لم تكن دُرة تُؤمن بأن الأرواح تتلاقى قبل الأجساد، كانت تظنّ أن الحكايات التي تُروى عن اللقاء الأول محض خيال، وأنّ المشاعر لا تُولد من النظرة الأولى، لكن كلّ ذلك تبدّد في لحظة، حين مرّ بجوارها ذاك الغريب عند بوابة المكتبة القديمة.
لم يكن غريباً أن يمرّ رجلٌ من هناك، فالمكان يعجّ بالمارّين، لكن الغرابة كلّها كانت في ذاك الرجفان الذي اجتاح قلبها فجأة، كأنّ شيئاً في داخلها انتبه، كأنّ روحها نهضت على عجل لتستقبل شيئاً تعرفه منذ الأزل، شيئاً نام فيها طويلاً ثم استيقظ على وقع خطاه.
توقفت دُرة للحظة، تاهت نظراتها خلفه، لم تفهم ما الذي حدث لها، كانت تُؤمن أن الحب مجرد كلمة، حتى شعرت أن الهواء صار أوسع، أن الضوء من حولها أصبح ألين، وأن قلبها الذي أثقله التعب والخذلان، وجد فجأة صدراً آخر يستريح فيه ولو من بعيد، لم يكن حباً، لكنها لحظة تشبه الرجوع إلى بيتٍ نعرفه دون أن نكون قد سكنّاه من قبل.
وهو ... لم يتوقف عندها، لكنه التفت للحظة، وابتسم ابتسامة قصيرة، خفيفة، كأنها رسالة مُشفّرة لا يفهمها سوى قلبها، كانت تلك النظرة كافية لتُربك كيانها، لتزرع في روحها سؤالاً ظلّ يتردّد كأنفاسٍ لا تنقطع:
هل يمكن أن تُكون الأرواح حقاً مواعيد مُسبقة كُتبت في الغيب؟
هل يمكن أن تتسلّل تلك المواعيد إلينا عبر العيون، فتوقظ فينا ما ظننا أنه انطفأ منذ زمن؟
منذ تلك اللحظة، لم تعد دُرة كما كانت، أصبحت أكثر هدوءاً من الخارج، أكثر صمتاً من ذي قبل، لكن داخلها كان يموج بأسئلةٍ لا تنتهي، وحنينٍ لا تعرف له وجهة، كانت تمشي في الطرقات، تسمع الأصوات، تفتح كتبها القديمة، لكنّ كل شيء صار يحمل ظله.
أما هو، فقد مضى بخطواتٍ واثقة، كأنما يعرف تماماً أن هذا اللقاء لم يكن صدفة، بل بداية لرحلةٍ خفية لا يعرفان نهايتها، رحلة بدأت من نظرةٍ عابرة، لكنها كانت أعمق من أن تُنسى، وأصدق من أن تكون مجرد مرورٍ عابر بين غريبين.
نوح & دُرة
رواية بين قلبين