من النبوءة إلى الملحمة

من النبوءة إلى الملحمة

18 0

«ما نال أهل الجاهلية كلهم .... شعري ولا سمعت بسحرِي بابل».

    المتنبي

---

في أوج مجدها، كانت بابل مدينة ساحرة... جدرانها تلمع كمرآة معلقة بين الأرض والسماء. أسوارها المكسوة بالطوب المزجج، وشوارعها المرصوفة بالقرميد األزرق، وأبراجها الشاهقة التي تلامس الغيوم، كل هذا جعل كل من يراها يظن أنها جنة سقطت في قلب بلاد الرافدين. وفي معبد "إيساجيلا" المخصص للاله مردوخ، كانت الزقورة ترتفع كسلم حجري يصل إلى السماء.

وسط هذه المدينة المزدحمة بالجنود والتجار والكهنة، عاش رجل غريب... لا يعرفه الناس إلا بوجه عابس وعينين تحرقان من ينظر إليهما. اسمه أشور- نامور، ساحر لا يقبل بالحدود التي فرضها الكهنة، و لا يكتفي بتكرار الصلوات التقليدية . كلما نام أهل المدينة، كان يهبط إلى سرداب سري تحت المعبد، حيث تختفي ألواح الطين المنقوشة برموز قديمة لم يفك شفرتها أحد سواه.

في الظلام، كان يشعل مصابيح الزيت ويرسم دوائر على الأرض برماد ممزوج بدماء طيور سوداء اصطادها عند الفجر .

كان يتمتم بكلمات غريبة... بلغة أقدم من الخلق نفسه، زمن كانت فيه الكلمة نارا والحرف خنجرا .

وبينما كان صوته يعلو كنذير غامض، انشق السرداب بضوء خاطف. رأى الساحر مشهدا غريبا : صحراء لا نهاية لها، وخيمة عربية وسط الرمال، ورضيع يبكي ويرفع قبضته الصغيرة نحو السماء... على جبينه علامة تتألأل كنجم.

ليس طفلا عاديا... إنه الموعود الذي تحدثت عنه النبوءة. ارتجف جسده، لكن ابتسامة غامضة ارتسمت على شفتيه. أدرك أن هذا الطفل ليس

إلا طفل سيولد في أرض العرب بعد آلاف السنين، يحمل القدرة على كسر الزمن وإعادة كتابة النبوأت القديمة. نبوءة بابلية منقوشة على لوح طيني تقول :

عندما تسقط المدينة التي لامست السماء،

وعندما يصمت مردوخ عن سماع صلوات السحرة،

سيولد نورٌ من رحم الصحراء،

لا من طين بابل ولا من دم الجان.

سيأتي طفلٌ لا يعرف الزمن،

جبينه موسوم بعلامة النجمة الأولى،

صرخته تهز الرمل،

وصوته يوقظ ما دُفن قبل الخليقة.

سيُختطف النور إلى قلب الظل،

ويُربّى الموعود بين اللعنة والقسم،

على يد من ظنّ نفسه سيد النبوءة،

فإذا به عبدها.

وحين يبلغ الطفل سنّ الاختيار،

سينكسر الزمن نصفين:

بابٌ يقود إلى فناء الجان،

وبابٌ يعيد بابل من رمادها.

إن سفك دمه، سقطت العوالم،

وإن اختار الرحمة، احترق السحر،

وإن اختار الانتقام…

صمتت الآلهة،

ولم يبقَ في السماء ولا في الأرض سيّد.

احذروا اليوم الذي ينادي فيه الموعود اسمه الحقيقي،

فذلك اليوم…

لا نبوءة بعده.

وقف "أشور - نامور " في السرداب، ورفع يديه الملطختين بالدماء و ألقى تعويذة أخيرة على نار صغيرة، فانفجرت ألسنة اللهب بلون أسود كالفحم ثم انطفأت، تاركة رائحة كبريت خانقة. من تلك اللحظة، صار الساحر عبدا للنبوءة... لا ينام، ولا يشعر بمرور الزمن.

لم يدرك أشور-نامور أن بعض رموز اللوح كانت مكسورة،

وأن النبوءة لا تُقرأ كاملة بعين الانتقام.

فهم منها ما أراد،

وتجاهل ما لم يخدم غضبه

---

مرت القرون... سقطت بابل، وتعاقبت الإمبراطوريات، لكن "أشور نامور " ظل كالكابوس الذي لا يزول. جسده لم يشخ، لكن وجهه أصبح كقناع من الرماد، وعيناه تشعان بظلام متوهج. كان يقتات على أرواح الغرباء، يذبح الحيوانات، ويستدرج المسافرين إلى مغاراته ليشرب من أنفاسهم الخائفة.

وفي ليلة صحرائية بعيدة، حان الموعد. قبيلة عربية صغيرة نزلت بواد جميل تحيط به أشجار النخيل والكثبان الرملية المتلألئة. السماء صافية، والقمر كامل، والنجوم كاللؤلؤ المبعثر . داخل خيمة من وبر الإبل، وضعت امرأة شديدة الشباب طفلها الأول. عال صراخه، كأنه زلزال هز الصحراء.

سموه ليث.

لكن الغرابة بدأت من اللحظة الأولى... حين بكى، مالت النسور في السماء كأنها ترقص على صوته، والرمال عند مدخل الخيمة أضاءت بخيوط نارية. همست القابلة المسنة بحكمة:

"هذا الطفل مختلف ... على جبينه نور، وفي صوته قوة خارقة."

احتضن الأب ابنه، واختلط فرحه بالخوف. لم يكن يدري أن ميلاد هذا الطفل سيقلب مصير قبيلته ... بل مصير العالم كله.

أما الساحر، فكان يجلس في أطلال بابل يستمع للريح كأنها تحمل إليه النبأ. أغمض عينيه فرأى صورة الطفل واضحة كالشمس في نبوءته. نهض وجمع طلاسمه، ثم انطلق في طرق غير مسلوكة نحو الصحراء حيث يقيم الموعود.

في ليلة عاصفة، وصل "أشور نامور " إلى قبيلة سالم متنكرا كشيخ ضرير ... بثوب ممزق وعصا ملتوية. استقبله العرب بكرمهم المعهود، سقوه ماء وأطعموه. لم يشكوا لحظة أنه الموت متجسد في هيئة بشر.

دخل خيمة الطفل... وما أن لمس جبينه حتى انطلقت شرارة أضاءت المكان واهتزت الخيمة. سمع الأب والأم أصواتا غريبة:

كأن آلاف الأطفال يصرخون معا ، وصوت نهر دجلة يتدفق بين الرمال . ارتعب الأب ومد يده إلى سيفه، لكن الشيخ اختفى كالدخان.

تركت الحادثة القبيلة في حيرة وخوف، بينما ظل الطفل يبكي... وجبينه يتوهج أكثر كلما حاولوا تهدئته . أدرك الجميع أن شيئا

عظيما  وأخطر من الصحراء نفسها  قد بدأ.

---

كانت الليلة التالية هادئة بشكل مريب... اختفت النجوم خلف غيوم سوداء، والريح تسللت بين الكثبان كأفعى تتربص. نامت القبيلة بعد احتفالات المطر، غارقة في نوم عميق . لم يكن أحد يتوقع أن الرعب يقترب بخطوات صامتة.

في منتصف الليل، تحرك ظل مظلم بين الخيام... لم يكن جسدا كاملا ، بل كدخان يتشكل كإنسان. كان "أشور نامور " قد عاد... عيناه كجمرتين، وصوته كصفير يقطع القلب.

دخل خيمة الطفل بخفة لا تسمعها الأذن. أخرج من ردائه قارورة زجاجية قديمة، بداخلها دخان أسود يلتف كثعبان جائع. فتحها فانطلقت سحابة كثيفة غطت المكان. سقطت الأم و أغمي عليها وتجمدت يد الأب وهو يحاول رفع سيفه. حتى النار خمدت،

وكأن الهواء نفسه تجمد.

اقترب الساحر من المهد حيث ينام الرضيع و ألقى عليه وشاحا من خيوط ذهبية متوهجة. بكى ليث... لكن صراخه عاديا كان كرعد هز الرمال، فاهتزت له الخيول ونفرت الإبل. الأرض نفسها ارتجفت. ؛

تردد الساحر لحظة... شعر أن هذا الطفل أقوى مما تخيل. لكنه شدد قبضته، ورفع الرضيع بين ذراعيه. فتحت الأرض دوامة من الهواء الأسود التهمتهما في لمح البصر .

استيقظت الأم بعد لحظات لتجد صدرها

فارغا. صرخت صرخة مزقت حلمات الليل:

"ليث! أين طفلي؟"

اندفع رجال القبيلة بسيوفهم، لكنهم وجدوا الخيمة خاوية إلا من رماد وآثار دخان. نظر شيخ القبيلة إلى السماء وقال بصوت مرتجف:

"لقد اختُطف الوليد... وبدأت رحلة الدم."

وهكذا، انطلقت الملحمة.

---

قبل قرون:

      كانت بابل مدينةً فاتنةً في بلاد ما بين النهرين، حيث كانت الشمس تشرق على جدرانها من طين اللبن، وتتدفق مياه نهر الفرات عبر شوارعها. كانت أسواقها تعج بالحياة، حيث التجار يبيعون السلع الغريبة والنادرة، والنساء يرتدين أثوابًا مزخرفةً بألوان زاهية. كانت المعابد الضخمة ترتفع إلى السماء، حيث الإله مردوخ يراقب المدينة من فوق. كانت بابل مدينةً للعلم والثقافة، حيث الكتبة يكتبون النصوص المسمارية، والفلاسفة يفكرون في ألغاز الكون. كانت بابل مدينةً للجمال والفنون، حيث الموسيقيون يعزفون على الآلات الوترية، والشعراء ينشدون القصائد. كانت بابل مدينةً للتجارة والثراء، حيث الذهب والفضة يتدفقان مثل مياه الفرات. إلا أنها لم تكن سوى مدينة ساحرة للأنظار، تسلب ألباب الناظرين و لم تكن فقط وجهة للتجار الراغبين في البيع أو الاستيراد، بل كانت ملتقى أعتى السحرة و أشدهم و أكثرهم تعاونا مع الجن، حيث أن سحرة بابل لم يكتسبوا قوتهم من الكتب فقط أو من كون بابل موطن السحر، بل لأن الجن سعت لحمايتهم و خدمتهم منذ آلاف السنين حيث أن اتفاق الجن و سحرة بابل لم يكن وليد الأمس ففي ليلة مظلمة، منذ آلالف السنين اجتمع السحرة من مختلف أنحاء بابل في مكان منعزل، يرتدون ثيابهم السوداء، ويحملون كتبهم السحرية. بينما كانوا ينتظرون وصول الجن، كانت الرياح تعصف حولهم، والنجوم تختبئ خلف السحب.

وصل الجن، ملك الجان، بصحبة حاشيته من المردة والعفاريت. كان طويل القامة، له عينان حمراوان، وأنياب حادة. تحدث بصوت عال، وقال:

  "-لقد اجتمعتم هنا الليلة لتوقيع اتفاق بيننا. أنتم تريدون قوة السحر، ونحن نريد شيئاً في المقابل".

تحدث كبير السحرة، وقال:

" -نحن نريد قوة السحر لنتحكم في العالم، ونشرع في ما نريد. وفي المقابل، نحن نقدم لكم جزءاً من طاقتنا الروحية، و قرابين سواء كانت عبارة عن مال أم كنوز أم أرواح".

وافق الجن على العرض، وبدأت المفاوضات لتحديد شروط الاتفاق. بعد ساعات من التفاوض، تم التوصل إلى اتفاق نهائي. ووقع الطرفان على العقد، ووعدا بالالتزام بشروطه.

ومنذ ذلك اليوم، أصبح السحرة والجن شركاء في السحر والسيطرة على العالم. وكان الاتفاق هو البداية لعصر جديد من الظلام والخوف.

                    ـــــــــــــــــــــــــــــــ

        لكن مع مرور الزمن، بدأ الجن في التمادي في طلباتهم، فأصبحوا يطالبون بأثمن الأشياء وأكثرها ندرة.

كان هناك ساحر قوي اسمه "زيرون"، عرف بذكائه ودهائه. لاحظ زيرون أن الجن بدأوا يتجاوزون الحدود، ويطالبون بما هو فوق طاقة السحرة. قرر زيرون أن الوقت قد حان لوقف هذا التمادي، فأعد خطة محكمة لفسخ الاتفاق القديم.

في ليلة مقمرة، استدعى زيرون أقوى جن موجود، "أركور"، ملك الجان. كان زيرون يقف في غرفته المظلمة، وابنه الصغير يراقب من زاوية خفية، خائفًا لكنه فضولي.

قال زيرون لأركور:

"من اليوم، لن نقدم إلا ما هو عادل. وإن لم تقبل، فسيكون هذا آخر استدعاء لنا."

أركور، غاضبًا من الرفض، هتف بصوت مخيف:

"أنت تتحدى إرادة الجان! سأريك العذاب!"

باستخدام قوته الهائلة، انقض أركور على زيرون. حاول زيرون الدفاع عن نفسه، لكن قوة ملك الجان كانت أكبر. وفي لحظة مروعة، أمام عيني الصغير، رفع أركور سيفًا من الظلال وضرب زيرون بضربة قاتلة.

سقط زيرون أرضًا، ودماؤه تنزف بغزارة. نظر إلى ابنه، وقال بصوت متقطع:

"آشور-نامور"... انتقم... لا تتركهم..."

ثم أغمض عينيه.

صرخ الطفل باكيًا، بينما أركور، ملك الجان، وقف فوق جثة زيرون، وقال بتهكم:

"هذا جزاء من يتحدى الجان."

اختفى أركور في الظلام، تاركًا "آشور-نامور" في حزن عميق، يحمل في قلبه عهد الانتقام لأبيه.

تقدم آشور-نامور نحو جثة أبيه الدامية، وكأن الخطى الثقيلة تؤدي رقصة حزن على إيقاع الألم. جمع ما تبقى من رباطة جأشه، واستعان بقوته الضئيلة، كغصن يتأرجح في ريح الألم، جر جثة زيرون إلى الفناء الخلفي، حيث الظلال تتراقص مثل أرواح الأجداد الحزينة.

بجاروف بسيط، بدأ يحفر قبرًا في الأرض الصلبة، كأنه يحفر في قلبه الجريح. كل ضربة جاروف كانت كخنجر يغرس في صدره، لكنه استمر، كمن يبني صرحًا من الألم لتخليد ذكرى أبيه. حفر قبرا يتسع لزيرون، ساحر الظلال الذي كان كل عالمه، وكل ما يملك.

بحركة بطيئة ومؤلمة، أنزل الصغير جسد أبيه إلى القبر، كأنه يودعه في عالم الظلام. أغمض عينيه، وكأنما يودع آخر ما تبقى من نور في حياته. دفن زيرون في التراب، وكل حبة تراب كانت كدمعة تسقط على قلب ابنه المحطم.

وقف فوق قبر أبيه، يشعر كأن ثقل العالم فوق صدره، كأن جبال بابل بأكملها تنوء على كتفيه الصغيرين. عارٌ ألحق به، عار قَتْل والده دون محاولة إنقاذه، كأنه يحمل وصمة لن تزول. سكون القبر كان كصمت الموتى، بينما كان قلب آشور-نامور يصرخ بصمت، في ليل لا نهاية له.

في تلك اللحظة، لم يبقَ آشور إلا ظلًا لأبيه، يحمل غضبًا سيحرق كل شيء، وينذر بانتقام لن يرحم. ظل يقف هناك، بلا حراك، كتمثال حزن منحوت في ليل بابل الأبدي.

  

"أقسم باسم مردوخ العظيم، إله بابل، وأمام عظمة نابو، سيد الحكمة، أقسم أمام روح أبي، زيرون، ساحر الظلال.

أستحضر شعبان، إله القمر، ليشهد على عهدي. وأستدعي عشتار، سيدة الحرب والجمال، لتكون شاهدة على غضبي.

أقسم أن أتبع درب الانتقام، كما سار أداد، إله العواصف، في سماوات بابل. سأجمع قواي، وسأتعلم أسرار السحر البابلي، لأجل يوم أقف فيه أمام أركور، ملك الجان، وأريه عذابًا مثل عذاب نركال، سيد الجحيم."

قطع عهدا على نفسه أن يحمل في قلبه غضب أبيه، وفي يده سيمسك بسلاح العدالة، كما حمل گيلگامش سيفه في مواجهة الأهوال. لن يهدأ حتى تتحقق العدالة، ولن يتوقف حتى يذوق أركور مرارة ما صنع، تحت عيون آنو، سيد السماء.

أقسم على الانتقام، باسم زيرون، أبيه الذي رحل. سيكون ظلًا يلاحق الجان، وسيكون سيفًا يقطع أوهامهم، تحت حماية الآلهة البابلية. هذا قسمه، وهذا عهده، أمام مردوخ ونابو وعشتار وآلهة بابل العظيمة."

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسطورة بابل الأخيرة

المؤلف Atheela
2026/03/25 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة