بوابة اللقاء
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لم تكن دُرة تعلم أن بعض الطرق تبدأ بخطوةٍ صغيرة لا تُقاس، وأن بعض الحكايات تولد من نظرةٍ عابرة تُعيد ترتيب العمر كله.
كانت تؤمن أن الله يخبّئ لنا اللقاءات كما يخبّئ المطر في الغيم، لا تأتي إلا في وقتها، ولا تنزل إلا على أرضٍ مستعدة لاستقبالها.
لم تكن تدري أن قلبها الذي ظلّ ساكنًا طيلة السنوات الماضية، كان ينتظر لحظة واحدة فقط... لحظة تُعيد إليه الحياة.
ولم تكن تعلم أن تلك اللحظة، ستأتي بين رائحة الورق العتيق وصوت الصمت في أروقة مكتبةٍ قديمة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
كانت دُرة تمشي بين أروقة المكتبة القديمة، تبحث عن كتابٍ يُخفف عنها ضجيج الحياة...
الهواء كان مُشبعاً برائحة الورق العتيق، وكأن الصفحات تهمس بأسرار من سبقونا.
وضعت يدها على رفٍ عالٍ، فوقع كتابٌ بين يديها، وعندما انحنت كي تلتقطه، اصطدمت نظراتها بعينين لم تُشبه عيناً رأتها من قبل.
كان هو واقفاً قريباً، يمسك كتاباً بيده، وكأنه ينتظر شيئاً لا يعرفه... حتى التقت عينيه بعينيها، تجمّد الوقت لثوانٍ، شعرت وكأن العالم كله تراجع خطوةً للوراء، وتركهما وحدهما في دائرةٍ من الصمت.
لم يكن في عينيه كلام، لكن كان فيهما عمقٌ يُربك القلب، عمقٌ يوقظ شيئاً نائماً منذ زمنٍ بعيد.
ابتسم بخفة، ابتسامة هادئة ولكنها اخترقت جدارها الداخلي، كأنها مفتاحٌ يفتح صندوقاً صدئاً في روحها.
ترددت في أن تبادله الابتسامة، لكنها وجدت شفتيها تنحنيان بلا إرادةٍ منها.
في تلك اللحظة القصيرة، لم تعد المكتبة مكتبة، ولا الكتب كتباً...
كانت المساحة الصغيرة التي جمعتهما أوسع من الدنيا.
وقبل أن تنبس بأي كلمة، كان قد ترك الكتاب على الطاولة، وغادر بخطواتٍ بطيئة، وكأنه يترك أثراً متعمداً خلفه، أثراً سيلاحقها في الليل والنهار.
جلست دُرة على المقعد الخشبي القديم، وضعت يدها على قلبها الذي خفق كأنه يركض ليلحق بروحه التي ابتعدت للتو.
سألت نفسها بصوتٍ خافت:
ــ شو اللي صار هلق؟ وليش بحسّ إني بعرفه من زمان؟
لم تعرف أن القدر فتح لها الباب الأول،
وأن الحكاية... لم تبدأ بعد.
وفي الجهة الأخرى من الطريق، كان نوح يسير بخطواتٍ بطيئة، يحمل في يده كتاباً لم يقرأ منه حرفاً.
لم يفهم ما الذي حدث قبل قليل، كل ما يعرفه أن قلبه دقّ بطريقة غريبة، كأنه سمع نداءً قديماً تاه عنه منذ زمن.
توقف أمام زجاج المكتبة، نظر إلى الداخل بصمت، وكأن شيئاً فيه يرفض المغادرة تماماً.
تمتم في نفسه:
ــ مين تكون هي؟ وليش حسّيت كأني شفتها قبل هيك؟
ابتسم بخفة، ابتسامة حائرة تحمل بين طيّاتها دهشة وبداية، ثم أكمل طريقه...
غير مدرك أن الخطوة التالية، كانت أول خيط في قصةٍ لن تشبه أي حكايةٍ أخرى.
نوح & دُرة
رواية بين قلبين