بَدَايَةُ الأَلَمِ

بَدَايَةُ الأَلَمِ

20 0

بَدَايَةُ الأَلَمِ

"كَانَتْ كَالسَّيْفِ، وَكُنْتُ الدِّمَاءَ الَّتِي تُغَطِّيهِ."

فِي صَيْفِ مَدِينَةِ كَالُوسَ السَّاحِقِ، حَيْثُ اقْتَرَبَتْ حَرَارَةُ الجَوِّ مِنَ الجَحِيمِ، تَطُلُّ فَتَاةٌ فِي العِشْرِينَاتِ مِنْ عُمْرِهَا، مَلامِحُهَا كَسَيْفٍ لا يَعْرِفُ الرَّحْمَةَ، وَشَعْرُهَا أَسْوَدُ كَالظَّلَامِ. تَلُوحُ لِمُسَاعِدِهَا وَتَقُولُ لَهُ:

— أَيْنَ نَارُو؟

قَالَتْهَا بِحِدَّةٍ، كَأَنَّ السُّؤَالَ أَمْرٌ لا مَفَرَّ مِنْهُ.

أَجَابَهَا بِهُدُوءٍ غَرِيبٍ، عَكْسَ حِدَّةِ سُؤَالِهَا:

— يَتَدَرَّبُ بِالسَّيْفِ عِنْدَ بِئْرِ فَالُو. أَطْلُبُ مِنْ رِيس أَنْ يُنَادِيَهُ؟

أَجَابَتْ بِبُرُودٍ، وَهِيَ تَلُوحُ لَهُ أَنْ يَغَادِرَ:

— لا، سَآتِي إِلَيْهِ. اِذْهَبْ أَنْتَ إِلَى فِيرَا وَقُلْ لَهَا أَنْ تَجْهَزَ، فَهِيَ ذَاهِبَةٌ اللَّيْلَةَ إِلَى رِيَا.

نَظَرَ لَهَا بِصَدْمَةٍ، سَكَتَ لِثَوَانٍ، وَقَالَ:

— سِيدَتِي… أَلَيْسَتْ فِيرَا صَغِيرَةً عَلَى هَذَا؟ أَنْتِ تَعْلَمِينَ جَيِّدًا المَدِينَة… وَمَعَ هَذَا، العَجُوزُ كْرِيف… أَنَا لَسْتُ مُطْمَئِنًّا عَلَى فِيرَا.

قَالَهَا بِبُشْرُودٍ يَمْلَأُهُ الحُزْنُ.

نَظَرَتْ لَهُ وَقَالَتْ:

— فَالُور، أَعْلَمُ أَنَّكَ خَائِفٌ عَلَيْهَا، وَلَكِن يَجِبُ أَنْ تُقَابِلَ كْرِيف…

— حَسَنًا، أَعْلَمُ أَنَّهُ عَجُوزٌ مَجْنُونٌ قَلِيلًا…حَسَنًا، فِي الحَقِيقَةِ هُوَ مَجْنُونٌ لِلْغَايَةِ، وَلَكِن… فِيرَا تَسْتَطِيعُ فِعْلَهَا. أَرَاهِنُ أَنَّهَا عِنْدَمَا تَرَاهُ سَتَلْعَبُ بِهِ كَدُمِيَّةٍ لا أَكْثَرَ.

قَالَتْهَا بِحَنَانٍ، عَكْسَ طَرِيقَتِهَا فِي اللَّحَظَاتِ السَّابِقَةِ، وَبِسُخْرِيَةٍ عَلَى العَجُوزِ كْرِيف.

نَظَرَتْ لَهُ لَحَظَاتٍ، ثُمَّ قَالَتْ:

— فَالُور، اِذْهَبْ إِلَى فِيرَا الآن. هَيَّا.

نَظَرَ لَهَا بِاسْتِغْرَابٍ، وَأَجَابَ:

— هَلْ… العَجُوزُ تَكَلَّمَ؟

أَجَابَتْهُ وَهِيَ تُمْسِكُ رَأْسَهَا بِوَجَعٍ:

— نَعَم. هَيَّا، اِذْهَبْ لَهَا لِتَتَجَهَّز…

ثُمَّ هَمَسَتْ بِغَضَبٍ مَكْبُوتٍ:

— سَأَقْتُلُكَ أَيُّهَا العَجُوزُ، حَقًّا… لَقَدْ قُلْتُ لَكَ إِنَّهَا قَادِمَة.

اِنْصَحْتُكَ أَنْ تَخْرَسَ قَبْلَ أَنْ أَقْتَلِعَ عَيْنَيْكَ!

وَأَخِيرًا… سَكَتَ العَجُوزُ.

قَالَ صَوْتٌ خَلْفَهَا بِهُدُوءٍ:

— سِلاف… أَيُمْكِنُكِ أَنْ تَصْمُتِي قَلِيلًا؟

التَفَتْ لَهُ وَهِيَ تَحْمِلُ نَظْرَةً بِهَا شَرَارَةُ اللَّهَبِ، وَقَالَتْ:

— مُضْحِكٌ لِلْغَايَةِ، لَمْ أَكُنْ أَعْلَمُ أَنَّكَ خَفِيفُ الإِحْسَاسِ!

نَظَرَ بِجِدِّيَّةٍ، عَكْسَ سُخْرِيَتِهِ السَّابِقَةِ، وَقَالَ:

— مَاذَا كَانَ يُرِيدُ العَجُوزُ؟ أَكَانَ يُرِيدُ المَوْتَ؟

نَظَرَتْ إِلَيْهِ وَهِيَ تَكْتُمُ ضَحْكَةً خَفِيفَةً:

— أَلَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تُكْمِلَ جُمْلَةً دُونَ مِزَاحٍ؟

أَجَابَهَا وَهُوَ يَغْمِزُ:

— سَتَشْتَاقِينَ لِمِزَاحِي يَوْمًا!

اِبْتَعِدْ عَنْ حَبِيبَتِي قَبْلَ أَنْ أَقْطَعَ لِسَانَكَ هَذَا قَرِيبًا...... أَفْهِمْتَ؟

قالها شَخْصٌ خَلْفَهُم نَبْرَتُهُ كَالْسَّيْفِ، مَن لا يَعْرِفُهُمْ سَيَقُولُ أَنَّهُ يَهَدِّدُهُ فِعْلًا!!

نَظَرَ لِسِلافٍ بِابْتِسَامَةٍ، وَفَتَحَ ذِرَاعَيْهِ بِاسْتِفْزَازٍ مُتَعَمَّدٍ، قَائِلًا:

– لَمْ أَعْلَمْ أَنَّ سِيَادَةَ القَائِدِ لُوِيْسَ لَدَيْهِ وَقْتٌ لِلْمَرَحِ؟!! وَلَمْ أَعْلَمْ أَنَّ الظَّابِطَ آيِرَ يَسْتَطِيعُ الْمُزَاحَ ؟!!

– أُوتْشْ مَا بِكَ ؟

بِدَايَةُ كَلَامِهِ سُخْرِيَّةٌ وَأَنْهَاهُ بِغَضَبٍ بِسَبَبِ سِلاَفٍ الَّتِي ضَرَبَتْ رِجْلَهُ وَهِيَ تَبْتَسِمُ لَهُ بِاسْتِفْزَازٍ:

– لا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ مَعَ أَكْبَرِ سَاحِرَةٍ هُنَا مُشْكِلَةً؟

–مَشَاكِل؟....... مَعَكَ؟....... مَنْ يُرِيدُ الْمَوْتَ لِكَيْ يَفْتَعِلَ مَعَكَ مَشَاكِل؟....... صِرَاحَةً لَا يُوجَدُ أَحَدٌ غَيْرُ الْعَجُوزِ مَنْ يُرِيدُ.

قَالَهَا بِسُخْرِيَّةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى الْعَجُوزِ.

نَظَرَتْ لَهُ وَأَجَابَتْ:

—اِنْصَحُكُمْ أَنْ تَتَوَقَّفُوا لِكَيْ لَا يَأْتِي!

عَلَى الرَّغْمِ مِنْ تَطَوُّرِ التِّكْنُولُوجِيَا وَبَدْءِ النَّاسِ فِي تَقَبُّلِهَا وَاسْتِخْدَامِهَا مَعَ سِحْرِهِمْ، إِلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ لَمْ يَتَقَبَّلْهَا، مُعْتَبِرِينَ اسْتِخْدَامَهَا إِهَانَةً لِلْسِّحْرِ. التِّكْنُولُوجِيَا لَمْ تَفْعَلْ شَيْئًا سِوَى أَنَّهَا جَعَلَتِ السِّحْرَ أَقْوَى… وَمِنْ بَيْنِ هَؤُلَاءِ كَانَ كْرِيفُ الْعَجُوزِ.............

فِي هُدُوءِ اللَّيْلِ القَاتِمِ وَرَائِحَةِ الدِّمَاءِ الَّتِي لَا تَصْمُتُ، كَأَنَّ كُلَّ ثَانِيَةٍ هُنَاكَ حَرْبٌ!

مَعَ صَمْتِ اللَّيْلِ القَاتِمِ تَقْطَعُهُ أَصْوَاتُ الغُرْبَانِ الَّتِي أَصْبَحَتْ فِي كُلِّ مَكَانٍ.

يَظْهَرُ كُوخٌ مُتَهَالِكٌ لَا أَحَدَ لِلْيَوْمِ يَعْلَمُ كَيْفَ لِلآنِ لَا زَالَ الكُوخُ مُسْتَقِرًّا وَلَمْ يَنْهَارْ….......نَعَمْ، إِنَّهُ السِّحْرُ!!

وَفِي هَذَا الْكُوخِ الْمُتَهَالِكِ يَطُلُّ عَجُوزٌ مُتَهَالِكٌ أَكْثَرَ مِنْهُ، وَكَأَنَّ الرِّيَاحَ أَسْقَطَتْ كُلَّ أَثْقَالِهَا عَلَيْهِ دَفْعَةً وَاحِدَةً!!

بَعْدَ سَمَاعِهِ لِأَصْوَاتِ الْغُرْبَانِ الْعَالِيَةِ كَأَنَّهَا تَصْرُخُ طَلَبًا لِلْنَّجَاةِ مِنْ عَاصِفَةٍ لَا قُدْرَةَ لِأَحَدٍ عَلَى تَفَادِيهَا، نَظَرَ لِسَاعَتِهِ الرَّمْلِيَّةِ وَابْتَسَمَ قَائِلًا:

— وصلْتْ فِي الْمَوْعِدِ.

وَفَجْأَةً، اهْتَزَّ الْكُوخُ بِأَكْمَلِهِ، كَأَنَّ الرِّيَاحَ تَحْظُرُهُ مِنْ فِعْلِ أَيِّ حَرَكَةٍ جَرِيئَةٍ وَكَأَنَّ الْقَادِمَ الْمَوْتُ بِذَاتِهِ!

وَفَجْأَةً اقْتَحَمَتْ سِلافُ الكُوخَ، وَهِيَ تَمْشِي لَهُ بِكُلِّ ثِقَةٍ، وَقالَتْ:

– أَتَأَخَّرْتُ؟

نَظَرَ لَها كْرِيفُ وَهُوَ يَتَفاعَلُ مَعَها لِكَيْ لا تَقْتُلَهُ:

– تَأَخَّرْتِ؟!…... وَإِذا تَأَخَّرْتِ؟ افْعَلِي ما تَشاءِينَ، سَيِّدَتِي.

لَمْ يَسْتَطِعِ الاثْنانِ كَتْمَ ضَحِكِهِما، وَانْفَجَرا ضاحِكَيْنِ بِشِدَّةٍ.

نَظَرَتْ سِلافُ لَهُ:

– حَسَنًا أَيُّهَا العَجُوزُ… ما الأَخْبارُ؟

ابْتَسَمَ لَهَا وَأَجَابَ:

— فِيرَا؟....جَيِّدَة، سَتَكُونُ فَارِسَةً مُثِيرَة.

أَمَّا آير......

فَتَوَقَّفَ لَحْظَة، ثُمَّ أَكْمَلَ وَهُوَ يَتَنَهَّدُ، كَمَنْ يَعْتَرِفُ بِجَرِيمَةٍ أُجْبِرَ عَلَيْهَا:

— هَذِهِ كُلُّ أَعْمَالِهِ فِي السَّنَتَيْنِ المَاضِيَتَيْنِ.

نَظَرَ لَهَا وَهُوَ يَرْتَجِفُ، كَأَنَّ المَوْتَ أَمَامَهُ، وَقَالَ:

— سِلاف… لِمَاذَا تُرِيدِينَ مَعْرِفَةَ كُلِّ هَذَا؟ هَلْ… هَلْ فَعَلَ آير شَيْئًا؟

تَوَقَّفَ لَحْظَة، ثُمَّ أَضَافَ بِثِقَةٍ مُصْطَنَعَةٍ:

— يُمْكِنُنِي أَنْ أُلَقِّنَهُ دَرْسًا.

نَظَرَتْ لَهُ، وَكَأَنَّهُ قَدِ اخْتَارَ مَوْتَهُ بِنَفْسِهِ، وَقَالَتْ:

— كْرِيف… أَلَمْ أَقُلْ لَكَ أَلَّا تَتَدَخَّلَ فِيمَا لَا يَخُصُّكَ؟

اِنْتَهَتْ جُمْلَتُهَا، وَكَانَ كْرِيفُ يَرْتَجِفُ حَتَّى كَادَ يَسْقُطَ، وَأَجَابَ مُتَلَعْثِمًا:

— أ… أَنَا…

قَاطَعَتْهُ، وَهِيَ تَمْسَحُ وَجْهَهُ بِحَنَانٍ خَادِعٍ، وَقَالَتْ:

— لَمْ يَفْعَلْ آير شَيْئًا…

ثُمَّ خَفَتَ صَوْتُهَا، وَأَضَافَتْ بِنَبْرَةٍ أَثْقَلَ:

— وَلَكِنِّي لَسْتُ مُطْمَئِنَّةً لِلْغَايَةِ…

أُرِيدُ أَنْ أَعْلَمَ مَاذَا يَفْعَلُ وَرَائِي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رَمَادُ الصَّدَى

المؤلف Aurora
2026/01/04 مكتملة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة