الفصل الثاني

الفصل الثاني

14 0

"اللقاء الأول ليس دائمًا صدفة... أحيانًا يكون مصيدة"

لوتشيا إسبوزيتو

"برشلونةُ جميلة الليلة، أليست كذلك؟ البحرُ دائمًا يغسل الدماء أسرع مما تفعل الجبالُ إلبروس"

خرجت تنهّداتي بزفيرٍ قوي متعمّد، يا إلهي ليس لديّ المزاجُ لهذا، التفتُ ناحيتهِ بحركةٍ سريعة وقد جعلت مرفقيَّ يتكئان على درابزين الشرفة وعيناي تشتعلان بانزعاجٍ لست أخفيه، قلتُ ببرودٍ يقطر سُمًّا:

"لم أتوقّع أن أراك هنا، أورلوف، يبدو أن لا الظلالُ ولا الجبال تكفيك الآن وحتى البحر لم يَسلم منك"

اقترب بخطوةٍ أخرى قاسية تحمل نوعًا من أذاه المعتاد، حاصرت عيناهُ الزرقاوان كالجليدِ عيناي، كانتا باردتين إلى درجةٍ أشعرتني بأن دمي قد يتجمّد في عروقي ويتحوّل إلى صخور، كأنه يحمل معه تأثيرَ عيون ميدوسا، ابتسم ابتسامةً مقيتة... تحمل نصف فخرٍ ونصف ازدراء، وكأنّ مجرد وجودي أمامه اعترافٌ ضمني بهيمنته، قال بصوتهِ المتثاقل الخشن كما لو أنه يستمتع بإثارةِ أعصابي:

"آه، سينيورا إسبوزيتو... ما زلتِ سريعة الغضب كطفلةٍ مدللة على الرغم من أنك صنعت لنفسك اسمًا لا يُمحى"

أشحتُ بنظري للحظةٍ إلى أمواجِ البحر لأنني لم أطق عينيه الزرقاوين التي تشوّه أفكاري عن نفسي، عندما قلتُ بسخريةٍ مقيتة عدت لأطعنهُ بعينيَّ:

"اسمٌ لا يمحى؟ أم ندبة تركتها أيادي أمثالك؟ لا فرق، لكن تذكّر، أورلوف... من يبعث الزهور لي في النهار قد يُدفن تحتها في الليل"

ضحك بخفوت... ضحكةٌ ثقيلة أقرب إلى زئيرٍ مختنق من تهديدي له والذي سقط عند قدميه غير محدثٍ أيّ تأثير، كأنه لا ينسى أبدًا ارتداءَ درعه الحديدي، انحنى وهمس وهو يقترب حتى شعرتُ ببرودةِ أنفاسه رغم أننا في يوليو:

"كم أحب كبرياءك... إنه يجعل موتك القادم أكثر شاعرية، مثل سقوط إيكاروس حين تجرأ على لمس الشمس"

تصلّبت أصابعي فوق حاجز الشرفة، وكل خليةٍ في جسدي تصرخ بتهشيم رأسه بهراوةٍ حتى تتناثر المادة الرمادية لدماغه، ربما حينها فقط أستطيع معرفة ما يوجد حقًا داخل ذلك الرأس، لكني رفعت رأسي بفخرٍ وأنا أضع عيناي على مستوى عينيه وأقول بكلماتٍ سريعة:

"تذكر يا أورلوف، أنني شكّلت نفسي من رحمِ الصعاب، بينما أنت مجرد ابن توارث السلطة كما يتوارث الفأرُ جُحره، إياك وأن تنسى"

ارتسمت على شَفَتيه ابتسامةٌ مائلة، كأنه يَتذوّق كَراهيتي له وكأنها نَبيذ فاخر يُبهجه، ثم مال برأسه قليلًا ونَبَس ببطء بكل حقدٍ كما لو أنه يَنتظر مني السقوط بينما يَرمي عليّ بالرصاص:

"كلمات كبيرة، من امرأةٍ صغيرة... تَتقمص ما ليس لها، هل تَعلَمين ما أَمقته أكثر من أعدائي يا سينيورا إسبوزيتو؟ أَبغض أولئك الذين يَتظاهرون بالقوة، الذين يُولَدون من طِينٍ وضيع ويَظنّون أن وقوفهم على الطاولة بين الملوك يجعل منهم استثنائيين"

ترك مَسافة صغيرة بيننا، لكن نَظراته ظلت مُعلّقة بي وكلماته تَجلدني كالسوط الذي يَنهال على كبريائي، قبل أن يَتراجع خطوة للخلف ببطء تاركًا قلبي يَطن في أُذنيّ، تقدّمت بخطوة وقَرّبت وجهي منه ولم أُخفِ انزعاجي من ابتسامته المُتعالية وأشهرت بإصبعي اليُمنى تحت ذَقنه، وردّدت بسُخريةٍ حادّة:

"إذا كان دمك يَمنحك حقًا لمجرّد أنك وُلدت به... فاسمح لي أن أَبصق فيه، لأن الدم وحده لا يَجعل الرجلَ سيّدًا"

ارتعشت ابتسامته التي أَوحَت لي بأنني أُصيب جيدًا أزراره، تلك الابتسامة المائلة التي تَفوح بالاحتقار، ثم رفع يده ببطء وأَمسك بمعصمي وأَحكم قبضته عليه وأَبعده عن وجهه وقال كمن يُشرح حقيقةً لا تحتمل الجدل:

"هنا يَكمُن وَهمك يا إسبوزيتو... أنتِ تَتوهمين أن العناد، الألم، أو حتى الرغبة في الانتقام يمكن أن تَصنع شيئًا مهمًا، الدم وحده من يَصنع القوة، الوراثة، النَّسْل... ولَعلك تَعرفين هذه أشياء لا تُكتسب، وأنتِ لستِ إلا صُعودًا زائفًا يَتحدى قوانين الطبيعة، حتى أن احتقارك لي لن يُغيّر شيئًا لكن احتقاري لك يَفعل... العبيد يَظلون عبيدًا"

"النَّسْل؟ الدم؟"

سَخرت بابتسامةٍ عَريضة وقَلَبت عينيّ:

"أين نَسلك يا سيد أورلوف؟ لأنني أَرى أن مثالياتك لا تَتجلّى في واقعك، وها أنت تَبلُغ الأربعين دون زوجة أو حتى طفل غير شرعي مع حصيلة أربع خَطيبات تم اغتيالهن"

شعرت بنفسي أَشتعل ولم تَهدأ الصفعة التي تَلقّاها من كلماتي وذُهوله مني شيئًا، اقتربتُ منه حتى تَشابك ظلي وظلّه، عينيّ كالسيوف المُوجّهة لتَخترقه مُستعدة لسلخه، قلتُ بلهجةٍ سريعة لا تُخفي انفعالاتي وبصوتٍ جَهير:

"اِسمعني جيدًا واستعِد يا أورلوف... لأن هذه العبدة ستجعلك تَلعن الدم الذي تَفخر به"

عندما هَممتُ بالمغادرة وفجأة قبل أن أتمكن من الابتعاد أَدرَكتُ أنه كان يُحاصرني بجسده الذي مال نحوي ولم يكن خلفي سوى الأُمواج المُتلاطمة، كان وجهه قد تَعرّى من كل المشاعر إلى الغضب، وعُيونه الزرقاء تَلاشى منها أيُّ توهّج وتحوّلت لعُيونٍ مميتة، حاولت أن أُفلت يدي من يده الباردة لكنه شَدّد قبضته حتى شعرتُ بالعَظم يَكاد يتهشّم تحت قبضته، لم تكن فعلته مجرد حركة تهديد بل إعلانًا صريحًا بأن هذه اللعبة لن تَطول أكثر.

"أتعرفين، سينيورا إسبوزيتو... الدماء المُتكتلة تَترك علامات على المِعصم؟ لكن الأساور والساعات تُخفيها بسهولة، وهل أَخبرتك يومًا كم أَميل لترك علامات على فرائسي قبل اصطيادها؟"

شَدّ قبضته عليّ حد الألم بينما يَصلني معنى كلماته مُتأخرًا، أَجبرت نفسي على كَبح شهقة كادت تَفلِت مني ورغم أن النار كانت تَشتعل في عروقي، رفعت ذَقني بعناد وسَحبت مِسدسي الذي من طراز بيريتا 92 وغَرسته أسفل ذَقنه وصَرخْت في وجهه دون أن أَرمش:

"أَطلق يدي أيها الروسي الحقير! قبل أن أُريك كيف تَترك المرأة الإيطالية علاماتها على وجه رجل لا يَعرف متى يَتراجع"

ارتجفت ابتسامته على مهل كالذئب الذي يُعجبه صمود فَريسته، ثم فجأة ترك مِعصمي وانساب الدم في يدي كتيارٍ مُحرّر، لكنه ترك خلفه أَثرًا بنفسجيًا بدأ يَتكوّن على بَشرتي، ابتعد خطوةً إلى الوراء ويده تَعمل على ترتيب ياقة سترته وكأنه لم يُطلق أو يحصل على تهديد للتو، قال ببرودٍ مَقيت:

"أُحب أن أراكِ تُقاومين... فالصيد بلا مقاومةٍ مُمل"

درت بجسدي نَحوه وبدأت في إطلاقِ السِّباب بالإيطالية وأنا أكاد أجزم أنّ عَيْناي الخضراء تَتقدان لتتحوّل إلى لونٍ أحمر:

"وأنا أحب أن أراكَ تَختنق... فالموت بلا كرامة أكثر مُلاءمة لك، اذهب للجحيم يا ابنُ السخيفة، معتلُّ اجتماعي"

"سعيد أنّ الجحيم سيتّسع لكِلينا لأنّ الفناء قليلٌ بحقك يا لوسيا، إنّ لكل فعلٍ عواقب، لذا اسمحي أن أنزل عليكِ عذابَ الجحيم هنا في الأرض"

ترك كلماتي مُعلَّقة في الهواء بعد أن قال كلماته اللاذعة وأدار ظَهره نهائيًّا، متعمّدًا تَركي مع الألم في مِعصمي والنار التي لا تهدأ في صَدري ولساني يَنبس بكامل الشّتائم مُتنوّعة اللغات التي أعرفها. لم تكن مَرّتي الأولى في التعرّض للمُضيقات، لسماع التهديدات، لقد استطعتُ التغلّب على كلّ ما واجهني، لقد كنتُ حَذرة وأنا أتسلقُ الرُّتب، لقد حوّلت نفسي لأداةٍ مفيدة وسخّرت كلّ ما وقع عليه يدي لأكون مُهمّة وذاتَ قيمة، لأحصل على حِصانة من كل من أراد التّجاوز عليّ.

عبس جَبيني باستنكار، كيف يجرؤ على تَشويهِ اسمي الإيطالي بمُناداتي بلغته الروسية؟!

لكن ليونيد أورلوف حشرةٌ حقيرة مكوّنة من الغائط ولا يمكنني تَجاوزها، أنا أعرف هذا وهو كذلك، وهذا ما يَدفعه لتجاوز حدوده معي، لأنه يَظن أنني لا أستطيع فعلَ شيء له ولو بعد مئة سنة. نعم، ربما كعضو في ندرانجيتا لا أستطيع تخريب علاقتنا مع مُستشار الروس وابنُ عمّ الباخان.

*سوفتنيك: هو مستشار الباخان، الرجل المقرب منه الذي يعطيه النصائح في القرارات الكبرى.

*الباخان: و تعني "الزعيم الأعلى" أو "الأب الروحي" للمافيا، و تطلق على القائد الذي يدير الشبكة بأكملها في المافيا الروسية.

*ندرانجيتا: هي واحدة من أخطر وأقوى منظمات المافيا الإيطالية، أصلها من إقليم كالابريا في جنوب إيطاليا.

لكنني أُقسم! أُقسم أنه بمجرّد أن أنهي أعمالي هنا في برشلونة سأجد نُقطةَ ضعفه! وإن لم تكن موجودة سأصنعها! وإن لم أستطع تَعذيبه بالألم سأُعذّبه بالفضيلة، سأجعله يَحترق في غَيْظه وأُدخّنه وأنثر رمادَ غروره في مِرحاضي.

أعدتُ مسدسي لجرابي في حزامي، فعليًّا، ماذا يُريد رجلٌ مثله مني؟ ولِماذا يريد بيأسٍ تَعذيبي كما لو أنني رميتُ رَصاصة في قبرِ والده؟

غادرت الشرفة التي أُقسمت أنني لن أتجه إليها في أيّ مناسبةٍ قادمة بعد أن هدأت نفسي، ليس تمامًا لأنني غذّيت نفسي فقط بمزيدٍ من المقتِ والكراهية. أعدتُ تَعديل مكانَ ساعتي بيدي اليمنى لإخفاء الكَدمة المتشكّلة حديثًا وأنا أراهن أن لا أحد سيُلاحظ اختلاف مكانها لأنني عُسراء وكثيرًا ما أضعها هناك من الأساس.

سرتُ إلى جانب طاولتنا ووضعتُ يدي بجيبي وتَحدّثتُ قليلًا مع خوان على انفراد، الذي أكّد لي أنّ تزويدي له ببعض المَعارف والمعلومات حقّق له أرباحًا مُضنية وازدادت أسهمه في كلتا السُّوقين، وبينما يُمطر عليّ بالثناء شعرتُ بالبهجةِ والغرور.

إنه دليل ونموذج آخر قمتُ بإخضاعه على طريقتي، فربما يكون خوان يَعمل من أجلي ولكن جدّيًا؟ لقد كان صديقَ فيليكس الذي يَحتقرني بشدّة ولا شك أنه شاركه في ذَمّي ذاتَ مرّة، وأنا لا أغفر حتى ما مرّ تحت الطاولة.

فبينما يَعتقد خوان أن مَعارفي يُساعدونه في تَسهيل عمله الذي وكّلته له المنظمة تحت سُلطتي، لكنه العكس، لأنني باختصار مَعارفي هم من يُبقون غروره تحت السيطرة وأوامري هي ما ترفع أو تَدفن أنفه. وربما يكون خوان مُنقّبًا جيّدًا عن المال لكنه لم يكن ذكيًا بما فيه الكفاية ليدرك المِقصلة التي وضعتُها على رقبته، فبينما يَعيش وَهم أن كل شيء له هو في الأصل ينتمي لي، وكذلك ليونيد، سأجد طريقي لرَقبته وألُف الحَبل حولها بهدوء تمامًا كما قُدّر لي أن أفعل.

فقط فليُساعدني الرّب في تَطهير أرضه بقتله.

أعطيتُ خوان ابتسامةً واسعة ثم بدأتُ في التّجول بين الضيوف والعيون تلاحقني كلّما مررتُ على زوجين منها، أنا دومًا أحصلُ على الانتباه في النهاية. توقّفتُ عند طاولة ضخمة جلس بها بعض الوجوه التي أعدّها مألوفة، وجوهٌ رأيتها في ذلك اليوم وأنا أَمتثل أمام مجلس الكوميسيون قبل ثلاثِ سنوات.

*مجلس الكوميسيون: هو المجلس الأعلى للمافيا الكالابرية، يضم زعماء العشائر ويجتمع سرًّا لاتخاذ القرارات الكبرى، مثل تنظيم النفوذ، حل النزاعات، وتنسيق الأنشطة الإجرامية.

ضيّقت عيوني عندما التقطتُ الوجه المطلوب وسحبتُ كرسيًّا، تعمّدت الضغط لبرهة على أعمدة الكرسي على البلاط لإصدار صوت الصرير المُزعج ومن ثم الجلوس بعمودٍ فَقري مُنتصب، والآن وقد حصلتُ على انتباهِ الرجال الجالسين... هل نبدأ العمل؟

فَحصني دومينيكو مارينا من حافة كأسه الذي يُحاوطه بأصابعه ثم تجرّع منه كما أنه لا يَعتَرف بوجودي. كنتُ لا أزال أحتفظ بابتسامتي، الابتسامة التي أحرص على ارتدائها أمام كل مكسبٍ ثمين، استرخيتُ على كرسيي قليلًا ورميتُ بذراعي الأيسر على حافة ظهر الكرسي، قلتُ بنبرةٍ مرنة:

"إذا كيف هي أمسيتك يا سينيور، هل تَستمتع؟"

أطلق ضَحكة من مؤخرة حَلقه وهذه المرة وضع كأسه جانبًا بينما يقول:

"كيف لا أستمتع في حين أنّ السينيورا هنا لتجعل الليلة مُثيرة للاهتمام"

أملتُ برأسي قليلًا وأنا أستحسن بدايةَ مجرى المحادثة:

"أردتُ فقط التّأكد كيف تَسير الأمور ناحيتك في ميناء جيويا تاورو بكالابريا"

قلَب الرجل ذو البشرة المدبوغة عُيونه بشكلٍ عابر كما لو أنه يَشعر بضجر المحادثة، كتمتُ ضَحكاتي الصغيرة. بالطبع فهذا هو دومينيكو مارينا، رجلٌ يحب اللغة المُباشرة والإشارة لصلبِ الموضوع سريعًا، كما أنّ كالابريا هي منطقة تحت سيطرة الندرانجيتا ومَعقلها، سخرتُ وضحكاتي تكاد تتسرّب:

"إن كنتَ تَشعر بالمَلل لهذه الدرجة فهل تريد تَغيير الأماكن؟ أراهن أنّك ستحصل على مَتعتك في نابولي"

"أوه يا سينيورا مع كل هذا الإطراء، لا يزال عليّ مُعاتبتك على عدم إرسال دعوةٍ خاصة"

أوه لهذا رَفض تحيتي عندما جلستُ منذ دقائق؟ أوه يا رجل... أعراضُ منتصف العمر... مددتُ يدي إلى جيبي الداخلي لسترتي وأخرجتُ المحفظة التي أستخدمها للرّشوة، سحبتُ سيجارًا كوبيًا وقربته منه، ابتسامة صغيرة اختفت في ثنايا شَفتيه كما ظهرت وهو يأخذه بسرور، قال بينما أحد أتباعه يُخرج قدّاحته له:

"إخبارٌ عابر سينيورا، لو أردتِ شيئًا من مينائي لا بأس عليّ، لكن لِمَ هذا الفضول؟"

أوه، لم يستمر طويلاً كما توقّعت، قلّبتُ عينيّ يمينًا بينما ارتفعت أصابعي لتُداعب ذقني وشَفتي المطلية بلَونٍ أحمر باهت، عندما عدتُ لنظره كنتُ قد أنهيتُ تفكيري وقلتُ:

"لا شيء فعليّ، أبحث فقط عن أحدِهم، شخصٌ اختفت أخباره عني وتَمامًا، هل سبق لسينيور أن سَمع بكيران كونر؟"

لم يَخفَ عن عُيوني التي أصبحت تمقت الرّمش خوفًا من أن يفوتها أيّ شيء الرفرفةُ الصغيرة في جَفنه الأيسر. لم أكن أُرغب بسؤال دومينيكو خصوصًا لما يَصعب قراءة مشاعر هذا الرجل، لكن لقد وصلتُ لطريقٍ مسدود بعد ثلاث سنوات من البحث بمفردي عنه.

أنا مُوقنة أن شخصًا بمثل موقع دومينيكو قد مرّ عليه هذا الاسم بسبب اشتراكهم في ذات السوق، فالمُهرّبون كثيرًا ما يَستعينون بالمرتزقة غير الشرعيين. نفثَ الرجل الذي بجانبي دُخانَ سِجاره ثم قال:

"الإيرلندي؟ لقد اختفى هذا الاسم عن مَسامعي لزمن"

"أنا لا أحب النهايات السّائبة يا سينيور... هل هو في مكانٍ آمن أم مأسور"

استهجانٌ أيقظ هَمسات في الطاولة من المُحيطين بنا بسبب لهجتي الحادّة قليلًا. نظر لي دومينيكو وعُيونه البُنية خالية من أيّ تعاطف كان يُقدّمه لي. اختفت ابتسامتي أيضًا وأصبحت عُيوني تَلوح بالظلالِ الخضراء الباهتة. كتمتُ تنهداتي وأمسكتُ يديَّ بمسند الذراع لأرفع جسدي لأنْهض، هو لا يملك أيّ شيء.

"لا أظنُّ أنه مأسورٌ هنا، هناك شائعات عن أنه نُقِلَ إلى اليونان، وبعضُ الكلام يقول إن أوراقه مُزوَّرة، سمعتُ أن السلطاتَ هناك قبضت عليه بتهمةِ تزوير جوازات سفر... ربما في سجونِ أثينا أو جزيرةٍ من جزرها"

أوقفت جسدي وارتدت حركتي وامتلأت عيوني بذُهول وأنا أنظرُ برأسي ناحيته، أطلقتُ ضحكةً صغيرة من حَلقي بقدرِ المفاجأة:

"يا إلهي يا سينيور! هل أنتَ بلا عيوب؟"

نبض قلبي وشعرتُ قليلًا ببعض النشاط وتبدَّد معظمُ الغضب من عروقي، شكرتُه بابتسامةٍ ماكرة ثم انتقلتُ بعيدًا متوجِّهةً للخيط التالي.

في الجهة الأخرى من القاعة وقفتُ بجانب رجلٍ آخر، السيّد ديمتري الذي هو محامٍ يعمل مع حركةِ غسيلِ الأموال التي تستعرضُ حقيبةَ المال على طاولتها، همستُ له عن دومينيكو وما قاله فقط، وعلَت ملامحَ الرجلِ علاماتُ تفكيرٍ سريعة، وضعتُ يدي في خَصري وأملته قليلًا بينما حملت عيوني بعضَ نظرات الإعجاب للرجل الذي بدأ في تقليبِ ملفاتِ حاسوبه المحمول:

"لا أعلم ما تفعله لكنك رائعٌ فيه"

خرجت كلماتي مُنفعلة بالحماسِ الذي أحاطني ولم أشعر بصوتي الذي خرج أعلى مما توقعت، مجددًا نظرات أخرى لنا ولكن ديمتري لا يُبالي ويقول:

"إذا كان في اليونان فهذا أمرٌ جيّد... السجون هناك مكتظّة بالفعل، هل يعمل على تزوير المستندات؟"

"على حدّ علمي فهو مُرتزقٌ غير شرعي، هناك خبرٌ يقول إنه في سجون اليونان بتهمةِ تزوير جوازات، أريدُ رقم زنزانته..."

قشعريرةٌ مرّت على بدني مثل الرعد، انتفضتُ مكاني لألتفت خلفي بغريزية، هناك من يُراقب أدنى تحركاتي مثل الفريسة، تجعَّد جبيني وتجمَّعت حواجبي معًا بتوترٍ حاد وانزلق العرقُ من جبيني، أعادت عيوني فحص المكان للمرة الثالثة ولا يوجد شيء كما توقّفت تلك النظرات... ماذا كان ذلك؟

"السيّدة إسبوزيتو؟"

صوتُ ديمتري أعادني لموضوعنا لكن توتر جسدي كان لا يزال كامنًا في عظامي، أومأت برأسي له وابتلعت ريقي محاولةً الهدوء، لكن ذلك لم يحصل فلا يزال شعورُ السكاكين في ظهري يوخزُ جلدي مستمرًّا، إنه أقل من السابق ولكنه موجود، ضحك الرجل الذي بجانبي بخفوتٍ وتوتر وهو يخفض هاتفه بعد أن أنهى بعض المكالمات وشعرتُ قليلًا بعرقه، إنه يشعرُ بتلك النظرات أيضًا:

"لقد حصلتُ عليها، لدي عميلٌ مهم، تاجرُ أسلحة بشكلٍ أدق هنا في إشبيلية يحتاجُ حارسًا ذكيًّا، ساعديني في مسألةٍ صغيرة وسأعطيكِ ما تبحثين عنه"

ضحكت بابتسامةٍ ملتوية، خدمةٌ مقابل معلومة صغيرة؟ يا لَهراءِ هذا العالم إن كانت الأمور تسير هكذا، افترست عيوني ديمتري وقلتُ بنبرةٍ منخفضة كما لو أنني أفكّر في العرض:

"خدمة؟"

"نعم، مجردُ صفقةٍ صغيرة"

هل يعتقد أن حياةَ المرتزقة أو حتى الحُرّاس يمكن أن تُبادَل بمعلومةٍ لسجين؟ أطلق حَلقي همهمة ورفعت يدي خصلةً من شعري لأعيدها خلف أذني:

"ابحث عن ماركوس هاينز وهو سيرشدك في إيجاد ما تبحثُ عنه"

ابتسامةُ نصرٍ صغيرة اعتلت وجهه وأنا أعطيه ألمعَ اسمِ رجلٍ في هذا المجال، نطق كما لو أنه اكتفى رغم معلوماتي غير الواضحة:

"سجنُ كاريفي، أثينا، الملف رقم 1178 — بتهمةِ تزوير جوازات، توقيف منذ 2020، إذا أردتِ مزيدًا سأدخل طرفًا ثالثًا ليخدمنا"

أوه، لقد كان لديه المزيد ليعرضه في مقابل أن أكشف المزيد أيضًا، هذا الرجل حقًا ممتع! إنه يعجبني بحق! لكن يا للأسف، كان عليَّ أن أهزَّ وجهي بتعبيرٍ صامت وبارد واصافحه لأعلن عن انتهاء الصفقة، عندما ابتعدت عن جانبِ ديمتري شعرتُ بالدفء يعودُ لجسدي تدريجيًّا وتلك النظرات خفَت كالمحلول، هل حتى الأجواء باردة في منطقة الروس؟

التفتُّ خلفي لأتأكّد للمرة الأخيرة من أن شعوري الخاطئ كان مُبرَّرًا، لكن ما حصلتُ عليه هو مجردُ حركةِ كتفٍ تدور لتواجه مجموعةً من الرجال الواقفين، يساورني نوعٌ من الغضبِ الحانق داخلي وأنا أتعرف على البَدلة وذلك الظهر.

سرتُ ناحية أليساندرو بخطواتٍ واسعة ولم يفتني مَلمَح الرجل الآخر الذي كان قريبًا منه، خوسيه غارسيا... سمحتُ لتعابيرِ وجهي أن تُحرِّر بعض الغضب الذي أصبح لديَّ منه مخزونًا احتياطيًّا كاملًا بفضل روسيٍّ معين.

لقد كنتُ أعرف أن خوسيه سيكون هنا ولا أصدق أنني أراه أمامي حيًّا يتنفّس، أعني لقد كنتُ أحد المشاركين في إعداد هذا الحفل وكل جهدي ودافعي كان مُصبوبًا في جعله يظهر أمامي، ابتسمت وأنا أشعر بالنشوة تطفو في وجهي وأنا أتخيل إنهاء تلك الأنفاس بعد ساعاتٍ فقط، لأن خوسيه هو فريستي.

لكزني أليساندرو بمرفقه ولكنني التفتُّ له ورفعت كتفي بسخرية وقلتُ بنبرةٍ مُسلية:

"ليس الأمر كأن نظراتي لظهره هي خناجرُ حقيقية، أنا فقط متحمسة للغاية"

أغمقت عيناي الخضراوان وهي تُحدّق بافتراسٍ شديد بالهدف، بينما قال أليساندرو بجانبي وهو يحتسي رشفةً من شرابه وبعضُ من شعره الأشقر يسقط على عينيه:

"متحمسة لأجل ماذا؟ تبدين مثل مخمورةٍ هائجة"

"صدّقني، أنتَ لم ترني كذلك بعد"

شخرت وأنا أُكمل في لامبالاتي معه وعقلي غارقٌ في آثار تلك النشوة الصغيرة، لعقتُ شَفَتي وللحظةٍ شعرت أنني أتذوّق النصرَ القريب، أنا أعرف خوسيه، أعرفه جيدًا، أكثر مما تعرف روحُه جسدَه، لقد كنت أسمع عنه من دييغو كاريّو باستمرار، لكم تقريبًا؟ لا أعلم... منذ أن خطفت دييغو؟

كان اسمُ خوسيه غارسيا دائمًا موجودًا في كل اعترافٍ نَبَسَه، لقد نطقَه لدرجة أن الاسم أصبح ممزوجًا بنبرةِ الألم وصورةِ الدم في عقلي، مع ذلك ما كان مؤلمًا بالفعل هو المدّة التي عشتُها وأنا أراقب دييغو يتجوّل في الشارع بينما أنا غير قادرة على سؤاله، لا أملك الحمايةَ ولا السلطةَ لحبسه وركله حتى يتحدّث، إنه نفسُ الألم الذي كان عليَّ أن أتمالكه وأنا أمام خوسيه الذي كنتُ أركض خلفه لخمس سنواتٍ وليس لي القدرة على وضع يدي عليه.

ابتسمتُ من جديد وأخذت كأس نبيذٍ أحمر من النادل الذي يتجوّل بصينيته، رفعت كأسي عاليًا حتى توهّج مع ضوءِ الثريا، الفقاعاتُ الفوارة تصاعدت مثل دمِ خوسيه الذي سيسفك هذه الليلة، قرعتُ كأسي مع أليساندرو وهتفت:

"نخبك"

عندما رأيت عيونَ خوسيه تتقلب يمينًا وشمالًا ثم اختفى من القاعة عرفتُ أنه الوقت المناسب، أشرتُ للجنديين اللذين وقفا يحرسان القاعة بالتجهّز للمغادرة بينما ذهبتُ لتوديع الكابو وقبّلتُ يده واستأذنتُه بالمغادرة لأن الوقتَ الذي انتظرتُ لأجله طويلًا قد حان.

✦ ─────────────── ✦

✦ أهلاً، معكُم أرخبِيــل، أسفة لتأخير بتنزيل الفصل، حدثت بعض الأمور التي استوجب الاهتمام بها ومع ذلك عوضتكم بفصل به 2800 كلمة.

✦ كيف رأيتم التوتر بين لوتشيا وليونيد: بداية عداوة خطيرة، أم شرارة لشيء أعقد من الصراع؟

✦ كيف تبدو لكم الأجواء من وجهة نظر الشخصيات التي تعمل لأجل رؤساء المافيا؟

✦ أي مشهد من الفصل وجدتموه الأكثر تشويقًا أو تصويرًا بصريًا؟ ولماذا ترك هذا الأثر؟(اجابتكم مهمة لأني اولي هذه الأجزاء اهتمام خاص).

✦ لا تنسوا أن تكتبوا توقعاتكم لما سيحدث لاحقًا... فربما تكون قراءتكم أقرب مما أتصور يا موجاتي!

✦الموج هو الروح التي تُبقي الأرخبيل حيًّا، والجسر الخفي بين جزرٍ متباعدة✦

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

FROM THE WOMB OF WAR

المؤلف ARKHABIL7
2025/09/24 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة