الفصل الأول: لقاء في الغربة
لم تكن جوان فيرنانديز تتخيل أن يوم عملها الروتيني في شركة "فالكون إنترناشيونال" للاستيراد والتصدير في جنيف سيتحول إلى نقطة تحول في حياتها. كالعادة، كانت منهمكة في ترتيب الأوراق ومتابعة جداول المواعيد عندما تلقت مكالمة عاجلة من رئيسها.
"هناك وفد مصري مهم، والمترجم لم يحضر للأسف. علمت أنكِ تجيدين العربية بطلاقة، هل يمكنكِ مساعدتنا؟"
شعرت جوان بنبض قلبها يتسارع. كان مزيجًا من الرهبة وفرصة لا تعوض. رغم إتقانها للعربية بفضل زيارات والدها السنوية ودروس والدتها الحريصة، لم تستخدمها في سياق مهني كهذا من قبل. لكنها لم تتردد، فهذه كانت فرصتها لإثبات ذاتها.
أخذت نفسًا عميقًا وتوجهت نحو قاعة الاجتماعات الكبرى.
دخلت جوان لتجد طاولة اجتماعات ضخمة يحيط بها رجال أعمال بوجوه جادة. على رأس الطاولة، جلس رجل في منتصف الثلاثينات، ذو ملامح عربية أصيلة وعينين حادتين تبعثان على الرهبة. كان هو أدهم الشناوي، رئيس مجلس إدارة مجموعة الشناوي العملاقة في مصر. كانت هذه الصفقة بالغة الأهمية لمستقبل مجموعته، خاصة في ظل التوترات التي بدأت تلوح في الأفق داخل السوق المصري، وتتطلب أعلى درجات الدقة والمهنية.
جلس أدهم، وشعوره بالضيق يتزايد مع كل دقيقة تمر. تأخر المترجم كان أمرًا لا يغتفر في مثل هذه الصفقات الكبيرة. عندما دخلت الشابة ذات العيون الرمادية، ظن أنها مساعدة إدارية أخرى. لكن عندما قدمها رئيس "فالكون" قائلاً:
"هذه آنسة جوان فيرنانديز، ستكون مترجمتنا لليوم"، رفع حاجبيه بدهشة خفية. لم يتوقع أن تكون المترجمة بهذه الملامح الأوروبية الواضحة،
بدأ الاجتماع، وبدأت جوان تترجم بسلاسة مدهشة، تتنقل بين الإنجليزية والعربية بطلاقة ومهارة. كانت كلماتها واضحة، صوتها هادئ ومقنع، وتركيزها شديد. لاحظ أدهم كيف كانت تختار أدق المصطلحات لتعبر عن الفروقات الدقيقة في المفاوضات، وكيف كانت عيناها تتابعان كل حركة وكل تعبير على وجوه الحاضرين. أُعجب بذكائها وسرعة بديهتها، وشعر بنوع من الراحة في التعامل معها، لم يشعر به مع أي مترجم آخر من قبل. كانت هناك لحظات تتبادل فيها النظرات مع أدهم، ابتسامة خفية أو إيماءة فهم متبادلة، تشير إلى كيمياء غامضة بدأت تتشكل بينهما.
انتهى الاجتماع الأول بنجاح جزئي. عندما استعد الوفد المصري للمغادرة، اقترح مدير شركة "فالكون": "سيد شناوي، ماذا عن جولة سريعة في منشآتنا اليوم؟ قد تكون مفيدة لتعزيز شراكتنا."
وافق أدهم على الفور، خاصةً بعد أن علم أن جوان ستكون هي المترجمة خلال الجولة. كانت فرصة جيدة للاطلاع على سير العمل من الداخل، وللحديث معها أكثر.
بدأت الجولة، وكانت جوان تتقدم الوفد، تشرح التفاصيل الفنية وتترجم أسئلة أدهم الدقيقة. لاحظت اهتمامه الشديد بكل جزء في المصنع، من خطوط الإنتاج المتطورة إلى أنظمة الجودة الصارمة. كانت تجيب على أسئلته بوضوح وثقة، وفي بعض الأحيان كانت تضيف معلومات إضافية من معرفتها الواسعة بعمل الشركة.
خلال الجولة، وجدت جوان نفسها تبتسم أكثر من المعتاد. كان أدهم يلقي أحيانًا تعليقات خفيفة الظل أو يطرح أسئلة غير متوقعة، مما يخلق جوًا من الألفة بينهما. شعرت بأنها تتحدث مع شخص يفهمها، وأن هناك كيمياء خفية بدأت تتشكل بينهما. لم تكن مجرد مترجمة تؤدي عملها، بل كانت تتفاعل معه بطريقة لم تختبرها من قبل.
في إحدى محطات الجولة، بينما كان أدهم يتفحص آلة ضخمة، التفت إلى جوان وقال هامساً: "اشعر وكأنني في جولة سياحية ممتعة أكثر منها زيارة عمل. أنتِ تجعلين كل شيء ممتع."
احمرت وجنتا جوان بخفة، وقالت بابتسامة: "يسعدني ذلك سيدي. هذا جزء من عملي."
ضحك أدهم بصوت خفيف، وقال: "بالتأكيد. ولكن هناك شيء مختلف في طريقة شرحك." ثم أضاف بفضول واضح:
"بالمناسبة، أين تعلمتِ اللغة العربية بهذه الطلاقة؟ لهجتكِ تكاد تكون مصرية خالصة."
ابتسمت جوان، وشعرت بشيء من الدفء تجاه سؤاله الذي بدا شخصيًا أكثر من كونه مجرد فضول مهني.
"والدي مصري يا سيد أدهم. هو يعيش في مصر، ويزورني هنا في جنيف مرة واحدة في السنة. والدتي حرصت دائمًا على أن أتعلم لغته وثقافته، فكانت تحضر لي دروسًا خاصة، وكنا نتحدث العربية في المنزل أحيانًا."
هز أدهم رأسه بتفهم، وبدت نظرة الإعجاب في عينيه أكثر وضوحًا. "إذًا، هذا يفسر الأمر. لم أتوقع هذا الإتقان من فتاة نشأت هنا. شيء رائع حقًا."
انتهت الجولة، وقبل أن يغادر الوفد، توقف أدهم أمام جوان مباشرة. كانت هناك نظرة جادة في عينيه لم تكن موجودة من قبل، ممزوجة بلمعة خفية.
"آنسة جوان، أنا معجب جدًا بمهنيتكِ وإتقانكِ للغة العربية. قد نحتاج إلى خدماتكِ في صفقات مستقبلية، أو حتى في بعض المفاوضات التي تتطلب مترجمًا خاصًا."
ابتلعت جوان ريقها، قلبها يدق بخفة. "بالتأكيد سيدي، يشرفني ذلك."
"ممتاز." قال أدهم، وهو يخرج بطاقة عمل من محفظته.
"هذه بطاقتي. هل يمكنني الحصول على رقم هاتفكِ؟ هكذا أستطيع التواصل معكِ مباشرة إذا احتجتُ إلى مترجم في أي وقت."
ترددت جوان للحظة، لم تكن متأكدة ما إذا كان هذا طلبًا مهنيًا بحتًا أم أن هناك شيئًا آخر في نبرة صوته. لكنها سرعان ما قررت أن تمنحه إياه. أخرجت هاتفها وسجلت رقمها فيه.
"تفضل سيدي."
ابتسم أدهم ابتسامة واسعة كشفت عن غمازتيه الخفيتين. "شكرًا لكِ يا جوان. أتمنى ألا يكون هذا آخر لقاء بيننا."
غادر أدهم ووفده، لكن أثره بقي في قلب جوان. كانت يدها ترتجف قليلاً وهي تمسك ببطاقته. شعرت بأن هذا لم يكن مجرد لقاء عمل عادي، بل كان بداية لشيء أكبر بكثير، بداية قد تغير مسار حياتها إلى الأبد.
كومنت وفوت 🌟
Angel