البداية

البداية

20 0

أينما حللتَ وارتحلت، يعيدك الحنين إلى أول بيت عرفت فيه الدفء، إلى الأزقة التي حفظت خطواتك الصغيرة، إلى ضحكاتك الأولى التي ما زالت عالقة هناك، إلى حيث ينتمي قلبك... وها هي الآن تعود إلى مسقط رأسها، أرينو، بعد غياب دام عشر سنوات ."

لم تختلف أرينو كثيرًا عمّا كانت عليه قبل عشر سنوات ، سوى أنها أصبحت أكثر هدوءًا بعد أن هجرها الجميع.

توقفت أمام منزلها القديم. الباب الخشبي متآكل، ورائحة الرطوبة عالقة في المكان، والغبار يغطي كل شيء، كأن شيئًا لم يتحرك فيه منذ أن غادرته آخر مرة.

بعد أن ألقت نظرة سريعة، قررت التوجّه إلى المكتبة — ذلك المبنى الصامت القابع عند أطراف القرية.

كانت تتوقع أن تجده مهدومًا، مغطّى بشِباك العناكب، كما الذكريات.

لكن الباب كان مفتوحًا، كأنه كان ينتظرها.

دفعت الخشب الثقيل.

الرفوف كما هي. الكتب في أماكنها. والغبار... أقل مما توقّعت.

وهو.

كان هناك. جالسًا في مكانه، يقرأ كتابًا كعادته، كما لو أن الزمن لم يمسّه.

حدّقت فيه، وعيناها تكاد لا تصدّق:

"أ... أنت ما زلت حيًا؟"

بتسم بهدوء ، و قال :

"يالَكِ من لئيمة... أهذا ما يُقال لمن نراه بعد كل هذا الغياب؟"

ثم اضاف : " اجلسي سوف اعد بعض القهوة "

جلست بصمت، تتأمل تفاصيل المكان

ناولها الفنجان وهو يقول:

"تخيلت هذا المشهد كثيرًا... لكن في كل مرة، كنتُ أراك تدخلين مع أطفال يركضون خلفك."

رفعت حاجبيها، تتوجّس من حديثه.

"يبدو أنني لن أحظى بأحفاد ." قالها وهو يرتشف قهوته.

شهقت من صدمة، وبَصقت رشفة القهوة التي شربتها توًا... في وجهه .

حدّق بها بدهشة، قبل أن ينفجر ضاحكًا

مسحت فمها وهي مازالت تحت تأثير الصدمة :

" ما زلت عجوزًا مزعجًا !"

ضحك، وهزّ رأسه قليلًا و يمسح وجهه ، وقال:

"وأنتِ ما زلتِ سريعة الانفعال... لم تتغيري كثيرًا."

أجابت وهي تتأمل فنجانها:

"ربما."

سادت لحظة صمت قصيرة، قبل أن يقول بنبرة أخف:

"كيف حال والدتك؟ أرى أنكِ عدتِ وحدك."

نظرت إليه، تحاول تمالكه نفسها:

"لقد فارقت الحياة."

خفض نظره قليلًا، ثم قال بهدوء:

"أشعر بالأسف حيال ذلك."

هزّت رأسها بصمت.

ثم حاول تغيير الموضوع قائلاً:

"ما زلتِ تكتبين ؟"

أجابت:

"لا، لقد توقفت."

ثم أضاف بحذر:

"وذلك الحلم ما زال يراودك ؟ "

تنهدت:

"نعم، وزاد الأمر سوءًا مع موت أمي."

اخبرها بأن عليها ذهب لترتاحي قليلاً لابد أن تكون متعبه من سفر وانه مازال هناك وقت للحديث .

ودعته ، وخرجت بخطوات متثاقلة. الهواء كان بارداً، يبدو أنه الخريف.

عادت إلى المنزل، وبدأت بترتيب أغراضها، لكن التعب غلبها لم تشعر بنفسها إلا وهي نائمة على الأرض، بجانب حاجياتها المبعثرة.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الـغـسـق

المؤلف غـسـق
2025/12/30 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة