أتعلمون"
في هذا العالم، لا أحد يمنحكِ الفرصة لتكوني كما أنتِ.
إما أن تتقني الخدعة… أو تكوني أنتِ الضحية فيها.
وأنا، كنت دومًا أنتمي إلى أولئك الذين يقفون في المنتصف… أراقب المشهد، وأبتسم بذكاءٍ زائف، وأخفي يدي المبللة بالخذلان في جيبي.
و ليلة أمس علّمتني شيئًا… أن الكذب لا يتفوق على الحقيقة، بل يلبسها حذاءها ويقلّد خطواتها حتى يخدعها.
أنا لستُ ضحية.
ولستُ ساندريلا
أنا فقط… أنثى تعلمت أن تنجو بقلبٍ يتظاهر بالبرود، وعينين تقيسان كل كلمة، وكلّ نظرة.
اليوم، سأبدأ من جديد —
لكن ليس كفتاة ضائعة تبحث عن مكان…
بل كامرأة عرفت أن السحر لا يُخلق من عصا، بل من وعيٍ يُضيء حتى الزوايا التي اختبأ فيها ظلها."**
كنت أظن أن الوجوه التي نرتديها تنقذنا، لكنها في الحقيقة تبطئ سقوطنا.
لم أعد أبحث عن خلاص هش، بل عن مرآة لا تكذب حين أحدق فيها ... مرآة تريني حقيقتي، لا انكساري.
________________
كان الصباح ساكنًا، لكنه لا يشبه الصباحات التي عرفتها من قبل.
كأن المدينة تمشي على أطراف أصابعها، والضوء ينزلق من خلف الستائر بخجل، وكأنه يتساءل إن كانت مستعدة ليوم جديد…
نهضت ببطء، كأنها تسترجع أجزاءً منها ضاعت ليلة البارحة، مشت نحو النافذة الكبيرة، ضغطت بأطراف أصابعها على الزجاج البارد، ونظرت إلى موسكو وهي تتنفس:
صوت العجلات على الطرقات،، ولهيب الشمس المكسور على الأسطح المبتلّة…
كل شيء كان يقول: "مرّ يوم… وجاء آخر."
---
لبست فستانًا بسيطًا بلون العاج، انسيابيًا، يُظهر ما فيه الكفاية ويخفي ما يجب.
اختارت معطفًا رماديًّا خفيفًا، تركته مفتوحًا يتمايل معها كظلٍّ أنيق.
شعرها مربوط إلى الخلف بتساهل، وكأنها لا تهتم، لكنها كانت تهتم بكل شيء.
جلست على الكرسي المفضّل قرب الطاولة الزجاجية، فتحت دفترًا صغيرًا كانت تكتب فيه أفكارًا متقطعة، وبدأت تحدث نفسها:
"أخبرنى ليلة أمس ... إذا كنتِ سندريلا، يلزم لكى ان تجدي ساحرة .
بس ماذا... لو كانت ساحرة مجرد ساحر؟ رجل سحره ليس بطيب بل مخادع.
ولكن لِمَ ضحك حين نطق بها؟
أيُ خيطٍ خفيّ قاده إلى بعضي؟
كيف لحدسه أن يفضح فقرًا لم أُعلن عنه يومًا؟
ولماذا، كلما اقتربت عينٌ تبصرني كما أنا...
استنفر قلبي وكأن الصدق خطر؟
وقفت فجأة، كأن الفكرة لسعتها:
"لا… يوجد شخص أخر…كشفنى"
أمس… … الفتى في محل المكياج…
كان ينظر إلي كأني ورقة مكشوفة…"
---
مسحت على سترتها بخفة، ارتدت نظارتها السوداء، ونزلت للشارع.
كانت تعرف وجهتها، هذه المرة.
وصلت إلى باب المحل، دخلت بخطوات واثقة لكنها هادئة.
المكان كما هو… زجاج ناعم، رفوف منظّمة، عبق العطور الخفيفة…
تقدمت من موظفة الاستقبال، وقالت بصوتٍ منخفض
اقتربت من موظفة الاستقبال ابتسمت بخفة وقلت: "مساء الخير."
ردت بود مهني: "أهلا بك، كيف أساعدك؟"
قلت: "أبحث عن شخص عمل لي مكياج أمس، أعتقد أن
"اسمه ...نيكولاي
نظرت في الشاشة أمامها، ثم ابتسمت: "لحظة من فضلك، سأناديه."
خرج "نيكولاي".
شعره مرتّب كما الأمس، لكن حين رآها، تغيّرت ملامحه للحظة.
رفع حاجبه، ثم ابتسم، ومرر يده بخفّة على خده، كأنه يحاول إخفاء احمرار .كان يعلم انها ستعود ، ولم يخب ظنه.
اقترب منها، وعيونه تمعن النظر:
"....أتيتى…"
لم تقل شيئ بل ردّت بابتسامة ماكرة نصفها تردد، ونصفها جرأة.
هزّ رأسه بخفة، وقال:
"هل نذهب لإحتساء قهوة؟ لدي استراحة."
---
جلسا في زاوية هادئة من مقهى قريب، ضوء المصابيح يسقط على طاولتهما بنعومة، والكواب تتبخر بهدوء…
نظرت إليه وسألته مباشرة:
"كيف كشفت أمس… إني أكذب؟ إني لست من عالم الأغنياء؟"
ارتشف نيكولاي قليلاً من قهوته، ثم نظر إليها نظرة هادئة لا تخلو من عمق:
قال بنبرة صادقة:
"أنا أعمل في هذا المجال منذ سنوات طويلة... وتعلمت أن أرى ما خلف الطلاء، أن أقرأ الوجه كما يقرأ البعض الكتب.
الثراء الحقيقي لا يُقاس بالثياب ولا بالعطور، بل بالثقة… بالنظرة… بطريقة الإمساك بالكوب."
سكت قليلًا، ثم أضاف مبتسمًا:
"وأنتِ... كنتِ تحاولين أن تكوني واحدة منهم، لكن عيناكِ قالتا شيئًا آخر."
توردت وجنتاها خجلًا، لكنها تماسكت وردّت بنبرة فيها بعض العناد:
"وهل كل من لا ينتمي إلى عالمهم... عليه أن ينسحب؟"
أمال رأسه قليلًا وقال:
"لا… لكن عليه أن يعرف جيدًا من يكون، قبل أن يدخل لعبتهم."
رفعت عينيها إليه، وكأنها تنظر لأول مرة نظرة مختلفة، أقل توترًا، أكثر صدقًا.
همست وكأنها تعترف لنفسها:
"ربما… أنا من كنت أحتاج إلى مرآة ترى أكثر من مجرد وجهي."
ضحكت بخفّة، لأول مرة منذ أيام، ضحكة حقيقية من غير أقنعة.
ثم نظرت إليه بعين أخرى، وقالت:
"لكنك... على الأقل لم تكذب علي."
هزّ رأسه موافقًا، وقال:
"أنا لا أملك رفاهية الكذب... على وجوهٍ تشبه وجهي."
جلس قبالتها، يلفّ فنجانه بيده كمن يدور حول فكرة غير مكتملة، ثم قال بلهجةٍ واثقة:
"أنا أتعامل مع الأثرياء يوميًا، حتى صرت أستطيع أن أشمّ رائحة المال من مسافة كيلومتر."
رفعت حاجبيها وسألته بهدوءٍ تتخلله نبرة تحدٍ:
"وماذا ينقصني أنا؟"
ابتسم ابتسامة جانبية لا تخلو من مكر، وأدار وجهه للحظة ثم عاد إليها بنظرةٍ ثابتة وقال:
"الأثرياء الحقيقيون لا يتحدّثون عن ثرائهم. الكبرياء عندهم لا يُكسر، والكرامة لا تهتز، ولا يتململون من كلمة عابرة، ولا ينهزمون أمام نظرة استصغار."
كأن كلماتِه صفعتها، فانكسرت نظرتها، واهتزّ بريق عينيها، وأشاحت ببصرها عنه...
رآها، فابتسم، وقال بنبرة شبه ضاحكة:
"هل جرحتك كلماتي؟ لا تؤاخذيني، أنا صريح أكثر مما يجب... لا أجيد التجميل، ولا أحب الكذب."
استعادت تماسكها فجأة، ارتفعت نبرتها شيئًا، وقالت بحدّة:
"وأنا أيضًا صريحة، بل أكثر مما تتخيّل. لا أدري إن كنت سأثق بك، لكن الواقع أنني لا أملك خيارًا آخر."
ثم أسندت يديها على الطاولة، أكملت بصوتٍ صلب رغم ما في عينيها من هشاشة:
"أنا لست غنيّة، ولم أولد في ثوب من حرير، لكن الآن لديّ مال، وأريد أن أعيش كما يعيشون... لا أقلّ عنهم في شيء."
أصدر صوتًا خفيفًا وهو يومئ برأسه:
"همممم..."
وعندما لاحظت رد فعله، قالت بثقة:
"لا تظنّ أنني أتكلم عن فراغ. لقد عشت بين الأثرياء، خدمتهم، رأيت كيف يأكلون، كيف يتحدثون، كيف ينظرون إلى الدنيا من علوّ."
اقترب منها، مدّ كفّه فوق الطاولة، ابتسم وقال ساخرًا:
"معذرة، ثمة فرق بين أن تري الحياة من زجاج نافذتهم، وأن تعيشيها خلف الستار."
ثم جلس إلى الوراء وأضاف:
"لكن لا عليكِ... كمّلي، لن أقاطعك."
اقتربت منه، سألته بصوتٍ عاتب:
"هل ترى عدلًا أن يعمل المرء شهرًا كاملًا، ليأخذ أجرًا لا يساوي ثمن أحمر شفاه تشتريه إحداهن في دقيقة نزق؟"
ضحك نصف ضحكة، وارتشف من قهوته قبل أن يجيب:
"ومن قال إن العالم عادل؟ على الأقل، أنا أربح حين يشترون مكياجي."
تحوّل وجهها فجأة، كأن فيه شيئًا يتبدّل. نظرت إليه، وقالت:
"أنا لا أربح رفاهية، بل أشتري حاجتي بارتعاش. كنت أحسب ألف حساب قبل أن أشتري شيئًا بسيطًا، مجرد شيء صغير..."
ثم أكملت بنبرة ترتجف:
"كنت أعمل في بيت، مع مجموعة موظفين، نأكل وجبة واحدة في اليوم. الثلاجة كانت محرّمًا علينا، لم نكن نملك الحق حتى بالجوع."
ارتفعت نبرتها، اقتربت أكثر حتى كادت تلمسه بكلماتها، وهو ظل يرمقها بدهشةٍ صامتة.
"تريد تكمّلة؟ هل ترضى أن تظلّ متفرّجًا على حياة كيف تمرّ أمامك، وأنت تبقى ثابتًا في مكانك كتمثال؟"
اغرورقت عيناها بالدموع، لكنها لم تسمح لها بالسقوط، بل شدّت على نفسها وتابعت:
"أنا لم آتِ إلى هذه الدنيا لأتنفّس فقط... جئت لأعيش. ومن حقي أن أعيش كما يعيشون هم!"
ظلّ صامتًا، تائهًا بين ما سمع وما لم يتوقع، ثم قال بتأثّر:
"كلامك مؤثّر... بس، ليش عم تحكيلي كل هاد؟ شو فيني أعملك؟"
رفعت رأسها بثقة، ووضعت يدها على الطاولة وقالت:
"تقدر تعطيني الريحة."
استغرب، وتراجع قليلًا، وسألها:
"أي ريحة تقصدين؟"
قالت بثقة لا تتزحزح:
"ريحة المال... أن تجعلهم يشمون رائحة النقود عليّ. أن تجعل وجهي الذي اعتاد الفقر لا يهتز من نظرة استعلاء. تستطيع ذلك؟"
تجمد للحظة، ثم سألها:
"وشو رح أستفيد أنا؟"
رفعت رأسها، وقالت ببطء:
"راح تصل معي للمكان اللي ناوية أوصله، وإنت تعرف الطريق."
ابتسم بخفة كأنّه قبل العرض، فقالت:
"سأدفع لك المال، وبما أنك تعرف بيئتي، يجب أن ترتقي معي أيضًا."
ابتسم مجددًا وقال:
"طيب... شو الميزانية؟"
إجابة انه: " مئة مليار روبل"
فرفع حاجبيه وقال:
"معك خطة؟"
أسندت ظهرها للكرسي، وضعت يديها خلف رأسها وهزّت رأسها بالنفي، ثم خفضته.
اقترب منها، وخفّض صوته، وقال:
"المال اللي معك... إجا من مصيبة؟"
سؤال بدا بسيطًا، لكنه سقط عليها كحجرٍ ثقيل، رفعت عينيها إليه بنظرة حزينة، وكأنها تتذكر شيئًا مؤلمًا... ثم هزّت رأسها وقالت:
"لا، أبدًا... المال جاء فجأة، لا تخف، لا شيء خلفه."
أسند ظهره إلى الكرسي، ونظر إليها مليًا، ثم رفع يده وقال:
"طيب... متفاهمين."
صافحته بثقة، وتبادلا نظرات قصيرة.
قال وهو ينهض:
"أريد رقم هاتفك... سأعود إلى عملي، وبعدها نتواصل."
تبادلا الأرقام، ومضى بخطى واثقة، لكنه ما لبث أن عاد، انحنى نحوها وهمس بصوت منخفض:
"مصاريكي... إذا كانت مش نظيفة، الاتفاق بيننا بينتهي."
نظرت إليه بابتسامة خافتة وقالت:
"اطمئن، أنا جريئة نعم، لكنني لا أخاطر بحياتي... ولن أجرّك لأي مأزق."
اعتدل في وقفته، عدّل ياقة سترته وقال بابتسامة جانبية:
"إلى لقاء... يا حلوتي."
ثم مضى، وهي ظلت في مكانها لحظة، تنظر أمامها بثبات... ثم ابتسمت.
---
في مكانٍ آخر... مستشفى بودكينسكايا – موسكو.
كان إيفان ممددًا على سرير أبيض بارد، داخل غرفة تتنفس سكونًا مشوبًا برائحة الأدوية والمعقمات. وُصل ذراعه الأيسر بمصل يتدفق ببطء داخل عروقه، عبر إبرة ثابتة في وريده، كأنها تحقن فيه الزمن بدلًا من الدواء.
فتح عينيه بتثاقل، وهو يحاول إدراك ما حوله. كانت الرؤية ضبابية، والأصوات مشوشة. التفت يمينًا ويسارًا، فلم يجد سوى بياض الجدران وصوتٍ ينبعث من مكبر صوت داخلي:
> "يرجى من الأطباء التوجه إلى قسم الطوارئ... نكرر، إلى قسم الطوارئ فورًا."
حاول النهوض، لكن يدًا لطيفة أوقفته. كانت ممرضة تقف بجانبه، تعدّل في جهاز المصل. ابتسمت وقالت بنبرة خفيفة:
– "أخيرًا... استيقظت."
أراد الجلوس، لكن الممرضة منعته بلطف:
– "لا تُجهد نفسك، أنت في المستشفى... تعرّضت لحادث سير، لكن حالتك مستقرة والحمد لله."
تجعد جبينه، لا يذكر شيئًا سوى اسم واحد، خرج من بين شفتيه كأنّه نجاة:
– "ليودميلا... هل هي بخير؟ كانت معي... أين هي؟ أرجوكِ، قولي لي."
نظرت إليه باستغراب:
– "من؟"
– "حبيبتي... ليودميلا... كانت معي في السيارة."
أجابته بصوت هادئ:
– "وصلت بسيارة الإسعاف وحدك، لم يكن معك أحد. حاولنا الوصول لعائلتك، لكن هاتفك كان محميًا بكلمة سر."
أغلق عينيه لحظة، وشهق نفسًا عميقًا، كأنّه يبتلع وجعه.
– "هل تريد أن نتواصل مع عائلتك؟"
أجاب بهزّة رأس:
– "أبي وأمي توفيا منذ زمن... وأخي ليس في البلاد."
ثم عاد للسؤال وقد تغلّف صوته بالقلق:
– "هل أنتِ متأكدة... ليودميلا لم تصل؟"
أومأت نافية:
– "لكن أختك اتصلت مرة بالمشفى، على ما يبدو انقطع الاتصال، لم تتصل ثانية. كانت مسجلة باسم 'أميرتي' على الهاتف."
رفع حاجبيه بصدمة:
– "أميرتي؟... المال...؟!"
أضافت الممرضة، وهي تهمّ بمغادرة الغرفة:
" لا أعلم... "
ناداها مجددًا:
– "الحقيبة؟! أين حقيبة؟"
لكن قبل أن يحصل على جواب، عاد الألم بقوة، عاد إلى وسادته، والوجع يحاصر جسده وأفكاره معًا.
ليو... ماذا حدث لكِ؟ هل هربتِ بالحقيبة؟ هل تركتِني بين الموت والحياة؟
كانت الأسئلة تمطر فوق صدره، لكنه غرق في ألم أعمق... ثم غفت عيناه، ولسانه لا يهمس سوى باسمها:
– "ليو... ليو..."
---
ليل موسكو كان قد انحدر كستارة سوداء مخملية، غطّى المدينة بهدوء قاتم.
في شقة فاخرة ذات ديكور عصري، تناثرت صور أثرياء على الجدران، وتراصت أطباق طعام فاخر على الطاولة، بينما كان الجو مشحونًا بخطط غير بريئة.
نيكولاي، بخبثه المعتاد، قال لها وهو يتفحص الأرقام:
– "المال الذي تملكينه يا جميلة جيد... لكنه لا يكفي للعبتنا القادمة. يلزمنا مبلغ لا نصرف منه شيئًا دون خطة مسبقة."
أجابت وهي ترفع حاجبًا:
– "أفهمك تمامًا... من الأفضل أن نجد شابًا يعيش هنا، لا في الخارج. هكذا نوفر تكاليف السفر."
على شاشة متصلة بالتابلت، كانت تُعرض صور الرجال الذين مرّوا في حياتهم كأهدافٍ سابقة. وحين ظهر أحدهم، أرادت أن تختار، لكن نيكولاي سحب الجهاز منها مازحًا:
– "حياتي، لا تختاري من يُشبه السحرة. لستُ كل مرة سأُنقذك من غرق جديد."
:ضحكك وقال
– "كلهم سيفلسون عمّا قريب. يبحثون عن فتاة غنية تنتشلهم وتنتشل أبناءهم أيضاً."
رن جرس الباب، ودهبت وعادات وهي تحمل البيتزا.
:جلست وهي تتحدث بفضول
– "كيف تعرف كل هذه المعلومات؟ أنت جاسوس أم ماذا؟"
أجابها نيكولاي، وهو يتناول قطعة بيتزا:
– "أنا الرجل الذي اضع المكياج في حفلاتهم... لا أكثر."
"لاتشتتينى معنى أبحث عن شخص انسب"
لكن عقلها كان في مكان آخر. نظرت إلى التلفاز، ثم تجمّدت فجأة... تذكّرت ذلك الشاب الذي رأته عند صديقتها، ذاك الحضور، وتلك الطريقة التي سار بها.
انتزعت التابلت من يد نيكولاي بلهفة وقالت:
– "أريد أن أريك شيئًا!"
ضغطت بسرعة على أحد الحسابات، وظهرت صورته.
– "هذا هو... لا تعترض عليه، صح؟"
صفّق نيكولاي بيديه وقال بحماس:
– "واااو! من يجرؤ على الاعتراض؟ لكن، ألم تبالغي في وصفك؟"
ابتسمت، وقالت والشرر يلمع في عينيها:
– "إن كنتُ سأغرق... فأفضل أن أغرق في أكبر محيط!"
ضحك، وقال:
– "هممممم... طمئنيني، تعرفين عنه شيئًا؟"
أجابته بثقة:
– "سأعرف... وانت سوف تعرفينى كل شيء."
قال لها نيكولاي وهو ينظر إلى الشاشة بعينٍ ثاقبة:
— "ألكسندرو قالينوف، أشهر عازب في روسيا، وتحديدًا في موسكو. يلقّبونه بـ "البارون العصبي". رجل لا يُؤخذ على حين غرّة، ولا يرضخ للخيارات التي تُفرض عليه، إلا أمام شخصين فقط... والده، ذي الهيبة الطاغية، وأخته من زوجة أبيه."
ابتسمت ليو وقالت بنبرة فضول:
— "ولماذا لم يرتبط حتى الآن؟"
أجابها وهو يرفع حاجبيه ساخرًا:
— "معذرة، انظري إلى ملامحه... سيُجيبك وجهه قبل أن أفعل."
أكمل حديثه بنبرة هادئة:
— "شاب يعيش حياته كما يشاء، بكل حرية واتساع. لا يحب الإعلام، ولا يظهر للصحافة. يستمتع بالحياة... يسافر، يخوض مغامرات، لكنه يرفض أن يُقيد اسمه باسم أحد."
ثم اقترب قليلًا وهمس:
— "غير أن والده تقليدي للغاية، يرفض أن يمنحه بيتًا باسمه طالما بقي أعزب. بل ويرفض كذلك أن تُسلم إدارة الشركة لأي من إخوة ألكسندرو من زوجته الثانية. ولهذا، بات الزواج أمرًا لا مفر منه."
تنهدت ليو وعادت لتمسك حياكتها، وقالت بهدوء:
— "ومن يكون والده؟"
ضغط نيكولاي على شاشة العرض، فتبدّلت صورة ألكسندرو بصورة رجل صارم الملامح، أشيب الشعر، بعينين حادتين ووجه كُتب عليه التاريخ.
— "فلاديمير قالينوف... رجلٌ من طراز نادر. يكاد لا يخطئ في صفقة، ويعرف متى ينسحب بأقل الخسائر. لكن لديه نقطة ضعف واحدة..."
قالت ليو وقد مالت إلى الأمام:
— "من؟"
— "زوجته، لاريسا أورلوفا... كانت ذات يوم مساعدته في إدارة الأعمال، ثم... أصبحت سيدته. ذكية، طموحة، ماكرة بقدر ما هي فاتنة."
رفع نيكولاي يديه وهو يتذكر المشهد:
— "حين حملت منه دون تخطيط، تزوجها فورًا. كان الجميع مصدومًا، لكن من يعرف إلينا يعلم أن الأمر لم يكن بريئًا."
تابع ضاحكًا:
— "أنجبت له بنتًا تلو الأخرى، ثم حملت مجددًا على أمل أن تأتي بالصبي المنتظر."
قالت ليو بجدية:
— "وهل رزق بالصبي؟"
هز نيكولاي رأسه:
— "في البداية لا... كانت المفارقة أن يبقى محصورًا بين فتاة وصبي. وبما أنه من جيلٍ تقليدي، يرى أن البنات لا يمكن أن يحملن اسم العائلة."
صمت لحظة، ثم أضاف:
— "البنت الكبرى بعد ألكسندرو اسمها إيرينا... مهما فعلت، لن تنال رضا أمها ولا والدها."
ضحكت ليو وقالت:
— "تبدو كعائلة مليئة بالتناقضات... وماذا عن الفتاة الثانية؟"
أجابها:
— "أنستاسيا، لم يكن يرغب بها. كانت مجرد محاولة لإنجاب الصبي. ولما لم تكن كما أراد، أهملها الجميع. تركت الشركة، وافتتحت مطعمها الخاص."
أكمل:
— "أما الصبي الثالث، واسمه أليار، فقد جاء بعد طول انتظار. سُمي على اسم جدّه، واحتفى به فلاديمير كما لو أنه الوريث المنتظر. دلله، وأطلق له العنان، حتى صار طائشًا، عديم المسؤولية."
قالت ليو بهدوء:
— "وماذا عن إلينا؟"
أجاب نيكولاي بنبرة جادة:
— "إلينا لا ترى أحدًا سوى ابنها. تدفع به إلى الواجهة، وتخطط ليخلف والده في السلطة. هي لا ترى ألكسندرو... لا تعترف به، بل تعتبره تهديدًا."
قالت ليو وهي تحدّق في شاشة التلفاز:
— "كالنار التي تصقل الزجاج، إلينا صاغت شخصية ألكسندرو بشكل قاسٍ."
أومأ نيكولاي:
— "بالضبط... هو الأحق بالعرش، لكنه في حرب باردة مع امرأة تملك دهاء الملوك."
نظرت ليو مجددًا إلى صورته، وقالت:
— "أشعر وكأن بيني وبينه قواسم مشتركة كثيرة..."
أجابها نيكولاي وهو يبتسم:
— "أنتم ثنائي استثنائي بالفعل."
قالت له:
— "أخبرني... أين يمكن أن ألتقي به؟ أين يقضي وقته؟"
أجابها وهو يشير إلى خارطة رقمية:
— "أمر في غاية البساطة. كنت قد خططت لكل شيء، وجهزت احتمالات عدّة. بقي فقط اختيار اللحظة المناسبة."
لكن ليو قاطعته فجأة:
— "عائلة قالينوف تملك مزرعة خيول... أليس كذلك؟ ألكسندرو يحب الخيول، أليس كذلك؟"
ابتسم نيكولاي وقال:
— "يعشقها. يمضي أغلب وقته في مزرعة 'نوفوسيلكا'."
واكمل: " انتى عم تفاجئينى كل دقيقة ، وأخدتى دورى مكان"
قالت وهي تعيد ترتيب جلستها:
— "أبي كان يأخذني إلى سباقات الخيول منذ طفولتي... وأنا اليوم، مع اقتراب سباق موسكو الكبير، أشعر أن هذه فرصتي."
ثم همست:
— "ربما أراهن... وأربح قلب فارس."
وضعت كوب القهوة على الطاولة، وقالت بثقة:
— "جهزني... من أجل السباق."
نظر إليها نيكولاي وسألها:
— "هل أنتِ متأكدة؟"
قالت بعينين تلمعان:
— "في يوم ميلادي، وعدت نفسي أن أغيّر حياتي. الخيول، السباق، المال، الفارس... وأنت. كل هذه الصدف ليست عبثًا. أنا متأكدة. وستساعدني."
نظر إليها مطولًا، ثم ابتسم:
— "إذن القدر جمعنا..."
قالت بهدوء:
— "لا أعلم إن كنت قدري... لكن إن كنت شجاعًا وساعدتني... ستصبح قدري."
نظر إلى الشاشة التي تظهر صورة ألكسندرو، وقال:
— "اقتربي منه... قفي بجانبه."
اختار لها زاوية على الشاشة، ثم نهض وقال:
— "أنتما متكاملان بحق... اختيارك موفق. هدفنا أصبح واضحًا: ألكسندرو قالينوف."
ثم جمعا أصابعهما بإشارة رمزية:
👉👈
ولدت الخطة... وبدأت اللعبة.
_____
في ذات اللحظة كانت تقام ليلة قالينوف...
ليلة ساكنة بأضواءٍ فاخرةٍ تُضاهي بريقَ النجوم، يعمّها عبق الورود البيضاء والياسمين، احتفل قصر عائلة قالينوف بأسطورته المعتادة. الحديقة الخلفية تحوّلت إلى عالمٍ من السحر، حيث تأرجحت الثريات البلّورية فوق الطاولات الفخمة التي امتدّت في تناغمٍ ساحر، تتناثر فوقها كؤوس الكريستال، والشموع تراقص الظلال على وجوه الضيوف بضياءٍ ناعم.
بين المروج الخضراء المذهّبة بأضواء المصابيح الأرضية، وبين ضحكات الدبلوماسيين، وتهامس نساء المجتمع، كلّ الأنظار كانت تنتظر لحظة واحدة فقط...
فجأة، توقّفت سيارة سوداء فاخرة من طراز Rolls-Royce Phantom أمام المدخل الكبير للقصر. لمع هيكلها تحت ضوء القمر، وكأنها سفينة ملوكية تهبط من عالم آخر.
الباب يُفتح...
نزل ألكسندرو قالينوف.
رجل لا يشبه الرجال.
الهيبة تمشي معه لا أمامه.
خطاه ثابتة، ونظراته لا تعرف التردّد.
كان يرتدي بدلة سهرة رسمية من Tom Ford بلون أسود فاحم، قميص أبيض عاجي، وربطة عنق حريرية خمرية اللون. شعره الداكن مُصفف بإتقان، لمعة بسيطة تزيّنه، وذقنه مشذّبة بدقّة.
ساعته من Patek Philippe تعكس تحت ضوء الحفل، وكل تفصيل فيه يهمس بالفخامة.
نزل السلالم الخارجية المؤدية للحديقة، وكل خطوة كان وقعها موسيقى.
الضيوف توقفوا. البعض بدأ يهمس، والأغلب لم يُخْفِ إعجابه:
– "إنه هو..."
– "أخيراً وصل..."
– "ألكسندرو، ملك موسكو غير المتوّج."
صاحبه المقرّب، إيغور بيركوف، تقدّم نحوه وابتسم:
– "مساء الخير."
أجابه ألكسندرو بنبرة رجولية هادئة:
– "مساء النور، قطعت رحلتك من لندن خصيصاً من أجل الحفل؟"
– "بالطبع، لا يُعقل أن تُقام حفلة قالينوف وأتغيب... خصوصاً بعد ما سمعت عن الترتيبات المذهلة."
– "كل شيء على ذوقك؟"
– "كل شيء... حتى لحظة وصولك، مزّقت قلوب معظم الفتيات."
ضحك الاثنان بخفة، وألكسندرو حيّا الحاضرين بابتسامة سريعة، ومضى بخطى واثقة.
تقدمت منه شابة من المجتمع المخملي، بابتسامة مصطنعة وقالت:
– "مساء الخير، سيد قالينوف..."
لكنه لم يتوقف، لم يعطِها أكثر من نظرة سريعة وإيماءة برأسه كناية عن الترحيب الرسمي فقط.
في أعلى الدرج المؤدي من القصر إلى الحديقة،
وقف “فلاديمير قالينوف”، والد ألكسندرو،
رجل بوجه جامد، بعيون لا تعرف الرحمة، يقف بثبات وكأن الزمن لا يجرؤ أن يلمسه.
يرتدي بذلة رسمية من ثلاث قطع بلون كحلي قاتم، ساعته الذهبية تلمع، ويده اليمنى في جيبه بينما الأخرى ترتكز على الدرابزين، يتفحّص الحضور كما لو كانوا لوحةً تُقيّم لا أكثر.
ثم ظهرت هي...
زوجته الثانية، لاريسا – المرأة الحديدية خلف إمبراطورية قالينوف.
شعرها الأشقر مربوط بتسريحة أنيقة، ترتدي فستان Dior أنيق بلون الزمرد الأخضر، مطرز بخيوط ذهبية، رقبتها مزينة بعقد من الياقوت، وعطرها يسبقها كما لو كان سحرًا.
اقتربت منه بخفة وابتسمت بخبثٍ رقيق:
– "حبيبي... تأخرت، الجميع يسأل عنك. دع العمل ليوم واحد فقط، رجاءً..."
وقفت أمامه، عدّلت ربطة عنقه وكأنها تُعلن ملكيتها، ثم همست:
– "إن لم يكن زوجي بجانبي يدللني أمام الجميع، فهذه الحفلة لن تعني لي شيئًا."
رمقها فيكتور بنظرة هادئة، من عينيه إلى شفتيها، ثم قال:
– "وجودك بجانبي هو ما يُعطي لحياتي المعنى."
ابتسمت بسعادة، رغم أنها تعلم أن كل كلمة منه لها وزن مئة صفقة
كان الحشد يضج بالحياة، والأنغام تنساب بخفة في فضاء الحديقة، تعبق برائحة الورد والانتظار.
نزل فلاديمير رفقة لاريسا بين الجموع، متشابكي الأيدي، لكن ما بين الأصابع لم يكن دفئًا بقدر ما كان قيدًا خفيًّا يشدّ كل طرف بعيدًا عن الآخر.
مضى بخطاه الواثقة، وأدار رأسه نحوها، بصوت خافت نبرته لا تخطئها الحدة:
فلاديمير:
"أين أليار؟ وأين أنستاسيا؟"
ابتسمت ابتسامة لا روح فيها، ورفعت رأسها بحذر كمن يحاول إخماد نيرانٍ تتقد تحت جلد الصمت.
لاريسا (بهدوء مصطنع):
"أليار تأخّر في الخروج من عمله… اتّصل بي واعتذر، قال إنه عالق في الزحام وسيصل حالًا."
لم يُجب، بل رمقها بنظرة غائمة، لا غضب فيها، بل شيء أشد… نظرة خيبة ممزوجة بشكّ قديم. تكسّرت ملامحها تحت ثقل الصمت، واضطربت نظرتها للحظة.
فلاديمير (بنبرة باردة، لكنها لاذعة):
"إذًا، اختار الذهاب إلى عمله في يوم كهذا؟"
خفضت بصرها ولم تُجب، فمضى عنها دون أن ينبس ببنت شفة. لحقت به بخطوات قلقة، كمن يحاول اللحاق بما أفلت من بين يديه.
لاريسا (بهمس يائس):
"وأنستاسيا… هي تعمل منذ الصباح. أرادت أن تتأكد من أن كل شيء سيكون مثاليًّا في الحفل."
توقف فجأة، وكأن كلمتها اصطدمت بجدار قلبه المتحفّظ، ثم التفت إليها، وصوته يشبه حدّ السكين:
فلاديمير:
"أنستاسيا لا تعمل بيديها، لديها فريق كامل لأجل تلك المهام. إن لم تكن تريد الحضور، فقولوا إنها لا تريد، لا تذروا الأعذار كالغبار."
ارتبكت ملامحها، لكنها لم تجد دفاعًا يستحق النطق. أما هو، فتابع مسيره بخطاه الواثقة، ثم قال دون أن ينظر إليها:
فلاديمير:
"دعينا نُسلّم على الناس… لا نريد أن تُضاف الغيابات إلى الصمت."
في صحن القصر الرخامي المكلل بالأضواء، وبين الأعمدة البيضاء التي تعانق السماء، كان فلاديمير قالينوف، بجبينه المرفوع ونظراته الحديدية، يُلقي التحية على ضيوفه من علٍ، كما لو كان ملكًا يمنح البركات. بدلة داكنة مُفصّلة بدقة ألمانية، زُرّها الذهبي يعكس سطوة رجل لا يتسامح.
وخلفه، كانت لاريسا تمشي بخفة أنثى خبيرة بالظلال. دون أن تُحدث صخبًا، انسلت كالنصل بين الحشود حتى وصلت إلى ابنتها الكبرى إيرينا، التي كانت تضحك برشاقة وسط مجموعة من الضيفات.
كانت إيرينا بهيئة لا تُقاوم:
فستانٌ أحمر داكن، بلون العقيق المشتعل، ينسدل بنعومة فوق جسدها النحيل، يلمع تحت الأضواء كحريرٍ مسحور. عند عنقها عقود من الياقوت الفاخر، أما شعرها الأسود الطويل، فقد تركته ينسدل كالشلال على ظهرها، ممشوقًا وكأنّه لُفّ بأنامل الليل ذاته.
اقتربت منها والدتها، وضغطت على ذراعها برفق، وهمست:
— «معذرة سيداتي، سأخطف ابنتي للحظة.»
سحبتها بعيدًا وقالت بخفوت متوتر:
— «أخوكِ لا يُجيب. هل تعلمين أين هو؟ والدكِ على وشك الانفجار.»
نظرت إيرينا عبر الساحة إلى والدها، ثم ابتسمت بفتور وقالت:
— «لكن... أبي دائمًا غاضب، لا جديد.»
تغيّرت ملامح لاريسا، وقالت بصرامة:
— «لا تتحدثي عن والدك بهذا الشكل.»
قالت إيرينا، وعيناها تعكسان جرحًا دفينًا:
— «حاولت مرارًا أن أصل إليه... لكن لا، هو لا يراني. لا يسمعني.»
لم تردّ لاريسا، انشغلت بهاتفها، تحاول الاتصال مجددًا. ثم التفتت وقالت بنبرة مضغوطة:
— «جلبتُ له أهمّ المؤثّرين في مجال الأعمال، وأليار؟ أخذهنّ إلى المزرعة. ماذا تعني هذه الحركة؟ أشعر...»
لكنها توقفت فجأة، ونظرت نحو والدتها بارتياب.
— «امى، ما الذي تفعلينه؟ هل... كنتِ تستمعين؟»
ردّت لاريسا دون تردد:
— «ابنتي، إذا لم يحضر أخوكِ الليلة، سيغضب والدك كثيرًا. أحاول الاتصال به فقط... نعم، كنت أسمعك.»
ضحكت إيرينا بسخرية مريرة وقالت:
— «لو دعمتِني كما دعمتِ أخي، لَكنتُ أنا من يدير الشركة اليوم، لا جدران فارغة تنتظر وريثًا ذكرًا.»
هنا، أسدلت إيرينا كلماتها كصفعة، ثم استدارت ورحلت، تجرّ وراءها غضبًا مبلّلًا بالفقد.
لم تمكث لاريسا طويلًا في ذاك المكان، حتى انتقلت إلى الجهة الأخرى من الحديقة، حيث كانت أنستاسيا تساعد فريقها في إعداد الطعام وتنظيم الطاولات. كانت كأنّها برق يمشي، بشعرها الذهبي ينسدل على كتفيها بلون الحنطة في شمس الغروب، تلبس فستانًا سماويًا طويلًا من الشيفون الخفيف، مُزدانًا بتطريزات عاجية عند الخصر والأكمام. وجهها ناعم، يفيض إشراقًا، وعيناها بلون البحر الثائر.
نادتها لاريسا بنبرة أم تأكلها المسؤولية:
— «أنستاسيا! تعالي.»
رفعت الفتاة رأسها، وبابتسامة متعبة قالت:
— «أمي، نحن نُجهّز كل شيء، لا تقلقي.»
أجابت لاريسا بصوت خافت:
— «والدك أخبرك ألا تعملي بيدك. دعي فريقك يتولى الأمر.»
قاطعتها أنستاسيا بعينين لامعتين:
— «حتى ابى، عنده فريق لكنه لا يرتاح، يعمل معهم. وأنا كذلك.»
أطلقت لاريسا تنهيدة طويلة وقالت:
— «لديكم جواب جاهز لكل شيء. تعالي الآن، أخوكِ لم يصل، وأنا أركض بينكم كمن يتسابق مع العاصفة.»
---
وفجأة...
اهتزّت أرجاء الساحة بصوت خطوات إليار، وهو يهبط من أعلى درجات القصر.
دخل كأنّه نجم على سجادة ملوكية، مرتديًا بدلة غير رسمية، بلا ربطة عنق، وياقته مفتوحة، يوحي بمزاج مستهتر غير عابئ بالتقاليد. خطاه واثقة، عيناه تلمعان بالحياة والتهكم.
اتّجه فورًا نحو مجموعة من الفتيات اللواتي توردت وجناتهن لرؤيته، وقال بصوت مرتفع متغزّل:
— «يا للجمال... أحسّ وكأني دخلت الجنّة، أنتنّ لستنَ بشرًا.»
ثم أضاف بخفة:
— «أين الصبية التي ستخطف أنفاسي الليلة؟»
سمعته لاريسا من مكانها، انقضّت عليه كعاصفة، أمسكت بيده وسحبته إلى ركن مظلل من الحديقة.
قالت له بنبرة حادة:
— «لماذا لا ترد على هاتفك يا روحي؟»
ابتسم بخفة وغمز:
— «أمي، أنتِ أجمل صبية الليلة، تُشعلين المكان.»
ثم أمسك بطرف إصبعها، ودارت حوله ضاحكة، لكنها لم تنسَ أن تُعيده إلى صلب الموضوع:
— «أليار، تركّز معي؟ ليلة اليوم مهمة، كم مرة نبهناك؟ والدك يفكر جديًا في موضوع ولي العهد.»
ضحك وقال وهو يرفع حاجبيه:
— «ولي عهد؟ أبي يرمي لنا عضمة، ولا زلتم تظنون أنه سيورثنا شيئًا؟»
نظرت إليه نظرة مشتعلة وقالت:
— «عضمة؟ خذها إذن! وإلا دعها لألكسندرو، أو اسمح لي أن أذهب بنفسي وأُسحر والدك لأجلك.»
أجابها بلامبالاة:
— «دعيه. مارك راح روح، وأنا راح.»
---
نظرت لاريسا من بعيد إلى ألكسندرو، الذي كان يتحدّث بهدوء عبر الهاتف، صوته منخفض لكن صارم.
إلى جانبه، كان "مارك بوريسين" — ذراعه الأيمن، رجل بخبرة السنين وعينٍ لا تُخطئ. قال له:
— «حللنا ملف إيطاليا، لكن الكلفة كانت ثقيلة. والدك لن يكون سعيدًا.»
ردّ ألكسندرو ببرود حازم:
— «يهمّني أن نُسلّم في الموعد، لا أن نرضي الكبرياء. لن ننتظر الغد.»
أغلق الهاتف، وسار بخطوتين نحو والده الذي كان يتبادل أطراف الحديث مع أحد كبار الضيوف.
رفع يده بتحية مقتضبة، لكن فلاديمير لم يلتفت. لم يرد. لم يعترف.
ظلّ ألكسندرو واقفًا، لا يزحزح نظراته عن ظهر والده، وعيناه تشتعلان تحديًا هادئًا. ذلك الوجه الهادئ، كان فيه شيء ينكسر. شيء لا يُقال. لا يُصفح عنه.
وفوق كلّ ذلك الصخب، وتحت القباب المزدانة بالكريستال، وقف ألكسندرو بثبات الجبال، يحدّق في ظهر أبيه الذي تجاهل تحيته كأنّها لم تكن. لم يرتجف، لم ينحنِ، لم يبتلع الغيظ... لكنه ابتسم.
ابتسامة من لا ينتظر اعترافًا، بل يُخطط لانتزاعه.
وفي عينيه — لا خضوع ولا عتب، بل نذرُ حربٍ باردة، تُطبَخ بصمت، وتُقدّم على مائدة الدم.
كان واضحًا:
فلاديمير قالينوف، في عينيه، لم يعد ملكًا.
والميراث، لن يُوهب... بل سيُنتزع.
وهنا، كان الفصل يُغلق، لا بهدوء، بل كصفقة باب قصر، أُغلق خلف وريثٍ قرر أخيرًا ألا يبقى في الظل.
_____
انتهى الفصل الثالث اتمنى أنه نال اعجابكم
𝑺𝒊𝒍𝒆𝒏𝒕𝑩𝒍𝒐𝒐𝒎