ليون...

ليون...

14 0

دخل القطار البخاري محطة ليون قرابة الظهيرة، متعبًا، مثقَلًا بساعات الطريق.

كان النهار شاحبًا، شمس ديسمبر معلّقة فوق السقف الحديدي بلا دفء، تترك ضوءًا باهتًا ينساب على البخار المتكاثف.

أطلق المحرّك صفيرًا أخيرًا، قصيرًا هذه المرّة، ثم بدأت العجلات تخفّف صريرها على القضبان حتى توقّفت. ظلّ القطار يزفر بخارًا أبيض كثيفًا، كأنّه لم يصدّق بعد أنّ الرحلة انتهت.

ارتجفت العربات الخشبية ارتجافة خفيفة، وارتطمت السلاسل المعدنية، وامتلأت المحطة برائحة الفحم والزيت. لم يكن في المشهد ما يلفت سوى انتظامه: وصولٌ عادي، نهاري، كما لو أنّ الحرب لم تمرّ من هنا قبل عام واحد فقط.

ثم ساد الصمت...

الصمت الذي يسبق نزول الركّاب.

أخذت نفسا عميقا، قبل أن تقف مثلها كباقي المسافرين للنزول. بخطوات ثابتة سارت نحو بوابة العربة، ترددت لثوان قبل أن تخطو أول خطوة لها على أرض غريبة عنها.

انعكس شعاع شمس ليون الباهت على حدقتيها البنيتان، يمنحهما بريقا ساحرا. أبعدت خصلة شعر متمردة عن وجهها، تعيدها خلف أذنها، وقفت في المنتصف تتفحص المكان الجديد عليها، بتأن فتحت حقيبتها تخرج منها ورقة صغيرة، مدون عليها عنوان منزل أحد أقارب الخادمة التي كانت تخدم منزل أسرتها في باريس. قرأت العنوان مرارا وتكرارا، وكأن تكراره سيسهل عليها العثور عليه في هذه المدينة الكبيرة.

اقتربت من موظف المحطة، رجل متوسط العمر، يرتدي زيا أزرق داكن اللون، تمسكت بحقيبتها بيد واحدة، ومدت الورقة الصغيرة للموظف لتخاطبه بصوت خفيض ضعيف:

- أرجو المعذرة سيدي، أبحث عن هذا العنوان، كيف أصل إليه؟

حملق الموظف في الورقة لثوان، كأنه يستحضر خارطة أحياء وأزقة ليون إلى ذهنه، حرك رأسه بإيماءة، ثم أشار إلى الرصيف حيث تقف عربة الترام رقم 03 ونطق بصوت غليظ خشن، بلكنة ليون الودودة :

-اذهبي إلى هناك حيث موقف عربة الترام الثالثة، ستوصلك مباشرة إلى حي Guillotière. الرحلة قصيرة ورخيصة، لا تقلقي.

- شكرا

أردفت بينما تستعيد الورقة منه. استخرجت ربع فرنك فرنسي من المحفظة، ودفعته لتشتري تذكرة الترام. وقفت تنتظر عند الرصيف، متأملة بدايتها الجديدة في ليون. رفعت رأسها للسماء الملبدة بالغيوم، وبخار القطارات والمصانع. كانت الشمس تلعب الغميضة مع الغيوم، تظهر ثم تختفي. الطقس كان باردا، يحمل قسوة شهر ديسمبر فرنسي. وجنتاها المنمشتان وأنفها اعتلاهما احمرار طفيف، بسبب تيارات الهواء الباردة.

وقفت هناك لمدة ليست بالقصيرة، قبل أن يظهر الترام من آخر الشارع، يقترب ببطء على السكة اللامعة، يسبقه طنين خافت، ومع .اقترابه من الرصيف بدأ يتضح احتكاك العجلات بالفولاذ

خفّف السائق السرعة قبل المحطة بأمتار، فاهتزّت العربة اهتزازًا متدرّجًا، لا عنيفًا، كأنها تستعد للتوقف منذ زمن. انبعث بخار خفيف من أسفلها، واختلط هواء ديسمبر برائحة المعدن الرطب والزيت.

دقّ الجرس مرة واحدة، كتحذير قصير لمن يقف قريبًا من السكة.

انزلقت العربة إلى جانب الرصيف، وتوقفت توقفًا كاملاً. ساد صمت قصير، قطعه صوت الفرامل وهي تستقر أخيرًا. بعدها فقط فُتح الباب المعدني بصوت جاف.

تقدّم الركاب للنزول، وآخرون للصعود. شدّت حقيبتها إلى جانبها، وخطت خطوة صغيرة إلى الأمام. خطت إلى داخل العربة، خطوة واحدة، لكن صوتها كان مسموعا، بسب احتكاك نعل حذائها، بخشب الأرضية المصقول من كثرة الأقدام.

كان الداخل أدفأ بقليل، لا دفئا حقيقيا، بل ذلك الوهم الذي تخلقه الأجساد المتقاربة، والنوافذ المغلقة. توقف محصل التذاكر أمامها، رجل قصير القامة، معطفه داكن ومشدود عند الخصر، وقبعته مائلة قليلًا. لم يبتسم، لم يكن عليه أن يفعل. مدّت له التذكرة بصمت، فأمسكها بين إصبعين، أخرج أداة معدنية صغيرة، ثقبها بثقبٍ واحدٍ حاد—صوت خفيف، نهائي—ثم أعادها إليها.

احتفظت بالتذكرة في محفظتها، ثم توجهت نحو مقعد فارغ قرب النافذة. تحرك الترام من جديد، اهتزت العربة مع الانطلاقة الأولى، اهتزازا خفيفا، انتقل من السكة للعظام. عاد الطنين الكهربائي، ثابتا ومنتظما هذه المرة.

حدقت عبر النافذة، الزجاج لم يكن صافيا تماما؛ طبقة رقيقة من البخار رسمت عليه خطوطًا غير منتظمة. مسحت جزءًا صغيرًا بكمّ معطفها، وراحت تراقب المدينة وهي تنسحب ببطء.

كانت تعد توقفات الترام في ذهنها، بينما عيناها مركزتان مع لافتات الأحياء، خشية أن تفوت محطتها. حين ظهر نهر الرون لاحقا ، .عرفت أنها اقتربت من محطة نزولها. شدت حقيبتها إليها كحركة استعدادية قبل النزول

عند اقتراب العربة من الجسر، خف ضجيج الركاب داخل الترام، وارتفع ضجيج احتكاك العجلات بالسكة المعدنية، انحنت قليلا نحو النافذة، فرأت نهر الرون يمتد تحتها، داكنا، لا يعكس من السماء سوى لونها الرمادي.

ما إن عبر الترام إلى الضفة الأخرى، حتى تبدل المشهد تماما، مبان أقل أناقة، شوارع أضيق، وجوه أكثر بؤسا. توقف الرام قرب ساحة تعج بالباعة، أصواتهم متداخلة، ولهجاتهم خشنة. ورائحة الخبز الطازج تختلط برائحة الرطوبة.

نهض بعض الركاب، ترددت لثانية، ثم سألت المرأة الجالسة قربها بصوت خفيض:

- عفوا سيدتي، هل هذه Guillotière؟

نظرت لها المرأة، تومئ برأسها بالإيجاب

نهضت.

هذه المرة دون تردّد.

مرّت قرب مُحصّل التذاكر، الذي ألقى نظرة سريعة على التذكرة المثقوبة دون أن يوقفها. خطت نحو الباب، ثم توقّفت لثانية قصيرة عند الحافة، كأنها تزن الأرض قبل أن تضع قدمها عليها.

بمجرد أن نزلت، أُغلق باب الترام، وتحرك مبتعدًا ببطء، صوته ينسحب بين المباني حتى تلاشى.

وقفت وحدها على الرصيف.

أخرجت الورقة للمرة الأخيرة، قرأت العنوان:

14 شارع المادلين.

طوتها بعناية، وضعتها في حقيبتها، ثم شدّت معطفها حول جسدها.

لم يكن في المكان ما يوحي بالترحيب... لكنه لم يكن معاديًا أيضًا.

كان حيًّا.

وهذا يكفي لبداية.

خطت إلى الأمام.

هذه المرة، لم يكن هناك قطار ولا ترام ليحملها.

الباقي... عليها.

أمام ناظريها، بيئة مختلفة تماما عن البيئة التي ترعرعت فيها في باريس، بيئة أكثر حيوية، بيئة أكثر فوضوية. تأملت المشهد أمامها كأنه لوحة فنية، أطفال صغار يركضون هنا وهناك، رائحة الخبز تختلط مع رائحة القهوة، صوت عجلات العربات، صهيل الأحصنة، صراخ الباعة، وشوشة النساء.

شقت طريقها عبر المارة، تنظر هنا وهناك، علها تجد لافتة تدلها على وجهتها. ابتعدت عن الساحة لتلمح تلك اللافتة الباهتة، والصدئة مكتوب عليها بخط حذفه الزمن *Rue de la Madeleine*

شارع مستقيم، أرضيته مرقطة ببقع رطوبة داكنة، العمارات مصطفة على الجانبين، ثلاث أو أربع طبقات في الأغلب، واجهاتها باهتة، شرفات حديدية ضيقة، غسيل معلق هنا وهناك، وأصص نباتات صمدت رغم الإهمال.

توقفت عند باب البناية الذي نقش عليه الرقم 14، باب خشبي ثقيل، لونه بني داكن تقشر عند الحواف، تتوسطه مطرقة معدنية صغيرة، رفعت رأسها تتفحص البناية، قبل أن تطرق الباب بلطف. صوت الطرق كان أعلى مما توقعت.

لحظات صمت مرت. كانت ستعاود الطرق، لكنها سمعت صوت خطوات بطيئة على درج خشبي يئن تحت الوزن. ثم فتح الباب نصف فتحة، وظهرت امرأة في منتصف الثلاثينات، ملامحها مرهقة، يداها مشققتان من كثرة الماء والصابون، ومئزرها الرمادي الباهت اللون يشهد على عمل لا ينتهي.

بادلتها نظرة صامتة، سريعة، كأن كل منهما تحاول أن تقرأ الأخرى قبل أن تنطق

-أرجو المعذرة، أبحث عن السيدة سيمون برنار

- نعم أنا هي...

بصوت متردد قليلا نبست:

-أنا إليز لومير، لقد...

-الآنسة لومير، أوو أهلا بك، تفضلي ادخلي

فتحت الباب على مصراعيه تدعوها للدخول بسعادة، تفاجأت إليز من ردة فعلها المرحبة، دخلت للداخل لتغلق سيمون الباب خلفهما. قالت وهي تسبقها إلى الداخل:

-تفضلي يا عزيزتي

كانت الابتسامة تشق وجهها بينما تدعوها للدخول، المدخل كان ضيقا، رائحته مزيج من صابون رخيص، قهوة باردة، وخبز قديم. درج خشبي يصعد إلى الأعلى، وحائط علقت عليه علاقة معاطف بها ثلاثة معاطف بالية، متفاوتة الحجم.

-تفضلي، اجلسي، سأحضر لك شيئا تشربينه، لا بد أنك متعبة من السفر

كانت تتكلم بحماس وسعادة، لم تتوقع ترحيبا كهذا أبدا، تفحصت المكان حولها قبل أن تجلس على الأريكة، وضعت حقيبتها بالقرب من قدميها، بينما سيمون ذهبت إلى المطبخ.

أتاها صوت ارتطام خفيف من المطبخ، ثم حفيف ماء يُسكب، واحتكاك إبريق معدني بموقدٍ صغير. جلست إليز مستقيمة الظهر، يداها متشابكتان فوق ركبتيها، كأن الجسد وحده يعرف أنه في مكان آمن مؤقتًا... بينما العقل ما زال واقفًا عند رصيف الترام.

كانت الأريكة تهبط قليلا تحت وزنها، قماشها خشن، مستهلك، لكنه نظيف. نظرت حولها دون فضول فج، عين اعتادت أن تلاحظ التفاصيل كي تحمي نفسها. صورة قديمة على الحائط لزوجين شابين -توقفت عندها لحظة ـ ساعة حائط متوقفة عند الثانية عشرة منذ زمن غير معروف، ومائدة صغيرة عليها آثار أكواب لم تمح جيدا.

عادت سيمون بعد دقائق، تحمل صينية بسيطة، بها كوبان من الخزف المتشقق، وإبريق شاي يتصاعد منه بخار خفيف.

ابتسمت سيمون بود، بينما تضع الصينية على الطاولة، ثم جلست قبالتها، تمسح يديها بالمئزر بحركة تلقائية.

- لا بد أن الطريق كانت متعبة

همهمت لها إليز أي نعم، سكبت سيمون الشاي، دفعت أحد الكوبين نحوها، ثم حدقت بها لحظة أطول مما يقتضيه الأدب. لم تكن نظرة فحص، بل نظرة تعرف.

-أرجوك اعتبري نفسك في بيتك، لا تخجلي من شيء آنسة لومير

رسمت إليز بسمة صادقة وشاكرة على شفتيها، وبصوت خجول نبست:

-شكرا لك سيدتي، وأيضا أفضل أن تناديني بإليز فقط

-حسنا إذا يا إليز، ويمكنك مناداتي بسيمون

أومأت إليز برأسها أن حسنا.

-لقد وصلتني رسالة من أختي مارغريت تخبرني عنك

رفعت إليز نظرها من كوب الشاي الذي بيدها إليها، تفحصت ملامح سيمون بدقة، ولم تجد عليها سوى الترحاب والبشاشة.

لاحظت سيمون ارتباكها لتضيف:

-لا بد أنك متعبة من الرحلة، سأذهب لأجهز لك الغرفة لترتاحي

شردت في انعكاسها على كوب الشاي، بعد مغادرة سيمون، لكن سرق انتباهها عيون تراقبها من خلف الجدار. لمحت طفلا صغيرا مختبئا يسترق النظرات صوبها، لم يكن وحده، كانت تقف خلفه فتاة في سن المراهقة.

-لم أنتما مختبئان هناك؟ هيا تقدما وألقيا التحية

كانت تلك سيمون التي عادت من الطابق العلوي، حثتهما على القدوم إلى الصالة. اقتربت الفتاة، بينما الولد الصغير يمسك بطرف فستانها من الخلف.

ابتسمت إليز للفتاة، التي ألقت عليها التحية، ثم نظرت للطفل الذي يختبئ خلفها.

-هذه ابنتي كاثرين

قدمتها سيمون، لتضيف مخاطبة ابنها الأصغر:

-جوزيف، تقدم وألق التحية على الآنسة إليز

أطل الصغير من خلف أخته، التي دفعته للأمام، اقترب من إليز بخطوات مترددة، ليرفع يده يلقي عليها تحية عسكرية، كأنه جندي، تفاجأت إليز من تحيته

-جوزيف، كم مرة أخبرتك أن التحية لا تكون هكذا

طأطأ جوزيف رأسه حين وبخته أمه...نظرت له إليز مع ابتسامة هادئة، ثم ردت له التحية بنفس طريقته

-أهلا بك جوزيف

رفع جوزيف رأسه ينظر لها بعينيه اللامعتان، ابتسم ابتسامة خجولة لها

-كاثرين، خذي الآنسة إليز إلى الغرفة لتأخذ قسطا من الراحة

******

تركتها كاثرين وحدها. وضعت حقيبتها بجانب سريرها الجديد، تأملت تلك الغرفة الصغيرة، كل ركن فيها، كل تفصيل فيها، نزعت معطفها ثم استلقت لتريح عظامها. سرحت في السقف تستمتع بالهدوء من حولها، أراحت يديها تشابكهما فوق بطنها، أسدلت جفونها، بعد أن تعبت من التحديق في السقف.

-لعل ليون...أرحم بنا...

يتبع ....

بقلم كرزة🍒Cerisia

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

وإن التقينا، فأتمنى ألا يكون اللقاء في باريس

المؤلف Cerisia🍒
2025/12/26 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة