الفصل الأول

الفصل الأول

11 0

"في عالمٍ يبتسم فيه الجميع، لا ينجو إلا من يتقن ارتداء القناع الأبرد"

لوتشيا إسبوزيتو

حركت عيني يمنة و يسرى، اتفقد محيطي بالحذر الذي اعتدت ارتدائه بعد أن سلب الشيطانُ مني هدوء روحي، نبض قلبي و أنا أشعر بالدم يتصاعد لرأسي لمن عَلي مقابلتهم لهذه الليلة، صررتُ على أسناني بصمتٍ و اشتدت ملامح وجهي بجدية و نزعة من الغضب، مشيت بخطوات طويلة بعد أن قابلتني نظرات أليساندرو روكا بعيونه الخضراء المتوهجة بشيء من البُني في حوافها ولم أغفل عن حاجبيه المُقتضبين وهما يُخبرانني ان اكتم اعصابي و الحق بالكابو لورينزو مانشيني، الرجل الذي أعمل لأجله.

ما إن اقتربتُ حتى همس لي رفيقي:

"لقد اعطى الكابوباستوني أمرا... اقتربي من الكامورا بأقل من ثلاث أمتار و سيطلق عليك كل رجالنا كامل ذخائرهم"

لم أعر لتهديده بالاً، لقد كنت اعلم بالضبط ماذا أكونهُ بالنسبة لعِصابة ندرانجيتا، مجرد عضو من خارج العشيرة و الادهى من ذلك أنني مجرد امرأة ترتدي بذلة أو جاسوسة نابولية يحتمل أنها تعمل لصالح الكامورا بعد أن عملت لصالحهم لثلاث سنوات، مع ذلك الجدير بالذكر و المثِير للسخرية انه تم قبولي بسبب سمعتي و قوتي التي بنيتها في تلك السنين.

ابتسمت بسخرية و كتمت ضحكتي لما يعتقدونه و التخمينات التي لا يهتم أحد بصحتها، اهتز شعري البُني القصير المخصل ببعض الدرجات الفاتحة في فراغ رقبتي و اعتدلت وركزت على الوقوف خلف الكابو، بعد ان وصلنا للقاعة الاحتفال العملاقة، أضاءت الثريات الذهبية قاعة طويلة تحيط بها أعلام كَاتالونية و ملأت لوحات تجار البحر التاريخية جدران القاعة، الليلة ليست حفلاً عادياً كما غلفته مضمون الدعوة، بل لقاء بين كبار من يسيطرون فعلياً على الطُرق البحرية في برشلونة.

كان على مظهر فيلا خوان مينديز الخارجي تحضيري ذهنيا للبذخ الذي ينتظرني في الداخل ولكن يبدو أنني سهوت قليلا، لأن عيناي تكاد تسقطان من كثرة البريق، واني ممتنة حقا لأن ما سيسقط هو عيني وليس فكي من الانبهار، فأخر ما اريد ان تعرفه الذئاب المجتمعة حولي هو ادنى انفعالاتي و اختراق المئة قناع الذي أخذ كل سنين عمري لأتقن ارتداءه.

كم كنت ممتنة للقُفازات الجلدية التي تُغلف يدي لأخفائها تتعرق يدي، ليس لأنني متوترة ولكن لما علي أن اكوِنه من دقيقة في سلوكي أمام مختلف الضُيوف الذين سأُقابلهم، بحركةٍ سريعةَ هندمتُ يديّ قميصي و بدلتي، من المبهج بالنسبة لي رؤية مدى رفاهية الحفل و مدى المال المنفق فيه لأنه يعني أن تابعي خوان يعملون بجد لملئ جُيوبي بالفوائد التي اجنيها منه.

كتمتُ تنهداتي هذه المرةَ و كَيف بدت لي ما يُوجد خارِج أسوار الفيلا مُغرياً أكثر من بقائي داخلها، لقد بدت برشلونة كأنها تحتفلُ بليلةٍ صيفية لا تنتهي، الأزواج يتمشون على الكورنيش قُرب شاطئ برشلونيتا، و موسيقى شابٍ يعزفُ على جيتاره مقطُوعةٍ إسبانية حزينة بينما يُصفق السُياح بحرارة، وكأن العالم لا يعرفُ شيئًا عن الظِلال التي تتحركُ على بُعد كيلومتراتٍ قليلة منهم.

السياراتُ الفاخرة التي تُقل الزعماء مرّت وسط هذا المشهدِ دون أن تُلفت الانتباهَ، فابرشلونةُ مدينةٌ اعتادت على الزوار الأثرياء، و لا أحد من المارةِ تخيّل أن خلف جُدران الفيلا البيضاء، المطلة على البحر الأبيض المتوسط مباشرةً، يجلسُ رجالٌ هم السَببُ في انحطاطِ مجتمعاتٍ بأكمِلها، هُناكَ، حَيثُ النسيمُ القادمُ من البحر الأبيض المتوسط يبعثُ السكينةَ، تُعقد صفقاتٌ تقتلعُ تلك السكينة من جُذورِهَا.

من حُسنِ حظي أنهُ لم يوليِ بعد زمنٌ الاستماعُ لرغَباتي المُضَللة، في الحقِيقة؟ هو لن يوليِ أبدا، وقد أثبتتَ آخر خمس سنواتٍ لي ذروةَ مجدي، كان الميناء القديم الذي عهدهُ التاريخ يومًا بوابةً لتجارةِ الحرير والتوابل صار اليوم أحد أهم الممراتِ السرية لسلعَ أُخرى، بضائعُ لا تُذكر أسماؤها أبداً على الفواتير الرسمية، من أمريكا الجنوبية تصلُ الحاويات المليئة بالكوكايينِ، محمولةً على سُفن تجارية تُخفي خلف حاوياتِ الموزِ والبُن تلك الطحينةُ البيضاء التي تنافسُ الذهبَ.

كان هذا هو السببُ وراء اجتماع شخصيات مشهورة في عالم الجريمةِ المُنظمة لهذه الليلة، حيثُ تَتقاطعُ مَصالحُ الجميعَ هُنا في برشلونة المُثيرة لشفقةِ، واصل الضُيوف و المدعويين التدفُق مِن الأبواب العملاقة مع زوجاتِهمَ و مُرافِقاتهم متعانقِين الأذرُع و سُرعَان ما أمست الصالة الكُبرى مسرحًا لصِراعٍ عَالمي في صورة وليمةٍ راقية.

القواعدُ واضحةٌ وصارمة، لا سجائرَ تُشعل إلا بإذن المُضيف، لا أحد يمدُ يده إلى الطَعامِ قبل إيماءةٍ من الزعيم الأكبرِ رُتبة الذي جاء معهُ، حتى أن لُغة الجسدِ محكومةَ بجُملة من الإشارات: رفعةُ حاجب، ضربةٌ خفيفة على الطاولة، و مع كُل حركة عينٍ تحملُ رسائلَ مُشفرة.

الطُقوس تبدأُ كما هو نُص عليهِ العُرف، يتقدم خوان كارلوس مينديز و يرفعُ كأسَ نبيذهِ في صمتٍ، يرفعُ الضُيوف كؤوسهم في الهواءِ ويرددونَ جملةً مُقتضبة باللاتينية، تُرتلها الحناجرُ بصوتِ الجماهير:

"Omnia sunt communia"

"كُل شيء مُشترك"

تَأملتُ كأسي المرفوعَ عالياً في تلك الحظةِ التي توحي بِالوحدة، ومِثلي مثلُ الحاضرين الذين يعرفونَ جيداً أن ما هو مشتركٌ الليلة قد يتحولُ إلى دمٍ مسفوكٍ غداً، تترددُ الموسيقى الكلاسيكية وهي تعزفُ برفقٍ في الخلفية، وبينما نخفضُ كؤوسنا تبدأُ الهمهماتُ و تنطلقَ الضحكاتَ العاليةُ و يباشر الضُيوف في التحركِ من أماكنهم للاختلاطِ مع البقية، ليبدأ العملُ وسطَ الظلامِ المُسدلَ.

تَقدم خوان و الابتسامةُ تمتدُ من أذنهِ إلى الأُخرى وهو يحمل في يدهِ كأسهُ، يمشي بتبخترٍ يليقُ بشخصٍ تولى اقامةَ هذا الحفلِ، لكن كُل ذلك يختفي عِندما يُلقي التحية بالإيطالية و ينحني ليُقبلَ يد الكابو لورينزو مانشيني، ويكتفي بمصافحةِ بقيتُنا. 

مال خوان قليلًا وهو يمد كأسه نحو أحد الرجال، وقال بنبرة ودودة:

"في صحتك يا سيد مانشيتي، ما من أحد يعرف كيف يصمد تحت الضغط كما تفعل... حتى السيّدة لوتشيا تعتمد عليك حين تتعقّد الأمور"

ابتسم الكابو بخفة، والتفت نحوي، حافظ وجهى على قناع البوكر و لم انبس ببنت شفة بينما أومئتُ له بصمت مع ابتسامة صغيرة ثم قال:

"يبدو أنك تعرف كيف تنتقي كلماتك يا خوان"

هزّ خوان كتفيه ببساطة، ثم وجه نظره إلي مباشرة وقال:

"إنما أقول الحقيقة... الجميع هنا يعلم أنّ نجاحك ما كان ليتحقق لولا رجال أوفياء من حولك، وأنا محظوظ أن أُعدّ واحدًا منهم"

لم اكترث كثيراً لما يجري من جهتنا و جالت عُيوني للمرةِ المئة في المكان تمسحُ و تبحثُ بين الوجوهِ المألوفة، ارتشفتُ قليلاً من كأسي وكُنت الآن قد استطعتُ تمييز معظمِ الحضور، ربما لم يكونوا الرؤوس الاقوى و المتحكمة في كُل شيء.

ولكنهم كانوا أتباعًا... نقاطٌ يجب علي وصلها مع نقاطٍ أُخرى لتكوينِ طريقي، لمعرفةِ كُل صغيرة وكبيرة تجري حولي، جف فمي قليلاً عندما وقعتَ عُيوني مع نظراتِ رجال الكامورا، عيونٌ ضيقة تحملُ عدوانية شرِسة تتمنى تمزيق جسدي.

كان من البديهي أن تُحِضر عشيرة دي لاوروا فهم يعدون واجهة الكامورا في تجارةِ المخدرات العالمية، ولكِن مع سلوكهم المسعور فهم اسوء عشيرة قد اُقابلها في وضعي و خُصوصا مع التهديدِ الذي أطلقه الكابو لي...

يبدو لي أن جيوفاني إبن باولو دي لاوروا هو من اتى مع بعض ابناءِ عمومته لتمثيل عشيرتهم، اتسعت عيناي بذهول وأنا أرى فيتوريو مارانتي مع رجالهِ و حفيديهِ بالطاولة التي باليمين على جانبِهم، يدخن سيجارة كُوبي فاخرة غير مكترث لرتب أو لكونهِ كابو سابق في عشيرتهِ.

ابتسمت بسخرية و شفتاي ترتجفان من هول ما يجري، ماذا يفعل آل مَارانتي بحقِ السماء؟ التقت عُيوني مع سيدِ عملي السابق ورأيت لمعة المكر الممزوجة بالامتنان الغير المألوف، اسرعت بالاشاحةِ بنظري سريعاً، وحدقتُ في اللامكان بينما اغرقُ في تفكيري، لقد قطع وعدا لي بحمايتي عند مغادرتي فصِيله... لم اتوقع ان الامر يمتدُ خارج نابولي.

بدأت أُذناي تستشعرُ تدريجياً ضوضاء الحديث من جانبنا، على ما يبدو أن أليساندرو و أنطونيو بيلانُوفا و الكابو بدأوا بالفعل بالخوضِ في العمل و مناقشةِ الوضع في القاعة الذي بدى كقُنبلة قد تنفجر في أي لحظة.

كان قلب المكان هو مركزُنا فخوان كارلوس مينديز يعمل لصالحنا بأعمال التهريبِ تحت واجهةٍ شرعية داخل الميناءُ و لقد أقيم هذا الحفلُ الفاخر بجزء من تمويلاتِ المنظمةِ في النهاية، و كشُرفاء الحفلَ كان وسطَ القاعةِ أين امتدت دائرةُ رِجالنا عند طاولة بيضاوية فخمة مغطاة بمفرشٍ أبيض مشدود قد حملتَ أكواب نبيذ أحمر وأطباقً بسيطة من الجُبن والخُبز.

كان رِجالُ ندرانجيتا يصطفُون ببدلاتٍ قاتمة ونظراتٍ لا تُعرف الابتسام، يسيطرون على الميناء عمليًا كما أن موظفوا الجماركِ تحت قبضتنا و حتى سائقو الشاحناتِ يعرفون طرقًا لا تمر بها دوريات الشُرطة، لقد كان وجودنا هنا بمثابةِ جسرٍ يضمن أن ما يصل إلى برشلونة سيشقُ طريقهُ شمالًا نحو روما وميلانو، ومن هُناك إلى زيورخ و فرانكفورت.

قريبًا منا على الجنوب جلس الكولومبيون، عند طاولةٍ أصغر لكِن مُرتبة بعناية عليها زُهور استوائية وأكواب قهوةٍ سَوداء داكِنة، حيثُ جلس رِجالهم باستقامةَ، يهمسون فيما بينهُم ببطءٍ كأنهم باعوا أرواحهُم للشيطان مُنذ زمنٍ بعيد اعتادوا لُغة الاشارات و الرمشات،و بوجوه جامدة كأنها منحوتة من الجرانيت الخام، حَملْت عُيونهم بريقاً يعرفُ أن من يملكُ البذرة يملكُ الحصاد كُله.

أما الروس، رِجالُ البرَاتفا جلسوا على اليمينِ بالطاولةِ القريبة من النوافذِ المُطلة على البحرِ بهدوء لافت، طاولتُهم أكثرُ بساطةً، لا يتاجرون بالمخدرات مباشرة، لكنهم أثقلُ من الجميع: المالَ. خصوصاً مع استثماراتِهمم في العقاراتِ التي تُشبه البحر نفسه، تبتلعُ الملايين من القذرة وتُعيدها صَافية نقية، عبستُ و انا ادير عَيناي ببغضٍ بعد أن لاحظتُ وجود ذلك الروسي الذي لن يفعل اسمه سوى تغذيةِ ناري مثل البنزين.

عقدت حاجِباي باستنكارٍ، يبدو أن الإستعراضَ لم يتوقف بفرض انفسهم على الحفل الليلةَ وعلى المدينة بل وصلاً إلى أن يضعوا حقيبة جلدية سوداء مغلقة بمنتصفِ الطاولة، كأنها تذكر للجميع أن المال هو الذي يُحرّك العجلة، بينما قُدمت زُجاجات الفودكا المُثلجة مرصوفة حولها بعناية، ابتساماتِهم قليلةٌ كالعادة و لكن ثُقل وجودهم يجعلُ الجميع يحسبُ أن وجودهم ليس خيارًا، بل شرطًا و كم كان هذا الاخيرُ مغيضاً.

و على الجهةِ اليُسرى من القاعةِ جلسُ رِجال كارتلاتٍ سينالوا و خاليسكو الجيلِ الجديد المكسيكي، بوجوهٍ سمراء قاسيةٍ، كأنها صُنعت من صُخور سييرا مادري، عِند طاولة طويلة ثقيلة من خشبٍ داكنٍ، أومأتُ بشكلٍ خفيف لصديقي القديم إدواردو راميريز و سحبتُ عيناي سريعاَ عندما رأيتُ خوسيه، كراسيهم لم تكُن مرتبةً بإتقانٍ و على الطاولةِ بِضعُ زجاجاتٍ تكيلا نقيةٍ، وكؤوس نصفُ فارغةٌ تدُل على قلقُهم المحكوم بالغضب، خلفهم يقِفُ الحُراسُ كجدارٍ بشري، أذرُعهم مكتظةٌ بالوشوم وعُيونهم لا ترمشُ مثل الآلات تماماً.

شعرتُ بيد توضع على كتِفي بينما احتسي القليلُ من كأسي، اِلتفتُ لأرى أنطونيو بيلانوفَا و الشعر الأبيض بدأ يملئُ رأسه و عُيونه التي يبدو الأمر كما لو أنها تتأمل احد اللوحاتِ لكنني أعرفُ بالفعل ما ينظرُ إليه، خوسيه غارسيا، أنهُ أحدُ أهم الأشخاصِ الذين على لائحة اهَدافي، الشخصُ الذي أنا هُنا من اجلهِ، الشخصُ الذي دفع بي لتقديم اغلى ما املِك... حياتي، لأجل الوصولِ إليهِ، و أنطونيو يعرفُ هذا جيداً، قال بصوتٍ هامشي:

"لقد كُنتِ تراقبينهُ دائماً عن بُعد... ما هو شعوركِ بعد رؤيته بهذا القُرب، هل هو يستحق حياتكِ حقا؟"

"لا، انت لا تفهم، من يستحقُ حياتي ليس فيتوريو مَارانتي، ليس لورينزو مانشيني، و ليس حشرة طُفيلية مثل خوسيه غارسيا، وليس حتى أليخاندرو سالازار"

اجبتُ دون تردد ثم حركت كَأسي وأنا أتأملُ دوامة النبيذِ الأحمرِ التي تشُكِلت، ازحتُ عيناي الخضراء للتحديقِ فيه من الجانب، رددتُ:

"من تستحق حياتي هي جوليا وحدُها، قُل هذا لِمن ينهي حياتي يوماً ما، سينيور بيلانوفا"

أطلق ضحكتهُ المكتومة التي رنت كالجرس في أُذني، كانت عُيونه المفترسةُ التي لا تفقدُ حدتها مهما مرت من سنين قد وجهت ناحية عدوي الاخر بينما قال:

"ماذا عن ليونيد أورلوف، سينيورا إسبوزيتو؟ لم تذكريه"

تجعد حَاجباي بعُبوس واضِح، كم ابغضُ هذا الإسم لدرجة أنني أستطيعُ القسم بأنني بدأت لا أُطيق كُل من يحملُ هذا الاسم، هذا الثُقب الأسودُ ذو الأصولِ الروسية الذي يُهدد اعمالي و يخرجُ خُططي عن طورها و يتواقح على ساحتي مؤخراً ثم يرسل باقاتِ الزهور تحمل معاني مقيتة بينما يقدمُ لي تعزية لعينةً لا معنى لها.

تذكُر الامرِ فقط يجعلُني أرغبُ في تحطيمِ كأسي على وجههِ المتعجرف، لكنّي اكتفيتُ بابتسامةٍ صغيرة مُصطنعة لأنطونيو كمن يملك زِمام السيطرة بينما أراوغ بطرحِ سؤال آخر:

"هل اشتكى لك السيد أورلوف مؤخرا؟ بأي جانبٍ تقفّ بحق؟"

تعمدتُ السخريةَ قليلاً بجُملتي الأخيرة لأنهُ يستحيل ان اعُض اليد التي قدمتني لندرانجِيتا، تنفستُ بعمقٍ حتى لا ينكشف ارتجافُ صوتي و قبضتُ يداي في صَدري، كُنت أرى ملامحهُ الغامضةَ تحُوم كظلٍّ ثقيل لا يُغادر وأنا عاجزةٌ عن فِهم نوايا هذا الرجُل وما يهدفُ إليه بسؤاله عن ليونيد، سجلتُ ملاحظة داخل ذهني للبحثِ عن معلوماتِ بهذا الشأن.

انفجر أنطونيو هذه المرة بضحكةٍ مدوية و أومئت برأسي مستأذنةً بالمغادرة بينما وضعتُ كأسي بصينيةِ نادِل ذاهب للمطبخ، تصلني همساتٌ الصَفقات و أرى توقيعات العقود، و النادلون الذين يوزعون الأطباق الإسبانية التي تتزينُ بالجمبري و التاباس و نبيذ ريبيرا، السيجارُ الكوبي يحترقُ ببطءْ بين أصابعِ الرِجَال الغليظة مُشَكِلا دُخَان كثِيف يعلو في الهواء كسحابةِ ضبابٍ جبلي.

بينما تطَفوا في القاعةِ إسئلةُ تحَاولُ الصَفقاتَ تسطير اجابتها، من سيُسيطِرُ على الخط الجديدِ القادم من كولومبيا؟ من سيدير الميناء في الأسابيعِ القادمة؟ من سيوقّع الليلة اتفاقًا ذهبيًا، ومن سيختفي جَسدهُ في مياهِ البحرِ المتوسط قبل الفجرِ؟ الحُرَاسُ يقفون على أطرافِ القاعة كتماثيل و تعملُ عيونهم دون توقفٍ على توقع ادنى الإيماءات.

سِرتُ محاولةً الاندماجَ وسط الضُيوف، اتلقى القُبلاتِ على خديّ، أصافحُ الذي أمامي بيدي و انخرطُ في المحادثاتِ، مسحتَ عيناي المكان جيداً، الوجوه، الانتفاخ خلف مِعَطفِ بدلات الارماَني، ارتجفتَ أنفاسي وانا ازفر بعد أن مر عَلي إدراكُ خائن.

هل توقعتُ يوماً أنني سأجلسُ في قاعةٍ مليئة برِجَال مُسلحين يديرون عالمهم خلف ستائر الشرعية؟ رِجَالٌ يَسعون بالحاقِ بأكبر قدر ممكن من البؤسِ لهذا العالم مقابل ملء جيوبهم؟ الإجابةُ هي لا، لم يكن هذا ما تمنيت أن تكون عليه حياتي، أبدا ً.

لانت ملامحي قليلاً و شبحُ الماضي يمسحُ على رأسي ليُعذِبَ فُؤادي، ولكِن يالَ الأسف لم يدمُ الأمرُ طويلاً لأنني شعرتُ بقشعريرةٍ في عمودي الفقري أيقظتُ غريزتي المُترصدة أن كل الوحوش البرية في هَذهِ القاعةِ تُوجهُ بِنظرتِها المفترسةِ نحوي، نظرةٌ تنتظر أدنى إشارة ضُعف أُخرى لتنقض و تُمزق لحمي عن عَظمي.

اغَمضتُ عيناي و أنا ازدري نفسي التي تمقت هذا العالمَ رُغم أنني اُعد جزءً منهُ، تناقضٌ مزريٌ يُمزقَ حياتي، فتُحتهم من جديد و قدِ استبدلتُ تعبيري بتجهُم حادٍ لكُل من حدق بِي، ونعم، كان هُناك أيضاً... أكثرُ شخصٍ وجهتُ له نظراتي و أنا اعَنيها، ليونيد أورلوف، لقد كُنا نلعبُ هذا لوقتٍ طويل ولم يكن أي مِنا مستعداً لإنهاء الامر بتعادُل، لذا اما أنا أو هو، هكذا يُريد و هكذا أنا أُنهي الامر.

اِنسحبتُ إلى الشرفة و أنفي يشمُ رائحة الرطوبةِ و الملحِ القادمةَ من البحر، كُنت أعلم أنني لن استمتع بلحظةٍ واحدة من الهدوء هذه الليلة عندما ظهر ذلك الظِلُ الطويل المُمتد على الأرضية مما يوحي أن شخصاً يقفُ خلفي على بعد مترين و نصف تقريباً، لم اُزعج نفسي لالتفاتِ لمعرفة من يكون فتلك الأكتاف أستطيعُ التعرفَ عليها حتى لو كانت مطبوعةً على مستحاثه، قال بالإنجليزية مع لكنةٍ خشنة تخدشُ أُذني بينما بدأ يتقدم وحذاءهُ يصدرُ قَعقعةً من تصادُمِهِ مع البلاطَ:

"Barcelona is beautiful tonight, isn't it? The sea always washes away blood faster than the Elbrus mountains do"

"برشلونة جميلةُ الليلةَ، أليستَ كذلِكَ؟ البَحرُ دائمًا يَغسلُ الدماءَ أسرع مِمَا تفعلُ الجِبالُ إلبروسٍ"

✦ ─────────────── ✦

✦ أهلاً، معكُم أرخبِيــل، من أكثر شخصية جذبتكم في هذا الفصل؟ ولماذا؟

✦ هل تعتقدون أن لوتشيا جاسوسة حقيقية أم أنها تلعب لعبة أعمق من ذلك؟

✦ ما رأيكم بشخصية لوتشيا في هذا الفصل، هل بدت لكم قوية وباردة، أم متناقضة وهشة من الداخل؟

✦ أي منظمة بدت لكم الأخطر في القاعة: ندرانجيتا، الكامورا، الروس، أم الكارتلات المكسيكية؟ ولماذا؟

 ✦  لا تنسوا تقييم الفصل وترك تعليق يحمل رأيكم، فكل كلمة منكم هي وقود رحلتي مع الرواية.

تم تدقِيق الفصل، منِ طَرف ميس

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

FROM THE WOMB OF WAR

المؤلف ARKHABIL7
2025/09/24 مستمرة
قائمة الفصول (3)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة