صوت ضحكات يتردّد بين الأشجار.
الرؤية غير واضحة… كأنّ الضباب يملأ المكان.
كانت تركض، أنفاسها تتلاحق، وأقدامها تلامس الأرض الرطبة.
قالت بصوت مرتفع، وهي تلهث:
"هذا ليس عدلًا، أنت سريع جدًا!"
جاء صوته من الأمام، يضحك:
"بل أنتِ البطيئة! سأسبقك من جديد!"
تابعت الجري خلفه، تضحك وهي تحاول اللحاق به.
لم تكن ترى وجهه بوضوح، فقط شعره الأحمر يلمع تحت ضوء الشمس المتسللة من بين الأغصان.
تعثّرت قليلًا، لكنها واصلت، بقلبٍ خفيف وروحٍ فرحة.
ثم…
سكن كل شيء.
سكنت الضحكات .
فتحت عينيها ببطء، تتنفس بعمق، وكأنها خرجت للتو من عالم آخر. وجد نفسها على الأرض ، نهضت ، و بدأت تبحث حولها عن شيء تأكله لكن لم تجد شيء
قررت الإتجاه إلى منزل السيد ثيودور لتناول الإفطار معه . بيت السيد ثيودور عبارة عن مبنى بطابقين الطابق الاول هو المكتبة أما الثاني هو حيث يعيش .
كان الجو في الخارج باردًا
عندما وصلت إلى المكتبة، بدت كما كانت دائمًا ساكنة، قديمة، مفعمة برائحة الورق والحبر.
دفعت الباب الخشبي فصدر عنه صرير خافت، ورائحة القهوة الساخنة تسللت إلى أنفها، قادمة من الطابق العلوي.
نادت بصوت خافت وهي تخلع معطفها:
"صباح الخير."
صوت خطوات نازلة على الدرج الخشبي أعلن عن حضوره قبل أن يظهر.
ظهر ثيودور وهو يحمل صينية عليها فنجانان وبعض قطع الكعك، وقال مبتسمًا:
"أخيرًا استيقظتِ... لقد نمتي كثيرا ."
ابتسمت وهي تجلس على الكرسي القريب من النافذة:
"اجل ، كنت متعبة ."
وضع الصينية أمامها وجلس مقابلها، ثم أضاف بنبرة أخف:
"كالماضي ."
صمتت، شاردة لحظة، قبل أن تقول:
"اجل ."
نظر إليها بتمعّن، وكأن هناك ما يود قوله لكنه آثر الصمت.
جلست ليريانا تتأمل فنجان القهوة بين يديها، تشعر بدفئه ينتشر في جسدها، نظرت من النافذة إلى أوراق الشجر التي تتراقص في نسيم الخريف البارد.
قال ثيودور مبتسمًا وهو يراقبها:
"أحيانًا، لا تحتاج الكلمات... فقط لحظة هدوء مع فنجان قهوة."
ابتسمت ليريانا، وأومأت برأسها موافقة، ثم أخذت قطعة صغيرة من الكعك، وبدأت تأكلها بهدوء.
أضاف ثيودور وهو ينظر إليها بابتسامة خفيفة:
"أتعلمين، كل كاتب ينسج عالمًا يتمنى أن ينتمي له. الكتب دائمًا تكون قطعة من روح الكاتب... وأنتِ أيضًا كاتبة."
"لكنني توقفت عن الكتابة..." قالت بهدوء.
قال بثبات: "الكاتب يضل كاتب حتى لو ترك قلمه "
نهض مكملا " تعلي معي اريد ان اريك شيء "
تجها إلى مكتب في زاوية ثم قال : اتتذكرين هذا المكتب "
أجابت "اجل أنه مكتبي القديم "
بتسم بتسامة حنونة ثم قال "هنا كتبتي اول رواية لك اتتذكرين "
ثم أضاف "اتتذكرين ما كنت تقولينه "
نظرة إلى ذالك المكتب ثم إجابة " سوف اعيش هذه القصة يوما "
إتسعة بتسامته أكثر ولمعت عيناه وقال " هل ما زلتي تردين ذالك "
دهشت من ما يقول ثم بدأت في الضحك" حتى وإن أردت هذا مستحيل "
قال بثبات " وإن لم يكن مستحيلا ؟"
تلاشى ضحكها تدريجيًا، ومالت ملامحها للجدية. نظرت إليه مستغربة:
"ثيودور... ما الذي تعنيه؟"
نظر إليها بنظرة دافئة، لكن صوته كان غامضًا حين قال:
"ليس الآن، سوف تعلمين في الوقت المناسب."
ثم التفت بهدوء نحو أحد الرفوف الخشبية القديمة، وأخرج منها شيئًا مغلّفًا بعناية. وضعه بين يديها دون أن يقول شيئًا.
نظرت ليريانا إلى الغلاف، وابتسمت ببطء وهي تلمسه بأطراف أصابعها:
"هذه... روايتي."
أومأ بثيودور برأسه.
"نعم، أول ما كتبته ..."
جلست على الكرسي أمام المكتب، وراحت تقلّب الصفحات الصفراء بلطف.
قال بثيودور بنبرة خافتة:
"ما رأيك أن تكملي كتابتها ؟."
توقفت ليريانا عن تقليب الصفحات، وأخفضت نظرها نحو الكلمات التي كتبتها منذ زمن بعيد.
همست، وكأنها تخاطب نفسها:
"لا أعلم إن كنت قادرة على ذلك بعد كل هذا الوقت..."
أجابها ثيودور بهدوء، وهو يضع يده على ظهر الكرسي:
"أحيانًا، لا نحتاج سوى أن نبدأ... "
تأملت ليريانا الغلاف بين يديها، تمرّ أناملها فوق العنوان بخفة،
قالت دون أن ترفع عينيها:
"أضن كان عليك فقط رميها ."
ردّ ثيودور بصوت هادئ، وهو ينظر إليها:
"هي ليست بشيء يرمى ."
نظرت إليه مستغربة، لكنّه اكتفى بابتسامة خفيفة.
عادت إلى تقلبها
ابتسمت وهي تقرأ: "لا تذكر ما نهاية التي اردتها ."
أجاب ثيودور وهو يتكئ على حافة المكتب:
"أحيانًا، النهايات تكتب نفسها…"
نظرت إليه مجددًا، هذه المرة بشيء من الشك:
"لما انت مهتم ؟"
ضحك بهدوء، ثم مشى نحو النافذة المفتوحة.
"أنا؟ لا شيء... فقط أعدت لك شيئًا كنتِ قد نسيته."
ثم أضاف ، وهو يهم بالإنصراف :
"العوالم لا تختفي، ليريانا... هي تنتظر من يوقظها."
غـسـق