نفق مظلم ضيق طويل، يُشعر من يسير فيه بثقل غريب،...، نوع من الخوف، رعب، أنين خافت،صراخ مكتوم،بكاء يُنزف القلب دماً، هذا ما يمكن سماعه من بعيد، ...
"اقترب"....
" أكثر فأكثر"...
"خطوة أخرى"،...
" تلك القاعة على اليمين"،..
"باب أسود مهترئ"،...
" أنظر في فتحة قفل الباب"...
"هل ترى؟!"...
امرأة بجمال باهت،...، طغى عليها جزع شديد،...، شفتان مرتجفتان داميتان،...، تفصل بينهما قطعة قماش،...، بيضاء؟
" هل ترى قطعة القماش تلك بيضاء؟ "
"هي قطعة رائعة،...، من فن،...، لا يراه العاقلون"،...
أصابع رقيقة مقطوعة،...، دم يتسايل،..، يزيد من تفاصيل تلك اللوحة جمالاً فوق جمالها،...، التي رسمها في عقله المختل،...،
تضرب بقدميها الأرض بشكل جنوني،...، هي مربوطة بذلك الكرسي و رغم ذلك فإن حركتها المتسارعة غير طبيعية،..، جسدها يقفز من هول الألم،..، عيناها محمرتان و كأن شرايينها تنفجر داخليا،..، شعر مبعثر،..، قد تلوث بالدم من قبل،..،
" أترى ماذا حلّ بها؟...، صنعت منها لوحة رائعة"،..
التفت الفنان المختل بثقل إلى الباب،...، رأى ذلك الشعور الذي يعشقه حد الجحيم في عينه الظاهرة من فتحة الباب....'الفزع'
واحد،..، اثنان،... عدّ خطواته في نفسه و هو يتجه نحو الباب،...، ابتسامة عريضة مريبة مخيفة يرسمها على وجهه الدامي،..، عيون زرقاء ،..، تعكس تلك الرغبة المريضة،..،
" عين فاتنة"،....
قالها و هو يحمل سكينا في يده،...، ليقفأ به عين الرجل...
صرخة ذلك الرجل المفزعة دوت في الأرجاء،...،
فتح الباب ليجده يتلوى من الألم،...، ازدادت ابتسامته،...، لمعت عيناه سعادة...
الجزء المفضل لديه بدأ!
وجّه نحو فخذه ضربة بذلك السكين ليمرره على طول ساقه،..، صرخ بقوة ما دفع الآخر ليقفز بسعادة:
"أكثر صراخا!.... أكثر متعة!"
طعنة في بطنه، و الأخرى في يده...
أمسك الرجل من ناصيته ليصرخ الآخر ألماً،..،
"هاهي زوجتك! "،...،
أشار بيده الشاحبة إلى المرأة التي حركت رأسها بهستيرية،...، بدأت بفعل حركات غريبة،..، عقلها يكاد يتوقف من شدة الجزع.
" أنظر كم تبدو فاتنة! " صرخ بهستيرية ليمسك رأسها،...،
" توقف! لا تلمسها! "هدد الرجل لينظر الآخر له و قد سقطت ابتسامته..
" تمزح؟ كيف لي أن أمسك يدي عن لمس هذه التحفة الفنية الراقية؟ "
توجه خطوات نحوه بينما يمسك شعر المرأة:
" أنتَ لا تستحقها بعد الآن،..، لأنك لا تقدر هذا النوع الراقي من الجمال الآسر! " تفوه ببرود،..، بلهجة تضمر شيئا جعل قلب الرجل يتسارع بجنونية...
توجه نحو طاولته البيضاء،...، أسلحة،..، فؤوس،..، خناجر،..، مناجل،..،و كل وسائل القتل..
التقط فأسا،..، توجه نحوها و فك قطعة القماش عن فمها...
" جون! أنج بحياتك و أهرب! " صرخت بكل ما تملكه من قوة لتسعل بعدها دماً،..، التفت الرجل لها بقلق،..، أراد الزحف نحوها لكنه لم يستطع،...، قضب جبينه و ضرب قدمه،..، أرادت الصراخ به، أرادته أن ينجو، فحتى لو خرجت هي لن تستطيع العيش أكثر،..، لكن لم يكن في وسعها سوى اسقاط بعض الدموع الحزينة،..، عزاءًا.
"يا لظرافتكما! لكن لا داعي للقلق،..، سأحرص على أن تدفن جثتكما بجانب بعض، بعد أن أتفنن فيها بالطبع!"
ابتعد بضع خطوات عنهما،...، ليقول بابتسامة خبيثة : " ما رأيكما أن نلعب لعبة؟ "
صمت كلاهما لتتسع عيونهما دهشة...
" سأرمي هذا الفأس في الهواء و من يموت أولا نشرب دمه، أليست فكرة مذهلة؟ " سأل ليميل رأسه و خبث جنوني باد على محياه...
رفع الفأس ببطئ،...،
أما هما،...، فقد كانا يموتان مائة مرة في مكانهما...
صرخا معاً،..، لم يعلما ماذا عساهما يفعلان،...، سوى أن هستيرية أصابتهما،...، خلاياهما توقفتا عن العمل...
و لم يجعل الرجل يتوقف عن الصراخ،...، سوى رؤية رأس زوجته يتدحرج...
توقف الرأس عن التدحرج فورما وصل إلى ركبته،...، عينه السليمة أخذت اكبر متسع لها،..، شعر و كأن نبضه توقف،...، عطل أصاب عقله،...، بكاء يتصاعد داخله،...، نظر للرأس بفاه مفتوح،..
" و هكذا تكون اللوحة قد اكتملت! " قال بسعادة،...، توجه نحوه و جثا على ركبتيه،..، كانت عينه خالية من كل أشكال الحياة،...، ينعكس رأسها الدامي على بؤبؤ عينه السليمة المتسع بصدمة...
" لا شك في أنك مبهر في لوحتي!،..، لا ألومك،..، فحتى أنا لم أعلم أن مستواي في الفن سيتطور لهذه الدرجة. "
انزعج من صمته لوهلة،...، لكن الانزعاج تبدد فورما تذكر الخطوة التالية ليقول مصفقا: " و إذن،...، لنتجرع من دمها! "
لم يسمع الرجل ما يقوله أصلا،...، لكنه أفاق من شروده فورما رأى رأسه ينزل للأرض بسرعة ،...، مسح برأسه الأرض بينما الآخر يأن، مستسلماً لجنونه،..
رفع رأسه بينما يشد من شعره، قربه من وجهه هامساً: " أليس مذاقه لذيذا؟"
قرب وجهه إلى أذن جون ليقول: " هم يروننا... لذا سنكمل هذا بعد قليل... "
يتبع....
انتهى الفلم و يمكن سماع أصوات التصفيق و التصفير،و آراء عن الجزء الثاني من' الفنان المختل'...،
كان ذلك هو أول عرض على المنصات الأمريكية السنمائية،..، و طبعا على البعض أن يلتقط صورا لتسريب بضع مشاهد،..، بينما هناك من اخرج هاتفه ليحرق على البقية فلم الرعب الأمريكي المفضل لدى الأغلبية...
" دموي،..، احببته! "
" تعجبني الأفكار التي يقتل بها البطل ضحاياه."
" يستحق المشاهدة،..، لقد كان أفضل من الجزء الأول ،..، هل رأيت البطل؟ لقد كان تمثيله فوق المستوى! "
بقي جالسا في أول الصف يتأمل عمله بعينيه الصفراوتين ،..، بدل زجاج نظاراته الطبية المربعة بأخرى أكثر ظلمة،..، يرتدي وشاحاً يغطي به نصف وجهه،..، غطى شعره الاشقر الرملي بقبعة أنيقة،..، يرتدي معطفا بلون بني داكن من الجلد،...
" اقتربت من العمل المثالي! " همس لنفسه،...، وقف ليتمعن في الناس و يتلقط بعض وجهات النظر،..، كانت تلك عادة المخرج' مايكل يندرسون'، بعد عرض عمل من أعماله،..، يذهب للسينما،..، يجلس في المقعد الأول،..، يحاول اخفاء هويته- رغم أنه لا يرى داعياً لذلك- ثم يحاول التقاط رأي الجمهور،...، ليقيم عمله،..، و لم يصل للعمل المثالي- في رأيه- بعد.
جزء منه انزعج لأن الأغلبية شاهدوه لأجل أمرين لا ثالث لهما: وسامة الفنان المختل رغم مظهره القبيح في الفلم،..، و لأن الممثل الذي أخذ دور' جون' ممثل معروف...،
لا يفهم لم يحصل الممثلون في أعماله على كل الاهتمام بدلاً عنه؟ أليس هو من أخرج هذا الفلم و كتب السيناريو الخاص به؟ لولا أفكار عقله المميزة لما حصلو على شرف متابعة فلمٍ ممتع كهذا!...
أطلق زفيرا طويلا و خرج دون أن يكشفه أحد،..،
سار في شوارع مدينة نيويورك،..، و الجميع يتحدث عن الجزء الثاني من هذا الفلم،..،
وصل إلى مستودع مهجور،في منطقة نائية،...، حيث المكان الذي يستلهم منه أفكاره،..
واقع هذا المكان و خيال عقله،..، هو ما جعله مخرجاً من أفضل مخرجي أفلام الرعب في العالم..
أزاح وشاحه لتظهر ابتسامة،..، ابتسامة تعرف عن ذلك الشيطان القابع وراء مظهر مهذب،..،
اظلمت عيناه،...، و هو يسير داخله،..
باب في آخر المستودع في زاوية،..، رمادي اللون كلون الجدار،..، و من الصعب التفريق بينهما،..،
فتح الباب،..، ليسير بخطى هادئة، مفزعة،..، كظلمة هالته الدموية تماماً..
دخل إلى تلك الغرفة،..، لوحته المفضلة،..
بيضاء ناصعة،..، ملطخة بلون الدم القاتم،..، أمام الباب ثلاجات،..، فتح أحدها،..، ليجد أن الأعضاء البشرية التي بترها تجمدت تماماً،..،
أخرج أحدها لتبرد،..، كانت يده،..
يد جون الحقيقي!
توجه إلى الزاوية المحببة إلى قلبه المهووس،..،
هرم به زجاجات تحتوي على عيون بشرية،..،
شعيرات تزينها، دماء تحيط بها،..،ابتسم ابتسامة غريبة،..، و التقط احدى الزجاجات..
" عليك أن تشكرني يا جون! جعلتك شخصية مشهورة كما كنت تتمنى،..، أوليس هذا رائعا؟ "
مسح على الزجاجة بلطف،..، بقي هناك يلتف و يدور و على وجهه ابتسامة مخيفة،..، عيون تكشف عن تلك الرغبة المريضة..
تلمس قطعة يده،..، زال الجليد منها أخيرا، ليعضها،..،
لقمة تتبعها الأخرى،..، يأكل بشراهة،..، و عندما انتهى،..، شعر بأن روحه عادت إليه،..، نفسه قد تشبعت،..، و خرج من المستودع سعيداً.
سار حتى ابتعد بضع كيلومترات ليجد فتاة مراهقة تمشي و كأنها ضائعة،..، خائفة،..، وجدت مايكل لتذهب إليه متسائلة:
" يا عم! خرجت من المدرسة و قد جئت إلى نيويورك حديثاً،..، فهل لك أن تساعدني على الوصول إلى البيت؟ أنا ضائعة! "
ابتسم بلطف على عكس نيته الخبيثة،..، ليرد بهدوء: " طبعاً صغيرتي! هلا أخبرتني أين يقع بيتك؟ "
شعرت الفتاة بالراحة لعثورها على شخص يساعدها في مشكلتها،..
و لم تدري أنها الضحية التي سيستلهم منها أفكاره للجزء الثالث.
يتبع...
☆𝓐𝓼𝓽𝓻𝓮𝓪