الفصل الثالث: لقاءات تتوالى ... واعتراف
في صباح اليوم التالي، قررت جوان أن تتمشى قليلاً قبل الذهاب إلى عملها. كانت جنيف في هذا الوقت من العام ساحرة؛ نسمات باردة تحمل عبير الزهور، وأشعة الشمس الذهبية تتسلل بين أغصان الأشجار. كانت تسير على مهل بجوار البحيرة، تستمتع بالهدوء الذي يسبق صخب العمل، عندما لمحته.
كان أدهم الشناوي يجلس على أحد مقاعد الحديقة المطلة على البحيرة، يرتدي بدلة كلاسيكية أنيقة، ويحتسي قهوته بهدوء وهو يراجع بعض الأوراق. بدا مختلفًا عن رجل الأعمال الجاد الذي رأته في الاجتماع، كان أكثر استرخاءً، وشعره الداكن منسدلًا على جبينه قليلاً. لمحت بطاقة عمله في حقيبتها، وتساءلت إن كان من اللائق أن تقترب منه. قبل أن تحسم قرارها، رفع أدهم رأسه، وتلاقت عيونهما.
اتسعت ابتسامته قليلاً وهو يرى وجهها يكتسي بالخجل. نهض من مكانه واتجه نحوها بخطوات واثقة. "صباح الخير يا آنسة جوان. صدفة حلوة، انى اشوفك!" كانت في نبرة صوته لهفة خفية لم تخطئها أذن جوان.
ردت جوان بابتسامة خفيفة، وقلبها يخفق بسرعة:
"صباح النور يا استاذ أدهم. انا كمان ما توفعتش اشوفك هنا ، صدفة."
"وأنا أيضاً." قال أدهم، وعيناه تلمعان.
"قررت أستمتع بجمال المدينة قبل أن أغرق في العمل." ثم أضاف، وهو يشير إلى المقعد الذي كان يجلس عليه:
"تسمحيلى اقعد معاكى ونتكلم شوية؟"
لم تمانع جوان بالطبع. جلسا معاً، وتحدثا عن جنيف، عن جمالها، وعن الفروقات بينها وبين القاهرة. وجد أدهم نفسه منجذبًا أكثر إلى هدوئها وذكائها، وطريقتها في التعبير عن نفسها بصدق، وابتسامتها الرقيقة التي كانت تضيء وجهها. جوان، من جانبها، لم تستطع إنكار الكاريزما التي يتمتع بها أدهم، وحس الفكاهة الخفيف الذي يمتلكه خلف مظهره الجاد، وشعرت أن كل لقاء يجعله أقرب إلى قلبها.
انتهى اللقاء الأول بعد حوالي ساعة، ودع كل منهما الآخر على أمل اللقاء مجددًا.
"اشوفك مرة تانية يا جوان." قال أدهم وهو يبتسم، وشعرت جوان أن كلماته تحمل وعدًا حقيقيًا يلامس روحها.
لم يكن هذا اللقاء الأخير. طوال الأسبوعين التاليين، ومع تمديد أدهم لإقامته في جنيف بحجة متابعة بعض "التفاصيل" المتعلقة بالصفقة، بدأت اللقاءات تتوالى. كان يتصل بها أحيانًا بحجة الاستفسار عن بعض المصطلحات، أو لطلب مساعدة في ترجمة وثيقة، وفي كل مرة، كان الحديث يمتد لأكثر من مجرد عمل.
كان يطلب منها مرافقته في جولات قصيرة بعد انتهاء دوامها، تارة لزيارة أحد المتاحف الفنية التي كان مهتمًا بها، وتارة أخرى لتناول العشاء في مطعم هادئ على ضفاف البحيرة. في كل لقاء، كانا يكتشفان المزيد عن بعضهما البعض. تحدثت جوان عن حياتها في جنيف، عن والدتها، وعن أحلامها في تطوير عملها. بينما شاركها أدهم بعض جوانب حياته في مصر، عن شغفه بالعمل، وعن طبيعة عائلته الكبيرة. كان يتجنب الخوض في تفاصيل العداوات العائلية أو التوترات داخل عائلته، مفضلاً التركيز على ما يجمعهما، وعلى بناء جسر من الثقة والمودة، دون أن يكشف عن الظلال المظلمة التي كانت تتبع اسمه في القاهرة. شعرت جوان أن هناك جوانب من حياة أدهم ظلت محاطة بالغموض، طبقات لم تكشف بعد، لكن جاذبيته وثقته كانتا كافيتين لتجعلها تتجاهل أي تساؤلات.
كانت جوان تشعر بسعادة غامرة في كل مرة تراه فيها. لم تكن تشعر تجاه أي رجل آخر بمثل هذا الانجذاب والراحة والتقدير. أما أدهم، فكان مفتونًا بشخصيتها المستقلة، وذكائها، وبراءتها التي لم تفسدها تعقيدات الحياة. أصبح وجود جوان بجانبه ضرورة يومية لا يستطيع الاستغناء عنها. كان فارس ومراد يلاحظان التغيير الذي طرأ على أدهم، وابتساماته المتزايدة، وخطواته التي أصبحت أكثر خفة. كانا يعرفان أن القلب قد وقع في شباك الحب، وأن الأمر يتجاوز مجرد "تفاصيل عمل" بكثير، وأن حياته لن تعود كما كانت من قبل.
...................》》》《《《 ......................
بعد أسابيع من اللقاءات المتتالية، تجاوزت علاقة أدهم وجوان حدود العمل والصداقة بكثير. كانت كل محادثة، كل ضحكة، وكل نظرة متبادلة، تقربهما أكثر فأكثر. أدهم، الذي كان معروفًا بجدّيته وتحفظه، وجد نفسه يفتح قلبه لجوان، يشاركها أحلامه ومخاوفه. جوان، بدورها، شعرت بأمان لم تعهده من قبل، وكأنها وجدت نصفها الآخر في هذا الرجل الشرقي الغامض الذي أضاء حياتها.
في تلك الأثناء، عاد كل من مراد وفارس إلى القاهرة. كان أدهم قد أصر على عودتهما لمتابعة بعض الأعمال الهامة في المجموعة، وربما رغبة منه في أن يقضي هذه الأيام الحاسمة مع جوان بمفرده، دون أعين تراقبه أو تساؤلات تلقى عليه. تركاه على مضض، لكنهما كانا يثقان في قدرته على إدارة الأمور، ويرقبان عن بعد أي مستجدات.
في إحدى الأمسيات، كان أدهم وجوان يتناولان العشاء في مطعم صغير وهادئ يطل على البحيرة. كانت الأضواء الخافتة والأنغام الهادئة تضفي على المكان جوًا رومانسيًا ساحرًا. بعد فترة من الصمت المريح، قطع أدهم هدوء اللحظة بصوت خافت لكنه حازم:
"جوان... أنا مش هقدر أكذب عليكي أكتر من كده."
رفعت جوان عينيها الرماديتين لتنظر إليه بفضول وقلق، قلبها يدق بقوة.
"في إيه يا أدهم؟"
أخذ نفسًا عميقًا، وتابع بنبرة ممتلئة بالصدق، وعيناه ثابتتان على عينيها:
"اللي بيني وبينك ده مش مجرد شغل ولا صداقة عادية. أنا... أنا حاسس بمشاعر قوية تجاهك يا جوان. من أول يوم شفتك فيه، حسيت إنك مختلفة، وكأنك الجزء الناقص في حياتي. وكل يوم بقضيه معاكي، بتأكد إنك اللي كنت بدور عليها طول حياتي."
اتسعت عينا جوان بدهشة، وشعرت بحرارة تنتشر في وجهها. كانت تتمنى أن تسمع هذه الكلمات، لكن سماعها بهذه الصراحة جعلها تشعر بالارتباك والسعادة في آن واحد.
"أدهم... أنا كمان..."
قاطعها أدهم وهو يمد يده ليمسك بيدها على الطاولة. كانت لمسته دافئة ومطمئنة، وكأنها تعدها بالأمان.
"أنا عارف إن كل ده ممكن يكون بسرعة، وإني يمكن بطلب كتير. بس أنا عايزك تكوني جزء من حياتي يا جوان. عايز نكمل طريقنا سوا... عايزك تكوني مراتي."
لم تتردد جوان للحظة. مشاعرها تجاه أدهم كانت واضحة ومتبادلة، وعمق حبهما كان يتجاوز الزمن القصير الذي قضياه معًا.
"أنا كمان يا أدهم... بحبك." نطقت الكلمة لأول مرة بصوت خافت، لكنها كانت مليئة بالصدق الذي يهز كيانها.
"من ساعة ما شفتك وأنا حاسة بإحساس عمري ما حسيته قبل كده."
ابتسم أدهم ابتسامة عريضة، وكأن حملاً ثقيلاً قد أزيح عن كتفيه.
"ده معناه إيه يا جوان؟ ده معناه إنك موافقة تكوني مراتي؟"
لم تستطع جوان إخفاء ابتسامتها الكامنة.
"لو ده اللي أنت عايزه... أنا موافقة يا أدهم."
لم يستطع أدهم الانتظار طويلاً. في غضون أيام قليلة، طلب من جوان أن يتحدث مع والدتها. جوليا، التي كانت قد لاحظت التغيير الإيجابي في ابنتها والسعادة التي غمرتها، وافقت على الفور وأعربت عن سعادتها بهذا الارتباط. تم ترتيب كل شيء في سرية تامة، بعيدًا عن أعين الفضوليين في مصر، خاصةً عائلتي الشناوي وعائلة والد جوان، آل السويفي، اللذين كان أدهم يعلم بوجود عداوة تاريخية بينهما، لكنه لم يدرك بعد عمقها.
في السفارة المصرية بجنيف، وفي حفل بسيط حضره أدهم وجوان ووالدتها وعدد قليل من الشهود، تم عقد القران. كانت لحظة مؤثرة لكليهما، وكأن العالم توقف ليشهد على هذا الرباط المقدس. كان أدهم يضم جوان إليه بقوة، يهمس في أذنها بكلمات الحب والوعود التي قطعتها على نفسه:
"أنا عمري ما تخيلت إني ممكن ألاقي السعادة بالشكل ده يا جوان."
"ولا أنا يا حبيبي." أجابت جوان وهي ترفع رأسها له. كانت لحظة سعادة غامرة لم تشبها شائبة.
في تلك اللحظة، لم يعلم أدهم أن هناك تفاصيل غائبة، وأن عائلة جوان السويفي كانت هي نفسها العائلة التي تربطها بعائلة الشناوي عداوة قديمة وعميقة، تتجاوز مجرد منافسة أعمال. لم تخبره جوان بتفاصيل نسبها الكامل، ليس بقصد إخفاء الأمر، بل لأنها لم تكن على دراية كاملة بتفاصيل هذه العداوة، ولم يخطر ببالها أن اسم والدها قد يمثل مشكلة لهذه الدرجة.
أما أدهم، فعندما رأى اسم "سليم السويفي" في أوراق الزواج، ارتعش قلبه للحظة، لم تكن مجرد صدمة بل إحساس ببرودة تسري في أوصاله، لكن الحب الذي كان يملأه تجاه جوان طغى على أي شكوك أو مخاوف، ودفعها جانبا كهمس بعيد.
فوت 🌟
وكومنتات كتير❤️❤️❤️❤️
Angel