مكتوب في الغيب

مكتوب في الغيب

18 0

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

في الغيب تُكتب الحكايات قبل أن نعيشها، وتلتقي الأرواح قبل أن تتلاقى الأعين.

كل طريقٍ نَسيرُه، وكل صدفةٍ تبدو عابرة، قد تكون في الحقيقة موعداً مُهيّأ منذ زمنٍ بعيد.

ما نراه بداية، قد يكون استكمالاً لقصةٍ كُتبت في لوحٍ آخر…

وهكذا، كان لقاؤهما الأول، بداية فصلٍ لم يخططا له، لكنه كان ينتظرهما منذ الأزل.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

جلس نوح في غرفته الهادئة، يفتح الكتاب الذي التقطه من المكتبة قبل أن يراها، كان الكتاب عن رحلة الأرواح؛ أوراقه صفراء، ورائحته تشبه الماضي.

فتح الصفحة الأولى، ثم أغلقها بسرعة، وكأن قلبه لم يعد يحتمل.

تنهد طويلاً، ورفع رأسه نحو سقف الغرفة.

منذ سنوات لم يشعر أن قلبه ارتجف لشيء.

كان يعيش بين الناس، يسافر، ويُدرس، ويضحك حين يلزمه أن يضحك… لكنه في داخله صحراء صامتة، لا حياة فيها.

كل شيء كان يمضي كما يجب، بلا شغف، بلا دهشة.

حتى تلك اللحظة... حين التقت عيناه بعينيها،

شعور غريب، لا تفسير له، كأن الحياة كلها توقفت لتستمع لنبضةٍ واحدةٍ خرجت عن إيقاعها.

ابتسم بمرارة، وهمس لنفسه:

ــ معقول يا رب، تكون هي الروح اللي كتبتها إلي من زمان؟ ولا عقلي عم يضحك عليّ؟

جلس على طرف السرير، يمرر يده في شعره بتعب صامت.

حاول أن يقنع نفسه بأن ما شعر به مجرد وهم عابر، لكنه كان يعرف في قرارة نفسه أن شيئاً فيه تغيّر فعلاً، وأن روحه التقطت شيئاً لا يُلتقط بالمنطق.

وقف متجهًا نحو النافذة، ينظر إلى السماء التي بدت صافية على غير عادتها.

في داخله إيمان قديم بأن اللقاءات لا تأتي عبثاً، وأن الله يُدخِل بعض الناس إلى حياتنا كما يُرسل نسمة في وقت ضيق.

لم يكن يعرف اسمها بعد، لكنه تذكر وجهها بوضوح مؤلم، تلك النظرة الهادئة التي اخترقت صمته العميق، وكأنها قالت له دون أن تنطق: أنا أفهمك.

همس وهو يراقب نجمة بعيدة:

ــ يمكن يا رب، هي الجواب اللي طول عمري بدور عليه.

ثم تذكر دعاء كان يردده منذ سنين، في ليالي الوحدة الطويلة:

"اللهم ارزقني من يؤنس وحدتي، ويُحيي قلبي بذكرك".

ضحك بخفة حزينة، وقال:

ــ يمكن هاي الإجابة إجت... بس هل أنا مستعد إلها فعلاً؟

مد يده نحو الكتاب مرةً أخرى، فتح صفحة عشوائية، فوقعت عيناه على سطرٍ يقول:

"تلتقي الأرواح قبل أن تلتقي الأجساد، وتأنس بها قبل أن تراها العيون."

توقف طويلاً، ثم أغلق الكتاب، وهمس وكأنه يحدث الغيب:

"لا تخف... ما كُتب لك لن يخطئك".

جلس بعدها صامتاً، يسمع صدى أنفاسه، وشعر للمرة الأولى منذ زمنٍ طويل أن قلبه ينبض حقاً... لا لأنه حي، بل لأنه وُجِدَ ليُحب.

نوح & دُرة

رواية بين قلبين

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية بين قلبين

المؤلف Shams Muhammed
2026/01/07 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة