الحلقة الثانية من "ظل الحقيقة"
دخلت جويرية مع صديقاتها الثلاث من بوابة الجامعة الكبيرة.
كانت الشمس في كبد السماء، والطلاب يتناثرون على المقاعد الحجرية وعلى العشب الأخضر، البعض يذاكر في قلق، والبعض الآخر يلتقط الصور وينشرها على مواقع التواصل.
ميمونة اخذت يد جويرية وقالت بمرح: ـ "تعالي نقعد ع البنش اللي تحت الشجرة ده… الجو حر موت."
جلست الفتيات، وبدأت بيسان تحكي لهن عن محاضرة الدكتور حسان:تخيلوا يا بنات، الراجل ده قعد ساعة كاملة يشرح في موضوع واحد… وأنا مش فاهمة هو بيشرح للطلبة ولا بيشرح لنفسه.
ضحكت وتين وقالت:
معلش، ده بيحب يسمع صوته، زي الممثلين اللي مش عايزين يخرجوا من الكادر.
جويرية وضعت حقيبتها بجوارها وأخرجت كتابها ،كانت تحب التنظيم والتركيز، تحب أن تكون طالبة مثالية رغم كل الظروف.
لكن قلبها لم يكن مطمئناً… كأن شيئاً ما ينتظرها، شيئاً مجهولاً يتخفّى في الأيام القادمة.
رفعت رأسها ونظرت بعيداً…
هناك عند الكافيتيريا، وقفت فتاة تضع نظارة شمسية غريبة، ملابسها فاخرة، وصوتها عالٍ وهي تتحدث مع مجموعة من صديقاتها.
ضحكت إحداهن بصوت مستفز، ثم أشارت نحو جويرية وقالت جملة لم تصل كاملة، لكن الضحكات كانت كافية لتُدمي قلب جويرية.
همست بيسان وهي تنظر إليهن:
دي سلمى… بنت الناس اللي فاكرين نفسهم فوق الكل، مسكينة جويرية، دي مش هتسيبها في حالها.
جويرية لم تجب… فقط أغلقت كشكولها بهدوء.
لكن عينيها فضحتا دمعة كادت أن تنحدر.
في تلك اللحظة، رنّ هاتفها الصغير.
رقم الشيخ على ظهر على الشاشة.
ردّت بخجل:
ـ أيوة يا شيخ على.
صوته كان هادئاً كعادته:
ـ "يا بنتي، ما تنسيش تاخدي دواء الحاجة أم مصعب من الصيدلية قبل ما ترجعي… هي تعبانة ووصّتني عليكي."
ابتسمت جويرية وقالت:
ـ "حاضر، هعدّي عليهم بعد الكلية."
أغلقت الخط وهي تفكر:
حتى وهو وصي عليا، عن على مش بيشوفني مجرد يتيمة، بيشوفني إنسانة ليها قيمة… يمكن هو الوحيد اللي حسّسني بكده.
مرّت الساعات، وانتهت المحاضرات.
خرجت الفتيات الأربع من الكلية، وقررن المرور على المكتبة لشراء بعض الكتيبات.
وأثناء سيرهن، اعترض طريقهن شاب طويل القامة، يحمل في يده ملفاً أخضر.
توقف أمام جويرية تحديداً وقال بنبرة مترددة:ممكن أسألك سؤال؟
نظرت له جويرية باستغراب، بينما ميمونة همست بخبث:
أهو ده شكل قصة جديدة جاية وراكي يا جويرية.
الفتى قال:أنا اسمي آدم… طالب معاكم ف صيدلة سمعت إنك شاطرة في مادة ...... محتاج مساعدتك لو تقدري."
أحمرّ وجه جويرية، ولم تعرف بماذا ترد.
لكن وتين تدخلت سريعاً وقالت بجديتها المعهودة:
مافيش مشكلة… بس إحنا نخلص مذاكرتنا الأول، بعدين نشوف موضوعك.
ابتسم آدم بخجل وقال:تمام، متشكر جداً.
ثم مضى.
بيسان انفجرت بالضحك:
ـ "يا جويرية، يا ريت وشك ده كان إزازة صلصة… كان غطّى على كل مصانع الصلصة.
ضحكت الفتيات، أما جويرية فظلت صامتة، قلبها يخفق بقوة لم تفهمها.
مع غروب الشمس، عادت جويرية إلى بيتها الصغير.
وضعت حقيبتها على الكرسي، وخلعت حجابها لتغسل وجهها.
لكنها شعرت بشيء غير معتاد…
النافذة كانت نصف مفتوحة، رغم أنها متأكدة أنها أغلقتها قبل خروجها.
اقتربت ببطء، نظرت حولها… لا شيء.
لكن فوق الطاولة الخشبية الصغيرة، وُضعت ورقة بيضاء عليها جملة غامضة:
"الظل لا يختفي… حتى في الظلام."
ارتجف قلبها.
من الذي دخل بيتها؟
ومن كتب هذه الجملة؟
جلست على الأرض ترتعش، ودموعها تسيل بلا إرادة.
رفعت يديها إلى السماء وقالت بصوت مخنوق:
ـ "يارب… أنت وحدك الحافظ، نجّني من كل سوء."
لكن ما لم تعرفه جويرية…
أن عينيْن كانتا تراقبانها من بعيد، عبر نافذة مقابلة.
عينيْن تعرفان كل تفاصيلها، وتنتظران اللحظة المناسبة للاقتراب أكثر…
في اليوم التالي، ذهبت جويرية كعادتها إلى الجامعة.
كانت الشمس مشرقة، والهواء مليئًا بضجيج الطلبة.
دخلت مع صديقاتها الأربع الكافيتيريا، وبدأوا يتسامرون حول واجبات الدكتور.
ميمونة وضعت الصينية أمامها وقالت:
ـ "يا بنات، عندي اقتراح… إيه رأيكم نعمل قناة على يوتيوب؟
وتين:وهى اى يا قلب البنات ؟!
نفضفض فيها عن معاناتنا اليومية في الجامعة،
ثم صمتت بتفكير وقالت:اى رأيكم نسميها… "ضحك على أطلال المحاضرات."
انفجرت بيسان بالضحك:
ـ "ونصوّر فيها لحظة سقوطنا من النوم قدام الدكاترة؟ ده كده نجيب ملايين المشاهدات!"
جويرية ابتسمت بخفة، لكن عينيها كانتا شاردة… ما زالت تفكر في الورقة الغامضة التي وجدتها بالأمس في بيتها.
وتين، التي دائمًا ما تلتقط الإشارات بسرعة، سألتها بجدية:
ـ "مالك يا جويرية؟ شكلك مش على بعضك."
ارتبكت جويرية وقالت:
ـ "لا، مافيش… بس كنت بفكر في حاجة."
لم ترد أن تبوح لهن، فهي تعلم أن الأمر أخطر من مجرد مزحة أو رسالة عابرة.
بعد انتهاء اليوم، ذهبت جويرية للصيدلية كما طلب منها الشيخ على
كان المكان هادئًا، والرفوف مليئة بالأدوية المرتبة بعناية.
دخلت لتجد الشيخ على منهمكًا في كتابة شيء بدفتر قديم.
ابتسم عندما رآها:
ـ "أهلاً يا بنتي… اتفضلي، دي أدوية الحاجة أم مصعب."
تناولت الكيس، لكنها لم تستطع منع نفسها من سؤالٍ ظلّ يحاصرها منذ زمن:
ـ "شيخ على… ممكن أسألك سؤال؟"
رفع رأسه ونظر إليها بعطف:
ـ "اسألي يا جويرية."
قالت بصوت منخفض:
ـ "هو… والدي ووالدتي ماتوا إزاي بالظبط؟ أنا فاكرة إنك قولتلي حادث… بس عمري ما عرفت التفاصيل."
ساد الصمت…
وجه الشيخ على تغيّر، وبدت عليه علامات القلق.
أغلق الدفتر ببطء، وتنحنح ثم قال:
ـ "يا بنتي… في حاجات الأفضل تفضل مدفونة. الماضي مش دايمًا بيجيب راحة."
نظرت له جويرية بعيون دامعة:
ـ "بس أنا محتاجة أعرف… عشان أفهم أنا مين."
لم يجب.
لكنها لاحظت أن يده ترتجف وهو يضع الدفتر في درج قديم ويغلقه بالمفتاح.
في طريق عودتها إلى البيت، رنّ هاتفها مجددًا.
رقم غريب هذه المرة.
ترددت، ثم أجابت:
ـ "ألو؟"
جاءها صوت رجل خافت:
ـ "ابعدي عن الأسئلة اللي بتدوري وراها… الماضي مش ليكي."
ارتجفت جويرية وتوقفت في منتصف الطريق:
ـ "إنت مين؟!"
لكن الخط انقطع فجأة.
وضعت الهاتف على صدرها، وسمعت ضربات قلبها تتسارع.
رفعت رأسها إلى السماء، والنجوم تتلألأ، وقالت في سرّها:
"يا رب… احفظني من اللي أنا مش عارفاه قبل اللي أنا عارفاه."
وفي نفس اللحظة، رأها ذلك الذى يعلم كل ما يحل بكيانها السرى ،رأى تلك الفتاة التى لم تحظى إلا ببعض السعادة والباقى ظلت تترنح بين الأحزان والابتلااءت.
كان الشيخ على يقف داخل الصيدلية المظلمة، يفتح الدفتر القديم خلسة.
صفحات صفراء باهتة مليئة بالصور والقصاصات…
وصورة واحدة تتصدرها: رجل وامرأة شابّان مبتسمان، وبينهما طفلة صغيرة…
تمتم الشيخ عماد بصوت مبحوح:
ـ "سامحوني… كان لازم أخبي عنها الحقيقة."
وأغلق الدفتر بقوة.
Mawada Abdelhady