ذَلک الخادم 02『 نُزِعَ المِئزَر بِـجَانِبِ الجُثَّةِ 』

ذَلک الخادم 02『 نُزِعَ المِئزَر بِـجَانِبِ الجُثَّةِ 』

104 0

بِـسـمِ اللَّـهِ أَطلبُ مِنكَ أن تَبتدِأ و بِـ أَطيبِ صَلاةِ و السَّلامِ عَلى نَبينَا الكَريم أن تَـلـتَزِم .

صَـلِـي عَلى خَـيـرِ الخَلقِ رَسُـول اللَّهِ ﷺ

﴿ لا تَـدعِ الرِّوايات تَـشغلکَ عن عـبـاداتِـک ﴾

إن أَحـبَّـبتَّ مَا كُـتِـب لا تَـبـخَـل عَنِي بِـتَعليـقٍ وَ إِعجَـاب .

❀ فِـي حَـالة إنتِـبَـاهِـک لأَيِّ خطـأ لُغـوِي يُـرجـا تَـنـبِـيهِـي لِـتَصـحِـيـحِـه ❀

-------------------

❐『 نُزِعَ المِئزَر بِـجَانِبِ الجُثَّةِ 』❏

②↫02↬Ⅱ

✶✵✷✰✯✮✧✫✬✩

❞ سَــأَتْـرُکُ الْمِـئْزَرَ عَـلَـى الطَـاوِلَـةِ وَ جَـمِـيْعُـکُـمُ .. مَـعَـهُ خَـلْفِـي . ❝

مرَّ ذلکَ اليَّوم و غَيرُهُ العَديد ، لم يَطرأ تَغيرٌ وَاضحٌ عَلى حَياتِي لَكِن شَخصِيتِي إِستَغنت عَن تَمَسُکِها التَّامِ بِـرغبات الأَخرين ، إِستَحدثت الفَاردَانِيةَ و حبَّ النَفس فَـغَرقَت فِي العُزلةِ تريجياً .

خَضعتُ لِـرَغبةِ وَالدَتِي و دَرستُ بِـإفراطٍ . لم أُحصِي كَم مَرةً نِمتُ عَلى كُرسيِّ المَكتب أو أَعدتُ كِتابةَ أوراقٍ لِتَلطيخِيها بِـالدَّمِي لِفرطِ الإِعياء .

حَصَدتُ ثِمارَ جُهودِي أخِر السَنة ؛ فَـكُنت أَعلى نَتيجَةٍ فِي مَدرسَتِي بِـإِمتِحان الدَّولة الخِتامِي للتعلِيم الثَانوي العالي - الماتوريتَّا - مِمَّا أَسهَم فِي تَعدُدِّ خِيارَاتِي للجَامعة ، إلَّا أَنَّ رَأيِّي سَرابٌ ؛ مَن يَهتمُ لِخيارِي مَا دَامت وَالدَتِي مَوجودة ؟! ، سَـجَلتُ فِي كُلية الطِب في جامعة لا سابينزا بِـروما بِـاجبَارٍ مِنها وَ لم أَعترض ؛ فَـرَواتِبُ الأَطباء العَالية سَـتُسهِمُ فِي جَمعِي للمَال من أجلِ تَسدِيد رسُومِ الأَكَادمية لَاحقاً لَكن سـتُكَلفُنِي سَنواتٍ مِن عُمرِي .

3

كَم كَرِهتُ هَذا التَخصُص ؛ لَا نِهاية للدُروس و مُحاضرات ، فَـحَتَّى لِي كَـمُمتازةٍ لَامسَت دَرجَاتِي الأرضَ أَحياناً ، إلَّا أنِّي إجتَهدت وَ ثَابرت إِحتِراماً لمَا أَطمحُ له ، و إِمتِلاک خِبرةٍ طِبية مِيزةٌ تَرفَعُ تَقييمِي كَـكبير خَدم .

سَـيَتِمُ إنتِقادِي و أَحتَرمُ ذَلک ، الطِبُّ مِهنةٌ شَريفَةٌ وَ حُلمٌ للأَلاف لَكن لَيسَ لِي ؛ فَـهُو لمُستَحقِيهِ لَا لِـمَن أُجبرت عَليهِ دُونَ أخذ مَشورتِها حَتَّى ..

2

كَرهتُه .

كَرهتُ كَلَّ إِختِيارٍ لَم أُشرک فِيه ، أَبغَضُ مَا تُريدُهُ وَالدَتِي مَهما كَان ، فَـلَطَالمَا اختَرتُ مَا يُخالفُ رغبَتها و مَثَلتُ الإِلتِزام بِها .

أَنهيتُ بَرنَامجَ「 Medicina e Chirurgia 」فِي سِتِّ سَنوات ، حِينَها أتمَمتُ الثَالثة و العِشرين . بَعد إِجتِيازِي إِمتحان الدولة الوَطني قَدمتُ مُباشرةً لتَخصص الطِب الشَرعِي「 Medicina Legale 」ضِمنَ بَـرنَامَجٍ تَجرِيبِي تَم تَقديمُه فِي الكُليةِ ، يَسمحُ للمُتَفوقِين بِـدَمج بينَ نِهاية دِرَاسَة الطِب و بِدايةِ التَخصُص وَ بِـفَضلِ ذَلک أَنهيتُ درَاستِي فِي ثَلاثِ سنَوات لِأَغدُو أَصغَر طَبيبَة تَشريح مُعتمدة .

الحَظُّ حَالَفَنِي لِطَرحِ هَذهِ التَجربة و مُوَافَقة وَالدَتِي عَليهَا - لِأنَّها فُرصةٌ سَـتَجعلُ مِنِي حالةً إستِثنَائِية - . انتَهزت عَائِلتِي ذَلک فِي التَعالِي فَـزَادت الأَعيُنُ الكَارِهةَ لِي دُونَ أن تَكونَ لِي يدٌّ فِي تَولِيدِها .

سَـتَسألنِي أليسَت وَالدتُکِ فَـحَسب ؟ ، خَافيير الأَحمقُ كَبر فَـغدَّا أحمقاً كَبيراً فِي الحَجم وَ مزدهِي لَا يَسومُ إلَّا لِسانُهُ كَثيرَ التَفاخُر أمَّا حَيَاتَهُ فَـفشَلٌ يَلِيهِ أَخر وَ منه حَول نَجَاحِي إلى سُمعةٍ سَاترةٍ لَه .

لَم يَخفَى طُمُوحِي عَن عَينيَّ وَ لو بُرهةً ، كَان يُثَبتُنِي وَ يُدَاوِي الأَلم المُتَحجر بِـدَخِلي كَــبَلسمٍ مُغِيث .

1

بَعد التَخرُج زَاولتُ لأَشهُر وَظِيفَتَينِي مُنفَصِلَتين ، الأُولَى فِي عِيادَةٍ خَاصةٍ كَـمُساعِدةٍ لطَبيب بِدَوامٍ جُزئِي فِي جُلِّ أَوقَات فَراغِي ، حَتَّى الإِجَازَات وَ لم تمرَّ دُونَ عمل لأنَّ مُكوثِي بِـالمَنزل يَعنِي نُشوبَ حَربٍٍ مَعَ خَافيير . أمَّا الثَانِية فَـهِي مَا دَرستُه ، إذْ أعمَلُ بِـدَوامٍ مَسائِي يَمتَدُّ لِساعَاتٍ مُتأَخرةٍ بِـقِسم التَشرِيح فِـي مُستَشفَى حُكُومِي كَـطَبيبة شَرعِية .

رُبَّمَا لَجَنَيتُ مالاً جَيداً إن زَاولتُ أَحدَهُمَا عَدا أنَّ لِوالدَتِي رأيٌّ أخر ؛ رَاتِبِي لَها وَ هِي مَن تَمنَحُنِي مَصرُوفاً بَخصاً مِنه وَ عَليه كَان ضَرورِياً اكتِسابُ دَخلٍ إِضافِي . تَظاهَرتُ أنَّ دَوامِي بِـقِسمِ التَشرِيح يَستَمِرُ يَوماً كَاملاً . لَومَّا أنَّ عَلاقَتِي بـالأَخرينَ جِدُّ شَفَافة دُونَ وُجودِ شَخصٍ مُطَلعٍ عَلى الأمر لَكانت إِكُشِفت خُدعتِي ، لِذا أُقدمُ أَحرَّ الشُكر إلى رَفيقِي الوِحدة عَن إِسهَامَاته .

مَرَّت فَترةٌ حَسبتُ فِيها أنِّي قَد أَتلقى مِن عَائِلتِي الإِهتِمام وَ التَقدِير اللَازِم عَن نَجَاحِي وَ تَميُزِي كَـأيِّ فَتاةٍ أُخرَى ؛ فَـلا يُنقُصنِي شيء ، تَخَرجتُ أبكَرَ مِن الكُل وَ نِلتُ مرتِبةً أَعلى مِنهم ، نَجَحتُ فِي تَجربةِ الكُلية الِّتِي تَوقفَت مِن أولِ مَرةٍ لِفَشلِ اَغلبِية المُشتَركِين .. فَـعَلتُ وَ فَـعلت ، حَقَقتُ مَا يَجعلُ أيَّ أُمٍّ فخُورةٍ بُـنَجْلَتِها ، فَـمَا كَان رَدُّهم إلَّا السَّخط عَن أَتفهِ الأُمور و الإزدِراء ، الكَلِماتُ الجَارحَة أَلفَيت كَـالعادَةِ الراسِخة .

طَالت يدُّ أَخِي فَـبَاتَ يَمُدُها عَليَّ كُـلما رَفضتُ مَنحَهُ مِن رَاتِبِي مَا يَكفِي لِـيُقامِر خِفيةً عَن وَالدَتِي .. أمَّا هِي فَـشَجعتهُ صوناً عن جَهلِها سَبب ضَربهِ لِي ، دُونَ أن أرفِق بِـالذِكرِ الكَلمات الَّتِي لا تُقالُ حَتَّى للعَبد .

العَجيبُ أنَّه خَلفَ ظَهرِي كُنتُ مَناطاً للتَفَاخُرِ أمَام الوَرى ، أنِّي إِستثنَائية لِعملِي كَـطَبيبة شَرعية فِي سِنٍ صغير ، رَاتِبِي جيد و بِـطَبع لَولا وَالدَتِي لَكنتُ مُتشرِدة وَ مِن ذَلک الكَلام .

مَا كُنتُ أمُلُ أن يَكونَ سَبباً فِي تَحسينِ عَلاقَتِي معهُم فِي المَاضِي لَم يَتعدى مَقام التَباهِي و إعتباره وسيلةً لِجلب المال .. هَذَا شأنِّي لَهُم . حِينَها تَيقنتُ صِدقَ فِكري ، لا حَياةَ سَـتُبنى مَعَهم وَ خِيَّارِي سَديد .

فَـمن ينبذُ و يجرَح من أقَرب الأُناسِ إليه ، مَن حَملتني فِي رحمِها تسعةَ أشهُر و مَن ولِدَّ من ذَاتِ الرحِمِ لاحقاً كَـيفَ يَأمَلُ فِيهم ؟! إلى من سَـيأوِي ، مَن سَـيشكو لَه أحزَانَه ...

وجدتُ ذلک الشخصَ ، مَن جُرِد مِن المَشاعر أكثَر مُرَاعاةً مِنهم و إصغاء .

فَـنَحن البَّشر مجَرد شَياطين بِـوِجدانٍ و ملائِّكة أثمين ، مِنا مَن سَـتشُکُ فِـي إنسانيته حتَّى .. فَـياَلنا من كائناتٍ مُبهَمة ؛ نَطمَحُ لِما لا يستَوفِي أدنَّى شُروطِ المنطق عَلى حسابِ الغير ، فَـمهما بدَّا لـغيرهم غبياً أو سخيفاً كَان لأخرين مبدأً و إِثِماً لهم .. لَكنهم لا يترُكونه .

-----------------------------

الـثَالِـثُ مِـن أكـتُـوبَـر || مُـستَشفَى بـوليكلينيكو أومبرتُو الأول「 رومـا | إيـطالـيـا 」

3 octobre || Policlinico Umberto I hospital 「 Rome | Italie 」

أسْدَلَت غطاءً أبيض عَلى الجُثةِ ، تسترُ ملامحها الـمُمَاثِلةِ لها فِي البياض وَ إنعدامِ الحياة .

كانت لـرجل أربعيني وُجد مَلقياً في أحد الأزقة خَلفَّ صَخَبِّ المدينةِ يحتضر فـتم إِسعافهُ ، لَكن المنيةَ أَوفَتهُ مَانحةً إياهُ رُخصةَ بُلوغِ يدها حَتَّى يتم تحديد هويته و سبب وفاته .

بِضعُ خُطواتٍ و إذا بِها تلقي جسدها على الكرسيِّ في ضَجر ، منزلةً الكمَامة الطِبية عن ثغرها ، تلتقِط أنفاسها بعدَ ساعتين كاملتين في تشخِيص سَـبب الوفاة . رَائِحة الفورمالين فِي الهَواء تَسبَّبت فِي صُداعٍ طَفيف زَاد إِرهاقها عَن سَابقه .

لَم يُسعِفهَا الوقت لِـتَلتَقِط أَنفاسها حَتَّى بَلغها صَوتٌ يُخاطِبُها :

_ أَنتِ جَالسةٌ هُنا وَ نَحنُ نَبحثُ عَنک .. هل انتهيتِ من التشخِيص يا طبيبة ليونيل ؟

لَفت الكُرسيَّ بِـتبرُّم مُتَجاهلةً ذلکَ الصوت الأُنثاوي اللَّعوب لمعرفتِها صاحِبته「 إيلي إيفيريا 」، رَاحت تُركِز عَلى هَاتِفها عِوضه ؛ لن تُنتِجَ إجَابتُها سِوى إزعاجٍ إضافي هِي فِي غناً عَنه .

إيلِي إيفيريا مِن الأَقلية النَاجِحَة فِي التَجربةِ الَّتِي شَاركَة فيهِ لايزا مِمَّا خَولها العمل فِي قِسمِ التَشرِيح بِـعُمر السابعة و عِشرين سَنةً . خُصلاتٌ بِـلَون البُنِّ ذُاتُ تَموجِ الطَفيف لا تَتخطَى فِي طُولِهَا أُذنيهَا إلَّا بـالشيء اليسير ، عيونٌ زَرقاء و بَشرةٌ بَيضاء تُغطيهَا طَبقاتٌ مِن مَساحِيق التَجميل الصَاخبة ، وَ لا نَغضُ بِـالذِكر العِلكة المُلتَسقةِ بِـفَهِها دَوماً .

إِختِلاسُها السَمع لِـجدالٍ دَار بينَ لايزا و وَالدتِها حِينَما كَانت لا تَزالُ طَالبةً في كُليةِ الطِب ، كَانَ بِدايةٌ لسِلسلةٍ مِن المُضَايَقات بِـغَرض التَرفيه . تَجَاهَلُها المُتتَابع كَان حافزاً لنُشوبِ خِلافٍ مُتكرر دَام حَتَّى هَذه الساعةِ .

رَفعَت حَاجِبيهَا تَرمُقُها بِـنَوعٍ مِن الإحتقار ، دَنت تَأخذُ كُرسياً تَجلسُ عليهِ مُقابلةً لها ثُم مُردفةً بِـنَبرةٍ من الحزن المُزيف :

_ ما بکِ عزيزتِي لايزا ، اليومَ تَبدين أكثرَ لؤماً من المُعتاد .. لم أَتِي لِمُضَايقَتِک طُلبَ مِنِي إِحضارُ التَقرير لا غَير ..أَقَامت وَالدتُک بِـمُضَايقتک ؟

أتمت جُملتها و هِي تَرسمُ إبتسَّامةَ مُستَفزة بين شفتيها المُزينةِ بـأحمر شفاهٍ كَرزِي فاقع .

قَلبت لايزا عَينيهَا فِي المَكان بِـمَلل ، بَينمَا تَهزُ رأسَها مُطبقةً شَفتيهَا بِـبَعضها ، إِنتصَبت مِن مَجلِسها تلتقِطُ الملف تلقيهِ عليها :

_سبَب الوفاة هو تسمُم كحولي حدث نتيجة إستهلاک نِسبةٍ عَاليةٍ من الكحول في فترة زمنية وجيزة . أظن أنَّه كان سكيراً مثلک .. أنصحک بِـالإقلاع عن الشرب حَتَّى لا أستقبلک عَلى طَاولةِ التَشرِيح قريباً .

كَانت صَادقةً فِي كُلِّ مَا تَقوله إلَّا جُملَتها الأخيرة ؛ فَهِي تُدرکُ أنَّهَا لَن تَستَقبِل أيَّ جُثةٍ أُخرى .. أو هَذا مَا تَخَاله .

إيلي : إلى ماذا ترمين ؟ .

رفعَت لايزا إبهَامهَا و سَبابتها ، تُغلقِ أنفها بِهِمَا مضيفةً فِي تَهكم :

_ رائحة الكحول القذرة تفوح منکِ يا أنسة إيفيريا ، أوَلستِ درستِي الضَررَّ النَاتِجَ عنهُ على صحةِ الشَخص أم أنَّ سعرَ الشهادة لا يتضمن التعليم .

الكُلُّ يَعلمُ ذَلک و مِنهم لايزا ، نَجاحُ إيلي فِي تَجربة و إنضِمامُها أساساً لم يَكن نتيجةَ إجتِهاد بَـلـ لِدَفعِ عَائلتها حـديثةِ النِعمة رَشوةً مُقَابلَ نَجاحِها و مِنه لا نَعلمُ إن كَان تَلقِيبُها بِـالطَبيبَةِ يَصح .

إِنتَفضت الفَتاةُ مِن مَكانِها بِـغَضب ، تُمسِکُ لايزا مِن يَاقتِ سُترتِها تَشُدُهَا بِـقُوة ٍ:

_ كَرِري كلامک أَيَّتُهَا المَعتوهَة .

صَرخَت عَليهَا وَقد إنتَفخَت أوداجُها مِن الحَنق . صَفعَت لايزَا يَدهَا تُبعِدُهَا عَنها فِي تَبسُّم ، ما إن كانت تهم فِي إقتِراب إليها ثَانيةً حَتَّى فُتح الباب مُرفقاً بِـهُتافٍ :

_ يا رفاق .. لقد تم دَفعُ رواتبنا أخيراً !

إِندفعَ إلى الدَاخِلِ شَـابٌ ذُو مَظهرٍ حَسن و هِندامٍ مُرتب مُماثِلٍ لهنَّا ، يُلوِحُ بِـهَاتفه بِـسعادةٍ تَكادُ تُزيغ نَظاراتهُ عَن رأسه إثر دَفع رَاتبه .

مَحلقت لايزا فِيه بِـعَينٍ شَاخصةٍ فِي حين لَم تُلقِي الأُخرى إهتماماً لكلامِه بِـالقول :

1

_ و ما المُفرح بـالأمر ويليام تأخرت فقط ليومين .

1

زَفر الشَابُ فِي يأسٍ أَقلَّ مِن إبتِهَاجه . رَفع يَدهُ يُعدلُ نَظارتهُ العَاكسةَ لِجفِونٍ نَاعسةٍ زُمرديةٍ تَناسقة مَع خُصلاتِه الكُستنائية المُسرحة ، بَـشَرةٌ حِنطية و جسدٌ رِياضي .

استَأنَف الإِبتسام ثَانيةً متفرسا فِي مَن انشَغلتْ بِـهاتفها :

_ أعتذر لكن عكسک يا أنسة غنية لديَّ أمَالٌ وَ تطلُعاتٌ أسعَى لبلوغها .. تبقت ساعة على انتهاء الدوام إن لم تصلنا أيُّ جثةٍ لتشريحها ما رأيكم بالهرب باكراً .. لايزا .. لايزا .

كَرَّر مُنادَاتَها ثلاث مَراتٍ ، فَـلم يَتلقى مِنها أيَّ رد ؛ كانت مَانحةً جلَّ تَركيزِها إلى هَاتِفها ، تَضغطُ شاشته بـأناملها النحيفة ذات الطلاء الزهري . بُينَت لهُ رَجفةٌ طَفيفةٌ تَعتلي يَديها فِي حِين ضَغطِ أسنَانِهَا عَلى شَفتهَا السُفله .

دَنَا مِنهَا خُطوتين وئيدتين ، تَتَقصى قَزحيتيهِ فيهما مَا سلَب ذِهنها عَنهم . بَلغهَا فَـإنتصبَ خَلفَ كُرسيهَا يَتأمَلُ حَركت أَناملها المُتعجلةِ عَلى الشاشة .

حِينَ همَّ مُبادراً الحَديث قَفزت مِن مَكانها تَهتفُ بِـصوت عالي حين جَمعِ أغرَاضِهَا فِي عَجل :

_ فَعلتُهَا !! .. أخيراً إنتهى كلُّ شيء .

خَتمت كَلامها مُغادرةً بعد جَمع كُلِّ أَغراضهَا . اكتَفت إيلي بِـنَظرةٍ جَاهلةٍ أمَّا الأخر فَـإندفع خَلفها فَلم تُعتِب الرِواقَ إلَّا و أمسَک مِعصمَها ، يَضغطُ عليه فَـسائلاً :

_ لايزا مَا خَطبک ؟! ، لم أَرتح لِنفورک الغريبِ اليوم .. مَا مَقصدک مِن إنتهَـى .

حَدقت فِيهِ دُونَ إبداء ايِّ ردّ ، مُستَغربةً مِما يبديه مِن مَلامِح و مُنعكسٍ غَيرِ مُتَوقعةٍ . طرأ عَلى ذِهنها أنَّ سَبب تَبقِي ساعةٍ عَلى نِهاية العمل :

_ هِي نهاية هذهِ الفسيفساء اللعينة ، هَذه إجابتي لک .. وداعاً ويليام قَد لا تَلتقِي دُروبنا ثَانيةً .

تَبسَّمَت تُلطف قَولها و إذْ نَفضت يَدَهُ عَن مِعصمِها مُواصلةً التَقدم ؛ فَـمن خَلفها لا يَعنِي لهَا شيءاً عكسهُ ، فَقُدرَ أن يَكون الوَحيد المُتَلقِي لوداعها .

-----------------------------

2

عبرتُ بوابة المستشفى رَاكضةً ، ثُبِتَّت أَنظارُ الجميع عَليَّ بـإندهاش ؛ إذْ هي المرة الأولى الّتي تَلتقِطُ أَبصارهُم رَكضي متخليةً عما أتقيد به ، و سـتكون الأخيرة .

لم ألحَظ عَدم تَبديلِ ثياب العمل مِن إستعجالي فَـبِالكَاد أَخذتُ جَميعَ أَغراضيِ مِن خِزانَتِي و قَدمتُ خِطابَ إستقالَتِي دُونَ تَبريرٍ شَفهِي ؛ الوقت يداهِمني .. من حسنِ الحظ المستشفى لا يَبعدُ كَثيراً عَن مَنزلِي .

الوقت مُتأخر .. أرجو أن يَكونَ الجميعُ نائماً .

وصلتُ إلى البيت ، أَخرجتُ مفاتيحِي من جيبِ المعطَف الَّذي أحمِله بـحذرٍ شديدٍ ؛ تجنباً لـصوتها الصاخب . مَا إن فتحَ الباب ، سَريتُ على أطرافِ أصابعي إلى غُرفَتِي حاملةً حذائي .. لوهلة ظننت أنِّي لص .

دخلت غُرفَتِي دُونَ إنارتهَا مُعتمدةً عَلى كَشافِ هَاتفِي . أَسرعتُ أُخرجُ حَقيبةَ ظهرٍ و أخرى مـخَصصةً للسفر بِـعجلات ثمّ هَممتُ فِي جمع كُلِّ أغراضي .

ملابسِي المرتبةٌ بِـعناية و أحذيتي ، وَثائِقي الشَخصية و حُلِي الَّتي لا أتذكر متّى أخرِ مرةٍ تزينة بها لكن سـأخذها .

فـلربَّما تتغير حياتي إمَّا أن أرتديها أو أبيعها ، فكلُّ الإحتمالاتِ واردةٌ لأنِّي سـأمضِي في طَريقٍ مجهولٍ جَهلِي بِه تَامٌّ .

توجهتُ نَحو السَّريرِي لأخرجَ من أسفلهِ كنزي الثمين ، رواياتٌ كَانت مُؤنسة وحدتي و كُتبٌ قَديمةٌ ، طقم شاي إشترَيته أحاکِ فِيه عمل كبارِ الخَدم و لأشرب الشاي مع دميةِ الأرنب خاصتي . أبلغُ الأنَّ سبعة و عشرين سنة و لمَا ازالُ أحتفظُ بها ؛ فـهي لعبَتِي الوَحِيدة . الأَولَى بِـالإِعتِبار تِلکَ البذلة الَّتي مَزقتها والدَتي حِين وجدَتها ثُم تخلصت منها مرددةً أنَّها مُجرد تراهات لا معنَى لَها ، إنتظرتُ إلى أن هَدأت و قمت بِـإحضارها ، بِتُّ ليلتَها أخيطها بينَما الدُّموع تَنهمِرُ من مأقِيَّ ؛ فـإن كان سخيفاً فقد تعلقتُ به .

لم يقدر أحدٌّ قط رغباتي ، حَطموها مِثلما تُــطحن السنابل في الرحى دون شفقةٍ تحتَ مسمى التراهات و السخافات ؛ ما كان لا معنى له فِي نظرهم كان دنيايَّ و السبب الَّذي دفعنِي دوماً للإبتسام مُتناسيةً الجحيم الَّذي أعيشه .

الذِكرياتُ تُعيدنِي لطرقات حِذاء صَبية تُهرولُ لِتقصَّ السحر الَّذي رأته بِـبَرائةٍ ، نَبتَّت عَنها بَراعمُ حُلمٍ غَريب . لاحقاً سُقيت عَن قصةٍ قصها عليَّ شخصٌ إعتبره غيري مجنوناً لكن كنتُ أراهُ أصحَهم ، تعلقتُ بـعالمِها الخَيالي و شخصِياتها إلى أن حسبتُهم واقعي .

لكن لم يتَبَقى من صداهُمَا إلَّا حبي لـمهنة كبير الخدم ، فـالنسيان يمسُّ أيَّ روح و لكن كان بـسببهم . تمزقتُ مراتٍ لا تحصى بـفِعلهِم . لن يفهمَني كائن أو يستوعب ما أرغبُ به . لم أعد أريدُ تفهمهم هذا و لا تَفهمَ أيٍّ كان ؛ يَكفِي قَنَاعتِي بِـذَلك .. و أنتُم مَعنيُّون أيضاً .

لأنه شيء نُقش في كَياني منذُ أن عدتُ و لن يختفِي .

.

.

وضعتُ ما في كَفيَّ بـالحَقِيبة ، أرجَحت بُؤبؤةِ بينَ زوايا الغرفة ؛ أحاول تذكرَ إن كنت قد غفلت عن أخذ شيء ، فلا أنوِي العَودةَ أو أخذ أيِّ ذكرى تعيد لي مرارة ما عشته ، سـأتركها هنا فحسب ..

تَذكرت الأشرطَة سـأخذُها ، هِي هديةٌ من والدي و لا أظن أنَّ له أي دخل بما جرى .

أقفَلتُ الحقيبة بِـإحكام ، إذْ رفعتُ يدي أمسح قطرات العرق المتتصببةِ من جبيني إثرَّ الركض ، ألهث بـالكاد أخذ نفساً من التعب ، إلَّا أنِّي رسمت في ثغري إبتسامةً واسعة بكلٍ رضا عمَّا سـأفعله .

قد جمعتُ المبلغَ اللازم مُسبقًا ، فـما إن تمَّ تسجيلي في الأكاديمية و وردَني إشعارُ القبول حتَّى سارعتُ فِي تغيير رمز حسابي البنكي ؛ كَي لا تَتمكَّن وَالدتي من العبثِ به أو الإِطِّلاعِ على ما ادَّخرتُه بعد تحويلهِ إليه .

غير أنّني واجهتُ معضلةً في حجز تذكرة السفر ؛ فقد اندلع شجارٌ بيني و بين شقيقي انتهى بـكسرِ هاتفي فَلم أقدر على الحجز عبره ، مَا ثَمَّة وكالة سفر قريبة من عملي أو منزلي أقدرُ على ارتيادها دونَ أن يلحظ أحد . لذلک اضطررتُ إلى الإنتظار ريثمَا يُصلَح الهاتف ، غير أنَّه عندما تمكَّنتُ أخيرًا من الإطِّلاع على الرحلات وجدت أن المقاعد الاقتصادية من روما إلى أمستردام قد نُفدت ، تبقَّت مقاعِد الدرجة الأولى لا غير و هي أثقل كلفةً ، إذا حجزتُ بها لـحدث شحٌّ في مدَّخراتِي و لوقعْتُ في ضَائقةٍ لاحقًا كَما أنَّ الرِحلَة التَالية بَعد مَوعد الإلتحاق بِـالأكادمية ؛ أسوء مَا قد يحدث أن أُقصى منها عن تأخري .

يَومئِذْ لم أجد بدًّا من انتظار راتبي ، ثم صرفه تأخَّر يومين كاملين ، إرتعد قلبي من أن ينكشف أمري لكنني كنتُ قد توقّعتُ هذا الاحتمال منذ عام ، أوهمت والدتي بـأنَّ موعد الاستلام يوافق ثلاثة أيام بعد التاريخ الحقيقي و هكذا ورغم تأخيره هذه المرة مرَّ الأمر بِـسلام .

زفرتُ و أنا على أتمِ الإيقان أنَّه إذا تم الإمساکُ بي فـهي النهاية ؛ ليس لحلمي فقط بلـ حتَّى لحياتي التعيسة ؛ سمعتُ عن حالاتٍ حاولت فيها فتيات مثلي الهرب لكن إنتهت بـقتلهن تحت مسميات ساترةٍ للحقيقة كـالكرامة و الشرف .

رغم أنَّ الكرامة نفسها بَريئة من أمثالهم و .. لا أظنُّ أَنَّ هنالک من هربت لِتصبح كَبير خدم .. أنا مميزة .

------------------

ضَربتُ كَفي يَديها بِـبعضِهما حينما رسمت إبتسامَةً سَاخرةً فِي ثِغرها تُتمتِمُ عنها بِـالقول :

_ دَوِّن يَا تَاريخ و إشهد يَا عالم عَن أول فَتاةٍ سَـتَهربُ مِن مَنزلها تاركةً كلَّ شيءٍ خَلفها لِتغدو كَبير خدم .. عَلى الأقل أملکُ مَا أقصهُ على أَحفادي .

الوقتُ مُتأخرٌ من اللَّيل في حدود الزله ، حينَ تتساوى عقاربُ الساعة و تلتقي بعد فِراقٍ طَويل و هم كذلک . فِي السَّاعةِ الَّذي يَحظى فيهِ الجميعُ بِـأحلامَ مَديدةٍ تَنشغِلُ فَتاةٌ مَا فِي أخذِّ أول الخطوات نَحول حُلمها عَلى أرضِ الواقع ، فـإن قصصتَه على أيِّ شخص سـينعتُها بـالحَمقاءِ لاريب و إن أَردفتَ التَكملةَ لَتراجع عَن قوله .

أزَاحت باب غُرفتها بـتَروٍ ، تحمل حقيبَتها فَـتسري على أطراف أصابع أقدامها مثلما دخلت لتخرج متحاشية إيقاظ أحد .

لَمست أَصابِعُ يُسراها مِقبض البابِ الخَارِجِي أمَّا يُمناها فَـحملت حقِيبة سَفرٍ ذَات العجَلات ، ضَغطت عَلى المِقبضِ تُنزلُهُ إلى الأسفل ثَمَّ تَسحَبهُ إليها بـبطءٍ تَجنباً لصريرهِ المَعدِنِي . أَخذت أول خُطوةٍ سُرعان مَا تَوقفت عَنها برهةً ، تُديرُ رأسها للخَلف عَن إحساسٍ غَريب يَغشى صَدرها فَـإذ يُسارعُ خَفقانِ نَابِضها لِحدٍّ مَريرِ التحمل ....هو التَوَجُّس من القادم .

تَسلل الرَّوْع إِليهَا مِن تَوقِعاتِ جَمةٍ تَخفت خَلف تهوُرِها و تَسرعها نَحو مَا تَصبو إليه ، فَـاستَذكرتهم فِي أخر لَحظة ، إنْ فُتِحَ أحدُّ أبوابِ غرفِ هذا البيتِ فَـهو الفَناءُ لِحلمها و لها على حَدٍّ سواء . الَّذِي تَخطو إليهِ - الخارج - مَجهولٌ لا يُتوقعُ حدثُهُ و لَعلَّ خَطراً مَا يَتربصُ بِها فيه .

سَفرها لِبلدٍ غريب لِوحدها يَجعلُ التَوقعَ أمَرَّ مِن سابِقِه ؛ البَشرُ قَليلُ الفِطنةِ رَغمَّ قِصرِ حياتِهم و سُهولة إزهاق أرواحِهم ، لَن يِفكِروا فِي عَواقِب أفعالهم إلَّا وَهم يَعضون أصابِعَ الندم فَـقَلقُهَا المُبكر فِي وقتٍ غَير مُتوقع ، يَستَحِقُ تَصفيقاً حاراً .

أَمالت عينيهَا لغرفتِها ، السِجن الَّذِي طَوق أحلامَها لِسنوات عَديدة . مُحاولاتٌ تُوِجت بِـالفشلِ لإرضاءِ هوس وَالدتِها المَرضِي ، المَشاعر الَّتِي كَانت طَواقةً لها مِن أسرتِها أَصبحت سراباً يُزين تِلکَ الجُدران ، الإهانَات و العقوبات كُلُّهَا هِي تَمثيلُ تِلک الحُجرة

هل أَعود ؟

هل أُلقِي مَا فِي يدي و أضَعها على أُذنِي ثم أخلدُ للنوم ؟! ، أعيشُ من بَعدها حياةً لا تُشبِهنِي ، إرضاءً لِمُنجبتِي كَـدميةٍ خُيوطُها الرَغبات و الأهواء ؟!

أُتابعُ التَحرک فِي مَسرحهَا المَرضِي حَتَّى يَنال مِنِي الجنُون ؟! ، طَبعاً لا و ألفُ لا ؛ إنَّ حَياتِي هِبةٌ لِي سَـأَهِبُها لِنفسي فِيمَا يُسكِنُ الكَفافَ فِي مُهجتِي ، مَع مَن أُحبُّ مُغمضةً جَفنيَّ عن خَلفيَتِهم و أتنَاسى ذلک العتَاب دون طائِلٍ منه .

2

إنْ أَردتُ سَـأركُض ، إذا أُصِبتُ بِـالضجر لَن أهتمَّ بِـطَبيعَةِ مَا يُبدده - بـطبع الروايات فِي أول اللائحة - أَتعلمُ أموراً جَديدةً و أمَارسُ المِهنةَ الَّتِي أردتها

خَلفَ هَذا البَاب هِي أنا الَّتِي لم تُوجد مِن قبل .

نطَقت رَغباتُها الحَبيسةُ تُبدِدُّ ذَلک الشُعور فَـتُفنِيه ، تَرَأَّى لَها بابٌ جديد يُفتحُ عَلى مَصرعيه لَها ، مُطِلٌ عَلى عالمٍ مُخالفٍ عن سابِقه .

فـبقدر ما ترى منهُ من الجمال و البهاء ، بِـقدر ما يخفي فِي ظُلمَتِهِ الدَّهماء ؛ فـدماء وجدت لتلطخ قدرها .

-------------------------

أَعتبتُ الباب رَاكضةً دون إغلاقِه ، رَكضتُ بِـكلِّ مَا أوتيتُ بينَما أُحاوِلُ حَمل الحَقيبةِ حَتَّى لا تُبطِئنِي . خُطواتِي تطرقُ الأرضِية بِـقَسوةٍ ، هَاربةً مِن ذلک الكَابوس فَـعكرت سُكونَ الشارع .

كنتُ كـمن تحررت من سِجن حُبِس فيه لقرون .

رياح اللَّيل الصَّرصارَة تُلاعِب خُصلاتِي فَتجعلُها تَتراقَصُ فِي نغَمِها ، رَمهَرِيرهُ يَلسَعُ جَسدِي . غمرني عنها شعورٌ وددته منذ زمن .. أنا سَعيدة حقاً لِدرجةٍ يصعُبُ وصفُها .

إستغرق الأمر دقائق و كنت بِـالفعل في الشارع الرئيسي ، توقفت عن الركض ألتفت مَيمنَةً و مَيسره ؛ أتحقَقُ إذ لَحقنِي أحد . تَنفَّستُ الصُّعَداء حين وجدتُ نفسي وحيدةً هنا .

طلبتُ سيارة أجرة من أحد التطبيقات بِـهاتفي متغاضيةً عن الوقت ، جلست أنتظرُ وصوله .

رَفعتُ رأسِي أتأملُ السَّماء فَـكَان الدُّجَى يَكتَسيها فَـالدُّرَر مَنثورةٌ عليه .

أعشقُ السَّواد و أفَضِلُ أقتَم دَرجَاتِه فهو لوني المفضل .. حظِي عاثر فَـشَعرِي أدنَّى السَّواد لِحدِّ البُهوت .

في خِضمي ذلک أبصرتُ ما وددت رأيتَهـ منذ أمدٍّ . حَسبتُهُ حُلماً زَارنِي ذات ليلةٍ لا حَقيقةً لطُولِ فُرقتِه مأَقيَّ ، ذلک السَّناءُ الأزرق المُتَوهج ، يُحجُبِ فِي حُضوره القمر نفسه لجماله ، النجمُ الأكثر نوراً و سطوعاً بين كلِّ النجوم .. سِيْرِيُوسْ .

مرَّ نحوُ العشرِ سنوات منذ رأيتهُ ، تِلکَ اللَّيلةُ الَّتِي حددتُ فيها مسار دربي و أقسمت بِـبلوغهِ و إنْ كان بـبعد هذا الفُرقدِ عنِي .

حدَقتُ فيه مُطولاً ، أول بصيص أملٍ .

1

لي كَيفَ لا يَظهرُ فِي اللَّيلِ دَائماً بِـمِثل هذا السَّناء ؟! .

تذكرتُ حينها أسطورةً تحكي أن من يرشده سِيريوس سـيرافقه الحظُّ طيلة دربِه إلى أن يبلغَ هدفَه . أنا لا أؤمن بِـالأساطير لا تخطأ الظن بي فقط حاولتُ تصديقها لـعلها تصِح .

لكن على النقيض فـلكلِّ جمال وجه مظلم ؛ لأنَّه من يرى سيريوس وهو بصدد القيام بـشيء سُيفتح له بوابة تكشف حقائق ترتجف لها الأبدان - علامةٌ على كارثةٍ قادمة .. كما قلتُ ، الأسطورة مجرد أسطورة ..

أو هذا ما كنت ٱمله .

--------------------

رَكنت سيارة الأجرى بِـجَانِبِي فـأسرعتُ إلى مقعدها ، وِجهَتِي تم تحديدها فِي التَطبيق سلفاً . وظّفت فَترةَ مُكوثي بِـالسيارة في الإطلاع على موقع الأكاديمية الدُّولية لِكبارِ الخدم ولا سيما ما كُتب في خانة التعليقات . إتسع جَفنَيَّ بينَما رفعت يَدي تِلقائياً ليُلامِس إبهامُهَا شَفتِي السفلية ؛ غَالبيةُ مَا كُتِب مِن طَرفِ أشخاصٍ رُفضُوا من قِبَلِها ، يَتحججُونَ حول عدد مَقاعدِ الأكَادمية القَليلة و البَعضُ الأخر يُخبرنَا عَن شَهاداته و إمكانياته الَّتِي يستَحيلُ رَفضها ، إلَّا أنَّ العدد هُو مَا أحدثَ صدمةً لِي .

حُصولِي عَلى مَقعدٍ كَان أمراً عسيراً فـشرُوطهم دَقيقةٌ و شِبهُ تعجيزية مُقارنةً بِـرُسوم الإلتِحاق الباهِضة لَكن أردتُ هذه الأكادمية على وَجه الخُصوص ، إلَّا أنِّي لم أتوقع هذا العَدد مُقارنةّ بِـنسبة القبول الضعيفة.

بعد بحثٍ بسيط وجدتُ السبب ، يتم التَّوجُه إليها بِـكثرة لأنَّ شهادتها تمكن صاحبها من العمل لدى أغنَّى العائلات و أضخَم المُركبات و الفنادق بِـرواتِب عالية بعد التخرج مباشرةً دون أيِّ عناء يذكر في أيِّ تخصُص يشمُل عمل كبير الخدم دون تقييد :

طباخٌ مُحترف أو حارسٌ شَخصي ، مدرّب في أكاديميات الضيافة أو البروتوكول ، مستشار في فن الإتيكيت والبروتوكول ، مدير منزل ، مدير ضيافة خاصة ، مرافق شخصي ، مدير خدمات يخت أو طائرة خاصة ، منسّق فعاليات و كَبير خدم بِـطبع ، حتَّى أستاذٌ خَاص للعوائل الغنية ، مُختصراً أيُّ عَمل فِي مَجال الأغنياء ضِمن تَدريبه .

بِـبساطة شهادتُها هي ورقة سحرية تسمَحُ لکَ بِـالوُلوج إلى أيِّ مجال تريده ، شرطَّ أن يكون ضِمن أعمال كبير الخدم .

ربَّما الحظ كان معي لأول مرة ...أو هذا ما خُيل لي فـحسب .

توقَّفت سيارة الأجرة أمام بوابة المطار ، فتحتُ البابَ ثم تَرجلتُ منها ، لم أنسَ أن ألتقط حقيبتيَّ فلا تقلق .

شقَقتُ طريقي ما بين الحشود ، أجر عجلات الحقيبة بُِحذرٍ ألَّا أمُرَّ على قدمٍ أحد أمَّا رأسي فلم يَلبث إلَّا يتأرجَحُ يميناً و يَساراً أتَفحصُ المكان . تَم التَحقُق من أمتعتِي ، التذاكر و جواز سفري و كلُّ شيءٍ سار على مايرام .

إنتظرتُ ساعتَين إلى أن تَم الإعلان عن وقت الرحلة و لم يرمق لي جفن منذ ليلة الأمس .

الكرى راح يُخدر أطرَافي إلَّا أني لم أغمِض عَينيَّ من الحماس ، لا أرغب بـإفسادِ هذه اللقطة التاريخية .

دلفتُ مع الركاب في ذلک الممر الشفاف ، كنت قادرةً على رأيتِ بقيةِ الطائرات من خلاله ، منها من يستعد للإقلاع و أخرى قصدَ الهبوط و العديد متوقفة تنتظر موعد تَحليقِها .

هذهِ أول مرة أراها فِي حياتي .. هي أول مرة أسافر بها أساساً ، لا يمكِنني إخفاء توتري و نظراتي الفضولية للمكان .

أتجهُ الأن إلى الأرض المنخفضة هولندا ، أرضِ الطَواحين و التوليب ، حيث بدايةُ أول مَراحل حَياتِي الجديدة .. يصعب عليَّ تصديق حقاً .

أخَذتُ أول خَطواتٍ نحو مَصيرٍ مجهول لا أدرِي مضمونه . ما خِلتُ قطّ أنِّي سـأعيشُ أحداثاً و أَلتَقِي أشخاصاً لم أؤمن أنَّ لَهم وجوداً فِي هذه الحياة .

ها نَحن ذا أمام أول خطوةٍ نحو حلمي ، صعدتُ دَرج الطائرة لأجلس بـجانب النافذة بينما أعد الثواني قبل اقلاعها . قد أقلعت ترتفع في السَّماء تَخترقُ السحب ، تبتعد عن والدتي ، أخي و الماضي . مِثالياتُ والدَتِي سَـتَغدوا ذِكرا مَنسيةً فِي عَقلِي و كَذا جَميعُ مَن فِي هذا البلد بِـإستثناءٍ وحيد .قد طويتُ صَفحتِي معهم .

مَا ساورنِي أقلُ الشک أنَّ وصولِي إلى هنا كان مُقدمةً للقاءه دون وعي مني ، مَن كَان مُجرد ذِكرا مَنسيةً سَـيعود لِيفرضَ نَفسهُ فِي كُلِّ تَفصِيلٍ مِن حَياتِي بِـطريقتِهِ الخاصة .

بِدايةُ قِصتِي جدُّ رُوتينية و أشعر بِـالضجر حِين قَصِها لَكم مُقارنةً بالأتِي ، لَكن كَان لابُّدَّ مِنها فَـبعد هَذه اللحظة سَـتشهدُ تغيراً فِي مُجرياتِها ، مِن الأن عَليک مَعرفةُ تَفصيلٍ واحد :

الدِمَاءُ وَ اَلْتَضْحِيَّةُ ، الأدابُ السَّامِيةُ حَتَّى حِينَ إزهَاق الأَروَاح هِي اَلْسَبِيلُ نَحْوَ الخَلَاصِ فِي قِصتِنا .

-------------------------------

إرتَفعت الطَائرة فِي الجوِّ مُحلقةً رَيثَمَا تَرقبُ ذَلک مِن زُجاج النافذة ، تَبتَعد عن اليابِسةِ تدريجياً إلى أن ما ظلَّت إلى أسرابٌ من السُحبِ البيضاء تَسبحُ فِي زُرقَةٍ فَاتنة ، مِثلُهَا مِثلُ أكداسٍ من القُطن فُرش ليغزَل عَلى سَجادةٍ سَماوية .

الزَمنُ تَعثر فَلم يُقدِم عَلى أيِّ تَقدمٍ تَاركاً إياها حَبيسة قيدِ غُصَصٍ مكتومة .

وجلٍ يَخنقها و سكينةٍ تُداعبها ، سرورٍ يُزهر و حزنٌ يذوي .

رغم أنَّ فعلتها قد خُطت منذ ذلک اليوم البعيد إلَّا أنَّ عُقدتها لما تزال تنهش نفسها ، إذْ هِي أولُ مرةٍ تُجَاهِرُ بِـمُخالفةِ رسم والدتها بـجرأةٍ صريحة إستَثنَت التَكتم ، مُفنيةً تلک الفسيفساء الَّتي رُكِبت من قِبلها دُونَ شَفقة .

فَـحين تتَمرَّد النفسُ الأَسيرة لن تُكَبِلها أيُّ أغلال و إنْ كانت من صُلب مُضرّس .

تلکَ الفتاة الصغيرة فِي المرآة مَا هِي ذَاتُهَا فِي هذه النافذة ؛ حَملت القلم بينَ أَنَامِلها لِينسابَ فَـيَكتبَ القَادم . أَلوانهُ غَير مَعهودةٍ للمُبصِر ، صِبغةٌ فَرديةٌ غَير موددةٍ .. الأَحمر الدَّموِي .

أَدقُ وَصفٍ يُحَاكِي القَدر الأَتِي :

❞ تَصيغُ أَحرفَ قَدَرِهَا فِي وَرقةٍ مُسودةٍ بِـحِبرٍ قانٍ مُحمَّرٍ ❝

------------------------------------

إنحدرتُ فِي مُستَنقعِ أفكَارِي فإذْ بَلغتُ قَاعه . مُخيلتِي باتت تَتراقَصُ و تتموَّج بينَ قَزحيتيَّ فِي طرب ، هَمساتٌ خَفيةً غير مَعلومةِ القائل تَهتف :

في ظَنک ، كيف سَـتكون هذهِ الأكاديمية ؟ أيُّ نوعٍ من الأماكن هي؟ أتشبه ما كنا نرسمه في خيالنا .

و أخرى تابعت :

الأجدَر أن نُخمن عن أُناسها و صفاتهم ؛ فـلا يمكِننا الجزمُ ما دمنا لم نُخالط أحدًا بعد فـحيّزنا كان نَفسنا فقط

حاولتُ إسكات تلکَ الهواجس ، عدا أنَّ تفكيرِي إنحاز لذاته ، لَطالما وددتُ أن لا أعِيش مَا تبقَى من عُمرِي وحيدةً .. لا قُدرتَ لِي عَلى إستباقِ الحَديثِ أو إبتداء واحدٍ مَع غَيري و الفَضلُ يَرجعُ لِمِثاليات والِدتِي تلک .

حِين أُجبرتُ عَلى الإلتحاق بِـكُليةِ الطِبِّ وَجدتُ نَفسِي عَالقَةً فِي مأزِق ؛ يَفرضُ هذا المَجال تواصُلاً دائماً مع البشر وَ حينَهَا كَان عسيراً عليَّ ، منهُ ما إن تَم طَرحُ مَشروعِ التَخصص المُزدوج في كُليتِي كنت من أوائل المشاركين فيه لأتخصص في الطب الشرعي ؛ فـالتَعامُل مع الجثث أهون عليَّ من التعامل مع الأحياء .

فَـمن فَارقت رُوحهُ جَسده لن يَنبس بِـحرفٍ ، لا يُؤذِي سَمعَک بِـكلماتٍ جارحةٍ أو إساءَةٍ وقحة ، إذْ بـبساطة دَورهم فِي الحياة قد إنقضى فَما عليَّ إلَّا اكتشاف طُرقِ رحيلهم عنها قَبل مُعانقتِهم الثرى .

لا أُنكر خوضي حِوار مع جثةٍ حين ضجري ، حتَّى الأموات لهم طرقهم في قصِّ القِصص .

استمَرَّ حَالي على هذا النحو ؛ أسئلةٌ تُلحّ في رأسي تطالب بـإجاباتٍ تُسكِن اضطرابي و أحلامٌ تخُطُّ حرُوفها مُترنمةً فِي ألوانٍ متدرَّجةٍ زاهية حتَّى خبت جميعها و انطفأت في سكينةٍ حالكةٍ مريحة .

--------------------------------------

_ آنِسَة .. يا آنِسة

تَسرَب همسٌ بَعيدٌ إلى مَسمعيَّ ، يَعلُو وَقعهُ إلى أن إتضَحت كَلِماته . أَتحسَسُ ضَغطاً خَفيفاً ، مُتتالٍ عَلى كَتِفي الأيمن ، صَوتُ يُوقِظُنِي عَن نَبرةٍ غَير مُعتادة

أَعليتُ جُفونِي المُغلقة ، بِـبطءٍ و تثاقُل فـالكُرى يرفُضُ الزَوال عَنهما . تَجلت صورةٌ ضبابيةٌ أولية ثُمَّ توضَحت مَعَالِمُها .

قوامٌ طَويل و جَسد نَحِيل ، سترةٌ يعلُوها معطفٌ خَفِيف و تنُورة تصل إلى حدِّ الرُكبة . شعرٌ مرفُوعٌ بِـعناية في كعكةٍ متقنة تعلُوه قبعَة صَغِيرة ، ابتِسامةٌ رُسمت بِـأحمر شِفاه أنِيق .. كانَت تِلک المُضيفَة تُصَحينِي بَعد أن ذَهبتُ فِي النوم .

مَحلقتُ فِيها أَستوعبُ أينَّ أنا من الأساس - حَسب ثِغرها المَرفوع أشبِهِ كوالا إستَيقظ من النوم - فَـحِين تَحققت من إستِيعابِي لکَلامِها حَتَّى باحت بـإنجلِيزية ذَات نَغمةٍ إيطالية :

_ أعتذرُ على مقَاطعَة نومِک آنسة ، لكن سَـيكون عليک وضعُ حِزام الأمَان ، فَـنحن نوشك على الهبوط .

نُوشِک على الهُبوط ! ، كَم مرَّ منذُ أن غَفوت ؟! . كَانت رَغبتِي أن أغفُو لِسَاعَةٍ وَاحدة فَـانتهَى بِـي المَطافُ فِي سُباتِ دبٍّ شتوِي .. من المُرجَح أنَّه تأثير مَقاعدِ الدَّرجةِ الأولى .

أومأت بِـرأسي إيجابًا رَيثَمَا أضَعُ حِزام الأمان . إلتَفَتت تَتَحقَقُ مِن بَقيةِ الرُكاب فَـجَعلتُ نَاظِري يَلحقها دُونَ وعيّ ؛ لطالما رَاقَنِي مضِيفو الطَيران ؛ فهم أشخاص مُراعُون يتحملون مَشاقَ السفر الطويلة مُزامنةً مع خِدمة الرُكاب ، الأجمل أنهم يزورون بلدانًا كثيرة على نفقة شركةِ الطَيران التَابعِينَ لَهَا أثنَاءَ أداء مَهامهم .

لا تَقلَق لَن أسحب رَأيِّي ، مهنَةُ كَبير الخدَم هِي الأفضَلُ بِـعينِي ؛ فَـحَتَّى كَبير الخَدم يُرافِقُ سيده فِي رَحلاته دون ذِكر الأكلِ الفاخر و مَكان العمل الرَاقي . لكلِّ مِهنَةٍ جَوهَرُها الخاص .

------------------------

مددتُ كفّي إلى نَقرة عُنقي ، أمسحُ موضِعَ الألم الَّذي أَحدثَتهُ غفوتِي الثقيلة .

أَضحى النَومُ بِـوضعِيةٍ خاطئة عادةً رَاسخةً مِن العمل .. قَد أُصاب بِـتَيبسٍ عَضلِي و صُداع دَائم إنْ لم أصَحح نَومَ الدِّبَبةِ هذا قَريباً .

فَـل نَدعوا ان تَتوفَر الأَكادمِية عَلى أَسرةٍ مُريحة .

أَفلتُ جَسدِي عَلى الكُرسيِّ ثُمَّ إذْ أَدركتُ شيءاً ، إلتَففتُ إلى النَافِذةِ ألتَصقُ فِي زُجَاجِهَا أُطِلُ مِنه . إتَسعت جُفونِي و رقرقت رمَاديتاي عَن مَا تَعكسه .

الأرضُ المنخَفضة بَلد الطَواحِين و السياسِبِ الفاتِنةِ هو إسم يَليقُ عَليها حَتَّى فِي الخَريف .

مسَاراتٌ رَسمتهَا أشجارٌ مُتعددة الألوان ، مِنها من إعتنقت الأصفر الذهبيَّ كَـشَهدِّ النَحلِ و أخرَى مُحمرةٌ قَانية تَميلُ إلى البنيِّ . حُقول واسعةٌ عَلى مَدِّ البَصر تمتَد لأميال تَتَلون أعشابُها حسبَ مزروعاتها ، أمَّا أبهَاها فَـكَانت حُقول الورود الصَامدة ضُدَّ الخَريف .

قُرى صَغيرَة بِـيوت خشبية موزعَةٍ ، تُحيطها الأشجار كـحواجز خضراء حِينما تشطُرها مَمرات مائية زرقاء تنسُج نظامها البدِيع .

بَعضُ المُدن أدقُ الوَصفِ لَها هِي مِرآةٌ تَعكسُ أوروبَا فِي العصور الوسطى ؛ مَبانٍ إتخذت القُصورَ الخَيالية قُدوةً لها و أَبرَاجُ تَتجلى مِن إرتفاع المدن .

كُلما إِنخفضت الطَائرةُ أكثر كُلمَا أصبَح المَنظرُ أكثَر وُضوحاً و زَاد إعجابِي به .

السَياراتُ عَلى الطرُق المتَعرجة تُشبهُ أسراب النمل دؤوب .

لاحَقتُ المَنظرَ بِـعَينينِ مَذهولتين و بُؤبؤةٍ مُتسعةٍ لطفلةٍ صغيرة استيقَظت بـداخلها براءةُ الفضولِ فِي سِنٍ مُتأخِر إلى أن انفَلتت الكَلماتُ مِن شَفتِي دونَ قصد :

_ أهَذِهِ هولندا أم مَكان مِن أحدِّ روايات الفانتازيا ؟! .. هل سَـأعيش هنا حقًا ؟ ، أنا ذَاهبتٌ إلى هوغوورتس على الأرجَح .

وُجِهت أبصارُ المُسافِرين فِي الدرَجةِ الأولى إلى البَلهاء - الَّتِي هي أنا - إثر نَبرتِها المُرتفعة ، إلتَقط سَمعِي قَهقهاتٍ خَافتةً و هَمساتٍ مُتبادلة ، هُناک مَن إكتفَى بِـالعَبوس فِي وَجهِي كأنَّنِي طِفلةٌ يجب تأديبُهَا حتَّى تَخفِضَ صَوتها .

فِي المرةِ القَادِمةِ الَّتِي يُذهِلُنِي فِيها شيء سَـأضَعُ كَفِي على ثِغرِي أولاً .

تَجمدت مَلامِحِي برهةً ، تَوردَت وجنتاي فَـاستشعَرتُ حرارةً تَعتلِيهما . إستيقظت النعامةُ بِـداخِلي فَـدَفنتُ رأسِي بين المَقعد و قَدميَّ عِوضاً عن التراب ؛ لأنَّهُ غير مُتاحٍ حَالياً .

إنشَقِي يَا سماء و إبلَعينِي ، افتَتحتُ حياتِي الجديدة بـطريقةٍ تستحقُ رفع أيديكم للتصفيق ! .. مِن التقليل عَدمُ التَبربر ؛ جَمالُ هذا البلَد للمُبصِر أعظمُ تأثيراً مِن مُجرد صورٍ أو فيديُوهَات عَلى الأنترنت .. مَن يُصدقُ أنَّ تعيسَت الحظٍّ مِثلِي عَلى مَشارِفِ الدِراستِي هُنا .

أبتَغِي مُعاينةَ أماكِن عديدة رأيتها فِي مَواقع التَواصل الإجتمَاعِي ، فـالدراسة هنا فُرصَةٌ ثَمينة لِإرتِياد مَعالمِها الشَهيرة .

صَحيحٌ أنَّ نظام الأكادمية دَاخِلي ، غير أنَّهَا تُخَصِص أياماً للراحةِ من التَدريبَات و مُغادرةِ حَرمِها . إن لم تَخُنِي الذاكرة ذُكِر وجود رَحلاتٍ دَاخِل البلَد عَلى حِساب الأكادمية .

كلُّ لحظةٍ ثَمينةٌ فَـحين التَخرج سَـيُقيِدنِي عَمَلِي عن التسكِع .. لا ضَرر فِي اغتنام اليوم فِي التجول و غداً موعدُنا مع أكادمية كبار الخدم .

--------------------------

الأرضُ المُـنـخَـفِـضَـة 「 هُـولَـنـدَا 」 || مطار

أمستردام سخيبول الدولي

The Netherlands 「 Holland 」 ||

Amsterdam Airport Schiphol

لامست عَجلاتُ الطَائرةِ أرضيةَ المَدرجِ بَعد فُرقةٍ ، إنفَرجَ البابُ لِتَنساب الأقدام عَلى أدراجِه ، حِذاءٌ يليهِ أخرُ .

هَمَّت تَخطوا عَلى الأرض ، تَسمحُ للهوَاءِ أن يَتسرب إلى صَدرها ؛ لَعلَها تُخفِي اختِنَاقهَا من جَوِّ الطَائرةِ المُقفِر بينَما فِكرُها زَار مكاناً مُخالفاً .

تَرومُ عَينيهَا ثَمناً مُقابلَ فضولِها فَـيُخمِده ، تَتطلع إلى تَجربةٍ جديدةٍ ، تَختلِفِ فِي رونَقِهَا عَن سَابقاتها ؛ مَا لا يَترکُ لأذيالِ النَّدمِ ركناً فِي رُوحِها ، يُحَاكِي رَغباتِها و يُداوِي جِرَاحَهَا .

أحَاسِيسٌ مَا طَرقَت خِلجَتَهَا البتَّة فَـمَا عَرفت مَغزاهَا فِي الوُجود .. يا تُرى ، ألا يُمكِن الظَفَر بِـها عِند من حُرِمَ مِنها ؟ .

رَاحت تَزرعُ تَوقُعاتٍ جمَّ ، بَتلاتُ رَيحانٍ يَعبِقُ أَريجُها فِي كَيانِها ، عَلى جَهلٍ بِمَا أقحَمت نَفسهَا بِه .. و معَ من بِـالتحديد .

قَلبت بَصرهَا فِي المَكانِ بِـثِغر مُتبسِّم ؛ الورى مِن كلِّ الأقطارِ الأرضِ أَخذتهُم رِحَالهم لِمطارِ هذا البلد ، منهم القَادِمون و المُغادرون ، السُّياحُ و أهلُ البلد . إِختلَفت مَعالِمهم فَـلسانُهم .

إنسابت بين أكدَاسٍ من الأوجُه ، تُلقِي إبتسَّامةً جذلى مِن ثِغرهَا عَلى كلِّ مَار . هِي كَـأيٍّ من بَناتِ حواءَ لا تَقِلُ حُسناً مِن أيِّ أوروبيةٍ مَارةٍ ؛ فَقد حَملت سِمات والدتِها الإيطالية : مِن بَشرةٍ عَاجِيةٍ فَاتِحةٍ تَميلُ إلى دفءِ القَمح وَ قَوامٍ صِحِيٍّ و وَجنتان مُتورِدتان .

نِصفُ جِينَاتِها الثَانِي لأبٍّ رَحالةٍ مُغامر ، عَربيٌّ أَمازيغِيٌّ حرٌّ ، سَكن نَفسه حبَّ الإستِكشاف و المُخاطرة فَـغَرسُهُ فِي نَجلَتِهِ الفُضولية الحَالِمة . لَعلَّ تَمرُّدَهَا اللَاحِقَ خُصلةٌ شَاردةٌ منهُ صَحت مُستَأخِرةً .

وُسِمَ الجَزائِريون بِـصِفاتٍ جَمَّةٍ ، ذَاعَ مِنها تَهَورهم فِي قَرارَاتِهم و تَحملُ جَميعِ عَواقِبها دُونَ إستِثنَاء ، تَمسُّکُهم العَظيمُ بِـأفكَارِهم ، فَـإن إجتَمعت الأنَام عَليهم لِترک قَنَاعةٍ رَاسخ لَعَارضُوهَا جَميعاً وَ مضَوا فِي دَربِّهم ، فَهم عربٌ أحرارٌّ فِي الفِكر و أَمازيغُ جَلامِدُ فِي مبادِئهِم ، فَـإذْ والِدُها نَسلُهم .

ضَآلةُ لِقاءِها بِه مَا أعاقَت تَرکه أثراً في شخصيتِها لا يُمحى فِكراً و مظهراً ، أَخذت عَنهُ خُصلاتٍ سودَاءَ بَاهِتةِ ، طَويلةٌ كَثيفة ذات تَموُجٍ خَفيف تَصِلُ خِصرها . عينَانِ واسِعتانِ لوزِيةَ الشَكلِّ ، كَبيرةٌ ، يُظِلُّهُمَا جَفنانِ عَمِيقَان و رُموشٌ كَثِيفَةٌ تُضِيفُ من بروزِ حِدَّتِهَا . أمَّا القَزَحيةُ فَـرَماديةٌ غَيميةٌ .

مَزيجاً نادراً هِي : عَرَبِيةٌ أمازيغية فِي الفِكر ، إيطالية فِي الطِباع . منه هِي لَم تَتفرد فِي غرابةِ الطموحِ فقط بلـ حَتَّى السِمات و كما يُقال : الإبنَةُ لأبيهَا أشبهُ .

2

----------------------

فِي إنصاتٍ إستَمعتُ إلى هَمساتِ المُسافِرين المُتَسربةِ

بَينَ مَسمعيَّ ريثَما أَبحثُ عَن حَقيبَتِي فِي الحزَام نَقل الحَقائب . الأَكثرُ كَان نَاطقاً بـالهُولندية مَع تَعدُّدِ لَهجَاتِهم من الهُولَندية الغَربِية إلى الهُولندِية الجَنوبِية و الفرِيزِية .

بِما أنَّهُ「 مَوسِم الكَتفَين shoulder season」فَـعددُ السُياح فِي أقلِ مُستوياتِه و أغلبُ الرَحَلات عودةٌ للسُكانِ لبلدِهم مِن عُطَلِهم أو الطُلاب - مِثلِي - إلى جَامِعاتِهم .

فَهمُهم عَسيرٌ عليَّ إلى حدٍّ مَا ، رَغمَّ إتقَانِي للهُولندية بَعد دِراسَتها سراً . هِي لغةٌ صعبَةٌ حالُها حَالُ الألمَانِية أخَذ إتقان النُطقِ و الكِتابةِ سَنواتٍ .

غَيرِي قد يَجدُ الوَضعَ مُزعجاً - أن يَتحدث من حولک بِـكلامٍ لا تَعلمُ مَعناه - أمَّا أنا فَـلا ؛ عَكساً أطوقُ لتَعلمُ بِـقيةِ لَهجاتِ هُولندا .. تَقوقُعِي مَنعنِي من السُؤال و إلَّا لَهممتُ أستَفسِرُ مِنهم .

لكن .. لحظة !!

وَالدتِي لَيست هُنَا ، أخِي مَا عَاد يَتبَعُنِي أينَما ذهبت ، لا أحدَ مَوجودٌ لِيُحَاسِبَنِي عن إنتهَاكِي تِلک المِثالياتِ المُقرفة !! ؛ فَـلمَا لا أفعَلُ ذلک ؟ .

بَرحتُ المَبنى الرئيسِي ، جَذلاء شَفتِي مَرفوعةٌ للأعلَى أُعلِنُ إنتِصارِ . أُدندنُ بِـأفكارِي كَـأغنِيةٍ إيطاليةٍ حَتَّى لا يَفهَمها غَيرِي :

「 أنا بِـمفردِي أخيراً ، أصبحتُ حُرةً ، لا والِدتِي و لا خَافيير يَستَطِيعانِ إيجَادِي .. سـأعَيشُ مِثلما أريد ، سِـأغدوا كبير خدم 」

「 Sono finalmente da sola, libera. Né mia madre né Javier possono trovarmi ... Vivrò come voglio, diventerò una grande maggiordomo 」

تَغنيتُ بِـهَذِه الكلِمات دُونَ توقُفٍ بَينَمَا أهزُّ رَأسِي فِي طرب .. أظن أنَّ لا أحَد يَستَطيعُ سَمَاعِي و إنْ حَصل لَن يَفهموا كَلمة .. نُقطةٌ للإيطالية صِفر للهولندية.

عَليَّ التَخطِيط لِطريقةِ صَرف اليوم و الأيامِ القادمة ، أَفكارٌ كَثيرة تُراوِدنِي ...

صحيح !! ، سَـأرتادُ أول مَكتبةٍ تُصادِفُنِي ؛ أبتَاعُ مِنها جبلاً مِن الكُتب و الروايات ثُمَّ حينَ وُصولِي سَـأنثُرُهَا فِي كُلِّ زَاوِيةٍ مِن غُرفَتِي المُستَقبلية . لا يَجوزُ تَرکُ نَفسِي وَحيدةً هَكذا .. التَحولُ إلى كائن إجتِماعِي بَعد إنعزالِ سنَواتٍ صَعب . وَجدتُها فَقط عَلَيَّ الإندفاعُ إلى أول شَخصٍ تَأنَسُ به سريرتي و أَفتَتِحُ الحَديثَ عن الأدَب و ربَّمَا شُربُ الشَايِّ فِكرةٌ جيدة ؛ إذْ أطوقُ لِإحتساء أنوَاع لَم تَتوفر سابقاً مِثل : شايِّ دارجيلنغ Darjeeling و إيرل غراي ، آسام ، برينس أوف ويلز ، الكاموميل و غَيرها مِن أوراقِ الشَايِّ الشَهيرة .

أَتَمتعُ بِـجوَّ أكتُوبر - تشرين الأول - الخَرِيفِي حِينمَا أُطَالِعُ رواية مَع فنجال شَايٍّ عِوضاً عَن القَهوة ؛ الكَافيين مُضِرٌ بِـالصِحةِ و أَرغبُ أن أحيَّا حَياةً مَديدةً وَ صِحيةً دُونَ أيِّ دَاء . أَجعلُ لِكلِّ ثَانيةٍ قِيمةً دُونَ إهمَال .

عَامِي السابِعُ و العِشرونَ أَعيشُ لحَظاتِه الأََن ، فِي مِثلِ هذا السِّن يحظَّى البَعضُ بِـأطفَال عَكسِي مَن غُمرتُ لأُلبِي رَغباتِ عَائِلتِي .. فِكرةُ الزواج تُخيفُنِي .

مَاذا عَن التَبنِي ؟

مِن الرَائع بِناءُ حَياةٍ جديدةٍ لِطفلٍ حين تَبَنيهِ

رَأسِي لا يأتِي إلَّى بِـالأفكَار الجُنونِية أعلم . أولاً سَـأصبُّ تَركِيزِي فِي تدرِيب الأكادمية ثُمَّ لاحقاً سـأختَارُ إسماً لِطِفلِي المُستَقبلِي .

-----------------------------

تاهَت بي دوَّامةُ أفكاري حتَّى غشيت عنِّي المُحيط ، كنتُ مُغمضَة الأَجفانِ بينما أدُور و أسير ثم إذْ دوَى فِي أُذنِي هُتافٌ مِن ناءٍ :

_ مهلاً ! .. إنتبهي خلفک .

_「 Wait—! Look out , behind you ! 」

إنخطفَ عَقلِي جَراءَ حَماسِي فَلم أَنتَبِهِ لِمَا أمَامِي ، مَضيتُ فِي السَّيرِ إتِجاهَ حَافةٍ عَاليةٍ دُونَ إنتِباه ، بَلغَنِي الصَوتُ مُتأخِراً فَـكُنتُ على حَافةِ السُقوطِ عَلى وَجهِي . لَولَا أن ثَبتَ جَسدِي بَغتةً فِي الهواء :

_ لا .. لا أَشعرُ بالألم ؟! ..

بحتُ بـجُملتي بـتعَجب دون أن أفتَح عينيَّ ؛ لم أكُن أُريدُ رأيَت كيفَ أرتَطِم بِـالأرض فَـأقلُ مَا سَـيحدُث هو رضَّةٌ في جبيني أو ربَّما كسرٍ فِي عظمِ الأنف .

عقالٌ إلتفَّ حَول خِصرِي يَقينِي السُقوط بَعد رُضوخِي لَه ، فـمَا سَنحَ لِي رَفعُ جَفنيَّ حَتَّى تَسربت نَغمَةٌ مِنَ الكَلام رخيمةٌ إِلَى مَسمعِي الأيسر بِـالإجليزية :

_ السَيرُّ مُسـدِلةً رموشَکِ الكُحلِية علَى عَينَيکِ لَيسَّ بِـالفِكرة السَّدِيدَة ، خاصةً فِي مكان كَهذا ، كدتِي أن تتَعرضِي للأَذى .. كَـكـبير خدمٍ مُستَقبَلِية إبتسامَتک الفَّاتِنة تِلک مِن أثمَن أدوَاتِک ، و كبير الخدم الحَّق مُتَزِنٌ بينَ أحَاسِيسِه و وَاقِعِه ، الحَذرُ لا غِنَّى عنهُ هنا .. آنستي .

_ 「 To walk with your lashes cast down so heavily , is scarcely prudent—least of all in a place such as this. You might so easily have come to harm.

As a future butler , that enchanting smile of yours shall be among your most valued assets .

2

Yet a true butler , my lady , must ever strike the balance between sentiment and composure … for caution, above all , is indispensable . 」

✶ يُتبَع :

قَبـلَ أيِّ قَـول أَعِـزائِـي أقَـدِمُ كَـامِلَ إعتِـذَاراتـي عَـن تَوقُـفـي غَـيـر المُبـرر ذَاک و أدعُوا اللَّه أن يَجـعَـلَـهُ الأخِـيـر . كَـانت لِـي ظُروفِـي الخَـاصَـة رَغـم تَـوَاجُـدي الكَـامل فِـي الانستقرام لأنـي غير قادرة على التفريط في دوري في تطبيق نوفلار كـسفيرة فيه فَـدَعمنَا لا بد له لهذه المنصة العربية فهي عائلتي .

كان سبـَب التوقف نفسيّاً لحَـد ما ، كـنتُ أمُـر بـحالة نفسيـة سيئـة و إن لـم تبـدوا لأحـد فـي تـفاعـلاتـي بحسَـابي الخـاص Ciel_milan . ربمَـا كانـت نتيجـة الضغـط الـذي تعرضـنا لـه نحـن طـلاب بكًالـوريا 2025 بالجـزائر أو لأسـبـاب ثانـيـة و العـلم لله . قلمـي أصبـح ضعيـفا ، غَـزاني نفُـور غريـب إتجاه روايتي رغم حبـي لها و تشجيكـم المتواصـل ، رغم مراجعتـي المتكـررة و نقدي لروايات في هذا التطبيق و مع زميلاتي الكاتبات كانت طبيعية و في مستـواي المعتاد إلا أن ما افعله لروايتي كان يصيبني بإحباط شديد .. هذه ليست انا ، أنا مولعة بروايتي ، كبار الخدم هم شغفي و لايزال لكني لم افهم ما حدث بتحديد أشعر بالخجل حتى من هذا الفصل لأنه أقل مما أردته بـكثير .. لابأس في كل الأحوال نشرته فـلربما العودة إلى الساحة تعيد الأمور إلى نصابها .

2

لن أتوقف و سـأتابع مزامنة مع عملي و دراستي الجامعية ، إن شاء الله سـأعمل على الموازنة بينها

هذا الفصل هو أضعف حلقةٍ في روايتي لأنه مجملاً روتيني و السرد مُبسط فَلا أجد سَـبَـب لِتَغمقِ فِيه بَعد أما القادم فـأضمن أنک لن تجد متسعاً للإستيعاب حتَّى و قرائي أعلم بكلامِي ، بِـالنسبة للقرائ الجدد في نوفلار أهلا بکم معنا و أتمنى أن تستمتعوا بـهذا العمل الأدبِي الوحيد في نوفلار بـتصنيف الخدم و الدارک أكادمي .

و لتوضيح حصل العمل على تقييم 10 من طرف نقاد التطبيق بناء على العشر فصول المأرشفة و هذا الفصل عبارة عن تكملة للفصل السابق قمت بـفصلها بغرض تقليل الطول عليكم .

إذاً ما تَوقعکم للقادم ؟ من المقصود بـكلام لايزا المُستَقبلية ؟

ما قِصـةُ تـلک الأكادمـية ؟

مَا هُوية الرجلِ الغَامض ؟ و مَا دوره فِي مُجريَاتِي روايتنا ؟

أي توقـعـات ؟

مُلاحظة : الترجمة الإنجليزية للقول الأخير لا تتطابق بـنسبة 100% مع العربية و السبب هو إختلاف الإلقاء الروائي بين اللغتين أولاً و إلتزامِي بـمعايير مُحددة لكلامه بِما أنَّهُ ناطقٌ بها في الرواية ، لكن المعنى هُو ذاته .

كَـانت مَـعَـكم الكَـاتبة سِيل مِيلان نَلتَقِـي فِـي فُـصُـول أخـرَى دُمتم فِـي أمَـان الله .

4

✶ شُكراً عَلى القِراءة ✶

✶ Thanks for reading ✶

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الخادم الدَّموي : مِشرطٌ لِكبير الخَدم || Bloody Butler

المؤلف Ciel milan
2024/06/06 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة