جلسا في مقهى الجامعة بعد انتهاء المحاضرات، الطاولات الخشبية تعكس الضوء الخافت من المصابيح العتيقة، وأصوات الطلاب تتخلل الأحاديث بين رشفة قهوة وآخرها دفء الكابتشينو. إميلي كانت تحاول التمالك نفسها، كل كلمة يقولها لوكاس كانت تفتح باب الذكريات القديمة في قلبها، كل حركة له كانت تذكّرها بالمطر الأول، بالمكتبة، وبأول ابتسامة جمعتهما.
— "أتذكرين أول لقاء لنا هنا في المكتبة؟" سأل لوكاس وهو يبتسم بخفة، يمرر إصبعه على حافة كوب القهوة كأنه يفكر مليًا.
ابتسمت إميلي بحذر، قلبها يخفق كما لو كان يعود لتلك اللحظة تمامًا. — "كيف أنسى؟ كل شيء بدا كحلم، المطر، الكتب، تلك النظرات التي… لم تنسَ أبدًا."
ضحك لوكاس بخفة، صوته يحمل شيئًا من الحنين والدفء. — "كنت أخاف أن أخطئ في الكلمات، أن أفقد اللحظة قبل أن نبدأها…"
التفتت إليه، وعيناها تتوهج بالدهشة والسعادة، بينما الحنين يغمرها. لم يكن الحب مجرد شعور عابر الآن، بل أصبح ذا وزن، ذا حضور في كل جزء من حياتها، وكأن السنوات الأربع لم تفصل قلبين عن بعضهما، بل صقلتهما، جعلهما أقوى.
تبادلا الحديث لساعات طويلة، عن الجامعة، الدروس، الأساتذة، وحتى الأماكن الصغيرة في الحرم الجامعي التي لم يكن يعرفها الآخر. كل تفاصيل كانت جديدة، لكنها أيضًا تحمل عبق الماضي.
— "أحيانًا أشعر أننا نعيش حياتين في آن واحد." قالت إميلي، تحدق في وجهه.
— "حقًا؟" سأل لوكاس، يرفع حاجبه بطريقة مرحة، لكنه يبتسم.
— "نعم… حياة هنا، والحياة التي عشناها معًا منذ البداية. وأحيانًا، كل شيء حولنا يذكّرنا بما كنا عليه."
ابتسم لوكاس مطولًا، كما لو أن كلماتها لامست قلبه على نحو لم يلمسه شيء منذ سنوات. — "وأنا… لم يمر يوم واحد لم أفكر بك فيه، إميلي. لم يتغير شيء… سوى أننا أصبحنا هنا، أقوى، أكثر وضوحًا."
جلست إميلي، تلملم شعورها بالحنين، وتتنفس بعمق. كانت تعي الآن أن كل تفاصيل الماضي، كل الرسائل التي لم تُرسل، كل لحظة انتظار، كانت تؤدي إلى هذا اللقاء، إلى هذا الشعور بالأمان والحب الكامل.
ثم بدأ الحديث يتحول إلى أحلامهما، المستقبل الذي يراه كل منهما لنفسه.
— "أتريد أن تكمل دراستك في الأدب بعد الجامعة؟" سأل لوكاس.
— "نعم… وربما أكتب كتابًا يومًا ما، أو أشارك في مشاريع ثقافية. وأنت؟"
— "أريد أن أرسم العالم كما أراه، لكنك تعرفين، أريدك أن تكوني معي في كل خطوة. كل لوحة، كل حلم… معًا."
تبادلا ابتسامة طويلة، عميقة، كما لو أن الكلمات لم تكن كافية للتعبير عن مشاعرهما. الهواء حولهما كان مشبعًا بالدفء، أصوات الضحك، قهوة الصباح، وحفيف الأوراق، كل شيء أصبح خلفية لمشهد الحب الذي نما منذ البداية ولم يتوقف.
ثم، توقفا للحظة، صمت ممتد، لكنه لم يكن صمتًا فارغًا، بل صمتًا مليئًا بكل شيء لم يُقال، بكل الحنين الذي جمع بين قلبين عاشا الفقد والانتظار.
— "أشعر أننا أصبحنا أقوى… ليس فقط حبًا، بل روحًا واحدة." قالت إميلي.
— "وأنا أيضًا… لم أتخيل يومًا أن أشعر بهذه القوة مع شخص واحد." قال لوكاس، يمسك يديها بحذر.
في تلك اللحظة، أدركت إميلي أن اللقاء لم يكن مجرد صدفة، بل فرصة لاستعادة كل شيء، لتجربة الحب بعد أن نضج، بعد أن كبر، بعد أن أصبح أقوى.
وبينما كانت الشمس تميل نحو الغروب، والسماء تتلون بألوان الغيم، خرجا معًا من المقهى، يمشيان بين الممرات الجامعية، يضحكان، يتبادلان النظرات، وكأن الزمن توقف لحظة ليحتضن حبًا أعاد اكتشاف ذاته بعد أربع سنوات من الانتظار.
Lara