.
.
.
كانت إيريا فتاة يتيمة، تسكن في منزل صغير على أطراف المدينة، عاشت وحيدة بعد أن تبنّتها قبيلة بسيطة في جبال الشمال. لم يكن لها من الأصدقاء سوى ليلى، فتاة مرحة ومتفائلة، تعلّقت بها إيريا كأنها أختها،
إيريا لم تكن فتاة عادية... كانت ترى ما لا يُرى. في كل مرة تنظر فيها إلى الناس.
في احد الايام استيقظت إيريا على صوت رتيب ينبض في رأسها، كطبول بعيدة تُقرع في أعماق روحها. نظرت إلى الساعة، تأخرت عشر دقائق، لكن الزمن لم يكن ما يقلقها. هناك شيء آخر... شعور ثقيل في صدرها، كما لو أن الهواء مشبع بالخطر.
خرجت من المنزل مسرعة، الرياح تعصف بأطراف سترتها، والشمس لا تكاد تظهر خلف الغيوم الرمادية الثقيلة. كل شيء في ذلك اليوم بدا كئيبًا قليلا ومضجرا ، متحفّزًا لحدث لا يُوصف.
دخلت بوابة المدرسة، ومنذ أن وطأت قدماها أرضها، رأتهم...
الأجسام السوداء.
كأنهم أشباح بلا ملامح، واقفون خلف الطلاب، المعلمين، حتى عامل النظافة. أجساد ضبابية، ساكنة، تتلوى بخفة كالدخان، لكنها لا تتحرك. فقط تراقب. لم ترَ مثل هذا العدد من قبل.
عيناها اتسعتا، نبض قلبها يتسارع. كلهم... كلهم تحيط بهم تلك الظلال السوداء، ما عدا واحدة،
ليلى.
كانت تقف في نهاية الممر، تُلوّح لها بابتسامة بريئة، وخلفها... ضوء أبيض هادئ، ينبض بخفة كنجمةٍ في ظلمة.
ركضت إيريا نحوها، أمسكت بذراعها، قالت بصوت مضطرب:
"ليلى، تعالي معي... علينا أن نخرج من هنا. الآن."
ليلى:"ماذا؟ لماذا؟ ما بكِ؟"
- "هناك... هناك شيء ما خاطئ، أرجوكِ، صدقيني."
لكن ليلى، كعادتها، ابتسمت بهدوء وربّتت على كتفها.
"إيريا، أنتِ فقط مرهقة. لا تقلقي، كل شيء سيكون بخير."
لم يكن هناك وقت لتفسير ما تراه، ولا لتبرير خوفها. ثوانٍ فقط مرت، ثم...
دوّي انفجار.
أرض المدرسة اهتزّت، النوافذ تحطمت، اللهب اندلع من المختبرات في الطابق العلوي. صراخ... دماء... دخان يملأ السماء.
إيريا سقطت أرضًا، يدها لا تزال تمسك يد ليلى، وحرارة الانفجار تلسع وجهها.
مرت دقائق كالدهر،
ثم حلّ الصمت.
في وقت لاحق، كانت الشرطة تطوّق المكان، سيارات الإسعاف تملأ الساحة، ونُقلت جثث الطلاب المغطاة بالأغطية بيضاء.
عدد الناجين؟ قليل جدا
اثنان فقط.
ليلى وإيريا.
لم يتحدث أحد عن سبب الانفجار. الكاميرات لم تسجّل أي شيء مريب. كل شيء بدا كحادث. لكن إيريا عرفت الحقيقة، رأتها بأمّ عينيها... تلك الأجسام السوداء التي سبقت الموت بلحظات.
في تلك الليلة، جلست على فراشها، والضوء مطفأ، تحدّق في السقف. لم تستطع البكاء. لم تستطع النوم. شيئًا ما انكسر بداخلها. لم تعد طفلة خائفة من خيال الظلال...
الآن، أصبحت تؤمن أنها إنذار.
وما لم تكن تعرفه... هو أن ما حدث اليوم لم يكن سوى البداية.
...
ريڤا