"لقاء بعد أربع سنوات"

"لقاء بعد أربع سنوات"

21 0

كانت الجامعة مشغولة بالحياة كما لو أنها مدينة صغيرة تتنفس حيوية الشباب، صخب المحاضرات، ضحكات الأصدقاء، ورائحة الكتب القديمة التي تختلط مع القهوة الصباحية. إميلي تمشي بين أروقة الكلية، حقيبتها على كتفها، ودفترها المفضل يحتضن أفكارها ورسائلها الصغيرة، لكن قلبها كان يخفق بطريقة مختلفة هذا الصباح، إحساس لم تفهمه بعد.

لم تتغير الجامعة كثيرًا منذ آخر مرة زارتها كمراهقة، لكن كل شيء بدا أكبر، أوسع، أكثر تعقيدًا. صديقاتها من السنة الأولى كن يجرين في الممرات، يضحكن من نكات بسيطة، بينما هي كانت تفكر في مشروعها القادم في الأدب.

حين دخلت المكتبة الرئيسية، حيث اعتادت الاختباء من صخب الحياة، شعرت برهبة مألوفة. الرائحة القديمة للكتب، الصمت الذي يكسوه همس صفحات الورق، والضوء الذي يتسرب من النوافذ الكبيرة… كل شيء كان كما تركته قبل أربع سنوات، إلا أن قلبها الآن يترقب شيئًا لم تستطع تفسيره.

وفجأة، لمحت شخصًا يجلس على الطاولة التي كانت تجلس فيها دائمًا، يقرأ كتابًا بتركيز شديد. شعره لا يزال بنيًا، عينيه الزرقاوان كانتا أكثر عمقًا من ذاكرتيها، لكن ابتسامته المألوفة، تلك التي كانت تذوب قلبها قبل أربع سنوات، كانت هي نفسها.

لو… لوكاس.

تجمدت لحظة. لم يلتفت إليها بعد، لكنه رفع رأسه فجأة، وكأن شيئًا في الجو أخبره بأنها هناك. التقت عيناها بعينيه، وهما يكتشفان بعضهما بعضًا بعد سنوات من الانتظار والصمت، وفجأة، عاد كل شيء كما لو لم تمر السنوات.

— "إميلي؟" قال بصوتٍ خافت، لكنه مليء بالدهشة والسعادة.

ابتسمت بخجل، شعرها يتطاير بفعل نسيم خفيف يدخل من النافذة. — "لوكاس… هل… هل أنت هنا حقًا؟"

وقف عن القراءة، وأمسك بكتفه حقيبته، واقترب منها ببطء، كأنه يخشى أن تكون لحظة غير حقيقية. قلبها كان يخفق بقوة، وعالمها كله أصبح هادئًا حولهما، صمت تام، إلا من خفقات القلب والصدى القديم للحب الأول.

— "بعد أربع سنوات… لم أصدق أني سأراك هنا." قال وهو يبتسم ابتسامة مطمئنة.

لم تستطع إميلي التحدث، كل الكلمات اختنقت في حلقها، فرفع هو يده بخفة، ولمس خصلة من شعرها خلف أذنها، نفس الحركة التي كان يفعلها دائمًا، وابتسمت له أخيرًا، ضحكة صغيرة مليئة بالدهشة والسعادة.

جلسا معًا على الطاولة، وكل شيء بدا طبيعيًا رغم طول الفراق. تحدثا عن الجامعة، عن الناس، عن الكتب التي يدرسانها، عن الحلم الذي بدأ يتشكل منذ سنوات. كل كلمة كانت تذكّرها بالمطر، بالمكتبة القديمة، بالرسائل الليلية، وبكل تفاصيل أول حب لم تنتهِ، بل بقي حيًا في قلبيهما.

— "أتعلمين؟" قال لوكاس بعد أن هدأت الأصوات حولهما قليلاً، "كنت أفكر فيك كل يوم… لم يتغير شيء."

ارتعشت يديها، لكنها ابتسمت، تلك الابتسامة التي تقول كل شيء بلا كلمات: "وأنا أيضًا."

خارج المكتبة، الشمس بدأت تميل نحو الغروب، تلقي بظلال طويلة على الممرات، والمطر بدأ يهطل بخفة، يذكرها بالماضي، باللقاء الأول، بالوعود التي لم تذبل.

وقفا تحت المظلة التي أحضرها لوكاس، والهواء البارد لم يكن مهمًا، كل شيء أصبح عاطفة واحدة، قلبان بعد طول انتظار، يلتقيان مجددًا.

— "لن أتركك أبدًا هذه المرة." قال وهو ينظر إلى عينيها بجدية.

ابتسمت، ودموع خفية نزلت على خديها. "وأنا لم أتوقف عن الانتظار."

وهكذا، بعد أربع سنوات، لم يكن اللقاء مجرد صدفة، بل بداية جديدة لرحلة لم تنتهِ أبدًا، رحلة الحب الذي نما، نضج، وأصبح أكثر ثباتًا مما كان عليه في الماضي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

"نبض أول حب 2 "

المؤلف Lara
2025/10/26 مكتملة
قائمة الفصول (10)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة