انطلق صوت الصفّارة حادًّا، مشقوقًا بضجيج القطار البخاري الذي كان يتنفّس بخارًا أبيض من محركه الضخم.
«ليون... ليون!»
جاء نداء الموظف صارمًا، جهوريًّا، وهو يقف بمحاذاة عربات الركّاب الخشبية، يلوّح ببوقه اليدوي كلما مرّ أحدهم أمامه.
رجل متوسط القامة، يرتدي معطفًا كحليًّا باهتًا يصل إلى الركبة، تعلو رأسه قبعة محدّدة الحواف، ويداه محكمتان بقفازات جلدية داكنة؛ في اليمنى بوق صغير، وفي اليسرى صافرة معدنية.
عاد الصفير يشقّ الهواء البارد: «ليون! ليون!»
اصطكت العجلات المعدنية ببعضها، وأطلقت صريرًا خافتًا مع أول حركة.
تصاعد البخار الأبيض كثيفًا من صمّامات القطار، يندفع بصوت متقطّع، كأن المعدن نفسه يئنّ.
تسارع الركّاب، كلّ يحمل حقيبته الجلدية، وجوه متوترة، خطوات مستعجلة.
شاب في العشرينات كاد يصعد، ثم عاد راكضًا ليعانق مخطوبته عناقًا أخيرًا.
آخر لا يزال متمسّكًا بيد والدته التي ترفض الإفلات، بينما يربّت والده على كتفه بصمت.
أبناء يقبّلون والدهم، وأمّهات يذرفن الدموع.
وحدها كانت تقف هناك بثبات.
تمسك حقيبتها الجلدية الخفيفة ذات المقبض المعدني بكلتا يديها. ...
تأمّلت البخار المتصاعد بعنفوان نحو السماء، تنفّست بعمق، ثم خطت أولى خطواتها نحو العربة.
لم تلتفت خلفها.
فلم يكن هناك من يودّعها، سوى باريس... التي طردتها.
جلست تضع حقيبتها على ركبتيها.
رفعت نظرها نحو الشاب الجالس في المقعد المقابل، غارقًا في جريدته.
نظرة عابرة، قصيرة، بلا معنى.
ثم أعادت بصرها إلى اللاشيء.
تحرك القطار ببطء شديد، يمنح للمسافرين فرصة لإلقاء آخر نظرة على باريس وعلى أحبائهم.
مال جسدها قليلًا مع اهتزاز العربة، فشدّت أصابعها على مقبض الحقيبة قبل أن تتركها تستقرّ قرب قدميها.
لم تكن الرحلة طويلة، لكنها شعرت بثقلها منذ اللحظة الأولى. الوقت في القطارات لا يُقاس بالدقائق، بل بالأفكار التي تتكدّس في الذهن بلا توقّف، تستحوذ عليه، وتسلبه متعة الاكتفاء بالمشاهد العابرة خلف النافذة.
أخرجت من معطفها دفترًا صغيرًا، غلافه داكن، حوافه مستهلكة. لم تفتحه. وجوده كان كافيًا. فبعض الأشياء لا نحتاج استعمالها لنشعر بأمانها.
رفعت نظرها إلى النافذة.
انعكس وجهها على الزجاج، مشوّهًا بفعل البخار. لم تكترث له. كانت تعرف هذا الوجه؛ هادئ، متماسك، باستثناء عيناها اللتان تحكيان كل شيء.
هي لم تكن من النساء اللواتي يبحثن عن بدايات جديدة، بل عن طريقة مختلفة للبقاء.
حين عبر القطار أول الجسور، أدركت أمرًا واحدًا فقط، واضحًا وقاطعًا:
أن حياتها أخذت منعطفا آخرا.
لم يكن الرحيل صعبًا كما توقّعت؛ الأصعب كان البقاء في مكان كان يوما وطنها، وخانها.
لم تبكِ.
فالبكاء ترفٌ لا يجيده من استُنزف قبل أوانه
أغمضت عينيها للحظة، لا لتتذكّر، بل لتمنع الذكريات من التقدّم خطوة أخرى. على الرغم من اللغط الذي يحيط بها، إلا أنها استطاعت، للحظة، أن تُسكت الضجيج في رأسها.
أرخَت كتفيها ببطء، كمن يضع حملًا أثقل كاهله.
زفيرها خرج متقطعًا، ثم انتظم، كما لو أنها تُدرّب نفسها على التنفّس من جديد.
خلف الزجاج، كانت باريس تبتعد ببطء، مبانيها تتلاشى دون وداع.
لم تتابع المشهد طويلًا.
فبعض الأماكن، حين تغادرها، لا تستحق نظرة أخيرة.
رفعت بصرها قليلًا، فرأت امرأة في الجهة المقابلة تمسح دموعها خلسة. قبل أن تضمّ طفلتها إلى صدرها. الحركة كانت سريعة، مدروسة، كأنها تُخفي خطأ لا يُغتفر.
أشاحت بنظرها سريعًا.
لم يكن الحزن ما تخشاه، بل عدواه.
ألقت نظرات سريعة على وجوه الركاب، وجوه تختلف القصة التي رسمتها باريس عليها.
ومن بين الضجيج المتداخل، تسلّل إلى سمعها حديثٌ منخفض بين رجلين. أحد الصوتين ناعم، مديني، يحمل تلك اللكنة الباريسية التي تُخفي حدّتها خلف تهذيبٍ مصطنع. والآخر أثقل، أبطأ؛ بيكارديّ لا يُحسن تزيين الكلمات.
"باريس صامتة هذا الشتاء... صمت لا يشبه السلام."
"لأنها لم تنتصر كما كانت تتمنى."
"نجونا بعد أن دُفنت نصف فرنسا... ومعاهدة فرساي كانت رسالة تهديد مكتوبة بحبر أنيق."
"ألمانيا يجب أن تُكسر كي لا تعود..."
تسللت ضحكة مستنكرة من الرجل الباريسي، لكنها لم تُلهِها. الكلمات دارت في ذهنها، تفك رموزها المبهمة، بينما البخار يلتف حول خطوط السكة.
شدّت أصابعها على دفترها الصغير، شعرت بالجلد المهترئ بين يديها، مسحت على غلافه براحة يدها، تبعد عنه ذرات الغبار.
مدت يدها إلى حقيبتها تخرج منها قلم حبر، أخذت نفسا عميقا قبل أن تفتح صفحة فارغة من دفترها. أمسكت بالقلم بخفة، كأنها تحاول الإمساك بقطعة من نفسها تاهت بين الخراب والخذلان. وبدأت ترسم. كل خط كان يتلوى على تلك الورقة، كان يعكس وجعها الخفي. واهتزاز عربة القطار جعل الخطوط تتعرج كما لو أنها ترقص على وقع الألم. أصدر القطار صفيرا حادا يصم الآذان، اهتزاز عجلات القطار كان لا يطاق، لكنها أضافت المزيد من التفاصيل، متحدية ذلك الاهتزاز الذي يشوه لوحتها.
نظرات الركاب لم تعد تهمها. الضوضاء، الصفير، صوت العجلات المتصادم، كل ذلك اختفى في لحظة، وحيدةً بقيت هي ودفترها وقلمها.
في تلك اللحظة، أصبح الرسم ليس مجرد عمل على الورق، بل نافذة إلى روحها.
لم تكن ترسم شكلًا واضحًا.
خطوط متداخلة، ظلال متراكمة، مساحات مظلمة تبتلع الضوء عند أطرافها.
شيء يشبه مدينة أُفرغت من سكانها وبقيت جدرانها شاهدة.
توقّف القلم للحظة.
لا لأن يدها تعبت، بل لأن عقلها استوقفته تلك الرسمة التي خطتها أناملها. شردت في لوحتها لبرهة قبل أن تتحرك شفاهها بلا صوت:
-حتى الخراب يمكن أن يكون لوحة جميلة
رفعت رأسها دون قصد، كأنها تبحث عن شاهد.
الشاب المقابل خفّض جريدته قليلًا. لم ينظر مباشرة، لكن عينيه خانتاه.
تعلّقتا بالدفتر، ثم بالقلم، ثم توقّفتا عند وجهها.
أعاد الشاب جريدته إلى مكانها، أسرع هذه المرّة، كما لو أنه اعتذر بصمت.
أنزلت نظرها إلى الجريدة بيده، وتأملت ذلك السؤال المكتوب بخط عريض أعلى إحدى المقالات
«La paix sera-t-elle ratifiée avant le 1er janvier ?»
"هل سيتم التصديق على معاهدة السلام قبل الأول من يناير؟"
حدقت مطولا في تلك الكلمة *السلام*، رسمت على شفتيها شبح ابتسامة ساخرة قبل أن تعود إلى ورقتها
ضغطت بالقلم أكثر مما ينبغي. ما جعل حبره يسيل، لتتشكّل بقعة داكنة في منتصف الصفحة.
لم تحاول إصلاحها. لأنها تعلم أنها لو فعلت ستزيد الطين بلة.
اهتزّ القطار فجأة، فارتفع صوت ارتطام العجلات بالسكة الحديدية
مرّت يدها على البقعة السوداء، ولطّخت طرف إصبعها بالحبر.
نظرت إليه لحظة.
ثم مسحته بهدوء على باطن معطفها، تاركة أثرًا خفيفًا، غير مرئي.
أغلقت الدفتر أخيرًا.
ليس لأنها انتهت، بل لأنها قالت ما يكفي... دون كلمات.
أسندت رأسها إلى المقعد الخشبي، أغمضت عينيها نصف إغماضة.
من بعيد، أعلن صوت الموظف عن محطةٍ عابرة.
اسمها مرّ في الهواء، بلا وزن، بلا أثر.
فتحت عينيها قليلًا.
مرّ المشهد خلف النافذة: حقول، أشجار عارية، سماء شاحبة.
فرنسا الأخرى... تلك التي لا تظهر في البطاقات البريدية.
وضعت يدها فوق الدفتر المغلق، فوق كل ما حملته معها ولم تستطع تركه.
لم تكن ذاهبة إلى ليون فقط.
كانت تبتعد، ببطء محسوب، عن امرأةٍ كانتها ذات يوم...
وتقترب من أخرى، لم تتشكّل ملامحها بعد، لكنها تعرف شيئًا واحدًا عنها يقينًا:
أنها ستبقى.
ولو احترقت...
فسيكون احتراقها صامتًا، طويلًا، ولا يمنح أحدًا لذة مشاهدته.
Cerisia_كرزة
Cerisia🍒