لم يعد ينتظر الرسائل لتجده…
صار هو من يسعى إليها.
عاد تلك المرّة أبكر من موعده المعتاد،
لم يتّجه إلى بيته،
بل قصد نهر الفولغا مباشرة.
حتى لو لم تكن هناك رسالة،
كان يشعر أن شيئًا ما سيحدث.
جلس على ضفّة النهر،
بمعطف صوفي ثخين و قبعة فيدورا يحاول مجاراة شتاء
نيجني نوفغورود –
كأنّه يقرأ سطورًا خفيّة
خطّها العمر في قلب المياه.
أخرج الرسالة التي تركتها له في اليوم السابق،
وأعاد قراءتها،
بذات الأحاسيس،
وكأن الكلمات لم تُقرأ من قبل.
الرسالة الثالثة
قارئي…
هل تؤمن بالصدف؟
أنا لا أؤمن بها؛
لأن بعض المواقف تترك بصمةً عميقة في حياتنا ووجداننا،
وقد تكون بداياتٍ لمستقبلٍ أعظم.
فإمّا فرحٌ يتّسع له صدرنا فنحمله معنا،
وإمّا حزنٌ نكتمه في أعماقنا،
فيتحوّل إلى نارٍ تتّقد في الداخل وتحرقنا.
والسبيل إلى إخمادها
أن نُزيح أثقالها عن صدورنا،
لكننا لا نفعل…
لا نحكي، ولا نبوح،
نكتفي بالصمت.
لكلٍّ منّا صوته،
وصوتي قد وصلك.
صوتي كتابةٌ
على ضوءٍ خافتٍ من قنديلٍ صغير،
أشارك القمر سهره.
فهل من المنطقي
أن نختزل كلّ ذلك
في كلمة “صدفة”؟
لا شيء يحدث صدفة.
وربما رسائلي بين يديك الآن
ليست كذلك أيضًا،
وربما كلماتي اختارتك أنت
لتعلم… يا قارئي،
ومن يعلم؟
طوى الرسالة ببطء،
ثم أخرج من جيبه ظرفًا آخر.
مسح عليه بأصابعه،
وأخرجه فارغًا،
بين همس الرياح،
وتمايل أغصان الشجرة التي ظلّلته،
وعلى إيقاع خرير الفولغا،
حيث صفاء المياه لا يعكّره
إلّا ارتطام موجٍ عابر.
أخرج قنينة الحبر
وقلم الريشة.
غمس الريشة،
وتنفّس بعمق،
كأنّه يستأذن الكلمات
قبل أن يطلقها.
وكتب:
ها أنا ذا
أعيد إليك صوتك
مصحوبًا بصوتي.
يا من لا أعرف لك اسمًا
ولا عنوانًا…
ها أنا ألبّي النداء.
أنتِ كنتِ بحاجةٍ للكتابة،
وأنا كنتُ بحاجةٍ لأن أقرأ.
تكتبين لأن الكتابة صوتك،
وأقرأ أنا
لعلّي أكتشف يومًا
من أكون…
وماذا أكون.
أنتِ تجيدين الكتابة،
وأنا أجيد الإصغاء.
كتبتِ عن الصمت،
وأنا عشتُ فيه طويلًا.
كتبتِ عن الخوف،
وأنا تعلّمت كيف أُخفيه.
وهكذا نلتقي،
لا بأسمائنا،
بل بما كنّا نخشى قوله.
يا كاتبتي…
إن أردتِ أن تكتبي،
سأقرأ.
وإن أردتِ أن تبقي،
سأنتظر.
وإن التقينا يومًا
على ضفّة هذا النهر،
فلن أسمّي ذلك صدفة،
بل امتدادًا
لما بدأناه هنا…
بهذا الصمت
الذي صار بيننا
أقلّ قسوة.
— قارئك
وهكذا شهد نهر الفولغا
أوّل ردٍّ له
على رسائل كاتبته المجهولة.
ومنذ تلك اللحظة،
لم يعد قارئًا فقط،
بل صار كاتبًا أيضًا،
والطرف الآخر
هو من سيُنصت.
__________________________تمت..... By;: kawthar_kook
رأيكم يهمني🌸