لَمْ أَكُنْ أَركضُ لأَهرب"
بَلْ كُنْتُ أُهَرْوِلُ كَيْ لَا أَنْفَجِرَ
كَيْ لَا يَسْمَعُوا الصُّرَاخَ وَهُوَ يَتَمَزَّقُ
"هٰذَا اللَّيْلُ لَا يُخِيفُنِي...
الْمُخِيفُ هُوَ مَا تَرَكْتُهُ خَلْفِي،
الْوُجُوهُ الَّتِي تَبْتَسِمُ وَفِي يَدِهَا سَكَاكِينُ مِنْ كَلِمَاتٍ."
"ممْسِكة بِالْحَقِيبَةِ بِقُوَّةٍ...
كَأَنَّهَا حَبْلُ نَجَاتِي،
كَأَنَّ مَا فِيهَا سَيُنْقِذُنِي مِنَ الْغَرَقِ...
وَلَكِنَّنِي أَعْرِفُ... مَا أَثْقَلَهَا!"
"حَاوَلْتُ، أُقْسِمُ أَنَّنِي حَاوَلْتُ،
أَنْ أَكُونَ كَمَا أَرَادُونِي: سَاكِنَةً، هَادِئَةً، مُطِيعَةً...
وَلٰكِنَّ قَلْبِي كَانَ يَصْرُخُ: هٰذَا لَيْسَ مَكَانِي!"
"لَمْ أَعُدْ أَخَافُ الشَّوَارِعَ،
صِرْتُ أَخَاف مِرْآتِي، أَخَافُ مَلَامِحِي، كَيفَُ كَيْفَ تُشْبِهُ أُمِّي حِينَ بَكَتْ وَلَمْ يُصَدِّقْهَا أَحَدٌ."
"لَمْ أَتْرُكِ الْبَيْتَ،
بَلْ تَرَكْتُ الْجُرْحَ الَّذِي يَنْزِفُ كُلَّمَا نَادَانِي صَوْتُ أَبِي."
"قَالُوا: الْهُرُوبُ جُبْنٌ...
وَلٰكِنْ، أَحَدٌ لَمْ يُجَرِّبْ أَنْ يُكْتَمَ صَوْتُهُ لِسَنَوَاتٍ،
أَنْ يُدْفَنَ حَيًّا وَهُوَ يَبْتَسِمُ."
__________
في زقاقٍ مظلمٍ من شوارع سانت بطرسبرغ الباردة، حيث
تتكاثف الغيوم وتتمايل المصابيح القديمة تحت وطأة الريح، كانت ليودميلا تركض بخطى مسرعة، أنفاسها تتصاعد في الهواء البارد كسحبٍ شفافة، وقلبها يخفق كطبول الحرب.
توقفت أمامها سيارة ، فتحت الباب بعجلة وركبت، دون أن تنطق بكلمة. لم تنظر إلى السائق، فقط أمسكت بحقيبتها بكلتا يديها كأنها تمسك روحها، ثم انطلقت السيارة.
خارج نوافذ السيارة، كانت المدينة العجوز تنام بين ظلال المصانع الصامتة والأبنية المتهالكة. عبرت السيارة جسراً حديدياً يعبر نهر نيفا المتجمد، ثم دخلت إلى حيٍ شعبي يُدعى "كراسني بيريلوغ"، حيٌّ تعلوه روائح الفحم والرطوبة، وتتناثر فيه المنازل الخشبية المتآكلة.
توقفت السيارة أمام منزلٍ قديم من طابقين، تكسوه قشرةٌ من الطلاء المقشّر. ترجلت ليودميلا بسرعة، وتلفتت حولها بعينين حذرتين، كأنها تخشى أن يراها أحد. صعدت الدرج الخشبي المهترئ، ودخلت.
استقبلتها أختها، ميران، بنظرةٍ مشككة، وقالت:
"ليودميلا؟ أتيتِ؟ طردوكِ من العمل؟"
أجابت بصوتٍ هادئ متماسك: "لا، لم يطردوني. أبي قال لي أن آتي، لأن هناك سباق خيول."
ردت ميران بسخرية: "سباق خيول خاص، وأنتِ تأخرتِ. ما هذه الحقيبة؟ متأكدة أنكِ لم تُطرَدي؟"
صرخت ليودميلا فجأة، بنبرة منكسرة ممزوجة بالغضب: "أخبرتكِ أنني لم أُطرد! الحقيبة فيها ملابسي فقط... أتيت لأنهم منحوني إجازة. اليوم عيد ميلادي."
ضحكت ميران بمرارة: "عيد ميلادك، ها؟ وأنتِ تفرحين، بينما أنا أطبخ وأنظف منذ الصباح؟ أبوكِ لا يعجبه شيء، يرميني باللوم وكأنني السبب في خراب زواجي. ومع ذلك، سنطهو لكِ طبختك المفضلة، يا أميرة!"
أدارت ليودميلا وجهها عنها وصعدت الدرج بخطى غاضبة. دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها بإحكام. كانت الغرفة ضيقة، سقفها منخفض، وأثاثها بسيط يُغلفه الغبار. وضعت الحقيبة على السرير، وفتحتها.
انفجرت ابتسامة على وجهها، وتحولت أنفاسها الثقيلة إلى ضحكة خفيفة، حين رأت رزم المال مصطفة بعناية. بدأت تلمسها، تعدّها وتُرجعها إلى مكانها، كأنها تتأكد أن الحلم لا يزال حقيقياً.
ثم سكن كل شيء. نظرت حولها. الغرفة صامتة، باردة كأنها شاهدة على خيباتٍ متراكمة. وقعت عيناها على صورة قديمة لأمها على الحائط. اقتربت منها، رفعتها بين يديها، وهمست:
"أمي... أنا مضطرة. سامحيني. لا تنظري إليّ بهذه الطريقة. أنا آسفة... أنا أحبك كثيراً."
فُتح الباب بهدوء. دخلت الطفلة الصغيرة، لارا، بابتسامة واسعة:
"خالتي!"
ردّت عليها بحنان: "يا عيون خالتك، تعالي."
مدّت لارا يدها وقدمت لها رسمة ملونة: "جلبت لكِ هدية عيد ميلادك! انظري!"
نظرت ليودميلا إلى الرسمة، وعيناها تلمعان بالدموع. لم تكن دموع حزن، بل اختلاط حاد بين الحب والندم والحنين لطفولةٍ لم تكتمل. عيونها تفيض بالماء، وجفناها يرتعشان.
قالت وهي تكبت شهقتها: "أوه... شكراً لكِ. رائعة جداً... اعجبتنى كثيرا."
ضحكت لارا، ومسحت دموع خالتها بأناملها الصغيرة، ثم انتبهت إلى جرحٍ على جبينها:
"خالتي، ما هذا؟"
قالت ليودميلا: "لا شيء، مجرد جرح بسيط، لا تخافي."
"هل تريدين قبلة ليتعافى؟"
"نعم، أعطني واحدة."
قبلتها لارا على جبينها، وقالت بحماسة: "اختفى الوجع؟"
"نعم، شكراً لكِ، أميرتي."
عانقتها بقوة، وحين رأت صورة على الطاولة، سألت: "هذه جدتي؟"
"أجل، كانت تعايدني ككل عام."
"لكن الصور لا تتكلم."
"صح، لكنها تتذكر. والآن، اذهبي شاهدي الكرتون، سأغير ملابسي."
خرجت الطفلة، لكن من أسفل المنزل ارتفع صوت ميران:
"يا جلالة الأميرة! لسنا في قصر، تعالي وساعديني بالمطبخ!
تجاهلت ليودميلا ندائها ولكن حين سمعت ابوها ينادى عليها، شحب وجهها ونظرت سريعا الى حقيبة امسكتها واخفتها تحت سرير
:الباب فتح بعنف ، وجهه مشدود وبنرة ضارخة قال:
" ماذا بك؟ هااا؟؟ لما لم تحضرى عندما احتجتك ؟؟ قولى "لماااا؟؟
ردّت ليودميلا، محاوِلة أن تحافظ على رباطة جأشها:
— "مدام إيلا لم تُعطني إذن خروج، ولم أستطع أن أتهرّب… صدّقني."
اقترب والدها منها خطوتين، ونبرته تزداد صلابة:
— "أخبرتك أن تأتي مهما حصل! لو أن (نيكيتا) أراد، لَحصلنا على تسريبات السباق بسهولة!"
نظرت إليه، وعيناها تومضان بالغضب:
— "أخبرتك أنني لا أريده!"
صرخ بصوت هادر، وصدى صوته ارتطم بجدران الغرفة الضيقة:
— "لم أقل لكِ أن تتزوجيه! فقط اخطبيه! رجل غني، ربح أموالاً كثيرة من رهانات الخيول، كان بإمكاننا أن نستفيد! أن نربح! لكنك مثل أختك، رأسك يابس!"
حاولت أن ترد، لكنه لم يمنحها فرصة، تابع وهو يلوّح بإصبعه في وجهها:
— "لو سايرتِه قليلاً، مادا استفادت اختك من حب ! هرب وتركها وهي هناا، حتى الحب الذي تدّعينه… لا يُشبع جوعاً، ولا يُسكت ديناً! أنتم جيل العدم."
ثم اقترب أكثر، وضغط بإصبعه على جانب رأسها، بعنف، وهو يقول:
— "شغّلي عقلكِ! نحن بحاجة للمال! لديك فرصة أمامك، وأنتِ تهربين منها كالبلهاء! أنتِ نبتة غريبة لاتنتمى الينا … ليتكى لم تأتى الى هدا منزل، لو أن الله أخذكِ، لاسترحنا منك!"
وبدون أن ينتظر ردّها، استدار وصفق الباب خلفه بعنف.
سكنت الغرفة، لكن قلب ليودميلا كان يعصف. أنفاسها تتسارع، ووجهها احمرّ، ويداها ترتجفان وهي تمسك بعنقها، كأنها تختنق بكلمات أبيها.
وقفت، نظرت في الغرفة بذهول، كأن الجدران بدأت تضيق، وكأن الأرض تميد تحت قدميها.
نظرت بقهر واتخدت قرارها
فتحت الحقيبة بسرعة، أخذت رزم المال، وفتحت حقيبة يد صغيرة، وضعت فيها الرسمة التي أعطتها إياها لارا، ثم أغلقتها بإحكام.
نظرت للمكان نظرة وداع، عيناها تمتلئان بالدموع، لم تكن دموع ضعف، بل دموع وداع مؤلم لحياةٍ لم تكن يومًا تنتمي لها.
فتحت الباب ببطء، نظرت من أعلى الدرج، رأت لارا تلعب في الصالة، وأختها في المطبخ منهمكة، وأباها يجلس خلف الجريدة. كل شيء كما هو... لكنها هي، تغيّرت.
نزلت دون أن تحدث ضجة، فتحت الباب وخرجت.
ركضت عبر الحي، كأنها تهرب من كل ما مضى: من الفقر، من القهر، من الصراخ، من اللامبالاة.
وصلت إلى الشارع الرئيسي، أخرجت هاتفها، كانت تريد تخلص من شريحة. فتذكرت شيئًا، نظرت إلى اسمٍ واحد فقط في قائمة الأتصالات ايفان
ضغطت الرقم، وجاءها صوت امرأة غريبة:
— "مرحبًا، هذا هاتف إيفان. من معي؟"
اتاها رد بسرعة:
أنا ممرضة . نحاول التواصل مع أهله. هل تعرفينه؟"
أجابت ليودميلا
— "أنا اخته...أين هو؟؟ هل هو بخير؟"
أجابت :
" نعم هو بخير، لكن ......"
لكن ليودميلا لم تدعها تكمل. أغلقت الهاتف، أخرجت الشريحة، كسرتها، ورمت الهاتف في حاوية قمامة قريبة.
وقفت للحظة، تستعيد أنفاسها. ثم رفعت يدها وأوقفت سيارة أجرة.
صعدت وأغلقت الباب بقوة:
— "خذني إلى فندق... أي فندق."
انطلقت السيارة وسط شوارع المدينة المتلألئة بأضواء النيون، فيما رأسها يستعرض كل ما مضى: وجوه، جراح، صراخ، دموع، أمل صغير في قلب لارا، وخيبة عمرٍ علق في كلمات أبيها.
وضعت رأسها على النافذة، وشعرت بشيء غريب: هدوء.
لأول مرة، لم تشعر أنها ملزمة أن تبرر قرارها لأحد.
دخلت ليودميلا الفندق، وبدت وكأنها تخطو إلى عالم آخر، عالم غريب عن عالمها المعتاد، فيه كل شيء يلمع، يشعّ نظافة وحداثة. الأرض من رخام بارد مصقول يلمع تحت الأقدام، والجدران مُزخرفة بذوقٍ راقٍ يعكس ثراء وفخامة. المعلّقات الذهبية على الجدران، العطور الموزعة في المكان، والهدوء المنضبط... كل شيء كان مختلفًا، حتى الهواء.
وقفت أمام موظف الاستقبال، تحاول أن تخفي دهشتها خلف وجه صلب، وقالت بنبرة واثقة رغم التردد الذي في داخلها:
"أريد غرفة."
ابتسم الموظف بهدوء، طلب منها بطاقة الهوية، ثم ناولها بطاقة إلكترونية وقال:
"الغرفة 705. هل تحملين حقيبتك وحدك؟"
أجابته بحدة خفيفة، دون أن تنظر إليه:
"نعم."
نظر إليها بنظرة فيها شيء من الشك، لكن لم يقل شيئًا. حمل الحقيبة معها على مضض، ودلّها على الطريق نحو المصعد، ثم رافقها بصمت حتى الغرفة.
حين فُتح باب الغرفة، توقفت لحظة...
الغرفة كانت فسيحة، ذات نوافذ زجاجية عريضة تطلّ على المدينة. الجدران بلون عاجي هادئ، الستائر ثقيلة، أنيقة، وأرضية الغرفة مغطاة بسجادة ناعمة بلون خمري. سرير ضخم يحتل قلب الغرفة، تلفاز مثبت على الحائط، ومكتب صغير بجانبه زهرية ورد أبيض اصطناعي.
وقفت ليودميلا مدهوشة، وكأنها لا تصدّق أن هذه المساحة أصبحت لها، حتى وإن مؤقتًا.
أخرجت من حقيبتها بعض النقود ومدّتها للموظف، قائلة:
"هذا مقابل مجهودك."
ابتسم وقال:
"هل تحتاجين شيئًا؟ اسمي نيكولاي، إن احتجتِ نداء واحد وسأكون عندكِ."
نظرت إليه وقالت:
"أريد مجلات... وقطعة حلوى، كيكة عيد ميلاد."
ابتسم:
"حاضر."
اقتربت من النافذة، كانت المدينة تمتد أمام عينيها كاللوحة، بكل تناقضاتها. الأبنية الزجاجية العالية، والسيارات الفاخرة... وفي الزوايا، أحياء قديمة مُتهالكة، تُخبّئ خلفها الوجوه المنسيّة.
همست لنفسها:
"حتى المدينة منقسمة... روسيا الأغنياء وروسيا الفقراء. الأولى ترتفع على أكتاف الثانية، والفرق بينهما؟ المال..فقط المال."
رنّ جرس الغرفة، فتحت الباب، وجدت الكيكة والمجلات بانتظارها.
جلست على السرير، تقلب المجلات واحدة تلو الأخرى، صور منازل فخمة، حفلات مترفة، نساء يبتسمن تحت الأضواء…
اختار اشخاص الدين سوف تستهدفهم اخدت حساباتهم تابعتهم وتمتمت:
"المال وحده لا يصنع الحلم… لكنه قد يشتري الطريق إليه."
أشعلت شمعة صغيرة، حدّقت في لهبها وقالت بصوت خافت:
"عيد ميلادي اليوم… وأقسم أن هذه السنة، سأستعيد حقي من الحياة."
أغلقت عينيها ونفخت الشمعة… تمنّت القوة، لا الهروب
_______
مع شروق الشمس، غمر الضوء الغرفة، ودخلت خيوطه من الزجاج الكبير، فأنارت ملامحها. وقفت أمام النافذة، مغمورة بضوء جديد، ترتّب شعرها، تلبس ثوبًا بلون اللؤلؤ، نظارات سوداء أنيقة… ومضت.
طلبت تاكسي، ركبت، أول مكان ذهبت إليه: شركة سيارات فاخرة.
جربت كل السيارات، ضحكت، التقطت صورًا. وفي النهاية اختارت سيارة "Ferrari Roma" بلون أحمر، كدم قلبها، كحلم قديم تحقّق.
بعدها، وقفت أمام بوابة شقة كانت تتمناها منذ زمن. شقة تطل على نهر، فيها شرفة كبيرة تطل على المدينة، والضوء فيها يُشبه الحلم. اشتَرتها دون أن تساوم.
ثم دخلت متجر أزياء، خرجت منه بشيء آخر تمامًا.
اختارت فستانًا أحمر قانيًا، بفتحة على الظهر، وحذاء بكعبٍ رفيع، نظارات سوداء كبيرة، شعرها مرفوع بتناسق، ومكياجها ناعم يليق بالصباح، لكنه يخبّئ الكثير.
في طريقها، لفت نظرها محل مكياج فاخر. دخلت.
اقترب منها البائع وقال:
"هل تحتاجين مساعدة؟"
أجابته ببرود:
"لا أحب المكياج كثيرًا في الصباح."
نظر إليها من الأعلى للأسفل، وقال بنبرة هادئة لكنها مريبة:
"أعتقد أن مستحضراتنا ستناسبك تمامًا."
رفعت حاجبها وقالت بثقة:
"أنا التي أحدد ذلك، لكن لا بأس… ساعدني في اختيار شيء بسيط."
بدأ يُقدّم لها ماركات كثيرة، وحين شعرت بالارتباك، قالت:
"لا أهتم بالأسماء، أريد فقط ما يليق بي."
لكن عينيه كانت تراقبها… كأنه يعرف سرًا ما. قال لها:
"سعرها مرتفع… يبدو أنكِ جديدة في هذا العالم."
تجمّدت. لم تُظهر صدمتها، بل وقفت وقالت:
"وقح… أنت لا تعرف من أكون."
صرخت فيه:
"أنا غنية منذ وُلدت! احترم نفسك!"
حاول الاعتذار، قال:
"الزبون دائمًا على حق… كنت فقط أحاول مساعدتك."
أراد أن يعطيها الكيس، لكنها رفضت:
"لن آخذ شيئًا من شخص مثلك."
غادرت، وهو يناديها ساخرًا:
"يا آنسة! على الأقل خذي العينات!"
نظرت إليه، والدموع تحرق عينيها. لم تُجب.
خرجت تمشي في الشارع، ضجيج المدينة لا يغطّي على الصمت في صدرها.
قالت في نفسها:
مشكلة ليست في المال بل في ثقة بنفس هل يا ترى العالم" يتعامل مع شخص غنى مثل شخص لي اصبح غنى مثل بعض ياترى؟"
رفعت رأسها، أغمضت عينيها لحظة، ثم تابعت السير بثبات.
مرّ النهار بهدوء كأنّما لم يكن… والشمس انسحبت ببطء خلف الأبنية العالية، تاركة خلفها سماءً رمادية تعلن ولادة ليل آخر، لكن ليس كأي ليل. هذا الليل سيكون مختلفًا، ليلٌ سيشهد على خطواتها الأولى نحو الساحة الكبرى.
انتقلت إلى فندق آخر، أكثر أناقة، أكثر صخبًا. في المدخل، كان كل شيء يلمع، حتى الأحاديث. الأرضية كأنها مرآة، والثريات فوق الرأس تتدلّى وكأنها نجوم مختارة من سماء أخرى.
دخلت بخطى واثقة، رغم التوتر الذي كان يعصف في داخلها. فستانها الأسود الطويل ينسدل برقيّ، ظهرها مكشوف، شعرها مرفوع بطريقة أنيقة تُظهر ملامحها الحادّة. الكعب العالي يقرع الأرض برفق، وكأن خطواتها توقّع على بداية شيء كبير. على شفتيها لون عنّابي، وفي عينيها برق خافت، لا هو خوف، ولا هو أمل، بل شيء بينهما.
كل من في الصالة كان يبدو مأخوذًا بالأضواء، بالملابس، بالابتسامات المصطنعة. الجوّ مُفعم برائحة العطور الباهظة، موسيقى هادئة تتسلل بين الحشود، تهمسات ناعمة، وضحكات لا تشبه الضحك.
نظرت حولها، وفي نفسها قالت:
"هذا ليس سهرة… هذا سباق، سباق غير عادل. الكل هنا يشبه الجوهر، يلمع فجأة… يفرض نفسه على العالم، وأنا؟ يجب أن أفعل الشيء نفسه، يجب."
قاطعها صوت ناعم:
"مساء الخير، آنسة."
كانت موظفة الاستقبال. ردّت ليودميلا بهدوء، دون أن تبطئ خطواتها:
"مساء النور."
ثم همست لنفسها:
"ربما الطريق السهل موجود، لكني لا أريده. لا أريد أن أكون جبانة. الناس هنا تنظر إليّ، وأنا أنظر إليهم. ربما لم أُولد محظوظة… لكنني متأكدة أنني لم أُولد ضعيفة."
مرت قرب الحضور، تنظر إليهم بحذر. كل وجه تراه كانت قد رأته في مجلة وجمعت معلومات عليهم… وجوه الثراء، الوجاهة، والنفوذ.
"إنهم هنا جميعًا، كلّ من قرأت عنهم… إذن الفرصة هنا، يجب أن أغتنمها."
اقتربت من ركن المشروبات، نظرت إلى قائمة طويلة، ثم قالت بصوت واثق:
"أريد كوكتيل نيغورني."
قدم لها النادل الكأس، رفعه نحوها وقال:
"بصحتك."
ابتسمت وردّت:
"ولك كذلك."
وما إن شربت منه قليلاً، حتى لمحت ظهر رجل واقف قربها… بدا مألوفًا. حدّقت، تذكّرت، ثم خطرت لها فكرة مفاجئة.
اقتربت منه بهدوء، تحمل الكأس. وفي اللحظة التي التفت فيها، اصطدم يده بلكأس. انسكب كله، ابتسم بخفة وقال:
"آسف كثيرًا."
قالت:
"لا بأس، الكأس لا يهمّ."
عرض عليها أن يطلب لها كأسًا جديدًا، لكنها ابتسمت:
"لا حاجة… حقًا."
نظر إليها من الأعلى للأسفل، ثم مدّ يده:
"اسمي أناتولي."
مدّت يدها وصافحته:
"أهلاً، أنا… ألينا." (وليس اسمها الحقيقي)
لم تكن تعرف إن كانت ابتلعت الكذبة، أم الكذبة ابتلعتها.
أشار النادل إليهم بكأس جديد، فسألها أناتولي:
"هل تعرفين هذا المشروب؟ من أي بلد؟"
قالت:
"لا صراحة، سافرت كثيرًا… لكن لم أعرف."
ابتسم وقال:
"إنه من إيطاليا. كوكتيل نيغورني، نكهة جافة، فيها مرارة العارفين."
ضحكت باهتة، ثم تمتمت بجملة خاطئة عن أصل المشروب. رفع حاجبه وقال:
"لا، معلوماتك خاطئة."
أحسّت بالحرج، ثم تمتمت بسرعة:
"عذرًا، أحتاج للذهاب إلى الحمام."
دخلت مسرعة، أغلقت الباب على نفسها، تمتمت بغضب:
"غبية… ليش تتفلسفي؟ قرأتي كم معلومة في مجلة، مفكّرة
نفسك فاهمة! كان يجب ان أتمهّل قبل أن أثرثر كثيرا."
نظرت في المرآة، رأسها مائل، وجهها محتقن.
رفعت رأسها، تنفست بعمق، وقالت:
"تمامًا… ركّزي، يا ليودميلا. انتي لم تأتى لتفشلي. اتيتى تاخدي مكانك."
أغمضت عينيها، بللت وجهها بالماء، ثم لمّحت دخول فتيات يتهامسن. وقفت أمام المغسلة، تتظاهر بالغسل، بينما أذناها تلتقطان كلماتهن عن مهرجان كوتشيلا، وكيف حضرن فيه ولم يفوتو فرصة ذهاب اليه.
خرجت مسرعة، أمسكت هاتفها، بحثت عن المهرجان، ظهر لها كل شيء… وابتسمت.
"هذا هو… هذه فرصتي."
أثناء مرورها، رأت أناتولي يعانق امرأة ويقبّلها برقة. وقفت لحظة، شعرت بقلق، عضّت شفتها، وشدت يدها على صدرها.
"ضاع هدف اول… لن أضيع وقتي."
عادت إلى البار، جلست وحدها، النادل قدّم لها كأسًا آخر. نظرت إليه وقالت:
"لم أطلب شيئًا."
أشار إلى شاب يجلس خلفها، رفع كأسه نحوها، يبتسم.
