لم يكن الصمت في الصحراء هدوءًا…
بل انتظارًا.
انتظارٌ لشيءٍ لم يكن يجب أن يُوقظ.
في الساعة الثالثة فجرًا، استيقظ الدكتور كريم على صوتٍ لم يسمعه من قبل… لكنه شعر به.
لم يكن طرقًا، ولا صرخة، ولا حتى همسًا واضحًا… بل شيء بين ذلك كله، كأن أحدًا يحاول التحدث من داخل رأسه، لكنه لا يملك الكلمات.
فتح عينيه ببطء، والظلام يملأ الخيمة.
حاول أن يقنع نفسه أنه مجرد حلم، مجرد إرهاق بعد يوم طويل في الصحراء… لكن قلبه كان يخبره بعكس ذلك.
هناك شيء ما… ليس طبيعيًا.
جلس على حافة سريره، يمرر يده على وجهه، ثم توقف فجأة.
ذلك الطعم.
طعم معدني غريب ملأ فمه.
كأنه… دم.
لكن بلا رائحة.
تجمد في مكانه، ثم نهض بسرعة واتجه نحو المرآة الصغيرة المعلقة على عمود الخيمة. فتح فمه ببطء، يحدق في انعكاسه، محاولًا فهم ما يحدث…
لم يرَ شيئًا.
تنفس ببطء، وكاد أن يضحك على نفسه، قبل أن يسمع الصوت مرة أخرى.
هذه المرة… كان أوضح.
"لا… تلمس…"
تراجع خطوة للخلف، واصطدم بكرسي خلفه، وقع على الأرض بقوة، وعيناه تبحثان في الظلام كأنهما تتوقعان رؤية أحد.
"مين هناك؟!"
لكن لم يرد أحد.
فقط الصمت…
ثم عادت الهمسة، أقرب هذه المرة، كأنها خرجت من خلفه مباشرة:
"الذهب…"
مع شروق الشمس، بدا كل شيء طبيعيًا… بشكل مريب.
العمال يتحركون، المعدات تُنقل، والبعثة تستعد ليوم جديد من الحفر، وكأن شيئًا لم يحدث.
لكن كريم لم يكن كما كان.
لم ينم.
ولم يستطع نسيان الصوت.
وقف أمام مدخل الموقع، ينظر إلى الرمال التي أُزيلت خلال الأيام الماضية، كاشفة عن فتحة ضيقة تقود إلى عمق الأرض.
المقبرة.
مكان لم يُذكر في أي سجل، ولم تُشر إليه أي خريطة.
وكأن التاريخ نفسه… تعمّد إخفاءه.
اقترب منه أحد العمال، صوته منخفض:
"يا دكتور… المكان ده مش مريح."
نظر إليه كريم للحظة، ثم قال بجمود:
"مفيش مكان في شغلنا مريح."
لكن داخله… كان يوافقه.
النزول إلى الداخل لم يكن سهلًا.
الهواء كان أثقل، أقدم… كأنه لم يتحرك منذ آلاف السنين.
أضاءوا المصابيح، وبدأوا التقدم في الممر الحجري الضيق.
الجدران كانت مغطاة بنقوش… لكنها لم تكن مجرد كتابات.
كانت تحذيرات.
أشكال بشرية بأفواه مفتوحة، وألسنة طويلة ممتدة، بعضها مرسوم بلون ذهبي لامع، رغم مرور الزمن.
توقف أحد الباحثين، يمرر يده على النقوش:
"دي مش طقوس دفن عادية…"
كريم اقترب، يتفحص التفاصيل، وقلبه ينبض بسرعة.
كان هناك شيء في هذه الرسومات… شيء غير مريح.
ثم لاحظ شيئًا آخر.
كل الألسنة… كانت أطول من الطبيعي.
وأثقل.
وكأنها… ليست بشرية.
عندما وصلوا إلى الغرفة الرئيسية…
توقف الجميع.
لم يتحدث أحد.
المومياوات كانت أمامهم.
لكنها لم تكن مستلقية.
كانت… جالسة.
في صفوف منتظمة، رؤوسها مائلة قليلًا، وكأنها تنظر نحو المدخل.
وكأنها كانت… تنتظرهم.
شعر كريم ببرودة تسري في جسده، لكن ذلك لم يكن أسوأ ما في الأمر.
الأسوأ… كان أفواههم.
مفتوحة.
كلها.
وبداخل كل فم…
شيء يلمع.
اقترب خطوة، يرفع المصباح ببطء، حتى سقط الضوء مباشرة على أقرب مومياء…
وعندها… رآه بوضوح.
لسان.... من ذهب !
ساد الصمت.
ثم همس أحدهم:
"إيه ده…؟"
لكن لم يرد أحد.
لأن في نفس اللحظة…
تحرك اللسان.
esraa Mohamed