الحقيقةُ كالشمس الساطعة في كبد السماء، تُنير الوجود بضوئها الصارخ، تُجسِّد الواقعَ عارياً بلا ستائر.
لكن أعيننا لا تستطيع أن تحدق فيها طويلاً؛ فتكاد تُعمى، فَنَلوذُ بظِلِّها نبحث فيه عن بُعدٍ أكثرَ راحةً، وأقل إيلاماً.
ظلُّ الحقيقة هو ما نستطيع إدراكه، ما نتفاوض عليه، ما نرويه لأنفسنا وللآخرين.
هو ليس كذباً، وليس زيفاً خالصاً، بل هو صورةٌ مشوَّشةٌ انعكست على جدار وعينا المحدود.
نحن لا نرى الحقيقةَ ذاتها، بل نرى ظلَّها الذي تشكَّل عبر مرشحات ثقافتنا، وتجاربنا، ومخاوفنا، وآمالنا. إنه الفهم النسبي الذي نعيش به، لأنه الفهم الوحيد المُتاح لنا.
في ذلك الظل، تُولد الروايات المتعددة،فكلُّ واحد منا يقف في مكان مختلف تحت الشمس، فيُلقي بظلٍّ مختلفٍ للحقيقة نفسها، بل لنفسه أيضاً.
قد يبدو الظلُّ طويلاً متشوهاً للبعض، وقصيراً مركزاً للبعض الآخر.
ومن هناك تنشأ الخلافات، والحوارات، وحتى الصراعات. نحن لا نختلف على الشمس، بل على شكل الظل الذي ترسمه.
البعض يخاف من وهج الحقيقة المباشر، فيكتفي بالعيش في الظل، مُعتقداً أنه الملاذ الآمن.
والبعض الآخر يحاول بكل قوة أن ينظر إلى الشمس مباشرة، فينصهر بصرُه ويُصاب بالحيرة، ثم يعود إلى الظل خائباً، لكنه أكثر حكمةً لأنه الآن يدرك أن الرؤية الكاملة مستحيلة.
الشجاعة الحقيقية لا تكمن في ادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة، بل في الاعتراف بأننا لا نرى سوى ظلها.
والعقل الحكيم هو من لا يتشبث بظلّه وحده، بل يحاول أن يتجول ليرى كيف يبدو ظلُّ الحقيقة من زاوية الآخر.
عندها فقط نبدأ في تكوين لوحة أقرب ما تكون إلى الأصل.
فلا تكن عبداً لظلٍّ واحد، ولا تكن أعمى ترفض وجود الشمس.
تقبّل أن الحقيقة ساطعة وصعبة، وأن إدراكنا لها نسبي ومشروط، وأن الظل الذي نراه هو بداية الطريق، وليس نهايته.
صلى علي النبى صلى الله عليه وسلم
Mawada Abdelhady