شروق الشمس على المدينة المزدحمة، الناس كلٌّ في طريقه.
لكن سيارة حمراء رياضية متوقفة بجانب الطريق، محركها يعمل، والراديو يقول:
ـ "بالأمس حصل حريق كبير في المدينة، اتضح أنه بيت لأحد المواطنين. وُجدت جثة هيلين الخياطة محترقة، لكن عليها آثار عدة رصاصات. للأم ولدان، ولا أثر لهما ولا للأب، أصاقط المدرس الجامعي في جامعة عكايا. لذا هو المشتبه به الرئيسي حتى الآن. ننتقل للخبر التالي…"
أقفلت امرأة مجهولة، ترتدي نظارات، جهاز الراديو في السيارة، وتحركت بها.
أمام المنزل المحترق، يقف المحقق طاواد مع الشرطة. من بعيد تصل سيارة شرطة، ينزل منها مسمار متثائبًا:
ـ "هذا يبدو غريبًا…لماذا فعل أصاقط هذا؟"
قال طاواد: "لا أعلم… ولا أعلم حتى إن كان هو الفاعل."
مشى بين الحطام، والفريق الجنائي يجمع الأدلة.
قال مسمار: "لكن إذا كانت هيلين بالرصاص، فهذا يعني إطلاق نار… هل يملك مدرس جامعي مسدسًا أصلًا؟ ولماذا؟"
قال طاواد: "ما هذه الأسئلة الكثيرة؟ ليس من عادتك في القضايا."
ضحك مسمار: "ههههه، فضول فقط."
قال طاواد: "حسنًا سأجيبك… في الحقيقة لم نجد سلاحًا، لكن وجدنا ثلاث رصاصات: واحدة في رأس هيلين، الثانية حطمت عظام كفها، والثالثة بعيدة عن الجثة."
قال مسمار: "هممم… وكأنه تبادل إطلاق نار في المنزل."
قال طاواد: "لا يمكنك تحديد ذلك إلى أن…"
قاطعه صوت أحد الشرطة يصرخ على عامل نظافة:
ـ "هيه أنت! لماذا دخلت هنا؟ ألا ترى الشريط الأصفر؟"
قال العامل مرتبكًا: "آسف، لم أره… أنا معتاد أن أمشي من هنا… سأذهب."
قال طاواد: "سأكمل حديثي. لكي نتأكد أنه تبادل إطلاق نار، لا بد من الفحص الجنائي للرصاصات. عادة يكون سهلاً، لكن هنا الرصاصات الثلاث تعرضت للاحتراق وتشوهت قليلاً… أستأذنك، سأذهب لسؤال الجيران."
قال مسمار: "سأرافقك."
ذهبا إلى البيت الأول. فتحت امرأة عجوز الباب.
قالت: "مرحبًا ولدي، هل تريدان الشاي؟"
قال مسمار: "نعم نو…"
قطعت كلمته ضربة خفيفة من كتف طاواد.
قال مسمار: "لا، لا نريد."
ثم سألها: "يا جدة، هل لاحظتِ شيئًا الليلة الماضية؟"
قالت العجوز: "مااااذا؟ هل تريد الشاي؟"
رفع صوته مسمار: "ياااا جدة، هل لاحظتِ شيئًا الليلة الماضية؟"
ضحكت: "ماذا تريد؟ هههه… تريد أن أزوجك إحدى بناتي؟ لكن ليس لدي إلا ولد واحد، لا يعيش هنا بسبب عمله. لكن إن أردت الحديث، تعال واشرب شاي."
ضحك مسمار: "ههههه، أظن سبب ابتعاد ابنك عنك هو الشاي."
قال طاواد: "لا تملك إجابة… لنذهب."
في مكان بعيد عن المدينة، بين الأشجار، ينظر سكار إلى المدينة من فوق الجبل. يحمل مجرفة، ويكمل الحفر.
وصل مسمار وطاواد إلى منزل الجار الثاني. دق مسمار الجرس… لا رد.
دق مرة أخرى.
قال طاواد: "لا أحد هنا… لنذهب."
قال مسمار: "ربما ذهبوا للعمل."
قال طاواد: "أي عمل يبدأ بعد غروب الشمس؟ انظر: الممر في الحديقة مليء بالغبار، لا أثر للأقدام، والحشائش طويلة لم تُقص."
قال مسمار: "هكذا إذن… تبقى جار واحد، هيا لنسأله."
على الجبل، سكار ينزل كيسًا بلاستيكيًا في الحفرة، يجلس، يقول في نفسه: "كنت أفضل صديق… لا أعلم من تجرأ عليك، لكن صدقني، سيقابل نفس مصيرك، لكن على يدي."
تذكر نفسه فوق قطار مسرع، يخرج من الذكرى، ويكمل الدفن.
وصل طاواد ومسمار إلى بيت الجار الأخير. دق مسمار الجرس… لا رد.
دق مرة أخرى.
فتح رجل النافذة العلوية وصاح: "ألا يمكنني النوم قليلاً؟ انتظروا، أنا قادم."
أغلق النافذة.
قال مسمار لطاواد: "أخيرًا، شاهد."
أخرج طاواد دفتره وقلمه.
فتح الرجل الباب، الإرهاق على وجهه. قال: "ماذا؟ الشرطة؟ هل أتيتم بسبب احتراق منزل أصاقط؟"
قال طاواد: "نعم… ما اسمك؟"
قال: "عريش، لكن…"
قاطعه طاواد وهو يسجل: "كم شخص في منزلك؟"
قال عريش: "أعيش وحدي، لكن اسمعني…"
قاطعه طاواد: "ماذا رأيت الليلة الماضية؟"
صرخ عريش: "لم أرَ أي شيء! حاولت أن أقول لك، لكنك تقاطعني. أنا أعمل في دوام ليلي، عدت من عملي قبل قليل، والآن تزعجون نومي بأسئلتكم!"
قال مسمار: "اهدأ، يا رجل… اذهب وخذ شايًا من عند جارتك العجوز وستتنشط."
أغلق عريش الباب بقوة.
على الجبل، سكار يقف ينظر إلى القبر نظرة وداع، يفتح هاتفه، يرسل موقعه الحالي لنفسه: "مدفن أحد أقوى الرجال." ثم يعرج بالمجرفة نحو أسفل الجبل، يرى شيئًا بعيدًا، يغير مساره نحوه .
خلف المنزل المحترق، طاواد ومسمار يقفان. فجأة قال مسمار وهو ينظر للأرض: "أليست هذه البقعة من اسفلت أنظف من غيرها؟"
اقترب طاواد: "نعم… رائحة مبيض… هيبوكلوريت الصوديوم. يستخدمه بعض الناس لمسح الدم."
قال مسمار: "الفريق الجنائي لم يصل بعد، المنزل كبير."
نادَى طاواد أحد الخبراء. جاء وقال: "حضرة المحقق، وصلت نتيجة تحليل الرصاصات الثلاث: الأولى في رأس الضحية، والثانية التي حطمت كفها، كلاهما من نوع 45 ACP. أما الثالثة، البعيدة عن الجثة، فمن نوع آخر: 9mm."
قال مسمار: "يعني لم يكن مسدسًا واحدًا… هذا يعني…"
قال طاواد: "تبادل إطلاق نار."
في فندق الشاومخ، داخل غرفة كوروم، كان يحتسي الشاي ببطء بينما عيناه مثبتتان على الأوراق المتناثرة على الطاولة، أوراق خرجت من حقيبة مفتوحة و عليها بقع دم بصيطه . تمتم في نفسه:
ـ "كان الأحمق يريد أن يفضح كل شيء…"
في الزاوية، حيث الظل يبتلع الضوء الخافت، جلس سكاي ومنجل. مقيدان، عيونهم مغطاة، أفواههم وأذانهم موصدة بأقمشة، وعلى الأرض بجانبهم فراشين مطويين بإهمال، كأنهما في انتظار مصير لم يُكتب بعد. يسمع منجل صدى افكاره : "اين انا هل انا ميت " .
خارج الفندق، عند المنزل المحترق، كان مسمار يستعيد احداث الليل السابقه :
ـ "صحيح… بخصوص تبادل إطلاق النار… أتذكر أنه في الليلة الماضية جاءنا بلاغ عن إطلاق نار بين سيارات في شوارع المدينة."
انتفض طاواد، ودفتره بين يديه:
ـ "وصف السيارات، قل لي الوصف."
قال مسمار وهو يحك ذقنه:
ـ "الأولى بيضاء، والثانية رمادية، كانت تلاحقها."
سجّل طاواد بخط مستعجل.
أكمل مسمار:
ـ "لكن تبيّن فيما بعد أنها الآنسة راندم هي من كانت تلاحق مجرمًا مع بعض زملائها من مدينة وطاك. لذا، لا أظن أن لذلك علاقة بالحريق."
قال طاواد، وقد لمعت عيناه فجأة:
ـ "لكن سيارة أصاقط… بيضاء."
توقف لحظة، ثم أردف بنبرة مترددة:
ـ "صحيح… لم أسمع من قبل باسم راندم في مركزنا."
بعيدًا عن الضوضاء، في منزل سيس القريب من الجامعة، كانت سيس تستيقظ على صشعور غريب بالحماسة. خطت نحو غرفة رويدا وفتحت الباب بخفة، نادت:
ـ "إذا لم يكن حلمًا…"
ثم اندفعت إلى الداخل:
ـ "صباح الخير يا أختي!"
التفتت راندم/ركي من مكانها، ابتسامة صغيرة على وجهها:
ـ "تبدين نشيطة هذا الصباح."
قالت سيس وهي تكاد تقفز من فرحها:
ـ "ما زلت لا أصدق أن أختي راندم هنا أمامي… أرجوكِ، ابقي هنا طويلاً."
قالت راندم وهي تنظر إليها بعين أهدأ:
ـ "أليس لديك محاضرات في الجامعة؟ هيا أسرعي بتناول الإفطار وتبديل ثيابك."
ضحكت سيس:
ـ "دعي الفطور عليّ، فأنت ما زلت ضيفة."
ثم اتجهت نحو المطبخ بخطوات مسرعة.
في مكان آخر، كانت المرأة في السيارة الحمراء تغلق هاتفها بعد مكالمة قصيرة، قالت بابتسامة صغيرة:
ـ "شكرًا أبي."
ثم عادت تركز على الطريق، تتابع سيرها.
مع المحقق، كان مسمار يتحدث:
ـ "نعم، راندم شرطية جديدة، أتت البارحة من مدينة واطك. ألا تتذكر؟ أنت كنت واقفًا عند باب المركز تنتظرها."
قال طاواد:
ـ "إذن، اتصل بها، أريد أن أراها بنفسي."
قال مسمار:
ـ "حسنًا."
قال طواد :"لاكن اوريدك ان تفعل شيأً"
ثم قال شيأً لنسمار .
نظر طاواد إلى ساعته، وقال في نفسه:
ـ "لقد حان موعد ذهاب لصاق إلى المدرسة."
ركب السيارة، وأدار محركها وهو يتمتم:
ـ "سأعود بسرعة… إن تأخرت، فاطلب منها أن تنتظر."
في منزل سيس، رفعت راندم هاتفها بعد أن رن. جاءها صوت مسمار عبر الخط:
ـ "مرحبا أيتها الآنسة راندم، تعالي إلى منزل عائلة أصاقط."
قالت راندم :
ـ "منزل أصاقط؟ الذي حصل فيه الحريق؟"
قال مسمار:
ـ "نعم، هو."
في الطريق، كان طاواد في سيارته يحدّث نفسه بصوت منخفض:
ـ "ثلاث رصاصات… ولا شاهد واحد… اثنتان من نوع واحد، والثالثة مختلفة… آثار دماء أزيلت من خلف المنزل…"
لكن أفكاره انقطعت عندما وصل أمام المنزل، أطلق بوق سيارته. خرج لصاق من الباب مستعدًا للمدرسة. صعد، ابتسم قائلاً:
ـ "صباح الخير يا أبي، هل رأيت كيف اعتمدت على نفسي في غيابك؟"
رمقه طاواد بنظرة دقيقة:
ـ "نعم، رأيت. لكن… لماذا لم تغسل فمك بعد الطعام؟ ما زال متسخًا."
أجاب لصاق بإحباط:
ـ "آه… فقط نسيت هذا."
في منزل آخر، كان تكام يستعد للمدرسة. وقف أمام باب غرفة أمه، طرقه بلطف:
ـ "أمي، هيا، حان وقت المغادرة… سأتاخر."
لكن لا رد. فتح الباب ببطء… ليجد أمه جالسة، رأسها على الطاولة، دموعها تنهمر بلا توقف.
اقترب مذعورًا:
ـ "أمي… لماذا تبكين؟ هل حدث شيء لأبي؟ أمي، أمي!"
رفعت وجهها بصعوبة، وقالت بصوت مخنوق:
ـ "تكام… لن أستطيع أن أوصلك اليوم إلى المدرسة… لست في حالة جيدة."
قال تكام :
ـ "ما الذي حصل؟ أرجوك أخبريني."
قالت وهي تعود للبكاء:
ـ "استيقظت هذا الصباح على خبر… هيلين، هيلين أم منجل… زميلتي وصديقتي… لقد ماتت…"
شهق تكام من الصدمة، قال متلعثمًا:
ـ "ماذا؟ أم منجل…؟ لا شك أنه حزين… يجب أن أزوره."
صرخت أمه:
ـ "منجل وأخته وأبوه مفقودون… بيتهم كله احترق… لا تذهب، أرجوك، أخاف عليك… لا تتركني وحدي…"
انزلقت حقيبة تكام من يده وسقطت على الأرض. تمتم بذهول:
ـ "يا لها من أخبار سيئة…"
ثم رفع بصره إلى صورة أبيه على الرف وقال بحزم:
ـ "لكن لا تخافي يا أمي… سأبقى معك."
في منزل سيس، جلست على الطاولة مع راندم تتناولان الإفطار.
قالت سيس وهي تنظر لأختها:
ـ "الزي الشرطه جميل عليكِ… هل لديكِ مهمة اليوم؟"
ابتسمت راندم بخفة، ووضعت الملعقة:
ـ "شكرًا… نعم، لدي عمل بخصوص الحريق حدث في احدى البيوت "
توقفت لحظة، ثم تناولت لقمة:
ـ "كم أن هذا الطعام لذيذ."
ابتسمت سيس :
ـ "شكرًا… أنا التي أعددته."
ثم أضافت باستغراب:
ـ قالت راندم :"لكن… ألم تتأخري على جامعتك ؟"
نظرت سيس إلى الساعة أمامها، ثم فزعت فجأة:
ـ "آآه! لقد تأخرت على الجامعة!"
قفزت من مكانها وركضت نحو الباب وهي تلوّح بيدها:
ـ "وداعًا!"
بعد لحظة قصيرة، عادت بخطوات سريعة، دخلت وقالت بقلق:
ـ "أختي… زجاج سيارتك مكسور، ما الذي حصل؟"
قالت راندم بنبرة هادئة :
ـ "ظروف العمل… لا تقلقي، سيعوّضونني."
قالت سيس :
ـ "أهذا طبيعي عندكم؟"
قالت راندم بابتسامة صغيرة:
ـ "نعم، طبيعي."
أومأت سيس، ثم غادرت مسرعة.
أمام البحر، كان أصاقط يقف مع رجل يرتدي نظارات شمسية، أمام منزل بسيط، تظهر عليه ملامح الهجر.
قال أصاقط :
ـ "أشكرك على هذا المنزل."
رد الرجل ذو النظارات وهو يضع يده على كتف أصقاط:
ـ "لا داعي للشكر… أنت صديقي. عليّ أن أدعمك في محنتك. ثم إن هذا المنزل واحد من ثلاثة ورثتها عن أبي… جميعها على البحر، كما كان يحب."
قال أصاقط وهو يزفر:
ـ "علينا تنظيفه من ممتلكات والدك… وعند الانتهاء، غادر قبل أن يراك أحد."
قال الرجل:
ـ "نعم… ولا تنسَ، عندما يسألك أحد، قل لهم إنه كان لوالدك… لا تذكرني."
قال أصاقط بنبرة حازمة:
ـ "لا تقلق… هل تراني أحمق؟"
ودخلا معًا إلى المنزل.
في موقع الحريق، وصلت راندم بزي الشرطة. وقفت بجانب مسمار، ألقت التحية:
ـ "مرحبًا… ما الذي يجري هنا؟"
قال مسمار:
ـ "لا تعرفين اذاً كما توقعت… لا علاقة بين المجرم الذي لاحقتهِ أمس وبين الحريق."
رفعت راندم حاجبيها:
ـ "ماذا؟ وهل هناك من قال لك إن بينهما علاقة؟"
قال مسمار:
ـ "نعم… المحقق طاواد هو من قال ذلك، وهو من طلب مني أن أتصل بك للمجيء."
سألت راندم وهي تمسح بيدها على زيها الجديد:
ـ "وأين هو الآن؟"
قال مسمار:
ـ "ذهب لتوصيل ابنه للمدرسة، سيعود قريبًا… طلب مني أن أجعلك تنتظرين."
قالت راندم:
ـ "حسنًا، سأنتظر."
في الجهة الأخرى، توقفت سيارة طاواد أمام المدرسة. نزل لصاق منها، التفت لوالده:
ـ "وداعًا، أبي."
ثم نظر حوله باستغراب، تحدث في نفسه:
ـ "غريب… في العادة يصل منجل وتكام في هذا الوقت."
راقبه طاواد، وقال بنبرة ثقيلة:
ـ "لصاق، لا تنتظر منجل اليوم… لن يأتي."
تفاجأ لصاق:
ـ "لماذا؟ ما الذي حصل له؟"
قال طاواد وهو ينظر مباشرة في عيني ابنه:
ـ "لا تقلق… لم يحدث له شيء. ثق بوالدك… سيعود سالمًا."
أومأ لصاق موافقًا، لكنه ظل مرتبكًا. رفع رأسه نحو سياج المدرسة، حيث وقف طير غريب. تمتم:
ـ "إنه الطير الدخيل."
ثم دخل المدرسة.
في الجامعة، وصلت سيس أمام قاعة الطب. دخلت وجلست على كرسيها. نظرت إلى مقعد مزروع، ابتسمت بمرارة:
ـ "لم يأتِ اليوم أيضًا… ظننت أنه سيأتي بما أنه حضر البارحة."
في منزل تكام، حمل صينية الإفطار ووضعها أمام أمه:
ـ "هيا يا أمي… تناولي الإفطار، لقد أعددته لك."
رفعت رأسها وقالت بصوت متعب:
ـ "شكرًا… لكن شهيتي مغلقة."
جلس تكام، نظر إلى صورة أبيه على الرف، وقال في نفسه:
ـ "ماذا كان ليفعل أبي في مثل هذا الموقف؟ لا شك أنه الآن يبحر في مكان ما."
في قاعة الجامعة، همس الطلاب لبعضهم:
ـ "يقولون إن أصاقط مات."
ـ "لا… قتل زوجته."
ـ "بيته احترق كله."
ـ "هرب مع أولاده."
جلست سيس، تسمع الإشاعات تتقاذف في الهواء. فكرت:
ـ "ما هذه الأقاويل… بالتأكيد من صنع الطلبة. لكن… جمله ... بيت أصاقط احترق"
تذكرت كلمات راندم في الصباح: "لدي عمل بخصوص حريق في منزل…"
قالت سيس في نفسها بقلق:
ـ "أيَعقل؟"
فتح باب القاعة فجأة، دخل إداري:
ـ "أيها الطلبة… محاضرة أصاقط أُلغيت، لأنه مفقود منذ احتراق منزله ليلة البارحة. ادعوا له ولعائلته. وستُبدل بمحاضرتكم بمحاضرة رياضيات."
شهقت سيس، وقالت في نفسها:
ـ "مفقود؟… أولاً مات لانجو، ثم أصاقط… والآن… أخشى أن يكون التالي مزروع."
عاد طاواد بسيارته إلى موقع الحريق. ركن بجانب سيارة راندم، لاحظ نافذتها الجانبيه الامايه مكسورةنين. تمتم:
ـ "وكأن أحدًا حاول قتل السائق."
ترجل من سيارته، اتجه نحو مسمار وراندم. مدّت راندم يدها للمصافحة. صافحها طاواد وقال:
ـ "أنا المحقق طاواد… تشرفت بلقائك. يبدو أنك نجوتِ بأعجوبة ليلة البارحة."
تجمدت راندم للحظة وامسكت موضع قلبها و هي تتذكر رصاصه نتوجه الى قلبها في الليله الماظيه ، قلبها خفق بشدة، تمتمت في داخلها:
ـ "أيَعقل أنه اكتشف شيئًا؟"
لاحظ مسمار ذالك .
قالت راندم بصوت ثابت:
ـ "تشرفت بك… أنا الشرطية راندم، انتقلت أمس إلى قسم مدينتكم .... لم افهم ماذا تقصد بنجوت من الموت ."
قال طاواد وهو يشير نحو سيارتها:
ـ "غريب… أليست تلك سيارتك، التي زجاجها الجانبي محطم؟ علمت من مسمار أنك كنتِ تلاحقين مجرمًا ليلة أمس، وأن إطلاق نار وقع. توقعت أن رصاصة دخلت من إحدى النوافذ وخرجت من الأخرى."
قالت راندم :
ـ "آه… نعم… حصل ذلك."
اقترب طاواد :
ـ "هل لمطاردتك تلك علاقة بالحريق؟"
قالت راندم :
ـ "لا… لم تكن في هذا الاتجاه. لم أعلم بشيء عن الحريق."
قال طاواد:
ـ "السيارة التي لاحقتِها بيضاء… أليس كذلك؟ نفس لون سيارة أصاقط."
قالت راندم:
ـ "ربما… لكن ما الفائدة؟"
توقف طاواد لحظة، ثم قال ببطء: "طلبت من مسمار ان يقول لك في الاطصال ان الموقع هو منزل اصقاط من دون تفاصيل اخرى
و هاذا ثاني يوم لكِ في المدينة… فكيف عرفتِ موقع منزل أصاقط مباشرة؟ حتى بعض السكان هنا لا يعرفونه. إلا إذا كنتِ تعرفينه من قبل."
ارتبكت راندم، ارتسمت على وجهها صدمة واضحة، لكنها تمالكت نفسها وقالت:
ـ "سألت أحد المارة بعد أن سمعت خبر الحريق في التلفاز… ثم هذه السيارة البيضاء المحترقة أمامنا ،أشارت سياره بيضاء محترقه قليلا مركونه امام حطام المنزل،… أليست سيارة أصاقط؟"
ثم أخرجت مسدسها من جيبها، مدته إلى المحقق:
ـ "يمكنك التأكد بنفسك. مسدسي Glock 42، والرصاص الذي يستخدمه .380 ACP… لا علاقة له بأنواع الرصاص التي وجدت في الجريمة ، فلقد اخبرني مسمار بل التفاصيل ."
نظر طاواد الى السلاح، ثم قال في نفسه:
ـ "صحيح… ليس من النوعين."
أعاد نظره إليها وقال:
ـ "كل ما قلتيه ربما صحيح … إلا أن تلك السيارة ليست لِأصاقط، بل لزوجته هيلين. سيارة أصاقط ما زالت مفقودة."
سمع أحد الخبراء الجنائيين الحوار، اقترب وقال:
ـ "حضرة المحقق، أثناء غيابك، وجدنا تحت حطام السقف بقايا سيارة… يبدو أنها كانت في الجراج… هي سيارة أصاقط."
نظر طاواد إلى راندم بعين مرتابة.
أسرع مسمار للتخفيف:
ـ "لا تأخذي كلامه على محمل الجد… طاواد يحب الأسئلة الكثيرة."
قال طاواد وهو :
ـ "لا داعي لتفحص سلاحك."
أعادت راندم المسدس إلى جيبها بابتسامة ساخرة على وجهها.
ابتعد طاواد بخطوات سريعة نحو سيارته.
ركض خلفه مسمار:
ـ "انتظر… أين ستذهب؟ سآتي معك!"
في قلب المدينة، توقفت السيارة الحمراء أمام برج شاهق كتب أعلاه: برج كنتالا للتجارة سنوتا .
دخلت المرأة ، سألت موظفة الاستقبال عن الحمام.
بينما كانت تتجه، وقفت في منتصف الممر، عيناها تلتقطان وجوه الرجال المنتشرين هناك، بعضهم يرتدون قمصانًا ثقيلة. حدقت فيهم قليلًا، ثم قالت في نفسها:
ـ "الجميع في مكانه."
اقترب منها أحدهم بصمت، أشار لها أن تتبعه. قادها إلى المخزن، أبعد صندوقًا كبيرًا، كشف عن باب مخفي. فتحه، كان الداخل مظلمًا. في منتصف الغرفة أريكة عليها رجل يشاهد الأخبار على شاشة تلفاز.
تمتمت المرأة، وهي تعبر الباب:
ـ "كيف حصل على تلفاز هنا؟"
أجاب المرافق:
ـ "لم نحضر شيئًا له… يبدو أنه حصل على هذه الأشياء من المخزن."
دخلت، وأغلقت الباب خلفها.
على البحر، كان أصاقط والرجل ذو النظارات يرفعان صندوقًا ضخمًا.
قال الرجل وهو يلهث:
ـ "هيا… أوشكنا على الانتهاء."
جلسا ليستريحا.
قال أصاقط وهو يضع يديه على ركبتيه:
ـ "مجراح… أعلم أنك تحاول أن تُبعدني عن أفكاري… لكن شعور العجز أمام ما حصل لأولادي هو يفكر به الجزء الايسر من دماغي … ورغبة الانتقام لمقتل زوجتي هو ما يفكر فيه الكزء الايمن من دماغي ."
قال مجراح وهو مذهول :
ـ "حسنًا… سأذهب إلى السوق لأشتري بعض الطعام للغداء. استرح أنت، لم يتبقَ الكثير من العمل."
ثم خرج، ركب دراجته، ورحل.
في منزل تكام، كان يراجع مقادير وجبة الغداء. تمتم وهو يقلب الأوراق:
ـ "حساء البحر… لكن السمك ناقص. أهم عنصر في الحساء غير موجود… عليّ أن أذهب لإحضاره. سأعود بسرعة، لن تلاحظ أمي غيابي. نعم… وسأحمل معي النشاب أيضًا، لعلّي أصطاد الطائر الدخيل… وأعطيه لمنجل عندما يعود."
أمام مطعم في المدينة، توقفت سيارة المحقق. جلس داخلها طاواد يراجع ما كتبه في دفتره، بينما مسمار يمضغ طعامه بمرح.
قال مسمار وهو يقضم لقمة:
ـ "إذا جئت إلى هذا الشارع… قضمة… تسأل محلات الأسلحة… قضمة… عن أصاقط."
رفع طاواد عينيه عن الدفتر:
ـ "أستغرب منك اليوم… تلاحقني في كل مكان، وهذا ليس من عادتك."
ابتسم مسمار بخفة:
ـ "أحاول التعلم… هذه القضية حرّكت قلبي الصغير. على العموم، في مدينتنا اربع محلات أسلحة… ثلاثه منها في هذا الشارع."
في الجامعة، خرجت سيس من المحاضرة، وجهها شاحب، خطواتها مترددة. فكرت:
ـ "أولاً لانجو… ثم أصاقط… والآن… أخشى أن يكون التالي مزروع. يجب أن أذهب إلى منزله لأتفقد أمره."
في ذلك الوقت، خرج لصاق من المدرسة. وقف أمام البوابة، ينظر حوله. تمتم:
ـ "لم يأتِ منجل… ولا تكام… لماذا؟ متى سيعود أبي؟ ربما ما زال يحقق مع بيت منجل… سأذهب إلى هناك."
في فندق الشوامخ، طرق باب غرفة كوروم. نهض كوروم ببطء، دس مسدسه في جيبه، واقترب من الباب. فتحه بحذر… كان سكار واقفًا، يعرج، يحمل مجرفته.
دخل سكار، نظر إلى كوروم مبتسمًا:
ـ "لا شك أنك تضع يدك في جيبك، ممسكًا بالمسدس. يجب أن نتفق جميعًا على دقة معينة للباب."
ضحك كوروم قليلًا:
ـ "في الحقيقة، فكرت في ذلك… ولم تأتِ في بالي نغمة إلا هذه."
قال سكار وهو يرفع حاجبيه:
ـ "تقصد تلك النغمة الغريبة؟"
طرق كوروم على الطاولة بنغمة مميزة:
ـ "دقتان..ثلاث دقات…دقتان..دقة.دقتان.."
في تلك اللحظة، غرق سكار في ذكرياته.
عاد إلى مكان فارغ… لا شيء فيه سوى الصدى، يتردد… تتكرر الدقات، تملأ الفراغ.
ثم خرج من الغرفه بسرعه
قال كوروم : لماذا اتى ان كان سيخرج
في مخزن برج كنتالا، توقف صوت التلفاز فجأة.
تقدمت المرأة ذات النظارات نحو الرجل الجالس على الأريكة وقالت:
ـ "لاربوس… سوف أشرح لك."
وقف لاربوس من مكانه وسط الظلام، صوته متردد لكنه غاضب:
ـ "قلت لكم… أنا لا أستحق كل هذا. ما ذنب الأطفال؟ ما ذنب أمهم؟ أنا الهدف!"
ارتد صدى كلمة الهدف في أرجاء المخزن المظلم، وأعاد لاربوس إلى ذاكرة بعيدة.
في أحد الممرات البيضاء، وقف أمامه رجل يكلمه بلهفة:
ـ "أنا الهدف يا لاربوس… لقد رأيت اليوم بيانات مشروع جديد. لست الهدف وحدي، ستكون معي… نحن للإشراف على المشروع."
قال لاربوس محاولًا تهدئته:
ـ "ما بك مرتبك هكذا؟ موقطاف، اهدأ وقُل لي بهدوء."
لكن موقطاف رد بعصبية:
ـ "لا وقت للهدوء… هيا نهرب! أنا لن أشارك في هذا الجُرم."
نظر إليه لاربوس بذهول:
ـ "الهرب؟ هل جننت؟ ما هذا المشروع الجديد الذي جعلك تفكر بشيء كهذا؟ الهرب انتحار!"
أجاب موقطاف وهو يلتفت حوله بقلق:
ـ "أتذكر اسمه… كان مشروع المعيار الأخير. سأشرحه لك… لكن ليس هنا. تعال."
عاد لاربوس من ذكرياته، جلس على الأريكة بتعب، وضع يديه على وجهه.
قالت المرأة بهدوء وهي تتقدم نحوه:
ـ "أعلم معاناتك… لكن يجب أن تصمد، لا أن تكون مهزوزًا هكذا. تذكّر طريقك الصعب للوصول إلى هنا."
رفع لاربوس رأسه وقال بصوت مكسور:
ـ "اسمعي سويا… لماذا لا أسلم نفسي لهم؟ ينتهي الأمر."
اقتربت المرأة سويا أكثر وقالت بحزم:
ـ "أنت أكثر شخص يعلم أنه بتسليمك لهم لن ينتهي الأمر… بل سيبدأ. أبي وافق أخيرًا أن يدخل فريقي إلى هذا البرج، مع أنه ملك له. لم يكن ذلك سهلًا، لكنه وافق في النهاية."
في الخارج، وصل لصاق إلى موقع الحريق. كان يلتفت باحثًا عن والده أو سيارته. قال بقلق:
ـ "لا أثر لأبي هنا…"
ثم لمح شخصًا يعرفه من بعيد، صاح:
ـ "كتام… كتااام!"
ركض كتام نحوه، وصلا متقابلَين. قال كتام:
ـ "أهلًا لصاق. هل جئت تبحث عن منجل؟ حتى أنا حزين لما حصل له."
قال لصاق:
ـ "أنا أيضًا حزين… لكني متفائل، لأن أبي هو من يتولى القضية."
ابتسم كتام :
ـ "حقًا؟ إذاً منجل سيعود… هل ترافقني إلى السوق؟ سأشتري سمكًا."
قال لصاق باستغراب:
ـ "ولماذا السمك؟ وصحيح… لماذا لم تأتِ إلى المدرسة؟ بقيتُ وحدي اليوم."
تنهد كتام:
ـ "آسف… لكن أمي أصابها انهيار. والسمك… سأحضره لأعد لها الحساء."
قال لصاق بعد لحظة صمت:
ـ "حسنًا… هيا، سأرافقك."
في الجهة الأخرى، كان طراد يشق طريقه عائدًا إلى المنطقة الجبلية المليئة بالأشجار. أخرج هاتفه، فتح الخريطة. على الشاشة ظهر الموقع الذي كان قد أرسله لنفسه: مدفن أحد أقوى الرجال.
وفي مكان آخر، عند منزل مزروع، وصلت سيس. تقدمت إلى الباب، ترددت قليلًا ثم طرقت. انتظرت… همست في نفسها:
ـ "أين هو؟"
انتظرت بلا جدوى، ثم استدارت وغادرت.
من بعيد، كان عامل النظافة نفسه الذي شوهد عند الشريط الأصفر يراقبها بنظرة طويلة نحو الباب. بعد أن رحلت، حمل عدته بسرعة، وأسرع في مشيته مبتعدًا.
في ورشة تصليح السيارات، كانت راندم/ركي تقف أمام العامل:
ـ "أريد تصليح زجاج السيارة."
ثم خرجت بعد أن تركتها، رفعت هاتفها واتصلت. قالت بصوت خافت:
ـ "كانت حركتك ذات قيمة… لولا أنك طلبت مني أن نتبادل الأسلحة ليلة أمس قبل المغادرة، لكُشف أمري."
جاء صوت كوروم من الطرف الآخر:
ـ "إذا شكّ أحد بكِ، أخبريني لاحقًا. أما بخصوص تبديل السلاح… فكان بديهيًّا، فمسدسي مختلف عن مسدسك، ولم أطلق به في المنزل. و النار لا تحرق الرصاص."
في مخزن برج كنتالا، ارتفع صوت سويا وهي تمشي نحو الرجل على الأريكة:
ـ "لكن أصاقط لن يمكث هنا… على الأرجح لأن البرج وسط المدينة. إنه حذر جدًا. أذكر أنه قال لي: سأبحث عن مقر جديد."
رد الرجل الجالس لاربوس بصوت متعب:
ـ "لكنه رمى مزروع هنا… ثم رحل."
فجأة، انطلقت الأضواء في المخزن. مزروع وقف قرب الحائط :
ـ "هل تحبون فعلًا التحدث في الظلام؟ يا لكم من غريبي الأطوار."
مع الضوء، ظهر وجه لاربوس بوضوح: رجل ذو لحية بنية، ملامحه تحمل كِبَر السّن. نظر لمزروع بنفاد صبر:
ـ "اسمع… أنت أحد أسباب هذه المشكلة. لكنك لا تعيرها أي اهتمام. لولا أنك لما اتجهت مباشرة إلى منزل أصاقط بعد اتصالهم بك، لما حصل هذا!"
قال مزروع وهو يرفع يده بتهكم:
ـ "اهدأ يا رجل… لا تنسَ أنهم كانوا يستهدفونك أنت. أي أن السبب أنت. أما ذهابي مباشرة إلى بيت أصاقط… فلأنكم لم تخبروني أنكم تختبئون هنا. لم أجد سوى ذلك البيت، هل فهمت؟"
تدخلت المرأة بنبرة جادة، نظرت إلى مزروع:
ـ "ماذا تقصد؟ لو كنت تعلم أننا هنا، لأحضرتهم مباشرة إلى هذا المكان؟ لم نخبرك آنذاك لأننا لم نكن متأكدين من موافقة أبي."
قال مزروع وهو يشيح بيده:
ـ "وماذا أردتِ مني أن أفعل؟ كنت مرتبكًا… وأسقطت هاتفي بعد أن سمعته يقول لي: يا خائن ابن الخائن!"
قال لاربوس بجدية:
ـ "كان واضحًا من كلماته أنه يحاول إرباكك."
صرخ مزروع غاضبًا:
ـ "أنا لست خبيرًا في تحليل الأسلوب الكلام! كما أنني جائع… سأذهب لأكل شيء."
تحرك نحو الباب. قالت المرأة:
ـ "انتظر… سنطلب بيتزا."
قال مزروع وهو يغلق الباب خلفه:
ـ "وعليّ أيضًا شراء هاتف جديد."
في أحد محلات الأسلحة، دخل مسمار مع طاواد. كان مسمار يقول:
ـ "هذا ثالث محل نزوره."
رحب بهما البائع بابتسامة:
ـ "أهلًا… تفضلا."
أخرج طاواد هاتفه، عرض صورة أصاقط:
ـ "هل أتى هذا الشخص إلى محلك؟"
تأمل البائع الصورة مليًا، ثم هز رأسه نافيًا:
ـ "لا… لم أره."
خرجا محبطين. قال مسمار خارجًا:
ـ "لقد زرنا المحلات الثلاثة في هذا الشارع… لم يبقَ سوى محل واحد."
قال طاواد وهو يشد على دفتره:
ـ "تقصد ذاك الذي بجانب محطة القطار…؟ إنه بعيد، لكن لا خيار أمامنا. هيا."
في السوق، كان مزروع واقفًا أمام المطعم نفسه الذي تلقى أمامه الاتصال يوم الهجوم. نظر إلى الواجهة وقال في نفسه:
ـ "يلومونني… يلومونني… لولا وصية والدي لما بقيت معهم."
استسلم لذكرياته:
فجرًا، كان في بيته، الشمس تشرق. سمع طرقًا على الباب، كان مستلقيًا. تمتم:
ـ "هل عاد والدي؟"
نزل إلى الأسفل، فتح الباب، وجد أصاقط واقفًا. ثيابه ممزقة، جسده مرهق. حدق فيه مزروع وسأله بقلق:
ـ "هل حدث شيء لأبي؟"
لم يرد أصاقط، بل مد له ورقة ممزقة. أخذها مزروع، فتحها، ارتجف… كانت وصية والده. ركع أرضًا، ودموعه تنهمر.
عاد من ذكراه، ودخل المطعم. حيا الشيف:
ـ "مرحبًا… البارحة سقط هاتفي أمام متجرك. هل وجدته؟"
ابتسم الشيف وهو يخرج شيئًا من درج:
ـ "أوه نعم، نعم. احتفظت به… كنت أعلم أنك ستعود لتأخذه عندما تجوع، ههههه."
ضحك مزروع، أخذ حطام الهاتف وقال في نفسه وهو يخرج:
ـ "الوجهة الآن… محل تصليح الهواتف."
أما طراد، فكان بين الأشجار. مرّ على قبر لاين، توقف قليلًا، ثم أكمل مسيره. مشى مسافة أخرى، ثم لمح الشيء البعيد نفسه… ابتسم، وتوجه نحوه.
في السوق، وصل كتام ولصاق إلى أحد تجار السمك. وقف الرجل خلف طاولته، ابتسم وهو يخرج سمكة متوسطة الحجم:
ـ "أوه… أنتما تبحثان عن سمك طازج؟ لدي سمكة نادرة… إنها من أفضل ما في السوق."
قال كتام باهتمام:
ـ "وبكم هي يا عم؟"
أجاب التاجر وهو يلوح بيده:
ـ "في الحقيقة… سعرها عشرون عملة. لكن لأجلكما، سأجعلها بخمسة عشر."
انحنى لصاق نحو كتام، همس:
ـ "أليست غالية… بالنسبة لسمكة واحدة؟"
رد كتام بخجل:
ـ "لا أدري… هذه أول مرة أشتري سمكًا."
ثم التفت إلى التاجر وقال:
ـ "حسنًا…"
مد يده بالنقود، لكنه فوجئ بيد أخرى تمسك يده قبل أن تصل المال.
قال الرجل الذي أمسكه بنبرة صارمة:
ـ "هل تحاول المكر على الأطفال، أيها الطمّاع؟ هذه السمكة لا تساوي أكثر من سبع عملات!"
ارتبك التاجر:
ـ "و… وما شأنك أنت؟"
رفع كتام ولصاق رؤوسهما، نظرَا إلى الرجل. كان يرتدي نظارات داكنة. لم يعرفاه من قبل، لكنه كان مجراح.
أخذ مجراح المال من يد كتام، وضع خمس عملات في يد التاجر وقال بحدة:
ـ "هذا ما تستحقه على مكرك."
ثم التفت إلى كتام وأعاد له الباقي. أعطاه السمكة وأضاف:
ـ "تفضلا… ولا تسمحا لأحد بخداعكما مجددًا."
نظر إليهما مجراح مطولًا ثم قال بلهجة معاتبة:
ـ "أين أهلكما؟ ألا تعلمان أن التجول وحدكما في السوق خطير؟"
قال لصاق بسرعة:
ـ "أبي في عمله… لديه قضية يعمل عليها."
ابتسم مجراح باستهزاء:
ـ "ولم كل هذه التفاصيل يا ولد؟… مهلاً، هل قلت إن أباك محقق؟"
أومأ لصاق:
ـ "نعم."
تدخل كتام:
ـ "إنه مشغول بقضية حريق منزل."
تغيرت ملامح مجراح قليلًا، ثم قال ببطء:
ـ "جيد… وما اسم والدك؟"
قال لصاق بثقة:
ـ "طاواد."
…
في الطريق المؤدي إلى البحر، كان مجراح يقود دراجته النارية. صوته يهمس مع الريح:
ـ "طاواد… إذن."
وصل مسمار وطاواد إلى الشارع المؤدي إلى محطة القطار.
كان الليل قد بدأ يزحف، والمحطة نفسها صامتة، معطلاً ومهجورًا. نظر مسمار من نافذة السيارة إلى أضواء المحطة الخافتة وقال:
ـ "ذلك القطار... كان وسيلة نقل سريعة بين مدينة وطاك ومدينتنا، لكنه الآن مجرّد هيكل ميت منذ الحادث."
أوقف طاواد السيارة أمام متجر للأسلحة وقال بنبرة حاسمة:
ـ "لقد وصلنا، هيا ننزل."
دخلا المحل معًا. مدّ طاواد هاتفه عليه صورة أصاقط للبائع وسأله مباشرة:
ـ "هل جاءك هذا الرجل؟ هل دخل محلك؟"
تأمل البائع الصورة جيدًا، ثم هز رأسه نافيًا:
ـ "لا... لم أره من قبل."
خرج مسمار وطاواد من المتجر بخيبة ثقيلة، خيم الصمت بينهما، لا يحملان سوى الإحباط.
لكن قبل أن يبتعدا كثيرًا، ناداهما صوت البائع من الداخل:
ـ "انتظروا... لقد تذكرت... نعم، تذكرت!"
التفت الاثنان بسرعة، وأمل مفاجئ يطل في عيونهما.
على شاطئ البحر، أمام المنزل المهجور الذي بدأ مجراح وأصاقط بترتيبه، كان مجراح يطبخ بعض اللحم على نار صغيرة على الشاطء، رائحة الشواء تمتزج مع نسمات الغروب.
قال وهو يقلب قطع اللحم بملقطه:
ـ "هل تريدها بزيادة فلفل... أم ماذا؟"
أجابه أصاقط بصوتٍ خافت، عيناه تنظر منظر فيه تغوص الشمس في البحر:
ـ "لا يهم."
مجراح ابتسامة قصيرة، ثم قال:
ـ "بعد أن ننتهي من الطعام سنكمل العمل على المنزل... وغدًا صباحًا سأغادر."
ظل أصاقط صامتًا.
---
في برج كنتالا، خرجت سويا من المخزن وأغلقت الباب خلفها، تاركة لاربوس غارقًا في صمته وظلامه. ركبت سيارتها، وما إن استقرت خلف المقود حتى أخرجت هاتفها وأعادت تشغيل رسالةٍ قديمة من أصاقط.
جاء صوته مبحوحًا مثقلًا بالحزن:
ـ "مرحبًا سويا... أظن أنك سمعت الأخبار... اكتشفوا أن مزروع خائن، وأن أباه أيضًا خائن. لا أعلم كيف... لكنه جاء إلى منزلي..."
انكسر صوته في منتصف الجملة، ثم انقطعت الرسالة.
رسالة أخرى تبعتها، كان صوته وكانه مصطنع الثبات :
ـ "قتلوا زوجتي... وخطفوا أولادي. لكنني رأيت أخيرًا المرأة ..... اطلقت عليها النار لاكنها لم تمت ... هربت أنا ومزروع من خلف المنزل بعد أن قتلنا أحدهم... كان لاين. أعلم أنهم يكرهونني... سأبحث عن مقر آمن لنا، وبعدها سأخبركم بخطتي لكي نستعيدهم."
أغلقت سويا الهاتف ببطء، نظرتها جامدة، ثم تابعت طريقها وسط زحام المدينة.
في منزل كتام، كان المطبخ يغمره بخار حساء البحر. جلس لصاق بجانب كتام يساعده في التقطيع والتحريك، فيما كانت أصوات الأواني تملأ الجو.
قال كتام وهو يضيف البهارات:
ـ "علينا إنهاء الحساء بسرعة... لعلّه يساعد أمي على أن تهدأ من انهيارها."
رفع لصاق رأسه ونظر إلى كتام مترددًا:
ـ "هل تظن أنه سيعود؟... أقصد منجل."
ابتسم كتام ابتسامة مرّة، ثم قال:
ـ "كن متفائلًا... أبوك محقق بارع، بالتأكيد سيجده لعله الان وصل الى الحقيقه."
ثم مد له ملعقة خشبية وقال:
ـ "هيا... ساعدني في إعداد الحساء. لعلنا ننسى أحزاننا ولو قليلًا."
في متجر الأسلحة، عاد البائع ينادي من الداخل بنبرةٍ مترددة:
ـ "لقد تذكرت... نعم، لقد تذكرت!"
التفت مسمار وطاواد إليه بسرعة، وكأن الأمل اشتعل فجأة من جديد.
اقترب البائع :
ـ "ذلك الرجل... لم يشترِ سلاحًا. لكنه اشترى رصاصًا. لم أتعرف عليه من الصوره الانه حينها كانت ثيابه ممزقة ووجهه شاحب."
قال مسمار بسرعة:
ـ "ومتى جاء؟ وما نوع الرصاص الذي اشتراه؟"
أجاب البائع بعد لحظة تركيز:
ـ "كان ذلك في الليل، قبيل إغلاق المحل. تأخرت في الإغلاق تلك الليلة بسبب حادثة القطار، فوجدته أمامي. أما الرصاص... نعم، كان من نوع 9mm."
وقع الصمت، ثم تبادلا طاواد ومسمار نظرات صادمة.
قال طاواد بحدة:
ـ "هذا يعني أن الرصاصة التي وُجدت بعيدة عن هيلين — هي نفسها التي أطلقها أصاقط. أي أن هناك من أطلق رصاصتين عليها، بينما أصاقط أطلق رصاصة واحدة ردًا عليهم."
ابتسم مسمار:
ـ "هذا تقدم رائع."
قال طاواد وهو يغلق دفتره ببطء:
ـ "لكن... ما سر هذه الرصاصات الثلاث؟"
شكر البائع، ثم غادرا المحل ألى السياره.
في فندق الشوامخ، كان كوروم يقف قرب النافذة، بينما ركي/راندم تتأمل الغرفة بعينيها المتوجستين.
قالت ببرود:
ـ "إذن، ما الأخبار؟ هل عاد مزروع إلى منزله؟"
هز كوروم رأسه وهو يلتفت إليها:
ـ "لم يعد. كما توقعت. طراد كان يراقب منزله متخفيًا بزي عامل نظافة، بعد أن تأكد من نظافة بقعة دم لاين خلف المنزل. وأثناء مراقبته جاءت فتاة، تبدو طالبة جامعية، طرقت الباب. لم يخرج أحد. إذن هو ليس في المنزل."
قالت ركي بهدوء:
ـ "هذا جيد."
نظر كوروم لها وسألها:
ـ "دعك من هذا الآن... ماذا عن تحقيقات الشرطة؟ من الذي شكّ بكِ؟"
ردت ركي :
ـ "محقق اذكر ان اسمه طاواد. لكن خدعة تبديل المسدس خففت من شكوكه."
قال كوروم بعينين ضيقتين:
ـ "إن تمادى أكثر في الشك... أخبريني، وسأتولى أمره."
أجابته ركي بحدة:
ـ "سيكون ذلك غباءً. لسنا بحاجة لجبهة جديدة."
ثم غيرت الحديث:
ـ "أين سكار وطراد؟"
قال كوروم وهو يشير برأسه إلى زاوية الغرفة، حيث كان منجل وسكاي مربوطين وأعينهم وأفواههم وحتى آذانهم مغلقة:
ـ "طراد خرج يبحث عن طعام لهم و لنا. أما سكار، فقد ذهب منذ الصباح لدفن لاين. عاد للحظة ثم خرج مسرعًا ولم يعد. حاولت الاتصال به، لكنه خارج التغطية."
أخذ نفسًا عميقًا وأضاف وهو ينظر إلى زجاج النافذة:
ـ "جيد أنكِ غيرتِ زجاج السيارة... لكن لدي مهمة ضرورية لكِ. عليكِ أن تبحثي لنا عن مقر جديد بأسرع وقت. لست مطمئنًا لهذا المكان."
قالت ركي :
ـ "سأفعل ذلك غدًا."
في ظلام المخزن، جلس مزروع وحيدًا أمام بقايا البيتزا، يتصفح هاتفه الذي أصلحه للتو. كانت الشاشة تعرض صورًا قديمة، واحدة تلو الأخرى. توقف عند صورة لأمه، نظر إليها مطولًا، وهمس بصوتٍ مكسور:
ـ "أين أنتِ الآن؟"
في منزل كتام، كانت رائحة الحساء تنتشر في أرجاء البيت. جلس كتام ولصاق يحملان القدر إلى غرفة الوجاجة. بدت الأم أكثر هدوءًا، دموعها قد جفت قليلًا، لكن عينيها ما زالتا حمراء.
ابتسمت وهي تشم الرائحة:
ـ "ما هذه الرائحة الزكية... شكرًا لكما. وأسفة يا لصاق إن لم أنتبه لدخولك."
أسرع لصاق يهز يديه نافيًا:
ـ "لا، لا داعي للاعتذار. أردت أن تكون مفاجأة."
جلست الوجاجة أمام القدر الساخن وقالت وهي تنظر نحو لصاق:
ـ "هل أخبرت أباك أنك هنا؟ أم أنك كعادتك لم تفعل؟"
قال لصاق بابتسامة محرجة:
ـ "صحيح... نسيت أن أخبره. لكن أظن أنه سيعلم."
ابتسمت الوجاجة وهي تلتقط هاتفها:
ـ "لا تقلق... سأخبره أنا."
---
في فندق الشوامخ، وقفت ركي أمام كوروم مرة أخرى وقالت:
ـ "ألم تفكر في ذلك الرجل الذي ساعد أصاقط على الهرب وقتل لاين في سيارته ليلة الحريق؟"
قال كوروم :
ـ "لا شك أنه من فرقتهم الوضيعة."
سكتت ركي سكوت شك ثم
نظرت إلى ساعتها وهمست:
ـ "تأخر الوقت... سأعود إلى المنزل."
لكنها ما إن خطت نحو الباب حتى سمعت دقات مألوفة: دقتان... ثلاث دقات... دقتان... دقة... دقتان.
توقفت، وضعت يدها على جبينها كأنها تهلوس، ثم تماسكت وقالت بصوت متقطع:
ـ "لماذا... تستعملون هذه النغمة؟"
أجابها كوروم وهو يفتح الباب:
ـ "لكي نميز أنفسنا عن موظفي الفندق."
دخل طراد حاملًا أكياس الطعام بكلتا يديه، تبادل نظرة سريعة مع ركي وهو يرحب بها، ثم خرجت بهدوء من الغرفة، .
في بيت كتام، جلسو حول الطاولة: كتام، لصاق، والوجاجة. كانوا يأكلون الحساء بهدوء،
قالت الوجاجة بصوت خافت:
ـ "أرجو أن تعود عائلة أصاقط سالمة."
رفع كتام رأسه وقال بثقة طفولية:
ـ "لا تخافي يا أمي. أبو لصاق سيكشف القضية ويعيدهم."
قال لصاق :"لقد اخبرت كل المدينه بهاذا."
قالت الوجاجة وهي تحدق في الحساء :
ـ "أرجو ذلك."
أضاف لصاق وهو ينظر إلى صديقه:
ـ "صحيح... أين أبوك يا كتام؟ لم أره منذ مدة."
أجاب كتام وهو يتذكر:
ـ "آخر ما أعرفه أنه يبحر ما بين مدينة وطاك وجزيرة العشاز."
تدخلت الوجاجة قائلة:
ـ "لا، هو الآن في رحلة طويلة بيخته، قريب من مدينة وطاك ومتجه إلى مدينة عكايا."
أشرق وجه كتام فجأة:
ـ "عكايا؟ هذا يعني أنه قريب... سيصل قريبًا!"
قالت الوجاجة بابتسامة هادئة:
ـ "لا أعلم متى بالضبط... لكن قريبًا."
قال لصاق:
ـ "يبدو أن أباك قبطان ماهر."
وما أن أنهوا طعامهم حتى سمعوا طرقًا على الباب. خرجوا جميعًا و فتح الباب، فإذا بطاواد واقف هناك، قال: ـ "جئت لآخذ لصاق. شكرًا لكِ يا وجاجة على تحمّلك بقاءه معك، خصوصًا اليوم في ظل حزنك. لقد تأخرت قليلًا لأنني كنت أوصل مسمار."
ابتسمت الوجاجة رغم إرهاقها وقالت:
ـ "لا داعي للشكر... اهتم أنت بقضية أصاقط، فنحن جميعًا نعتمد عليك."
أومأ طاواد بثبات وهو يردّ:
ـ "سأكون عند ثقتكم."
ركب لصاق السيارة مع والده، وانطلقا في الطريق نحو المنزل.
---
وهكذا انتشر الليل في المدينة:
ـ مطعم الشيف يغلق أبوابه، والشيف يجلس في الخارج يأكل مما طبخه.
ـ العجوز تحتسي الشاي بهدوء في عتبة دارها.
ـ متجر الأسلحة يُطفئ أنواره.
ـ عريش يعمل في متجره، مرهقًا.
ـ راندم تدخل لترى سيس غارقة في النوم.
ـ لاربوس يغط في سباتٍ ثقيل على الأريكة في المخزن.
ـ نار الشواء في منزل البحر تنطفئ شيئًا فشيئًا.
ـ السوق يخلو من المارة.
ـ طاواد في منزله، مستلقيًا على الفراش، يفكر بصوتٍ مبحوح:
"ثلاث رصاصات... إنها معقدة فعلًا."
ـ وفي أعالي الأشجار، فوق قبر لاين، استقر الطائر الدخيل وأغمض عينيه.
!
Traingale