كان طائرٌ صغير يطير بسرعة فوق الأشجار، يفتح عينيه جيدًا باحثًا عن شجرته. وحين لمحها اندفع نحوها بحماس، حتى جلس أخيرًا فوق غصنها، يشعر بإنجاز وصوله. لكن الأصوات لم تتوقف أسفل الشجرة، بل أخذت تتزايد. بدأ الطائر يتلفّت قلقًا، يحاول أن يعرف إن كان خطر يقترب منه أم لا.
وفجأة تساقطت ريشات من فوق الشجرة، وبين الريش المبعثر على الأرض كان الطائر نفسه، وفي رأسه و بتحديد في عينه ثقب كبير يغرز فيه حجر صغير قد احمرّ من الدم. لم يستطع الطائر مقاومة الألم، أخذ يغمض عينه الأخيرة على نور العالم، بينما يسمع أصواتًا تقترب نحوه:
ـ "أصبته... أصبته... لقد فزت!"
كانوا ثلاثة صبية، أعمارهم بين التاسعة والحادية عشرة، متقمصين جو رحلة صيد. يحملون مقلاعًا خشبيًا واضح أنه من صنعهم. وقفوا يتفقدون الطائر. قال أحدهم للآخر:
ـ "منجل، لقد أصبته بدقة... كيف فعلت هذا؟"
ابتسم منجل بتفاخر:
ـ "لم تروا شيئًا بعد، هيا لنكمل."
اعترض الثالث:
ـ "لا، لن نكمل. بدأ الغروب... سيغضب أهلنا إن لم نعد الآن."
التفت الثلاثة نحو الشمس، فرأوها تختفي خلف جبال بعيدة. حمل منجل الطائر، وبدأوا يمشون نحو خارج المنتزه. انحرف أحدهم مودعًا صديقيه، بينما أكمل منجل وصاحبه الآخر طريقهما. وعندما وصلا حيّهما، قال منجل لصاحبه:
ـ "وداعًا لصاق."
ثم دخل بيته.
استقبلته أخته الصغيرة بحماس تبدو انها في السادسه من عمرها، وهو ينزع حذاءه، وسألته فورًا:
ـ "هل أحضرت الحلوى من المحل؟"
قال منجل: "لا، لقد نسيت."
غضبت وقالت: "سوف أخبر أمي عندما تعود."
تساءل منجل بدهشة: "ماذا؟ لم تعد أمي بعد؟"
أجابته بحدة: "نعم، لم تعد بعد."
تنهد منجل بإحباط: "كنت أريد أن أريها الطائر الذي اصطدته اليوم."
دخل المطبخ فوجد أباه يحتسي الشاي.
قال منجل: "أين أمي؟"
أجابه الأب: "لم تعد بعد... ماذا تحمل بيدك؟"
تدخلت أخته قائلة: "أبي، إنه عصفور، لقد اصطاده منجل. أليس هذا سيئًا؟"
قال منجل بسرعة: "لا، لا، ليس أمرًا سيئًا."
ابتسم الأب وقال: "لا بأس يا سكاي، صيد الطيور الدخيلة ليس سيئًا، فهي تفسد النظام الطبيعي وتتطفل على أعشاش غيرها، وتنتقل إلى بيئات جديدة فتؤذيها."
اعترضت سكاي: "لكن لا يبدو على هذا العصفور أنه شرير."
قال الأب: "أعطني إياه يا منجل لأتأكد من نوعه."
تفحصه قليلًا، ثم قال: "أختك محقة، هذا ليس الطائر الدخيل، بل عصفور عادي. الطائر المقصود أسود بالكامل، يشبه الغراب، وله عينان واسعتان وحلقة بيضاء حول رأسه."
…
في مكان آخر، كان متجر للملابس يغلق أبوابه. ودّعت البائعة زبونة خرجت للتو:-"وداعا شكرا على زيارتك لمحلنا "، ثم اتجهت إلى غرفة الخياطة، حيث كانت أصوات ماكينة الخياطة تملأ المكان. نادت:
ـ "هيلين... هيلين... يمكنك المغادرة، انتهى وقت عملك."
توقف الصوت، وقفت امرأة وابتسمت بتعب:
ـ "شكرًا لإخباري."
خرجت، ركبت سيارتها، وانطلقت.
عاد المشهد إلى بيت منجل، حيث كان هو وأخته وأبوه يجهزون مائدة العشاء. سمعوا صوت فتح الباب. صاحت سكاي بفرح: "وصلت أمي!" وركضت نحوها. عانقت أمها بقوة، كانت هي هيلين.
قالت هيلين لزوجها: "أصاقط، لماذا لم تذكرني بأن اليوم الثلاثاء؟ لقد تأخرت لأنني لم أدرك أن دوامي انتهى."
ردّ أصاقط: "لا عليكِ الآن."
بعد العشاء، صعدت هيلين لترى منجل يرسم بجانب سريره. سألته: "ماذا ترسم؟"
قال: "أرسم الطائر الدخيل الذي ذكره أبي."
ابتسمت وقالت: "حسنًا، عندما تنتهي اذهب للنوم."
…
في مكان بعيد، كان رجل يركض وسط طرق خالية، يحتضن حقيبة بلهاث متعب. دخل زقاقًا وقال في نفسه: "لا شك أني ضيعتهم." لكن رصاصة اخترقت كتفه. التفت، فرأى شخصًا مجهول الملامح خلفه من بعيد. تراجع ممسكًا الحقيبة، ثم ركض بالاتجاه المعاكس. توالت الرصاصات على جسده حتى سقط مضرجًا بالدم. تلطخت الحقيبة بدم. اقترب الشخص، مد يده ليأخذها، لكن الرجل تمسك بها وهو يصرخ: "سحقًا لكم!"، فأرداه بطلقة في جبينه.
…
مع شروق الشمس، كان الطريق من الجبال إلى المدينة يكتظ بالضوء. مرت دراجة نارية بجانب لوحة كبيرة كتب عليها:
"مرحبًا بكم في مدينة عكايا."
في مكان آخر، كان رجل نائمًا على سرير، فوق طاولته منبّه يرن بجانبه، وبطاقة تحقيق مكتوب عليها: المحقق طاواد. مد يده ليوقف المنبه، لكنه واصل النوم. دخل ابنه الغرفة، كان هو الطفل لصاق.
ـ "أبي، أبي!"
نهض المحقق وقال: "ماذا تريد يا لصاق؟ لماذا كل هذا الإزعاج؟"
رد ابنه: "هيا، سوف أتأخر عن المدرسة!"
تنهد الأب: "حسنًا، حسنًا."
دخل الحمام ثم خرج على صوت الهاتف يرن. أمسكه وهو يتجه إلى المطبخ ليعد الفطور. جلس لصاق على الطاولة يراقبه ابوه وهو يتحدث في الهاتف.
ـ "نعم... نعم.اذا حصل ذلك في الليلة الماضية؟ ولماذا تتصل بي وهي ليست في مدينتي؟... ماذا؟ الضحية كان يحاول الوصول إلى عكايا؟ ولماذا كان مستعجلًا؟... نعم، ربما لذلك قُتل. لكنني مشغول الآن، إن وجدت ما يساعدك سأخبرك. وداعًا."
أغلق الهاتف، وضع صحن البيض أمام ابنه، وبدآ يأكلان.
…
هيلين كانت تجهز سكاي ومنجل للمدرسة، وزوجها أصاقط يقف عند الباب يراقبهم. خرج الثلاثة للسيارة. قالت هيلين: "دوامي يبدأ متأخرًا اليوم، فاذهبوا أنتم." أجاب أصاقط: "حسنًا." وانطلق.
أمام مدرسة عكايا، نزل منجل مع سكاي، فالتقوا بلصاق وصديقهم الآخر الذي رافقهم في الصيد تكام. قال تاكم بحماس: "اليوم بعد العصر لدي نشاب جديد قوي جدًّا، يجب أن نجربه!"
قال لصاق: "هذا رائع."
أضاف منجل مبتسمًا: "ولدي أنا مفاجأة سأريكم إياها في الصف. هيا ندخل."
…
وفي جامعة عكايا، جلست فتاة في صفها قسم الطب. لاحظت أن الطلاب ينظرون إلى الممر باستغراب. سألت: "ما الأمر؟"
أجابها أحدهم: "لقد عاد... إنه مزروع."
اتسعت عيناها، وتمتمت في نفسها: "حقًّا؟ مزروع؟"
دخل الفتى وجلس على مقعده. اجتمع حوله الطلاب يقدمون له التعازي:
ـ "كان والدك من أفضل المعلمين، نحن حزينون لفقدانه."
لكنه لم يرد.
دخل المعلم، كان أصاقط، ووضع أغراضه على الطاولة. عاد الجميع إلى مقاعدهم. التفتت الفتاة نحو مزروع وهمست:
ـ "لماذا غبت كل هذه المدة؟ هل لأنك حزين على موت والدك؟"
ظل صامتًا.
قالت بإصرار: "إن لم تتكلم فاعتبر أننا متخاصمان. إلى متى ستظل ساكتًا؟"
قاطعهما صوت المعلم: "سيس، أرجو الهدوء، ما كل هذه الضجة؟"
ثم نظر إلى المقعد بجانبها، حيث جلس مزروع، وقال:
ـ "إذن عدت يا يمزروع كان أبوك المعلم لنجو زميلاً مميزاً."
تبادل الاثنان النظرات... نظرة حادة، صامتة.
---
وصل المحقق طاواد إلى مبنى كتب على واجهته مركز الشرطة المركزي لمدينة عكايا. دخل وهو يخطو نحو مكتبه، فقطع طريقه شرطي يعرفه.
قال طاواد بضجر:
ـ "مرحبًا مسمار... أرجوك دعني أذهب الآن إلى عملي، لست مستعدًا لسماع قصصك مرة أخرى."
ابتسم الشرطي مسمار وقال:
ـ "هون عليك، لست هنا للقائك. الرئيس أمرني أن أستقبل شرطيًا جديدًا أتى من مدينة أخرى لينتقل إلى قسمنا."
قال طاواد: "جيد إذن، سأذهب." ومضى مبتعدًا.
تمتم مسمار في نفسه: "يا له من شخص ممل."
…
في الصف أخرج منجل من حقيبته الرسمة التي خطها للطائر الدخيل، عرضها على صديقيه لصاق وتاكم، فانبهرا.
قال تاكم: "اسمعا، لمَ لا نصنع شعارًا لفريقنا؟"
رد منجل بحماس: "فكرة جيدة، ليكن على شكل هذا الطائر."
قال لصاق: "ونرسمه على أكتافنا مثل العصابات في الأفلام."
ضحك تاكم: "ونكون عصابة صيد الطيور الدخيلة، ههههه."
…
أمام فندق "الشوامخ"، توقفت سيارة رمادية، نزل منها رجلان، أحدهما يحمل الحقيبة نفسها التي كانت مع القتيل، و اضح عليها اثار تنظيف. دخلا الفندق، وانطلقت السيارة بعيدًا. ومن نافذة عالية، كان هناك شخص يراقب المشهد، يغلق هاتفه ويقول: "نعم، أرِهم."
…
في محل الخياطة، دخلت هيلين فاستقبلتها زميلتها بابتسامة:
ـ "مرحبًا هيلين، يمكنك اليوم إكمال عملك الخاص، لا توجد طلبات حتى الآن."
قالت هيلين: "شكرًا يا وجاجة... سأكمل خياطة قميصين اللذين أوعدتهما لولدي."
جلست وفتحت حقيبتها الصغيرة وأخرجت أدواتها، ثم بدأت بالخياطة.
…
في مركز الشرطة، كان طاواد يتحدث عبر الهاتف مع نفس الشخص الذي اتصل به صباحًا:
ـ "اسمع... إذا قال لك الشهود إن المجني عليه جاء يطلب وسيلة نقل من المدينة وطاك التي كان فيها إلى مدينة عكايا، وكان ذلك في وقت متأخر من الليل، فهذا يثير الشك. قالوا إن معه حقيبة، والآن هي مفقودة... ربما كان القتل بدافع السرقة. ماذا عن محفظته؟ هل هي مسروقة؟... إذا الأموال موجودة لكن لا توجد بطاقة هوية أو أوراق... غريب جدًا! يفترض بشخص يريد السفر من مدينة لأخرى أن يحمل هويته معه. إذًا لم تعرفوا هويته بعد؟... قضيتك معقدة بالفعل."
وعند بوابة المركز، كان مسمار يترقب وصول الشرطي الجديد. لمح سيارة تتوقف، فتمتم في نفسه: "يبدو أنه وصل، سأوصله للرئيس... ماذا؟ إنها امرأة!"
…
خارج الجامعة، كانت سيس تمشي مع مزروع. قالت له: "اسمع، أرجو أن تواصل مجيئك للجامعة." ثم ودعته. وعندما وصلت منزلها، رأت حذاءً أمام الباب. تمتمت بدهشة: "مستحيل... يبدو أنه أفضل يوم في حياتي."
…
في متجر الملابس، كانت هيلين تواصل العمل على الفستانين. دخلت وجاجة وقالت:
ـ "اليوم دوري أنا في توصيل الأطفال، فأكملي أنتِ."
ثم خرجت.
…
عند باب المدرسة، كان الصبية الثلاثة: منجل ولصاق وتاكم، يرسمون على أكتافهم صورة الطائر الدخيل. وصلت وجاجة بسيارتها، فهتف تاكم: "هيا، لقد وصلت أمي!" ركبوا جميعًا وانطلقت السيارة.
…
في فندق الشوامخ، كانت غرفة صغيرة مليئة بالأوراق على الطاولة، والحقيبة مفتوحة على الأرض. جلس الرجل الذي راقب من البرج يتحدث مع امرأة بجانبه:
ـ "إذن يبدو أنه حي فعلًا... ليس هذا فقط، بل إنه هنا."
قالت المرأة: "كوروم، هل تفكر بما أفكر فيه؟ أعني استغلال الخائن."
رد كوروم: "نعم."
…
في أحد المنتزهات، كان الصبية الثلاثة يتجولون بنشاباتهم الجديدة.
قال لصاق: "لم نجد أي طائر حتى الآن... أريد تجربة النشاب الجديد."
قال تاكم: "صدقني، لقد صنعتها بإتقان."
قال منجل: "هلا صمتما؟ أنتما تخيفان الطيور!"
…
دخل أصاقط المنزل مع ابنته سكاي، جلس يقرأ بعض الكتب. قالت سكاي: "أرجو ألا ينسى منجل أن يشتري لي الحلوى اليوم أيضًا."
قال أصاقط مطمئنًا: "لا تقلقي، سيتذكر."
…
كان الغروب يحلّ. في المتجر، كانت هيلين تتحدث مع وجاجة:
ـ "إذن أوصلتهم إلى المنتزه... هذا متوقع منهم."
ضحكت وجاجة: "لقد فاتك المشهد، لقد رسموا طيورًا على أكتافهم! ههههه، يشبهون العصابات."
ابتسمت هيلين: "يا له من طموح عظيم، ههههه. ما رأيك بما أنجزته من القمصين اليوم؟ استغليت قلة الطلبات."
قالت وجاجة: "إنهما جميلان رغم أنهما لم يكتملان بعد، ولا شك أنهما لطفليك."
أجابت هيلين: "نعم، وهما كذلك... وسأكملهما الآن."
قالت وجاجة : "لا تنسي إضافة بصمة للأقرباء ... ضعي قطرة دمك على كل فستان، إنها عادة قديمة عند الخياطين مع اني لا اعلم مغزها ههههههه."
ابتسمت هيلين بستغراب ولم ترد، فقالت وجاجة: "على العموم، سيحين المغرب وينتهي عملك، ستجلسين وقتًا إضافيًا. أنا سأغادر الآن، وداعًا."
…
أمام برج الشوامخ، وصل رجل يتلفت، يرتدي قبعة شمسية رغم أن الشمس غابت، ثم دخل الفندق.
…
عاد طاواد إلى منزله.
وفي المنتزه، كان الصبية الثلاثة يتربصون بطائر. قال منجل: "إنه يطابق المواصفات، أصبه!"
شدّ لصاق المطاط.
قال تاكم: "شد أكثر!"
أطلق لصاق الحجر، اخترق الهواء، أصاب الطائر. ارتدّ بصر الطائر للحجر، عيناه تعكسانه، ثم سقط على الأرض. فرح الصبية وحمل لصاق الطائر. نظروا جميعًا إلى الشمس الغاربة وقرروا العودة إلى بيوتهم.
دخل منجل منزله، فاستقبلته سكاي تسأله عن الحلوى. ابتسم وقال لها: "تفضلي، كنت أنسى بسبب حماسنا اليوم... لكننا اصطدنا الطائر الدخيل، انظري، لقد رسمناه على أكتافنا!"
قفزت أخته فرحًا بالحلوى، ثم ناداهم أصاقط:
ـ "تعالوا لتجهيز المائدة، هيا بسرعة."
بعد لحظات، جلسوا جميعًا حول المائدة. وفجأة سمعوا صوت الباب يُفتح. ركضت سكاي لتجد أن أمها قد عادت، ومعها المفاجأة: ملابس جديدة كانت تخيطها لهم.
صرخ منجل وسكاي معًا: "إنه أفضل يوم في حياتنا!"
Traingale