نظرت إلى الكأس، ثم إليه، شربت رشفة، وابتسمت في وجهه، ثم استدارت تنظر إلى الأمام.
اقترب منها، حمل أغراضه، وجاء ببطء نحوها…
وضع أغراضه بهدوء على الطاولة، ثم مدّ يده نحوها بابتسامة خفيفة، تلك الابتسامة التي لا تُخبرك شيئًا، لكنها تُغريك بمعرفة المزيد.
– "سيرغي، وسّعني الشرف."
بادلتْه المصافحة، وقالت بابتسامة صغيرة:
– "ألينا."
طبعًا… ليس اسمها الحقيقي. لكنّه ابتسم، كأنّه يُصدّقها… أو كأنّه لا يهمّه أصلًا.
نظر إلى كأسها وسأل، وهو يرفع حاجبيه:
– "اختيارك ممتاز… مشروب نيغورني، نكهة الذاكرة المرّة."
طلب مثلها، وجلس قريبًا منها، يراقبها كما لو أنّه يحاول قراءة سطر مخفي في كتاب مغلق.
عيناها لم تكن أهدأ. هي الأخرى فحصته بنظرة طويلة، من رأسه حتى قدميه. نظرت إلى الساعة، شربت قليلاً، ثم ابتسمت
قال : "كيف هي حياة معك"
"جيدة لكنى مرهقة من حفل كوتشيلا امس"
ضحك بخفّة، ورفع كأسه:
– "كنّت هناك أيضًا، لكني قضيت الليلة في كرنفال خاص… فستيفال سكاي ستون، صغير، خاصّ بالنخبة، بعيد عن صخب كوتشيلا."
فتح هاتفه، وأراها صورة له هناك. خلفه أضواء خافتة، ناس يرقصون، وسيارة رياضية حمراء، كانت تقف بخلفية الصورة.
نظرت إلى الصورة وقالت:
– "جميلة… خاصة السيارة."
نظر إليها، وابتسم بابتسامة جانبية خبيثة:
– "أنتِ تعرفين في الذوق."
(لكن في داخله: هي تكذب.
وفي داخلها: وهو يصدّق نفسه كثيرًا.
اثنان في مسرحية، كل منهما يحاول إرباك الآخر.)
جلسا يتحدثان لبعض الوقت، كلماتهم تلمع مثل المرايا، لكنها لا تعكس شيئًا حقيقيًا. تحدثا عن السفر، عن المدن، عن أسماء الفنادق التي لا يعرفها أحد إلا إن كان يعرف "الواجهة لا العمق".
ثم نظرت في ساعتها، ملامح وجهها شحبت:
– "تأخّرت… يجب أن أعود."
نظر إليها، نبرة صوته مرحة وخفيفة:
– "هل أتيتِ بسيارتك؟"
– "لا… سيارة أجرة."
قال بابتسامة واثقة:
– "إذًا لا مجال للنقاش. سأوصلك بنفسي، ولا ترفضي."
لم تنتظر الجواب، فقط نهضت. جمعا أغراضهما، وغادرا السهرة.
ركبت معه، والسيارة تنزلق بهدوء في شوارع المدينة، حيث الضوء يتكسّر على الأرصفة الرطبة، والأبراج تعانق السماء. النوافذ تعكس صورة الليل المزدحم بالأحلام… أو الأكاذيب.
قال فجأة:
– ". ألم تخبريني انك تسكنى في حي .. حيّ الأغنياء، صح؟ أيّ واحد؟"
ردّت بسرعة:
– "نعم، في منطقة روبلوفكا."
نظر إليها بطرف عينه:
– "أوه، أعرفها جيدًا. أصدقاء والدي يسكنون هناك. أحدهم لديه ابنة تدعى ناتاليا. تعرفينها؟"
– "نعم، نعرف بعضنا، لكن لم أرها منذ زمن طويل."
ابتسم، وابتسامته لم تكن بريئة:
– "غريب…"
وصلوا أمام المبنى الذي تقطن فيه. شقة فخمة، أو على الأقل شكلها يقول ذلك.
وقبل أن تهمّ بالنزول، قال:
– "لن تسمحي لي بالمغادرة دون كوب قهوة صغير؟"
نظرت إليه، تنهيدة خفيفة خرجت منها:
– "أنا متعبة جدًا… رقمي معك، اتصل بي غدًا، نأخذ قهوتنا حينها."
هزّ رأسه وقال، بنبرة ساخرة لكنها ناعمة:
– "لا أريد… واضح أنك مبتدئة."
نظرت إليه مستغربة:
– "مبتدئة؟"
– "نعم. ملامحك تكسّرت من أول كذبة. درّبي نفسك أكثر، على الأقل ادربى على كذب وأتقنيه، يا… ألينا… أو أي ما كان اسمك."
نظرت إليه بنظرة هادئة، وقالت باستغراب:
– لم أفهم، ماذا قلت؟
ابتسم بسخرية وأجابها بنبرة باردة:
– اسم العائلة الذي أخبرتك به أولًا؟ مزيف. لا وجود له أساسًا. لكنك لم تعرفي، صدّقتِه بسهولة… ووقعتِ في الفخ. وأي أحد يمتلك ذرة وعي سيلتقط من أول وهلة أنك لست سوى هاوية تحاولين التظاهر.
أنا… ديميتري أورلوف، ملك الخداع. لا أحد يجيد اللعب بالأقنعة مثلي. ظننتِ أن الوقت تأخر، وربما يمكننا متابعة السهرة في مكان آخر؟ لكنك استكثرتِ حتى فنجان قهوة.
رفعت حاجبيها، وتبدلت ملامحها، ثم تمتمت:
– هذا ما كان ينقصني...
فتحت باب السيارة بقوة، ونزلت دون أن تلتفت. أما هو، فبقي يراقبها بنصف ابتسامة، ثم أطلّ من نافذته قائلًا:
– اعتقدتِ أنني لم ألاحظ نيتك الحقيقية؟ روحي ابحثي عن أحد آخر، يا… وهم!
وقفت في مكانها، التفتت إليه ببرود، وقالت:
– كنتَ تظن أنك أمسكت بي؟ الحقيقة أنك انكشفت… وستبقى دومًا شخصًا صغيرًا، حتى لو لبست قناع الكبار.
ضحك بخفة، ورفع إصبعه بتحيةٍ ساخرة، ثم قال:
– ياااه… وأخيرًا ظهر وجهك الحقيقي! لا بأس، هدية منّي على الوقت الذي أضعناه سويًا...
إن أردتِ أن تصبحي سندريلا، ابحثي أولًا عن "ساحرة بارعة".
ثم أدار المحرك، وضغط على دواسة البنزين واختفى في ليل موسكو.
دخلت البهو الهادئ لعمارتها السكنية، وهناك، لمحها موظف الاستقبال، فابتسم وقال:
– أهلاً وسهلاً بكِ آنسة.
لكنها لم ترد. مشت مباشرة نحو المصعد، رأسها مرفوع، عيناها مشدودتان نحو الأمام، لم تنبس بكلمة. تبادل موظفو الأمن النظرات، لكن أحدًا لم يجرؤ على قول شيء.
في ذهنها… لم تكن تنهزم. بل كانت تخط أول خطوة للرد.
وقفت أمام المصعد، تراقب انعكاس وجهها على بابه المعدني كأنها تنظر إلى غريبة خرجت من بين الأنقاض.
زفرت أنفاسها كأنها تلفظ ثقل العالم، مسحت على ملامحها بأطراف أصابعها، وجمعت بقايا تماسكها، ثم همست بصوت خافت، لا يسمعه سواها:
"كل لحظة مرّت… كانت درساً، وكل ألم… كان درساً، وكل نظرة استصغار… كانت درساً.
وهذا؟ هذا مجرّد فصل… لا يليق بي أن أبكي في نهايته."
ابتسمت لنفسها، ابتسامة امرأة تعلّمت كيف تُغلق الأبواب دون أن تنكسر مفصلتها.
ضغطت زر الطابق، ثم وقفت مستقيمة، شامخة، وكأنها تقول للعالم:
"لم أُخلق لأكون ضحية، بل لأكتب تاريخي بأصابع من نار."
رنّ المصعد، فُتح بابه…
وخطت إلى الداخل.
هكذا يُقفل فصل... وتُولد امرأة جديدة من قلب الانكسار.
__
انتهى فصل اتمنى أنه اعجبكم
𝑺𝒊𝒍𝒆𝒏𝒕𝑩𝒍𝒐𝒐𝒎