يا كاتبتي…
قد طاب القلب شوقًا للقياك،
شوقُ كهلٍ سرى به العمر
حتى لم يعد يبغي من الدنيا
سوى أمّه…
واشتقتُ لك.
وكشوقِ التائبِ ربَّه،
عاد من الطرق منهكًا،
لا يحمل إلا رجاءه…
واشتقتُ لك.
يا كاتبتي…
شوقكِ وطن،
أسكنه كلما ضاقت بي السُّبل.
وإن لم ألقاكِ،
فإنّي ألقاكِ؛
بالقلب،
وفي سطرٍ تركته يدكِ
دون أن تدري.
من رسائلكِ أعبر إليكِ،
فبعض اللقاء
لا يكون حضورًا،
بل معنى
يبقى.
كان هو من ترك الرسالة هذه المرّة.
لم يكذب.
لقد اشتاق لها حقًا.
سار،
وجرّ معه خيبته،
لكنه ترك رسالته هناك،
على المقعد ذاته.
تعلّم متأخرًا
أن الشوق وحده
لا يكفي دائمًا.
كانت خطواته بطيئة،
كمن لا يريد الوصول
ولا يملك رفاهية العودة.
لم ينتظر جوابًا،
ولم يلتفت خلفه،
فبعض الرسائل
لا تُكتب لتُقرأ،
بل لتخفّف ثقل القلب
ثم تُترك…
لعلّ الريح تفهمها.
مضى،
وبقي المكان.
ظلّ المقعد،
وظلّت الشجرة،
وظلّ نهر الفولغا.
وبقيت الرسالة
تحت الحجر.
وفي تلك الليلة فقط،
انقشعت الغيوم عن قمر نيجني نوفغورود،
كأنّه صعد حارسًا،
محتضنًا لسرٍّ لا يخصّه
لكنه يؤمن به.
دار في المكان،
وقلقه أثقل من الصمت.
وفجأة…
توقّف.
شيءٌ أبيض
عالقٌ بين الشجيرات
قرب النهر.
اقترب.
ارتجف.
رسالة.
لم يسأل كيف وصلت،
ولا لماذا كانت هناك.
فرح…
وهذا كان كافيًا.
فتحها و—
يا قارئي،
بعض المواقف لا تكسرنا…
بل تقتلنا.
وما يُقتل
لا يعود كما كان؛
إمّا أن يعود أفضل،
أو لا يعود أبدًا.
وإن عاد بالشكل ذاته
والشعور ذاته،
فليس هو…
ولن يكون هو.
احذر
أن تقتل إنسانًا،
فقد يموت،
لكنّه قد يترك خلفه
شخصًا عالقًا
بين الحياة والموت،
ميتًا في الواقع،
حيًّا بالذكريات،
تائهًا في الفراغ.
قد تذهب بحياة أحدهم،
لكنّك في الحقيقة
تذهب بروحه وأمله.
احذر
أن تنزع من إنسانٍ وطنه
ثم تستعمله.
فكلُّ مستعمِرٍ ثائر،
وكلُّ ثائرٍ منتقم،
وكلُّ منتقمٍ محترق…
يحترق
ويُحرق من حوله.
استُعمر وطنه،
فصار.
ولمّا صار،
حارب.
ولمّا حارب،
صاروا عليه.
قالوا:
إرهابي.
عدوّ للوطن.
والوطن الذي كان من أجله،
هو ذاته
الذي نفاه.
صرخ.
عارض.
ثم شكّ.
ربما المستعمر هو من نفاني،
ربما هُدّد أبناء وطني،
ربما…
كنتُ أنا السيّئ منذ البداية؟
ماذا لو كنتُ حقًا العدو؟
ماذا لو بثورتي
أذيتُ شعبي؟
وطني لا يخون،
لكنّه نسي
أن الصحراء
كانت يومًا من رياض الأرض.
سُئل دوستويفسكي:
كيف يشعر من تعلّق قلبه بإنسان
ثم أدرك
أنّه لم يعد له…
إلى الأبد؟
كنت سأجيب.
حقًا أردت.
لكن المشكلة
أنني لا أدرك.
ربما لم تكن هي…
ربما كنت أنا.
ربما أنا من أخطأت،
أنا من ظلمت،
أنا من خنت.
لكن…
كانت هي.
ثم لم تعد.
سلامٌ عليكِ
يا قاتلتي.
لن أكون مجرد جزءٍ من ماضيك.
قد لا أكون كلّ شيء،
لكنني كنتُ
أكثر من شيء.
ستعودين.
ليس ندمًا،
بل بحثًا
عن نفسكِ القديمة.
ستعودين،
لكنّك لن تجديني.
أنا لم أمت،
أنا بُعثت.
وكالعنقاء،
لا أعود
إلى من أحرقني
ستعودين..
ولت تجديني.. ستبحثين عني..
سأكون أمامك.. أشهد جفنيك الباكيين..
أشهد انهيارك.. اشهد بحثك عن عمرك الضائع.. عن وطنك الذي اغتربت عنه..
لكنني لن أعود.. فما عاد الوطن وطنك وأنت من هجرت..
وما عاد العمر عمرك وأنت المَاضِ،،
وما عدت أنا أَنيستك،، فأنت بترت الوصال بيننا..
وستعود..
ولن أعود..
كانت أطول رسالة قد كتبتها.. لكنه ورغم التماسه لوجع مختبئ بين السطور.. قد فرح.. هي غابت لأنها خُذلت.. لا لأنها نسته..
ربما...
ربما لا يزال لقصتهما نفس..