٢ عودة

٢ عودة

12 0

الفصل الثاني: عودة وتفكير ،.... وأسرار

بعد انتهاء الجولة في مصانع "فالكون"، كانت السيارات السوداء الفخمة تسير بهدوء في شوارع جنيف النظيفة. في السيارة الأولى، كان أدهم الشناوي يجلس في الخلف، باصصًا من النافذة، لكن عقله كان تائهًا في صورة واحدة: عيون جوان فيرنانديز الرمادية، ابتسامتها الخجولة، وطريقتها الهادئة في الكلام. لم يتخيل قط أن صفقة عمل يمكن أن تجعل قلبه ينبض بهذا الشكل. كان أدهم الشناوي، الرجل الذي لا يلين، يجد نفسه في حيرة. هذه المرة لم يكن الأمر يتعلق بصفقة أو منافس جديد، بل بعينين رماديتين أربكتا حساباته الصلبة.

في الكرسي الأمامي، كان مراد، رئيس حرس أدهم الشخصي وصديقه المقرب، ينظر إليه من مرآة السيارة بابتسامة خفيفة. أدهم ليس من النوع الذي يتشتت بسهولة، ومراد يعرف ذلك جيدًا؛ كانت وظيفته الأولى هي حماية أدهم، ليس فقط من الأخطار الخارجية، بل أحيانًا من نفسه أيضًا.

"كانت جولة حلوة قوي يا أدهم بيه، مش كده؟" قال مراد بصوت متعمد، كأنه يغيظ صاحبه.

لم يرد أدهم على الفور، كان غارقًا في أفكاره.

ابتسم فارس، المساعد الشخصي لأدهم وصديقه الثالث، الذي كان يجلس بجانب مراد. لف وجهه لأدهم وقال وهو يضحك:

"حلوة... بعيون رمادي تجنن، مش كده يا أدهم؟"

هز أدهم رأسه ببطء، وكأنه فاق من غيبوبة. نظر إليهما نظرة كأنها استسلام، ثم ابتسم ابتسامة خفيفة لم يستطع إخفاءها. "بالفعل... كانت جولة مميزة." قالها وهو يتجنب النظر في أعينهما، كأنه يقر بكلامهما دون أن يعترف صراحة بما يدور في ذهنه.

نظر مراد وفارس لبعضهما، وفهما كلاهما ما أراد أدهم قوله. الأمر لم يكن مجرد إعجاب بالمترجمة الشاطرة، بل كان هناك شيء أعمق بدأ يأخذ مكانه. أدهم، الذي دائمًا ما يُعرف بتركيزه الشديد في العمل، بدا اليوم وكأنه يرى الدنيا من زاوية مختلفة.

"أنا قررت هقعد كام يوم زيادة هنا." قال أدهم فجأة، قاطعًا صمتهم.

استغرب مراد وفارس؛ أدهم دائمًا ما يحب أن ينهي عمله ويعود إلى مصر في أسرع وقت.

"ليه يا أدهم بيه؟ الشغل انتهى وتقريبًا كل حاجة تمام." سأل مراد باستغراب.

"فى بعض التفاصيل التي محتاجة متابعة، وكنت عايز استغلال الفرصة اشوف  البلد كويس، علشان مش باجى هنا كتير." قال أدهم، وحاول إظهار الهدوء في كلامه، لكن نظرة عينيه كانت تكشف ما بداخله.

ابتسم فارس بذكاء، عالمًا أن "التفاصيل والمتابعة" هذه لها اسم واحد فقط: جوان. "تمام يا أدهم، زى ما تحب."

أكملت السيارات طريقها، وأدهم ما زال شاردًا، يفكر في جوان. في رقم هاتفها الذي أصبح لديه الآن. في الاحتمالات التي قد تفتحها هذه العلاقة الجديدة. كان يعلم أن لديه الكثير من العمل الذي يجب إنجازه في الأيام القادمة

بخصوص الصفقة، لكن جزءًا كبيرًا من تفكيره كان مشغولًا بالخطوة التالية التي سيتخذها نحو جوان. في مكان آخر من جنيف، كانت جوان أيضًا تتذكر نظرات أدهم الشناوي، تشعر بأن شيئًا غير عادي قد بدأ للتو.

................................

في شقة جوان الأنيقة التي تطل على بحيرة جنيف الهادئة، كانت رائحة الطعام تفوح في الأرجاء. عادت جوان من عملها وقد تبدل زيها الرسمي الأنيق بملابس منزلية مريحة. جلست مع والدتها، جوليا فيرنانديز، على طاولة الطعام المزينة بالزهور. كانت الأجواء دافئة ومفعمة بالحب.

"يومك عامل إيه يا حبيبتي؟" سألت جوليا بابتسامة حنونة، وهي تضع طبقًا من المعكرونة الشهية أمام ابنتها.

"كان يوم غريب ومختلف خالص يا ماما." بدأت جوان تقص عليها تفاصيل يومها، وكيف اضطرت لأن تكون المترجمة. "كان في وفد مصري، واللغة العربية اللي اتعلمتها منك ومن بابا نفعتني جداً النهارده."

استمعت جوليا بانتباه، ولم تفوت لمعة غريبة في عيني ابنتها كلما ذكرت اسم "أدهم الشناوي". حكت جوان عن الصفقة، عن جولة المصنع، وعن سؤال أدهم عن إتقانها للعربية، وصولاً إلى طلبه لرقمهما.

"وطلب رقمك؟" قالت جوليا بدهشة مصطنعة، بينما ابتسامة خفية ارتسمت على شفتيها. "ممم، باين عليه معجب بشغلك يا جوان."

ضحكت جوان بخجل: "مش عارفة يا ماما، بس هو شخصية قوية ومحترمة أوي." كانت تحاول إخفاء الفراشات التي بدأت ترفرف في معدتها كلما تذكرت نظراته.

في القاهرة، وفي مكتبه الفخم بمنزله، كان سليم السويفي يتحدث في هاتفه مع ابنته جوان. على بعد خطوات منه، كان مالك وسما، أخوي جوان من الأب، يجلسان في صمت. مالك كان مشغولًا بهاتفه، وسما تتصفح مجلة بملل. كانت العلاقة بين الأشقاء الثلاثة باردة بعض الشيء، لا سيما بسبب فريدة، والدة مالك وسما، التي لطالما زرعت حاجزًا غير مرئي بينهم وبين جوان، ابنة سليم من زواجه الأول من جوليا.

"أيوة يا جوان يا حبيبتي، عاملة إيه؟" قال سليم بصوته الدافئ، محاولًا إضفاء بعض الحميمية على مكالمته.

"أنا كويسة يا بابا الحمد لله، أنت عامل إيه؟ وطمني على مالك وسما." سألت جوان بحنان صادق، رغم معرفتها ببرود العلاقة الذي فرضه عليهم غيابها الدائم ووجود فريدة.

نظر سليم إلى ابنيه، وحاول الإشارة لهما ليقتربا من الهاتف ويتحدثا مع أختهما. لكن مالك اكتفى بابتسامة خافتة ثم هز رأسه نافيًا دون رفع عينيه عن هاتفه، بينما سما رفعت حاجبها ببرود وابتعدت قليلاً، في إشارة واضحة للرفض. لم تفلح محاولاته لجمعهم معًا، وكأن جدارًا غير مرئي يقف بينهم.

"هما بخير يا حبيبتي، وبيسلموا عليكي كتير." قال سليم بصوت يفتقر للحماس، وهو يحاول إخفاء رفض ابنيه الذي أحزنه بعمق. "الشغل عامل إيه معاكي؟ لسه محتاجة تقعدي هناك ولا ناوية ترجعي قريب؟"

"لحد دلوقتي كل حاجة ماشية كويس يا بابا. لسه مش عارفة هرجع إمتى بالظبط، بس أكيد هبلغك." أجابت جوان، وهي تشعر ببعض الحزن على عدم استجابة أخويها، متسائلة متى سيتغير هذا الوضع.

لطالما حلمت بعلاقة أخوية طبيعية، لكن جدار الجليد الذي بنته فريدة كان يزداد سمكًا مع كل محاولة فاشلة. بعد بضع دقائق، انتهت المكالمة بينهما، تاركة سليم يتنهد بحسرة على عائلته المشتتة، مدركًا أن عائلة الشناوي لم تكن الوحيدة التي تعاني من انقسامات داخلية. بل إن جذور الشقاق في عائلة السويفي كانت أعمق، تمتد إلى صراعات خفية على النفوذ والميراث، تتفاقم بسبب وجود فريدة التي سعت دائمًا للسيطرة.

في فندقه الفاخر المطل على نهر الرون، كان أدهم الشناوي في غرفته التنفيذية. كانت الغرفة واسعة، بديكور عصري أنيق، ونافذة زجاجية ضخمة تمتد من الأرض حتى السقف، تطل على أضواء المدينة المتلألئة. كان يجلس أمام جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به، يراجع بعض رسائل البريد الإلكتروني المتعلقة بالصفقة.

بعد دقائق، أغلق اللاب توب، ونهض من كرسيه. اتجه نحو النافذة الكبيرة، ووقف يتأمل المدينة الهادئة من الأعلى. كانت أضواء السيارات تشق طريقها كخطوط مضيئة في الظلام، بينما تبرز قمم الجبال في الأفق البعيد.

لكن عيناه لم تكن ترى المدينة حقاً. كان عقله مشغولاً بصورة أخرى، بملامح جوان. ابتسامتها، نظرتها الواثقة، وطريقتها في الكلام. شعر بشيء جديد ينمو بداخله، شعور لم يعهده من قبل. تذكر رقم هاتفها الذي أصبح بين يديه. ابتسم ابتسامة خفية، وأخرج هاتفه، وهو يفكر في أفضل طريقة للتواصل معها.

كانت الساعة تشير إلى وقت متأخر، لكن أدهم لم يشعر بالتعب. قراره بالبقاء في جنيف لأيام قليلة لم يكن بسبب العمل فحسب. كان يعلم جيداً أن هناك شيئاً آخر يجذبه للبقاء، شيئاً اسمه "جوان فيرنانديز".

لو كان يعلم أن هذا الانجذاب قد يفتح أبوابًا على عداوات قديمة، ويوقظ ظلالًا من الماضي كانت تنتظر اللحظة المناسبة لتظهر.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أسرار رمادية

المؤلف Angel
2025/11/17 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة