكن طريقًا عاديًا، ولا ممرًا خرسانيًا أو محفورًا بين التلال.

كان شيئًا أشبه بـشريط فضائي يربط عالمين، ممتدًا على حدود الزمان والمكان دون أن يظهر صراحة.

الهواء بدا أخف، لكنه محمّل برائحة الأمكنة التي يمر

بها.

رائحة التراب بعد المطر، رائحة الأعشاب الجافة، رائحة الدخان الرمادي من بيت آشور، وحتى رائحة الرمال الساخنة من صحراء قبيلته… كلها امتزجت في نفس اللحظة، وكأن الممر يختصر كل المسافات.

لم يكن هناك صوت سوى خطواته، وهمسات الريح البعيدة، وكل شيء هادئ، مرتب، واضح.

الضوء أصبح أكثر وضوحًا عند نهاية الممر، والأرض تحت قدميه بدأت تلمع قليلاً، الرمال الذهبية تظهر هنا وهناك بين الصخور.

وفي اللحظة التي عبر فيها الممر، وجد نفسه فورًا أمام مجلس قبيلته.

صوت الحجارة تحت قدميه تغير، والهواء أصبح أثقل قليلًا، مليئًا بالجدية والاحترام.

الأعضاء مجتمعون، يراقبونه من مقاعدهم، وجوههم لا تحمل غضبًا، لكن لديهم يقين أنهم يعرفون شيئًا مهمًا.

زمّار توقف للحظة، تنفس بعمق، وألقى نظرة سريعة على المكان: الجدران الحجرية، الأعلام القديمة، النار الرمادية في الوسط، وجلسة المجلس التي تنتظر كلماته.

لم يكن الاجتماع رسميًا هذه المرة.

النيران لم تُشعل كلها، والدوائر لم تُرسم كاملة.

كل هذا كان كافيًا ليعرف زمّار أن الحديث ليس عن قانون… بل عن شيء أثقل: ذاكرة لم تُغلق، ألم لم يُدفن.

وقف في مكانه المعتاد، جناحاه مطويان، لكن أطرافهما ارتجفت برفق، كأن كل ارتجافة تحمل صدى قراراته السابقة، كل ذكرى لم يُعالجها قلبه بعد.

كبير المجلس بدأ بالكلام، صوته منخفض، كأنه يخشى أن تتحرك الكلمات وتنهار:

«علمنا بأمر الطفل.»

زمّار لم يرد فورًا.

نظر إلى الأرض، إلى النقوش القديمة على الحجر، آثار أيدٍ كانت تؤمن يومًا أن القرارات يمكن إصلاحها، لو كانت العقلانية كافية.

ثم رفع رأسه ببطء، عيناه تتفحّصان كل شخص في المجلس:

«سريعون كعادتكم، كنت أعلم أنكم ستعلمون.»

قال عضو آخر، صوته يحاول أن يكون ثابتًا، لكنه يحمل توترًا واضحًا:

«وجوده يعيدنا إلى ما حسبناه منتهيًا.»

زمّار رمش ببطء، رفع رأسه أكثر، صوته هادئ لكنه ثقل كل كلمة فيه يضغط على المكان:

«لا شيء انتهى.»

ساد صمت ثقيل، يضغط على الجدران، على الحجارة، على الجميع كما لو أن اللحظة نفسها تتنفس بصعوبة.

تابع زمّار، صوته مثقل بالتعب، لكنه مباشر:

«نحن لم ندفن ذلك اليوم.

توقفنا فقط عن التحدث عنه.»

حرّك جناحه خطوة صغيرة، كأنه يريد أن يضم شيئًا غائبًا، فراغًا لم يُملأ، ظلًّا من الماضي لم يترك أثره على جسده لكنه يثقل قلبه.

«أتذكرون كيف كان هادئًا؟

ليس الطفل… القرار.»

نظر إليهم واحدًا واحدًا، عيناه تحملان كل صمت العالم:

«كيف جلسنا هنا، تمامًا كما نجلس الآن.

كيف قلنا إننا نفعل الصواب.

كيف أقنعنا أنفسنا أن الألم مؤقت… وأن التوازن أهم.»

خفض صوته قليلاً، لكنه ثقيل:

«لكن الألم لم يكن مؤقتًا.

هو فقط لم يُسمح له أن يتحدث.»

ارتجف أحدهم، صوته متوتر:

«نحن لم نقتله.»

زمّار نظر مباشرة، عيناه تتلألأان بمرارة صامتة، قلبه ينبض بسرعة خافتة:

«أعرف.

وهذا ما يؤلم أكثر.»

ساد صمت مفزع، كأن كل شيء في الغرفة ينتظر الكلمة التالية.

ثم تابع، صوته أقرب إلى الاعتراف:

«لو كنا قساة، لكان أسهل.

لو كنا ظالمين، لكان هناك من نلومه.»

تنفّس ببطء، شد جناحيه إلى جسده، كما لو يحاول حماية قلبه من نفسه، من الفراغ الذي يعيشه منذ زمن بعيد:

«لكننا كنا حكماء.

هادئين.و مقنعين.»

همس، كأن الكلمات تؤلمه أكثر من أي وقت مضى:

«وما زلت أستيقظ أحيانًا وأنا أفكر:

هل كان كل هذا الهدوء… ضروريًا؟»

أحدهم، بصوت مكسور:

«نحن نخاف أن نكرر الخطأ.»

اقترب زمّار خطوة، صوته انخفض، صار أثقل، كما لو كانت الكلمات نفسها وزنًا على قلبه:

«وأنا أخاف أكثر منكم.

لكن الخوف الذي يمنعك من الاقتراب…

لا يحميك من الفقد، هو فقط يجعله أبرد.»

ارتجفت النار الرمادية في وسط المجلس، تحركت كأنها تتأثر بثقله الداخلي.

قال كبير المجلس بصوت صارم:

«نحن لا نقبل الطفل.»

أغمض زمّار عينيه للحظة، دمعة واحدة تتجمع على طرف عينه، لم تسقط بعد، لكنه لم يستطع منعها.

حين فتحهما، كان في عينيه شيء يشبه الانكسار الممنوع، شعور بشيء لم يُسمح له أن يظهر:

«لم أطلب قبولًا.

لكنني لا أحتمل…أن نعامل كل طفل جديد كأن وجوده جريمة.»

ساد صمت طويل، خانق، يضغط على كل من في المجلس.

ثم أضاف، صوته مكشوف بلا أي درع، مرتجف قليلًا:

«ذلك الطفل الأول…لم يكن خطرًا. كان سؤالًا.»

ارتفعت رؤوس المجلس، يراقبونه بدهشة:

«وسؤال لم يُجب عليه…لا يختفي. هو ينتظر.»

ثم، وبصوت هادئ لكنه مشحون بالثقة والقرار، صمت زمّار للحظة، وكأن كل الحروف قبل أن تُنطق تأخذ وزنها الكامل على قلب المجلس:

«أما هذا الطفل… ليث…

فأنا لن أسمح له أن يُؤذى.

لن يمرّ به الألم كما مرّ به آخرون.

طالما أنا هنا… سأكون درعه، سأكون حماه، وسأكون من يحميه من كل ما يهدده

وإن اضطرّ الأمر، سأقف وحدي في وجه العالم كله لأجله.»

زمّار لم يقل أكثر، لم يحتج.

حين انتهى الاجتماع، لم يشعر أحد بالانتصار.

وزمّار، وهو يبتعد عن دائرة المجلس، لم يشعر بالغضب…

بل بشيء أقسى:

أنه ما زال يحمل الفراغ نفسه،

لكن هذه المرة… يعرف اسمه، يعرف مسؤوليته، يعرف أن قلبه لا يترك أحدًا خلفه. و يعرف أن بعض الأشياء لا تمحى إلا بالاعتراف بها.

---

بابل – بيت آشور

عندما ظهر زمّار في طرف الغرفة، لم يتحرك الهواء من حوله، ولم تومض الرموز على الجدران كما يحدث عادة عند حضوره.

تقدّم بخطوات هادئة، ثم توقف.

الألواح في أماكنها، الضوء الخافت يتسلل من الشقوق، ورائحة الأعشاب المحروقة معلقة في المكان كما لو كانت شاهدة على كل زيارة مضت.

جلس زمّار على الحافة الخشبية، جناحاه منخفضان قليلًا، ثقلهما غير مرئي لكنه محسوس، كأنه يحمله على عاتقه منذ زمن بعيد. لم يكن متعبًا جسديًا، بل مثقلاً بشيء داخلي لا يمكن لأحد أن يراه.

آشور رفع رأسه، نظر إليه مليًا، ثم قال، بصوت هادئ أكثر من المعتاد:

«…هل أنت بخير؟»

ابتسم زمّار ابتسامة خفيفة، قصيرة، «نعم…»

لكن الكلمة لم تحمل راحة. كانت كلمة ملك يعرف ثقله، ملك يبتلع وجعه بصمت.

آشور لم يسأل أكثر، اكتفى بالمراقبة.

«تبدو كمن يحمل شيئًا.»

رمش زمّار قليلاً، ثم نظر إلى ليث النائم، صدره الصغير يرتفع وينخفض بهدوء، حركة بطيئة، منتظمة، تذكره بأن بعض الأشياء لا تحتاج تفسيرًا.

«كل شيء على ما يرام»

قال زمّار بصوت منخفض، كمن يتحدث لنفسه قبل أن يسمعه أحد.

اقترب وجلَس بجانب الطفل، مد جناحه حوله بحركة تلقائية، حركة قديمة يعرفها قلبه جيدًا. لم تُخلق لحماية الطفل فقط، بل لحماية نفسه من الفراغ الداخلي الذي لم يجرؤ على اعترافه به منذ زمن طويل.

ليث تحرّك في نومه، أصدر صوتًا صغيرًا، ومد يده، ولم يفتح عينيه.

زمّار اكتفى بمراقبته، ضحكة خفيفة مرت على شفتيه، لكن لم تصل إلى عينيه.

بعد لحظة، قال زمّار بصوت منخفض، كأنه يتحدث مع نفسه أكثر مما يتحدث مع آشور:

«بعض الأماكن… لا ترفضك، لكنها تذكّرك.»

رفع آشور حاجبه.

«بماذا؟»

نظر زمّار إلى الطفل ثم قال.

«بأن الأشياء الصغيرة… تترك أثرًا أكبر مما نحب أن نعترف به.»

صمت زمار. ثم أردف بنبرة أخف.

«لا تقلق. لم يحدث شيء.»

آشور اكتفى بهزّ رأسه.

«أنت غريب اليوم.»

ابتسم زمّار أخيرًا ابتسامة حقيقية، قصيرة، متعبة.

«وأنت تلاحظ متأخرًا.»

عاد الهدوء إلى الغرفة.

آشور رفع حاجبه، قال بنبرة مصطنعة:

«لم يستيقظ بعد.»

«جيد»، أجاب زمّار، صوته هادئ لكنه محمّل بكل ما لم يُقال، بكل ثقله الصامت.

جلسا هكذا، صمت ممتد.

الهدوء في الغرفة أصبح ثقيلًا، لكنه مريح بطريقة غريبة.

ثم، فجأة، شعر زمّار بقطرة تتساقط على خده.

دمعة واحدة، هادئة، لم يحركها الريح، لم يسقطها الصوت.

كانت دمعة ملك عظيم يحمل كل ما فقده، كل ما لم يستطع حمايته، كل اللحظات التي لم تُنطق، كل الأسئلة التي بقيت معلقة في داخله، كل الفراغات الصامتة التي تراكمت داخله منذ زمن بعيد.

أغلق زمّار عينيه للحظة، تنفس ببطء، ثم مد جناحه أكثر حول ليث، كأن هذا الحضور وحده يكفي لملء الفراغ. حاول السيطرة على موجة شعور خافتة لكنها قوية جدًا، دمعة واحدة كانت كافية لتذكره بكل شيء لم يقم به، بكل شيء لم يُحكى، بكل أوجاع لم تنطق بها الكلمات.

آشور، الذي لم يعرف شيئًا، لم يسأل. لم يحاول تفسيرها. لم يكن بحاجة لذلك، لأنه يعرف زمّار… يعرف صديقه، يعرف هدوءه، يعرف صمته، يعرف ثقله.

النار الرمادية لم تتوهّج ولم تخفت.

البيت كما كان…

لكن داخل زمّار، كان شيء قد تغير إلى الأبد: شعور بالمسؤولية، بالحب الصامت، وبثقل الحماية التي لا تُرى، لكنه يعلم أنها حقيقية.

ظلّ الاثنان هكذا، صامتين،

ليث نائم،

زمّار حارسًا وحاملاً للذكريات الثقيلة،

وآشور، صديقه، يراقب من بعيد، غير مدرك لكل ما يختلج في قلبه.

في تلك اللحظة، كان كل شيء هادئًا…

لكن دمعة واحدة كانت كافية لتخبره، ولتخبر العالم الصامت حوله، بأن قلب الملك لا ينسى شيئًا، وأن

الحماية الحقيقية أحيانًا تبدأ بصمت ودمعة واحدة

----

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسطورة بابل الأخيرة

المؤلف Atheela
2026/03/25 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة