لوك لم يستمع لي واعتلاني ثم أخذ يحاول نزع ثيابي عني، كنت مذعورة وأصرخ به، لم يستمع لي، كأنه تحول إلى شيطان. تمزّق قميصي…
لم أعرف كيف حدث كل شيء، بعد دقائق وجدت نفسي واقفة أمام الأريكة أرتجف كما لم أفعل من قبل، أحمل في يدي قطعة زينة أسطوانية كريستالية ملطّخة بالدماء.
لوك كان راقد على الأريكة في مكانه وظهره موجّه لي، كان بلا حركة ورأسه وكنزته مليئة بالدماء، تلك دماء... ماذا حدث... لا يمكنني أن أتذكر... أنا مرتعبة...
ارتخت أصابعي لتسقط القطعة من يدي وبقيت واقفة أحدق بجسده المدمم ودموعي لا تتوقف، فُتِح باب الشّقة وسمعت صرخة من خلفي "لوك! ماذا فعلتِ به!"
كان ذلك كيليان، ركض نحو صديقه، كنت أحاول الكلام لكن لم يخرج مني صوت، بدأت أتقهقر للخلف وأنا أراه يضغط على الشقّ في رأس لوك بكلتا يديه، نظر إليّ بطريقة سيئة كأنه يكاد ينقض علي ويقتلني، لم أرَ هذه النظرة في وجهه في حياتي، حمل هاتفه واتصل بالشرطة.
رفعت يدي المرتجفتين إلى ما بقي من سترتي وحاولت تغطية نفسي بهما، كيليان يصرخ بي بقوة ولكني لا أسمع أي شيء، هناك صفير في أذنيّ وكل ما أفعله هو البكاء، تداخلت أضواء سيارات الشرطة على جدران المنزل، تدافع رجال الأمن إلي وكيليان مايزال يصيح بي.
أخذني أحدهم من ذراعي للخارج وكان يقرأ علي حقوقي، لماذا يعاملونني معاملة المجرمة، لست أنا مَن أجرمت... الشرطي أخفض رأسي ودفعني في المقاعد الخلفية للسيارة وأنا أحاول تجميع كلماتي التي تأبى الخروج.
اِنتهى بي المطاف في زنزانة باردة ذات إضاءة تالفة، كانت فارغة ورائحة السجائر عالقة فيها وكنت الوحيدة في ضيافتها، حصلت على سترة من الشرطة، ثم ها أنا أجلس على الأرض وأضم ركبتي إلى صدري وأبكي فقط، كان شرطي يقف في الخارج ويتحدث إلي بينما يقفل القضبان "بما أنكِ قاصِر، تم التواصل مع أهلك وهم في طريقهم إلى هنا"
غادر هو وأنا حاولت التماسك ومسح دموعي، لقد كنت مخطئة طوال الوقت، ظننت أنهما صديقاي، ظننت أنه يحبني، ظننت أن صداقة الفتيان هي ما أبحث عنه، اكتشفت أن صداقة كل البشر فاشلة وكذبة كبيرة.
ماذا ستقول أمي عندما تعرف أني عصيت كلامها، عندما تعرف أنها كانت محقة دائماً بشأن أصدقائي، عندما يعرف أبي أني جعلت من نفسي أضحوكة وظللت أحاول جذب الأنظار إلى أن تعلمت درسي بالطريقة الصعبة…
أنا الفتاة المُحبّة لجذب الأنظار، وضعت نفسي في موقف كهذا، سمحت للآخرين بالبقاء معي، كنت ذات مرة غالية على نفسي ولا أدع أي يكن يقترب مني، بعدها حاولت جرّهم إلي بكل قوتي، وعلى ماذا حصلت في النهاية... تعرضت للتحرش من صديقي المقرب، وها أنا هنا بدل أن يكون هو في هذه الزنزانة.
لماذا لست مثل باقي الفتيات؟ جميعهن ترغبن بجذب الأنظار وتنجحن في هذا بكل سهولة والآن تنعمن بحياة طبيعية، بينما أنا يحصل لي هذا فقط لأني حاولت الحصول على المعجبين، كل ما فعلته أني ادّعيت بعض الخشونة ولفّقت بعض الحكايات حتى يهتموا بي…
هذا ليس مبرر، هذا خطأي أنا، لا أستطيع الإقرار بذلك بعد، مستحيل أن يكون خطأي…
مايزال هناك صوت صفير مزعج، هذا الصوت لا ينبع من عقلي؟
رفعت رأسي عن ركبتي ونظرت حولي، هناك على يميني زنزانة أخرى فيها شخص يجلس أرضاً، مسحت دموعي وعندها عرفته، إنه فير صاحِب كلاب البيتبول يصفّر ويحدق بي بملل، كان وجهه يحمل الكدمات والخدوش وملابسه متسخة كأنه خرج من حرب.
"هل أنتِ بخير؟" قال بعدما توقف عن الصفير، لم تكن لدي القابلية على الكلام لذا حضنت نفسي مجدداً والتصقت بالقضبان، سأنتظر مجيء والدي، سأخرج من هنا قريباً، ما حدث ليس خطأي، إذا ادعى أحدهم الغباء أمامي وأقر بإعجابه بي، كما فعلت أنا، لن أتحرش به كما فعل لوك، هذه ليست غلطتي!
رفعت رأسي وصرخت "فقط توقف عن الصفير!"
نهض وأمسك القضبان قائلاً "يجب أن تتوقفي عن النواح، أنتِ مثيرة للشفقة"
"دعني وشأني، أنت لا تملك فكرة عما مررت به!"
"حقاً! اعتقدت أنكِ جئت للاِستمتاع فقط، لقد ضربت ثلاث رجال بأنبوب معدني، كسرت عظامهم، كان عليكِ رؤية وجوههم، الأوغاد هربوا بإصاباتهم بعدما سمعوا صوت سيارة الشرطة" كان يتحدث بتفاخر بشكل مبالغ به.
مازلت أبكي ولا أستمع لكل شيء يقوله، كنت أفكر بمصيري، هل ستتم محاسبتي لأني دافعت عن نفسي؟
كان الآخر مايزال يثرثر رغم صوت بكائي وعدم قدرتي على رفع رأسي من بين ذراعي "أنتِ طريقتي لنشر سُمعتي الرائعة هنا، يجب أن يعرف كل الناس ألا يلعبوا مع فير"
دخل عنصر الشرطة إلينا وفتح زنزانة فير وقال "أخيك دفع كفالتك، من الأفضل ألا تكرر فعلتك"
لوّح لي مودعاً وغادر... الآن وحدي، بدون صوت صفير، أحاول ألا أضع اللوم على نفسي وأن أنام... أتمنى أن يتغير كل هذا، بل أتمنى لو أن أحدهم أخبرني سابقاً أن لا شيء سيطفئ حاجتي أن أكون مرئية حتى لو جذبت أنظار كل البشر وأني في كل مرة أفكر بالأمر سأدرك أني أنا المخطئة أكثر وأكثر وأن لا عُذر لدي أبداً...
***★****★***
من وجهة نظر الراوية:
أثناء التحقيقات، لوك تم استجوابه وهو على سرير في المستشفى، حيث تم حلاقة شعره وخياطة رأسه، لقد أنكر كل شيء، أخبرهم أن إليزا فتاة غير متزنة وضربته بلا سبب.
كيليان أيضاً، شَهِد ضدها، وأخبرهم أنه رآها تضربه بلا سبب فورما عاد للبيت، لقد لفقوا قصة ضدها وبسبب أن لوك يملك الكثير من المال، لديه أفضل محامٍ أيضاً وهو من سحبه من هذه المشكلة.
إليزا لم يصدقها أحد، بسبب أنها قالت الحقيقة وأخبرتهم أنها فقدت سمعها وإحساسها بالوقت في ذلك الموقف اتهموها بأنها مريضة بالهلوسة، هذه الحكاية انتهت بإدانتها.
قضت سبع أسابيع من المُرّ في مصحة عقلية، أجريت عليها اختبارات لتحديد نوع الهلوسة المصابة بها لكنها كانت سليمة وعندها تحججوا بأنها مصابة بالاِكتئاب الذهاني، وبسبب ما عانته من ذلك الموقف ظهرت لديها عوارض الأندروفوبيا (الرهاب من الرجال) وهذا ما جعلهم يتركونها باِستضافتهم فقد تكون خطر على الرجال في الخارج. خسرت الكثير من وزنها بسبب كل تلك الأمور، ما كانت لتبقى أسابيع هنا لولا مبالغة محامي لوك؛ الفتى الذي تحرش بها.
كان عليها أن تزيّف كل شيء من جديد لتنجو، أن تدّعي أنها تغيرت وأنها تعترف بأنها المذنبة حتى تخرج من هناك، ونجح كل هذا فهي ماهرة بالتمثيل وهم مسرورون لاِعترافها، لم يستطِعوا إثبات العكس لأنها ليست مريضة أصلاً والأندروفوبيا التي تعاني منها ليست بتلك الخطورة.
في النهاية تم إخلاء سبيلها مع وصفة طبية من عقاقير علاج الهلوسة والاِكتئاب حيث رمتهم في سلة المهملات سرعانما تحررت... استقبلوها والديها بكل شوق، الوحيدان الذان يصدقان ما تقول والوحيدان الذان ستثق بهما بعد الآن.
لم ترى غرفتها القديمة لوقت طويل بعد ذلك بل انتقلوا إلى مدينة أخرى سرعانما سنحت لهم الفرصة، بهدف البدء من جديد والاِبتعاد قدر المستطاع عن كل من قد يؤذوا إليزا. جلست في المقاعد الخلفية في سيارة والديها وهي تراقب الطريق، المكان جديد ولن يذكّرها أي شيء بأصدقائها الظالمين.
إليزا تغيرت كثيراً بعد ما حدث، الآن كلامها قليل، ضحكها نادر، تفضل البقاء وحدها، كأنها عادت بالزمن إلى شخصها الذي كانت عليه قبل سنتين، هي لم تكن مكتئبة، بل كانت مظلومة وقررت أن تتوقف عن ارتداء شخصية ليست لها، هي مخطئة ومثيرة للاِشمئزاز لكنها لم تستحق ما حدث لها، لا أحد يستحق هذا.
إليزا التي كانت مولعة بجذب الأنظار عادت لعاداتها القديمة حيث صارت تغطّي رأسها بقبعة سترتها كلما خرجت للشارع، كانت واقفة أمام منزلها وتتحقق من صندوق البريد، لقد وصلت لها رسالة من مدرستها الجديدة عن موعد بدء دوامها وكل التفاصيل الأخرى.
تنهدت وحملت الرسالة معها داخل المنزل متجهة للمطبخ لتضع الرسالة على الطاولة أمام أمها حيث كانت جالسة وتقشّر البطاطس.
قالت باِبتهاج "سعيدة لأجلك يا عزيزتي تلك المدرسة لا تقبل أي كان! إذهبي إلى والدك واطلبي منه بعض المال لأجل الأغراض المدرسية"
"أنا مازلت أحتفظ بأغراضي القديمة..."
حركت الأم يدها "هيا اذهبي، اشتري لنفسك القصص المصورة أو شيء كهذا، هناك متجر ألعاب قريب من هنا، ألقي عليه نظرة ربما يملكون أشياء تحبينها"
إليزا غادرت المنزل لتتنفس قليلاً، لقد مر وقت طويل منذ أن فعلت شيء تحبه، كانت تخفي رأسها كالعادة بقبعة سترتها، حاولت اكتشاف الحي قليلاً حتى عثرت على ضالتها، دخلت المتجر وانبهرت من كمية القصص المصورة والألعاب التي يملكونها، أخيراً، إليزا تبتسم من جديد.
أخذت أحد الكتب وجلست في الزاوية على الأريكة المخصصة للقراءة، فتحت الكتاب وغاصت به بحماس، لكن عينيها لاحظت كتلة سوداء من خلف الكتاب، أنزلته من يدها ووجدت كلب بيتبول أسود يلهث ويراقبها، انقبض قلبها وتجمدت مكانها، صوت صفير من مكان ما جعل الكلب يغادر.
ابتلعت ريقها ونهضت بسرعة تتلصص من خلف الرفوف، شاهدت فير يتحدث مع صاحِب المتجر. أسوأ مخاوفها أن ترى شخص من المدينة القديمة، الجميع يحكمون عليها ويسألونها أسئلة لتطفئ فضولهم وتحرك أجواء النميمة بين الجيران لذا يجب أن تهرب في الحال.
"تباً" تمتمت وعدّلت قبعتها لتعبُر من هناك باِتجاه المخرج، لكن ذلك الكلب كان يقف في المدخل ولم تجرؤ على الخروج.
فير تقدم إليها وقال "لولا، أفسحي الطريق"
إليزا أخطأت ومشت بسرعة خصوصاً أنها كانت متوترة وهذا أغضب لولا وجعلها تنبح وتجري خلفها......
_Heyv_