سيراليون

سيراليون

14 2

"قيل انه من تلمس قلب السُلطان، لا يُحسب عليها من الخدم، بل يُحسب عليها من القدر." "من سجلات فاليمير" ______ دخلت سيرافين إلى الجناح المعطّر برائحة الخزامى والورد الأبيض. كان مساءً هادئ، رياح خفيفة تمر عبر الستائر الفاخرة البيضاء بنعومة تلامس قلب السُلطانة الصغيرة ساكنة الجناح الضخم، كأنّ الهواء نفسه يهمس بالسكينة لقلب مولاته الصغيرة. كانت السُلطانة الصغيرة جالسة على سجادة مبطّنة بيضاء اللون، إيرينا تُحب اللون الابيض وتستمر بالتذمر حول كونه افضل الالوان، وهي السُلطانة المُفضلة والمُدللة، من سيعترض؟ كانت تُقلب صفحات كتاب صغير بملل، ترتدي ثوبًا زهريًا خفيفًا طويلًا يخص النوم، وبجانبها دُمية مُخيطة بحجم ذراع طفل على ايادي خياطات القصرِ. اقتربت سيرافين ببطء، وركعت على ركبتيها بابتسامة هادئة. "سُلطانتي ترفض النوم؟" رفعت الطفلة نظرها، وعيناها تلمعان بفرح صادق. "سيرا! انظري، دُميتي لا تعرف الحروف بعد! علميها!!، لو ان ماما هنا...كانت ستُعلمني وتُعلمها!" ابتسمت سيرافين بحزن عليها، ثم مدّت يدها، وأخذت الطفلة في حضنها، قائلةً. "أولًا، نلبسكِ فستان النوم، ثم نحكي لها الحكاية معًا، ما رأيكِ طِفلتي؟" "حسناً!" صاحت السُلطانة، وقبل أن تهمّ بالوقوف، كانت سيرافين قد حملتها بخفة وهي تضحك، ووضعتها على السرير الصغير المرصّع بالوسائد البيضاء النقية. ساعدتها لتنزع ثوبها الزهري، وألبستها فستان نوم ناعم بلون رمادي قريب للون القمر، حريري الملمس، ثم جلست بجانبها. "إيرينا..سُلطانتي...اين والدتك يا جميلتي..؟" اردفت سيرافين بفضول تحاول اخفاءه. همهمت إيرينا وهي تدفن جسدها الصغير بحضن سيرافين وتمتمت. "ماما في السماء...مع الملائكة...على ما اظن..حسبما اخبروني...." اتسعت اعين سيرافين بتفاجا وسالت بانفعال. "كيف توفت؟" عقدت إيرينا حاجبيها بعدم فهم وهمست. "ما هو التوفت، سيرا؟" ضحكت سيرافين بخفة وقبلت وجنة إيرينا. "انا اعني يا طفلتي كيف صعدت مع الملائكة؟" عبست السُلطانة الصغيرة ولم تُجيب. شعرت سيرافين انها ازعجتها بسؤالها فبدات تلاطفها بكلمات مُطمئنة وتمشط شعرها بأصابعها وتربّت على رأسها بحنان أُمومي غير مفهوم، رُبما تلك غزيرة موجودة داخل قلبِ كُل امراة!، حتى في النهاية بدأت عينا السُلطانة تثقلان. _____ كانت سيرافين قد أنهت تواً مساعدة السُلطانة الصغيرة إيرينا بالخلود للنوم. وقد نامت الصغيرة وهي تبتسم، وخرجت سيرافين بخطوات هادئة لتجد نيرينا بانتظارها. "مولاتي تطلب حضوركِ فورًا." اومات سيرافين براسها بقلق ظاهر كون الوقت مُتاخر فلما قد يتم طلبها لجناح الهيبة العُلية في هذا الوقت. وبينما تمشي سيرافين خلفها تسالت داخليًا حول وفاة والدة إيرينا وكيف توفت ولماذا ومتى واين فقررت ان تسال. "نيرينا عزيزتي!، تعلمين كم احبك!" نظرت نيرينا اليها بقرف وقالت بتقزز. "اوه كلا! لا اريد ان اعلم شُكرًا!" ازداد اتساع ابتسامة سيرافين لتبدو كالمخبولة واقتربت تمشي بجانبها بخطوات سريعة. "كيف توفت والدة إيرينا؟" "ولما علي ان اُجيب جارية مخبولة مِثلك؟" "لانني سالتُك بلطف؟" اجابتها سيرافين بتساؤُل. فتنهدت نيرينا بانزعاج واجابتها بحدة. "قتلت نفسها!، حزنت للغاية بعد شعورها بابتعاد مولاي عنها وخصوصًا عندما اتخذ خليلته كاميليا" "كاميليا..؟...كم من النساء بحق الجحيم دخلت خُلوته! يبدو انه قد تعرف على نساء اكثر مما اعرف انا فتيات؟" قالت بصدمة وعدم تصديق. ثم تابعت بفضول. "واين تلك كاميليا؟ وكيف قتلت نفسها والدة إيرينا وما هو اسمها؟" "اولًا، هناك شيء يجب ان تعلميه! اسم والدة السُلطانة الصغيرة محظور في قصر أستاريا!، ثانيًا، كاميليا ماتت مسمومة وكان الامر مجهول حتى تم ايجاد رسالة انتحار والدة السُلطانة الصغيرة تعترف بانها السبب بوفاة كاميليا...وليس كاميليا وحدها...على اية حال!،...لقد ماتت بعدما طعنت نفسها داخل قلبها امام الهيبة العُليا! ثالثًا والاهم ! ان كُنتِ تُريدين العيش! اا تثقي بأي احد! ولا حتى بجارياتِك اللواتي سيتم تعيينهم لاجلك لاحقًا ولا حتى بصديقاتك! المظاهر مُخادعة للغاية! والدة إيرينا كانت الطف امراة مرت على الحريم اللواتي اجتمعوا هُنا ولكنه اتضح انها حرباء تُغير الوانها حسبَ حوائجها!." بسبب صدمة سيرافين فهي لم تنطق، وعندما ارادت السؤال كانتا قد وصلتا لجناح السُلطانة الاكبر!. في جناح الهيبة العُليا، لم تكن الأجواء كما تركتها سابقًا. الستائر مُسدلة بإحكام، والخادمات مصطفّات على الجانبين بصمتٍ قاتم، وكأن الهواء ثقيل بما لا يُطاق. كانت الهيبة العُليا واقفة هذه المرة، ظهرها للباب، يداها مشبوكتان أمامها. أمامها وقفت إلورا، شاحبة، محنيّة الرأس، ترتجف كعصفور مبلّل خرج من عاصفة، وجهها مُحمر بشكل جميل يُبرز لطافتها وجمالها الطبيعي. قُربها كانت لياريا التي تحدق بها بحقد وغيرة واضحة. رُغم انه معلوم ان لياريا غير مؤذية، ولكن حسبما سمعت سيرافين الان! فان المظاهر في هذا القصر مُخادعة. لهذا يبقى الحذر واجب. في اللحظة التي دخلت فيها سيرافين وانتحنت باحترام، أومأت الهيبة العُليا للطبيبة الملكية بالخروج من الظلال. "جميع جاريات السُلطان ابني هنا الان، ابداي!" قالت الهيبة العُليا بثقة وحدة. امرأة طويلة، رمادية الشعر، ملامحها حادة وعيناها كأنهما نُحتتا من الصوان. تقدّمت بهدوء مُخيف، وانحنت قليلًا أمام الهيبة العُليا. قالت الهيبة العُليا، بصوتٍ خالٍ من أي نبرة تعاطف. "قانون القصر واضح. قبل أي احتفال بحمل جارية وقبل اعلانها أحدى أُمهات العرش المستقبليات، يجب أن يُؤكّد الفحص الطبي حملها. لا نحتفل بالأكاذيب." شعرت سيرافين بقلبها يهبط في داخلها. نظرت نحو إلورا التي لم ترفع رأسها، شفتيها ترتجفان، لكنها لم تنطق بكلمة. "مولاتي....طَلبتِ وُجودي وتأخرت لاني كُنتُ اساعد سلطانة إيرينا بالخلود الى النوم" قالت سيرافين بخفوت وهي لا تزال منحنية باحترام قُرب الهيبة العُليا. صعدت ابتسامة شبحية الى شفاه الهيبة العُليا. كانت قليلة الابتسام وهذا السبب الذي جعل البعض يظن انها غير بشرية. "جميل!، لا تتاخري في المرة القادمة! السُلطانات الصغيرات مُتطلبات ويجب ان تكوني مُتوفرة دائمًا!" انتهت الهيبة العُليا كلامها وتقدمت قليلًا لتجلس على كرسي عرشها الملائم لها لترتاح من الوقوف. بدأ الفحص. الوقت كان بطيئًا... كل لحظة كأنها دهر. مرت الدقائق كحبل مشنقة يتدلّى ببطء حول رأس ثلاثة نساء. إلورا، لياريا وسيرافين. ثم نهضت الطبيبة، نظرت إلى الهيبة، وأعلنت ببرود جليديّ. "ليست حاملًا، مولاتي، اظنها افترضت كونها حامل بسبب تغيير دروتها الشهرية عليها." تقدّمت الهيبة بخطى بطيئة، صوت خطواتها يُدوّي، كأن الأرض نفسها تنكمش. وقفت أمام إلورا، عيناها تشتعلان كبرقٍ في سماءٍ رمادية غامقة. قالت بهدوءٍ مرعب. "كذبتِ يا إلورا؟ ، خليلة ابني السُلطان!." إلورا سقطت على ركبتيها فجأة، وانهارت تبكي بحرقة. "كنت خائفة! خائفة أن يُنسيني! أردت فقط أن يراني... أن أشعر أنني ما زلت موجودة في عينه، أنني مهمة يا سُلطانة! انا احب وجودي معه!" حتى في النهاية بدأت عينا السُلطانة تثقلان. صدى بكائها ارتطم بجدران الصمت. رفعت الهيبة يدها، وقالت للحارس بصرامة قاتلة. "اقطعوا رأسها." "لا وجود للكاذبات بين حريم ابني السُلطان!." تحرك الحارس فورًا. ولكن نهضت سيرافين، كما لو أن شيئًا ما قفز في داخلها. تقدّمت خطوتين بسرعة، ثم ركعت بجانب إلورا، ورفعت رأسها نحو الهيبة العُليا، دون أن تنظر مباشرة لعينيها. قالت، بصوتٍ واهنٍ، لكنه واضح. "مولاتي، اسمحي لي أن أطلب عفوًا لإلورا؟." توقفت الهيبة العُليا. "عفوًا؟ عن كاذبة في قصر السُلطان كايليون الاقوى؟" "إنها ليست ناضجة، مولاتي. إنها صغيرة، قلبها أسير مشاعرها. مُغرمة، هذا كل ما في الأمر؟ انتِ تعرفين بذلك ورغم ذلك رشحتها لانك تعرفين انها بذلك ستنال اعجاب سُلطاننا." أخذت نفسًا. "عاقبيها، ابعديها عن مكانتها، لكن... لا تأخذي رأسها، هي انسانة صالحة..." ثمة توتر ساد الجو، حتى الخادمات كأن أنفاسهن اختنقت. الهيبة العُليا لم تُجب، بل سألت بصوت منخفض. "لماذا تتحدثين هكذا؟ أهي صديقتك؟" هزّت سيرافين رأسها، ثم نظرت إلى الأرض. "لأنكِ ربّيتِ السلطان على أن الرحمة ليست ضعفًا، بل خيار من يعرف كيف يُمسك بالسيف... دون أن يستخدمه دائمًا." دقيقة أخرى مرّت. ثم... استدارت الهيبة، ولوّحت للحارس. "لن تُقتل. لكن تُنفى إلى خدمة الإسطبل. ولن تعود من المُفضلات أبدًا." هواء الغرفة تحرّك مجددًا. نظرت إلورا لسيرافين بعينين دامعتين، وانحنت عليها تحتضنها للحظة، قبل أن تسحبها أيدي الحراس بلطف، لا لرحمتهم، بل لأمرٍ من لم يُخالفها أحد. عادت الهيبة العُليا لمقعدها. وقالت دون أن تنظر لسيرافين. "كان يمكن لرأسكِ أن يتدحرج، لو لم تزن كلماتكِ بهذا الشكل." "انتِ ستكونين يومًا اكثر من مجرد فتاة ورُبما اكثر من مجرد مُفضلة! الرحمة لا وُجود لها! فقط القلب الحجري هو من يعيش يا سيرافين!" أومأت سيرافين بصمت، ثم استأذنت للخروج. لم تمضِ سوى ساعة على مغادرتها جناح الهيبة العُليا، حتى دخلت نيرينا إلى جناح المُفضّلات وهمست بصوتٍ ناعم لا يقبل النقاش. "يا مُزعجة! لم انوي المجيء لرؤيتك...ولكن اضطُررت لذلك لان السُلطان كايليون المُعظم يريدكِ الآن." قلبها خفق، لا خوفًا، بل توقًا لرؤيته ولمعرفة ما قد يحصل بينهما. شيءٌ فيها أصبح يُحبّ حضوره، صمته، حتى نظراته التي لا تُقرأ بسهولة. استعدّت بهدوء، فستانها الأخضر الملكي يُعانق جسدها كقماشٍ مخلوق من الريح، وشعرها منسدل بحرية، دون تكلف. ______ دخلت جناحه بخُطى صامتة، والضوء خافت كما اعتاد، لكن عيناها التقطتا باب الشرفة المفتوح، وستائر الحرير تتراقص بشكل مُضحك في مُخيلة سيرافين كأنها ترحب بها، فهي قد تذكرت فيديو شاهدته على تطبيق التيكتوك به نفس الرقصة فكتمت ضحكتها. كان كايليون واقفًا هناك، وحده، عاري الصدر، يُطالع السماء كما لو أن النجوم تهمس له. ابتسمت بعفوية، وتقدّمت بخفّة حتى وصلت إليه، انحنت بخفة واحترام. حدقت بظهره العضلي بفاه مفتوح وتسالت داخل عقلها. "هل هذا ظهرُ رجلٍ حقيقي ام انه مثل الشخصيات الخيالية في الكُتب التي اقراها؟ تبًا رُبما آرون وارنر اصبح حقيقي! اجل!." ثم، دون أن تُفكر، احتضنته من الخلف. ضمّت خدّها إلى ظهره الدافئ، تنفّست بعمق، وهمست. "مولاي الوسيم شبيه شخصيتي المُفضلة من الكُتب..." لم يجب، لكن كتفيه ارتخيا تحت لمستها. بعد لحظة، استدار ببطء، عينيه تلمعان بهدوء ناري، وسحبها من خصرها بيدٍ واحدة، ورفعها لتجلس على حافة الشرفة كما فعل سابقًا وكأنها دميته... ولكن المُفضّلة. أمسك بفكّها برفق بين سبّابته وإبهامه، عينيه تتفحّصان ملامحها ببطء. "بوسيسّا... ما هذا الجمال؟" لم تُجبه، لم تقدر. كانت نظراته أعمق من قدرتها على الكلام. "ما هو آرون وارنر؟" سالها بهدوء. ضحكت بعلو وتوتر. "هل قُلت ذلك بصوتٍ عالٍ مولاي؟.." فجأة، اقترب منها، وطبع قبلة طويلة، على شفتيها، كأنها ختم يثبّت ملكيته. أغمضت عينيها... لم يكن هذا فقط سُلطانها. لم يكن دانيال، ولا ظلّه. كان شيئًا مختلفًا، قويًّا، مُرعبًا... وجذّابًا. شعرت بنفسها تتشوّق له ببطء، تعجب به دون وعي، رغم الخطر، رغم كل ما يُخفيه. حين ابتعد عنها قليلًا، تمتم. "إلورا... لم تكن حاملًا، مُفضلتي العَسلية الصغيرة اتضح أنها كاذبة وسببت لي خيبة امل،....." أومأت، ثم همست بصوت منخفض. "أعلم. وقد حاولت أن أُنقذها من قطع رأسها، باذن الله سامحو خيبة امل جلالتِك قريبًا؟." نظر إليها، طويلاً، نظرة لم تُدرِ كيف تُفسّرها، ثم قال بصوت خافت ماكر. "وها أنتِ تُنقذين الآخرين... بينما لا أحد أنقذكِ...رُبما خيبة املي ستهرب ان حملتِ، بوسيسّا خاصتي؟." صمتت. ثم ضحكت، بخفة، كأنها تتمايل مع اعترافه مُتجاهلة حديثه عن رغبته بحملها. "أُنقذ نفسي من ماذا، مولاي؟" اقترب، أمسك فكّها ثانيةً، ببطء بيد تحمل القوّة والدفء معًا، وقال. "مِن هذا." ثم قبّلها مجددًا، قبلة هادئة هذه المرة، لكنّها حملت كل شيء لم يُقال. وضعت يدها فوق يده، تُمسك بها، تُبادله، كأنها لا تريد لتلك اللحظة أن تنتهي. كانت شيئًا مختلفًا. بين ذراعيه، شعرت كأنها تنتمي. ولأول مرة هي لم تخف. ولم تشعر بالرغبة للهرب. فُتح الباب بطرقات خفيفة، تبعها دخول أحد الحراس وانحناؤه باحترام. "مولاي، السُلطانة الصغيرة إيرينا وصلت." ابتسم كايليون، نصف ابتسامة لا يراها أحد عادة، وأومأ. "أدخلها." دخلت الصغيرة تركض بخطواتها الخفيفة، ضحكتها تسبقها، وثوبها الأبيض القصير يتمايل كنسيم. "بابا السُلطان!" هتفت، ثم توقفت لحظة ورأت سيرافين، فعادت تركض وهي تصيح. "أنتَ معك ماما سيرا! كنت أبحث عنها لتُجدّل لي شعري!" ضحك كايليون ضحكة هادئة، ثم مدّ يده إلى خصر سيرافين، ورفعها برفق من حافة الشرفة، أنزلها بجانبه وقال. "سُلطانة قلب والدها تأمر... فليُنفّذ الأمر." اتجه نحو ابنته وحملها وقبل وجنتها بحنية. ثم أمسكت إيرينا بيد سيرافين بحماسة، وسحبتها نحو الوسائد التي على الارضِ أمام كرسي والدها. "تعالي! أريد ضفيرتين كبيرتين مثل الأميرات! كما فعلتِ لمادلين البارحة!." "من هي مادلين، إيريني الصغيرة؟." سالها وهو يحمل كوب الماء ليشرب. "دُميتي! التي ستساعدني سيرا لأُعلمها الحُروف!." صرخت بصوت حماسي طفولي. ابتسم كايليون على لطافته طفلته. جلست سيرافين على الأرض، وإيرينا الصغيرة في حضنها، وأصابعها بدأت تمرّر خصلات شعرها الناعمة برفق. وفجأة، شعرت بيدٍ تلامس وجنتها بخفّة. رفعت نظرها. "مولاي.." كان كايليون يُحدّق بها، وابتسامة خافتة في عينيه، لا في فمه. دافئة، نادرة. كأن الوحش الذي يخشاه الجميع... يُعجب بها، دون أن يعترف. انزلت سيرافين راسها بخجل خفيف ثم رفعت رأسها ببطء، والتقت عيناها السوداوان بعينيه الخضراوين العميقتين مُجددًا. "لِمَ تنظر إليّ هكذا، مولاي؟" همست بخجل. قال بهدوء، دون أن يزيل يده. "لأنكِ لا تخافين منّي، وأُحاول استكشاف سرُك؟." "أخاف." قالت ببساطة. ابتسم بمكر، "لا يبدو عليكِ." "لكنّي أفعل." أضافت وهي تُنهي ضفيرة إيرينا الأولى وتربطها بشريط مخمليّ أزرق. "ربما ليس خوفًا منك، بل من أنني بدأتُ لا أرغب بالهرب." كايليون لم يُعلّق، فقط رفع حاجبه، ونظر إليها نظرة طويلة... ثم وقف، وبدأ يدور ببطء في الغرفة. "هل تُحِبيها؟" سألها فجأة وهو يشير إلى الصغيرة. "إيرينا؟" قالت، وقد ضمّت الطفلة بحنو. "أحبّها من اللحظة الأولى التي وضعتها فيها بين ذراعي." اقترب منها، مال بجسده، وأخذ ابنته الصغيرة من حضنها بلطف، رفعها عاليًا فابتسمت الصغيرة وضحكت، ثم قال. "هذه... هي الشيء الوحيد الذي أعدّه أهم من العرش." نظرت إليه، مشاعر متشابكة تتخبط في صدرها، دهشة، حيرة، وشيء من الأمل. وعاد بنظره إليها. واشار للخادمة المسؤولة عن إيرينا والتي تقف منذ نصف ساعة جانبًا، بان تاخذ السلطانة إيرينا لجناحها. انحنت إيرينا بلطف للسُلطان وقبلت وجنة والدها وسيرافين وخرجت. "بوسيسّا." همس وهو يمد يده نحوها يلمس وجنتها مُجددًا. "مولاي؟" رفعت رأسها. "ما هذه اللطافة؟" قال بابتسامة صغيرة، وسحبها من يدها لتقف، ثم رفعها بذراعيه برشاقة ووضعها على حافة الشرفة مرة أخرى. ضحكت بخفة، "مولاي، سأقع!" "إن وقعتِ، سأمسككِ." قال بثقة، وعيناه تُطوّقانها. ثم اقترب، أمسك فكها بيده، قبّلها ببطء، برغبة متأنّية. "سعيدة؟." قال وهو يُمرر يده على وجنتها. "مولاي هل تحبّ أن أطهو لك؟" قالت فجأة. ضحك، "أتجيدين الطبخ؟" "لا، لقد دمرت مطبخ مارغريت سابقًا." "مارغريت؟؟ من هذه ؟؟ لم ارها بسجل عائلتك الحاكمة." قال بهدوء، ثم اضاف بعدم اهتمام. "على ايةِ حال أنتِ الآن مِلكي. بوسيسّا لا تطهو، بل تُطعَم." "وتهتمّ بالسُلطانة؟" سألت. "بوسيسّا تفعل ما يؤمر منها... لكنّي أراكِ تفعلين أكثر من ذلك، دون أمرٍ صادر." _____ جلست سيرافين على الوسادة المخصّصة لها، عند طرف السجادة التي تلامس حدود الشرفة الداخلية، بينما جلس كايليون على مقعده المعتاد، كأس نبيذ داكن في يده، وذراعه الأخرى تستريح على مسند كرسيّه. كان الجو هادئًا على نحوٍ غريب، ناعمًا كما لو أن القصر بأكمله نام وترك لهما هذا الركن من العالم. نظر إليها، ثم قال بنبرة منخفضة. "أنتِ صامتة الليلة، بوسيسّا...المرة السابقة كُنتِ صاخبة." رفعت نظرها ببطء، وابتسمت، ابتسامة صغيرة تنمّ عن شيء مختلط... كأنها لا تعرف بعد مشاعرها بالضبط واشتعلت وجنتيها تفهم مقصده، "أفكر..." تمتمت. "وفي ماذا؟" ترددت، ثم قالت وهي تشدّ الوشاح المخملي حول عنقها بشدة واحدة خفيفة. "فيك. وفي هذا المكان. وكل ما لا أعرفه." رفع حاجبًا، وتقدّم بجسده قليلًا للأمام. "فيّ؟ لا زلتِ لا تعرفينني حتى لتُفكري بي، بوسيسّا." "أعرف أنك تُخيف الجميع... لكنك لم تخِفني. لا الليلة، ولا في أي ليلة مضت." صمتت لحظة، ثم أكملت. "وأظنني أعرف أنك تعبت. هذا النوع من العيون لا يحمله إلا من فقد شيئًا... أو فقد نفسه." لم يعلّق، لكنه ابتسم بخفة، نظرة غامضة مرّت بين عينيه. "أنتِ بارعة في قراءة ما لا يُقال." قالها وهو يراقبها. همست وهي تنظر بعيدًا دون انتباه لما تتفوه به. "ليس أمرًا أفتخر به... لكنه شيء تكتسبه بعد أن تُجرَح بما فيه الكفاية من الحياةِ...مارغريت..دانيال..والحياة." لم يُعلّق على الاسماء التي يجهل هوية اشخاصها، فقط اقترب بجسده العلوي نحوها، ثم رفع ذقنها بيده، وأخذ خصلة من شعرها الناريّ ولفّها حول إصبعه. "وهل تظنينني تعبت؟" نظرت إليه، وعيناها تشعّان بهدوء. "أعرف التعب حين أراه. وأنتَ لست سلطانًا فقط... بل رجل فقد الراحة منذ زمن." لحظة صمت، طويلة بما يكفي ليتردّد صدى الكلام في أعماقه. "هل تَخشينني، بوسيسّا؟" سألها بهدوء. أجابت، دون تفكير. "لو كنتُ أخشاكَ... لما قلت كل هذا...انا احترِمُكَ مولاي واراك وسيم!." ضحك قليلًا، نبرة خافتة خرجت من صدره. "إذن أخطر ما فيكِ... صدقك." "ربما." ثم صمتت فجأة، وكأنها أدركت أنها تجاوزت حدودًا ما. سألها بنبرة خفيفة مائلة للعب. "هل غرتِ من لياريا عندما سمعتِ بحملها؟" توقفت، شدّت الوشاح حول عنقها بشدّة خفيفة لا شعورية. "لا." ضحك بهدوء، وقال. "هذا أوضح دليل على أنكِ تكذبين." اتسعت عيناها بصدمة، "ماذا؟" "كلما كذبتِ، شددتِ هذا الوشاح. لاحظتُ الأمر منذ خلوة الليلة الأولى...تريدين ان اذكرك بسبب كذبك تلك الليلة؟." انهى جملته بسؤال ماكر. توترت، ثم ابتسمت بخجلٍ ناعم وقالت. "لا!، اعني،...اتذكر مولاي...ربما لا أجيد إخفاء ما بداخلي." اقترب منها أكثر، وسحبها من يدها، وأجلسها على فخذه، ذراعاه تحيطان بها كما لو كان يحميها من الليل. "ولِمَ تغارين؟ لم يكن هناك ما يدعو لذلك...احملِ انتِ ايضا سيكون ذلك خبرٌ سعيدٌ لي!، من لا يحب ان تحمل مُفضلاته ويُصحبنَ سُلطانات." سكتت، ثم تمتمت. "أظنني فقط شعرت أنني غير مرئية فجأة." "لكنني رأيتكِ. منذ اللحظة التي دخلتِ فيها من باب القصر... رأيتكِ." وضعت رأسها على كتفه، وهمست. "أنا لست قوية، كما تعتقد." أجاب بصوت خافت. "ولا أنا." ⸻ طرقات على الباب. فتح الحارس الباب برفق، وانحنى. "مولاي، الجارية لياريا تطلب الدخول." أشار بيده وهو يُنزل سيرافين من حجره الى الوسادة قُربه. "لتدخل." دخلت لياريا بخطوات هادئة، ترتدي ثوبًا أبيض ناعمًا، يحيط بخصرها حزام من الحرير الأزرق الفاتح. بطنها بالكاد يظهر عليه أثر الحمل، فقد كانت في أسبوعها الثالث فقط. انحنت برشاقة. "مولاي، حَبيب قلبي." ابتسم كايليون، وفتح ذراعيه لها. ركضت نحوه، ولفّت ذراعيها حوله وهي تقول. "سُلطاني ، مولاي! اشتقتُ إليك." ضحك وهو يضمّها إليه بلطف. "وأنا أيضًا، يا لياريا." جلس على كرسيه، وأجلسها بجانبه على الكرسي خاصته، يمرر يده فوق بطنها بحنان. "كيف حالكِ؟ هل الخدم يلبّون طلباتكِ؟" أجابت بابتسامة خجولة. "كل شيء كما أمرت، مولاي." ثم نظرت إلى سيرافين للحظة، دون كلمات. كانت سيرافين تحدّق بالأرض، شعور خافت بالوحدة يتسلل إلى صدرها. لم تكن تغار، لكن أن تُنسى فجأة له طعم قاسٍ. واصل كايليون ملاطفته للياريا، ثم التفت فجأة نحو سيرافين. "لياريا مُفضلتي منذ أربع سنوات. عانت كثيرًا حتى حملت..." رفعت سيرافين نظرها إليه، وابتسمت بخفة، وفكرت داخلها. "أعلم كم هو الأمر صعب...ماما مارغريت... كانت تُعاني أيضًا." عقد حاجبيه كايليون، مارغريت اسمها غير مدوّن في سجلات عائلة الارشيدوق الغربي، والد سيرافين. بينما تذكرت سيرافين تلك المرأة، "مارغريت"، السيدة التي احتضنتها عندما لم يفعل أحد. كانت تحاول الإنجاب، سنوات طويلة من العلاج، من الانتظار، من البكاء الصامت خلف الأبواب. رفعت كأس الماء، وارتشفت منه ببطء، تغرق في الذكرى. كانت مارغريت دائمًا تقول. "الأم التي تنتظر، تُولد ألف مرة قبل أن ترى وجه طفلها." همست سيرافين فجأة. "أتمنى للياريا حملًا صحيًا! من قلبي." نظرت لياريا نحوها، وأومأت بخفة. سأل كايليون. "لياريا، هل خَصصوا لكِ الجناح الذي تريديه؟" اومات لياريا بحماس وخجل. "اجل مولاي شُكرًا لك" وقبلت وجنته بينما هو إبتسم بخفة. أشار كايليون نحو الباب. "ارتاحي الآن، أنتِ بحاجة للهدوء." غادرت لياريا بصمت. ثم التفت نحو سيرافين، ومدّ يده إليها. "تعالي." سحبها لتجلس على فخذه، وأخذ يمرر أصابعه في خصلات شعرها ببطء. "غرتِ." ابتسمت، وشدّت الوشاح حول عنقها مرة أخرى. "لـ...لا" ضحك وقال. "عادت الحركة." نظرت إليه، ثم قالت. "سمعت أنكَ سلطان عادل، فهل يُمكن أن تعدل بين مُفضلاتك؟" رفع حاجبيه بدهشة مصطنعة. "انا بالفِعلِ عادلٌ، وإلا لما اخبرتُها بالرحيل، فهذا وقتُك، ولكن بما انكِ طلبتِ فأريد ان اعرفَ بأي شكلٍ تقصدين العدل؟" "أقصد... أن لا تختلي بامرأة أمام الأخرى، وأنا موجودة. أنا... لديّ كرامتي، حتى لو كنتُ جاريتك...انا كُنت اميرة سابقًا مولاي." قالتها مُستغلة ما اخبروها به عن سيرافين وعن كونها ابنة الارشيدوق الغربي فبالتالي هي اميرة!. نظر إليها طويلًا، ثم هزّ رأسه، وقال بنبرة السُلطان التي تُجبر القلوب على الطاعة. "لكِ معاييركِ... وسأحترمها." ثم نهضت سيرافين، واتجهت نحو الشرفة، أسندت ذراعيها على الحافة، وحدّقت في البعيد. "سُلطان كايليون... أشعر بفراغ كبير. لا أتذكر من أنا. لا أعرف شيئًا عن الماضي. لا عن أهلي، ولا حتى عنك." اقترب منها، ووقف بجانبها، نبرة صوته أخفض من الريح. "ربما الأفضل أن لا تتذكري. بعض الذكريات خناجر، بوسيسّا." "لكنني لا أريد أن أبقى تائهة..." "لن تظلي كذلك. فقط... لا تتعجّلي المعرفة." ثم التفتت إليه، وهمست بخفة. "بالمناسبة... كيف تنادي لياريا؟" سألت والغيرة تتخذ جزءًا منها. أجاب ببساطة. "باسمها. لا تحب الألقاب. قالت إن الاسمَ الذي منحته لها أغلى من أي شيء." ابتسمت، وقالت. "إذًا... بوسيسّا تظل لي وحدي." هزّ رأسه، واقترب منها، طبع قبلة على جبينها، ثم همس. "بوسيسّا... اسمي عليكِ، وعليكِ فقط." "حاليًا!" اضافها فنظرت له فورًا فضحك عليها. "انتَ،...هي...جلست على كُرسيك...كُرسي السُلطان..." ابتسم بخفة ولم يُجبها، اكتفى بكونه يحتضنها وهي عابسة بشكل جميل. ⸻ كانت أروقة القصر تتوهج بضوء شموع المساء، وسيرافين تتجوّل بين الأعمدة العتيقة والنقوش الذهبية، تراقب الزخارف بالسقف وكأنها تحاول فهم رسالة مختبئة فيها. كانت خطواتها هادئة، لكنها تخفي فضولًا دائمًا. لم تعرف بعد السبب الذي أوصلها إلى هنا إلى قصرٍ يختزن أسرارًا، ويمنحها اسمًا جديدًا، ولقبًا لم تكن تحب أن تسمع به. "بوسيسّا". في زاوية مظلمة، اقترب منها شخص من دون صوت، أمسكت بيدها فجأة، وسحبها إلى خلف عمود. ارتجف جسدها من الفزع، شعرت بدقات قلبها تتصاعد. لكن الرجل، بعد لحظة، تراجع؛ كأنه أدرك الخطأ. انحنى أمامها بعمق، وقال بصوت هادئ، وإن كان يحمل احترامًا عميقًا. "أميرتنا اعتذر عن اخافتك ! اميرة عُقولِنا وقُلوبِنا وحياتِنا سيرافين، يُسعدنا وجودك هنا. أنا هنا متى احتجتِ!،...." قطع كلماته قبل أن تطلب منه تفسيرًا، وانصرف دون أن تنتظر رده. وقفت سيرافين مذهولة، تحدق به بدهشة، تحاول استيعاب ما جرى. لم يبدُ كحارس ولا خادم، ولا حتى كأحد من فئة المخصيين. رغم الخوف الذي اجتاحها، شعرت أيضًا بإحساس غريب بالخفة كما لو أنه منحها وعدًا بلا كلمات. شعرت بشيء من الامتنان والفضول، لكنها تردّدت قبل أن تكمل طريقها. استعادت توازنها، وشدّت وشاحها حول عنقها. أزالت شعيرات خفيفة عالقة في شعرها، ثم تابعت طريقها إلى جناح المُفضلات، حيث المكان الوحيد الذي تشعر أنه يليق بها. دخلت، فوجدت لياريا وسط الجواري، توضّح لهن ما يجب أخذه من أمتعتها استعدادًا لجناحها الخاص. كانت ترتدي ثوبًا ناعمًا، وتحمل كيسًا صغيرًا، تشير إلى المجوهرات والترتيبات بطابعٍ ملكي واثق. _____ كانت الشمس تتدلّى ببطء على جدران القصر المذهّبة حين خرجت سيرافين من جناح المُفضلات، تشعر بمللٍ ثقيل يزحف تحت جلدها. لا شيء حولها يثير فضولها بعد لحظاتٍ من الهدوء... إلا أن خطواتها توقفت فجأة حين لمحَت جسدًا مألوفًا يعبر الممرّ المظلل أمامها. نيرينا. بثوبها الأسود الكثيف وخطواتها المتزنة ونظرتها القاسية التي لا تخطئها العين. ابتسمت سيرافين، وسارت نحوها بسرعة، حتى وقفت أمامها وفتحت ذراعيها بطريقة طفولية، ثم التصقت بها من الجانب وكأنها صديقة قديمة. ارتجف حاجبا نيرينا، ونظرت إليها ببرود، لكن الفتاة لم تهتم. قالت سيرافين بحماس طفولي. "مساء الخير، يا نيرينا!" نيرينا توقفت، تنهدت، حاولت الابتعاد ببرود، ثم قالت بلا مبالاة. "أين كنتِ؟" ابتسمت سيرافين بتلقائية. "كنت أتجوّل عند مولاي...ثم تجولت... أردت أن أرى القصر من زوايا جديدة." ثم قالت سيرافين بنبرة خافتة، تتدلل. "نيرينا... ليس لدي فساتين جميلة. لا شيء يليق بلقاء السُلطان... وأنتِ تعرفين أنه يملك عينًا لا تغفل عن التفاصيل....انا مُفضلته! ويجب ان يراني جميلة صحيح؟." تنهدت نيرينا ببطء، وهي تحاول التحرر من التصاقها، قائلة ببرود. "لستُ خيّاطة يا بوسيسّا السُلطان. اختاري شيئًا مما عندكِ وارتديه." لكن سيرافين تمادت، ووقفت أمامها، نظرت إليها بنظرة لطيفة جعلت ملامحها تكاد تذوب من البراءة. "لكنكِ المسؤولة عن الجواري والمُفضلات. وأنتِ مَن تُقررين من يذهب وأين... أليس كذلك؟" ضاقت عينا نيرينا، ثم لوّحت بيدها لإحدى الخادمات التي كانت تمرّ في الرواق. "خذيها إلى بيت الخياطة الملكية. دعي أنيزا ترى ما يمكن فعله لها... إنها الجارية المُفضلة الآن، ويجب أن تبدو كما يليق بالمقام! لا تُعيدوها لي رجاءً! دعوها مشغولة!." ثم استدارت ومضت، تتمتم لنفسها. "ربما تهدأ قليلًا إذا شُغلت بشيء مفيد." قادتها الخادمة عبر ممراتٍ خافتة الضوء، تتخللها جداريات زيتية لسلطنات قديمات، بأثوابهن المطرّزة بالذهب وعيونهن التي لا تنام. كل خطوة كانت تُقرّبها من جناح "بيت الخياطات الملكية"، ذاك القسم المخملي من القصر الذي لا تدخله سوى زوجات الأمراء، وبنات السلالة، والجاريات المُفضّلات. توقفت الخادمة عند الباب، طرقت مرتين، ثم دفعت الباب بخفة. دخلت سيرافين. كان المكان دافئًا، تعبق فيه رائحة خشب الصندل والزهور المجففة. القاعة تتوسطها منصة مرتفعة قليلة، تحيط بها مرايا ضخمة مؤطرة بالبرونز المعقوف، وأقمشة من كل لون تتدلّى من الجدران، كأنها شلالات ناعمة من حرير. وقفت خلف طاولة العمل امرأة ضخمة البنية، مغطاة الشعر بقبعة قماشية بيضاء، وعينان عسليتان. اسمها "أنيزا" كما عرّفتها الخادمة. رفعت الخياطة عينيها نحو سيرافين، حدقت بها لبرهة، ثم قالت بنبرة جافة معتادة. "إذًا... أنتِ بوسيسّا السُلطان المشهورة." أومأت سيرافين بصمت. "اقتربي. قفي فوق المنصة." امتثلت سيرافين، وخلعت عباءتها الخفيفة، وبقيت بثوب داخلي بسيط من الكتان، بينما صعدت الخياطة ببضع خطوات لتقف خلفها. بدأت بجمع شعر سيرافين الناريّ على كتف واحد، ثم أخذت قطعة شريط قماشي رفيع مرسوم عليه علامات دقيقة، ولفته حول خصرها، تمامًا حيث يلتقي القفص الصدري بالبطن. همهمت. "خصركِ صغير... أكثر مما توقعت." اومات لها سيرافين. "جسدي الحالي ليس كجسدي! أُفضل جسدي السابق! كان افضل! وكُنت مُمتلئة الافخاد على الاقل! بحق الجحيم؟ هل سيرافين كانت لا تاكل ؟" تسالت داخليًا سيرافين. ثم انحنت، ووضعت طرف الشريط عند الكتف، وسحبته نزولًا حتى الكعب، لتأخذ قياس الطول بدقة. أخذت خطوة إلى الجانب، ثم أمسكت بذراع سيرافين بلطف، فردته جانبًا، ولفّت حوله الشريط بخبرة. "لا تتحركي." لم تكن لمسة الخياطة ناعمة، لكنها لم تكن خالية من الحذر. بدا كأنها تعامل جسد سيرافين كلوحة تحتاج دقة التكوين. بعد لحظات من القياس والكتابة على دفتر صغير بجانبها، سألتها وهي تنزل عن المنصة. "ألوانكِ؟" "ماذا تعنين؟" رفعت أنيزا رأسها وقالت. "أي الألوان تُريدين أن أعمل بها؟" صمتت سيرافين قليلًا، تنظر إلى الأقمشة المعلّقة... ثم رفعت يدها بحماس وأشارت إلى الأزرق المائل إلى الفضي. "هذا... ويُعجبني الأزرق الفضي والأخضر الملكي أيضاً! والوردي! والبنفسجي! و...و...الاحمر....و...و....والناري جميل!." ابتسمت أنيزا نصف ابتسامة، كأنها تفاجأت بالاختيار. "حسنًا. الأزرق الفضي نادر، لكنه يُلائم لون عينيك." ثم نظرت إلى وجهها للحظة طويلة، وأضافت. "لكن الأخضر... الأخضر سيجعلكِ تبدين أكثر من جارية." "وباقي الالوان ستُعطيكِ فخامة يا بوسيسّا السُلطان" لم تفهم سيرافين ما تعنيه بذلك، لكنها اكتفت بابتسامة صغيرة، وجلست على الأريكة المخملية تنتظر، فيما كانت أنيزا تدون قياساتها على لفافات القماش. عُلّقت حولها قطع مطرزة بزخارف نباتية، وأخرى بخيوط ذهبية كأنها خيوط الفجر. بدأت باقي الخياطات يجلبن بكرات من الدانتيل الفرنسي، وقطعًا من الشيفون الشفاف، وتناقلن الأقمشة بمهارة وهدوء، كأنهن في قدّاس صامت. مرّت قرابة الساعة والنصف في تجربة القماش، وتحديد القصّات، فساتين طويلة بذيل ممتد، أكمام منسدلة ومفتوحة حتى الكوع، ياقة عالية مزخرفة بلآلئ زجاجية صغيرة. وسيرافين تتسلى وتضيع وقتها. _____ بعد ساعةٍ ونصف، خرجت سيرافين هاربة من جناح الخياطة بعدما حطمت نصفه بسبب فضولها، وهي تحمل في قلبها شيئًا أشبه بالزهو، وإن لم تُظهره. لم يكن السبب الفساتين الجديدة، ولا الأقمشة الغالية التي قِيسَت بدقة على خصرها وكعبيها وكتفيها بل لأنها أخيرًا فعلت شيئًا يُشبه الاعتناء بنفسها. لكن الشعور لم يدم طويلًا. الملل ذاك الكائن الذي لا يُرى، زحف إلى عقلها مجددًا. "لما ليس لديهم هواتف؟؟؟ " تسالت سيرافين بغيظ. كان القصر واسعًا، مُترامي الأروقة، ورغم عظمته الفارهة، إلا أنه بدا لها اليوم خاليًا كصندوق موسيقى نُزعت منه النغمة الأخيرة. لم تكن ترغب بالعودة إلى جناح المُفضلات، حيث الحديث عن الخُلوات والأمومة والغيرة لا يتوقف، ولا بالمكوث قرب لياريا التي انشغلت بجناحها الجديد، ولا الجلوس وحدها قرب النافذة تراقب سماءً لا تُخاطبها. فكرت. ثم دقّت قدمها على الأرض بخفّة. "إيرينا سُلطانتي!." ⸻ حين وصلت إلى جناح السُلطانة الصغيرة، كان الهدوء يملأ المكان. الخادمات انحنين باحترام، ولمحت إحداهن فابتسمت وسألتها بلطف. "أين السُلطانة؟" أجابت الخادمة وهي تشير نحو الجانب الأيمن من الجناح. "في درس الأدب، مولاتي. الغرفة الثانية على اليسار." لم تكن سيرافين تُلقّب بـ"مولاتي" من الجميع بعد، لكن بعض الخادمات بدأن باستخدام اللقب بحذر، كأنهن يتوقّعن مكانتها قبل أن تُعلَن. دخلت بهدوء. ⸻ الغرفة كانت فسيحة، مفروشة بسجادٍ قرمزي، والكتب تتوزع على الأرفف بدقة مرعبة. على الوسادة المُذهّبة جلست إيرينا الصغيرة، منتصبة الظهر، تحمل كتابًا أثقل من ذراعيها، بينما جلس أمامها شيخٌ مسنّ يرتدي عباءة رمادية وله لحية بيضاء مرتجفة. كان يُملي عليها جملاً. "عندما تتحدث السُلطانة... يُصغِي لها الجميع." قالها بصوته المتهدّج، فرددت الطفلة الجملة برتابة، ثم قفزت بعينيها نحو الباب. لمّا رأت سيرافين، صاحت. "سيرا!" كتم العجوز تنهيدة، وأكمل الشرح وهو يتجاهل الطفلة التي بدأت تبتسم وتلوّح بيدها. سيرافين لم تُقاطع، جلست على طرف الوسادة خلف الأميرة، تراقب. كيف يعلّمها أن تمشي باستقامة، كيف ترفع ذقنها بثقة، متى تومئ ومتى تصمت. لحظات جعلت سيرافين تُدرك حجم العبء الملقى على كتفي طفلة في الرابعة فقط. ⸻ انتهى الدرس. بمجرّد أن أُغلق الكتاب، قفزت إيرينا وركضت نحو سيرافين، أمسكت يدها وجرّتها خارج الغرفة. "سيرا، أريد أن نتجول!" ضحكت سيرافين، واتّجهتا معًا نحو الممرّات الهادئة. وفيما كانت تسير بجانبها، سألتها. "هل أنتِ سعيدة، يا إيرينا؟" صمتت الطفلة للحظة، ثم قالت وهي تعقد ذراعيها. "أنا حزينة." رفعت سيرافين حاجبًا بدهشة. "لماذا؟" تنهدت الأميرة، وقالت بنبرة تشبه الهمس. "جدتي عيّنت لي كل المُعلمين... عجائز! على وشك الموت! وأنا أحب الوسيمين، مثل بابا السُلطان، مثل حراس أبي!" انفجرت سيرافين بالضحك، ضحكة عالية جعلت بعض الخادمات يلتفتن بدهشة. ثم انحنت واحتضنت الطفلة بقوة، وهمست في أذنها. "سأبحث لكِ عن معلم وسيم... لكن لا تخبري أحدًا." ضحكت الصغيرة، وقالت بحماس. "أعدك!" ⸻ ضحكت سيرافين بصوت عالٍ وهي تضمّ الأميرة الصغيرة إيرينا إلى صدرها، ثم نهضت من على الأرض وأخذت بيد الصغيرة، تسيران معًا في أحد الممرات المزينة بلوحات ضخمة تُخلّد انتصارات أسلاف كايليون. قالت سيرافين وهي تنظر إلى إحدى اللوحات. "هذا جدّكِ؟ يبدو غاضبًا حتى وهو يُتوج ملكًا." أجابت الصغيرة بابتسامة. "كان دائمًا غاضبًا. جدتي الهيبة العُليا تقول إنه حتى في زفافه عبس!" قهقهت سيرافين، ثم مالت نحو أذن إيرينا وهمست. "لكن والدك ليس غاضبًا. رأيتُه يبتسم... كثيرًا." رفّت رموش إيرينا بدهشة طفولية. "عندما؟!" أجابت سيرافين بخبث. "عندما ينظر إليكِ... وعندما ينظر إليّ أحيانًا." احمرّ وجه الصغيرة وضربتها على ذراعها بخفة. "سيرا! أنتِ تُحبين بابا السُلطان؟ هل ان احببتيه واحبك ستكونين ماما حقيقية لي؟!" تجمدت سيرافين لوهلة، ثم همست. "لا أعرف..." تغيرت ملامحها، وابتعدت قليلًا. كان في قلبها شيء يشبه الخوف، يشبه الذنب. شعور لم تستطع تسميته بعد. هي لا تريد خيانة دانيال. لكنها تفعل. لكن الصغيرة قطعت شرودها وهي تقول. "لا بأس إن أحببته. إنه طيب... لكنه لا يُظهر ذلك للجميع...اريدك ان تكوني ماما لي سيرا." أومأت سيرافين، وكأن قلبها يوافقها دون أن تدرك. ⸻ حين أعادت إيرينا إلى جناحها، قبّلت خدها، وودعتها برقة، ثم استدارت وغادرت. كانت تفكر بكل ما مرّ بها اليوم. لكن حين عادت إلى جناح المُفضلات، وجدت الجواري ما زلن منشغلات بجمع حاجيات لياريا التي كانت تُشرف بنفسها على التفاصيل. "لا تنسوا العطور، وخاصة الزجاجة الزرقاء. السلطان يُحبها." قالتها بنبرة هادئة وهي تشير إلى إحدى الخادمات. دخلت سيرافين، ولمحتها، فابتسمت بخفة وجلست على سريرها مجددًا، تراقب بصمت. وفي قلبها... سؤال غريب بدأ يتسرّب. ما الذي يجعل امرأة تنتقل من جناح الجواري إلى جناح خاصّ؟ أهو مجرد حمل؟ أم ثقة؟ أم امتياز لا يُمنح الا للحامل؟ لكنها قطعت أفكارها بسرعة، هزّت رأسها، ثم مدت يدها لكتاب آخر، ولكنّ الملل تسلّل مرة أخرى، فقامت تتمشى في الغرفة. وبعد قليل سمعت صوتًا خلفها. "يبدو أن يومكِ كان طويلًا، يا سيرافين." استدارت فورًا، فإذا بها ترى نيرينا تقف عند الباب، تنظر إليها بنظرة يصعب تفسيرها. أجابت سيرافين. "نيرينا! صديقتي الصدوقة!!!، لم أكن أعلم أن القصر... مليء بالحياة لهذه الدرجة." "ستعتادين." "وأنتِ؟ منذ متى تعملين في القصر؟" تنهّدت نيرينا، وقالت. "منذ أن كنتُ صغيرة كإيرينا." صمتت سيرافين لبرهة، ثم ابتسمت، واقتربت منها خطوة. "هل كنتِ جارية؟" "لا. وُلدت في القصر، وتربيت فيه. الهيبة العُليا أخذتني كخادمة خاصة، ثم صرتُ كما ترين." أومأت سيرافين برأسها، ثم قالت. "أحيانًا... أحسدكِ." "لماذا؟" "لأنكِ تعرفين من أنتِ... وأنا لا أعرف شيئًا." نظرت لها نيرينا طويلاً، ثم استدارت مغادرة، لكنها قالت قبل أن تختفي خلف الباب. "ستعرفين، يا بوسيسّا السُلطان... مع الوقت، ستعرفين كل شيء عن نفسك ولكنه لن يكون افضل شيء...." ______ في مساء اليوم التالي، كانت الشمس توشك على الرحيل، تبعث بقايا نورها الذهبي على الممرات الحجرية الهادئة. في جناح المُفضلات، كانت سيرافين تجلس أمام مرآة صغيرة، تحدّق في انعكاسها للحظة، ثم وقفت واختارت فستانًا ورديًا بسيطًا، ليس فخمًا، لكنه يليق بها تمامًا. خصره ضيّق يُبرز نحافتها، وكمّاه من الشيفون الخفيف، وتنورته تنساب بنعومة حول ساقيها، كأنها غيمة وردية تمشي. رُبط شعرها البرتقالي الناري على هيئة ضفيرة مائلة على الكتف، دون زينة تُذكر، فقط خصلة صغيرة انسدلت على جبهتها بتعمد، كأنها طفلة تتدلل على الحياة. طرقات خفيفة على الباب. دخلت نيرينا، وانحنت. "بوسيسّا السُلطان، السُلطان طلب حضورك إلى جناحه." "كُنت متاكدة!." هتفت بحماس واومات بخفة، وخرجت معها. ⸻ كانت الأروقة خافتة الإضاءة، والصمت يُخيّم على كل شيء كأن القصر قد استسلم للمساء. حين وصلت إلى باب جناحه، انحنت أمام الحارس الذي فتح لها الباب، ثم دخلت بخُطى ناعمة. "مولاي... طلبتني؟" كان يجلس على مقعده المعتاد، يكتب بريشته على ورقة أمامه، لكن على ظهر كرسيه، خلفه... كان يقف نسر ضخم، ذو عينين كالسكاكين، ومنقاره يبدو قادر على اقتلاع القلب من مكانه! تسمرت في مكانها، واتسعت عيناها. "مولاي! هناك حيوان... مرعب!" ضحك كايليون بصوتٍ عميق، دون أن يلتفت. "تقدّمي يا بوسيسّا. إنه ليس مجرد حيوانًا... إنه النسر الإمبراطوري." تقدّمت بخوف، ولمّا وصلت إليه، حرك النسر اجنحته بحدة وغير رضى واضح، فجلست فوق فخذيه واحتضنته بقوة، تدفن رأسها في عنقه كطفلة خائفة. "طير مؤذي! نظراته تُقلقني! حرره؟!" ابتسم، ومرر يده على ظهرها. "بل هو رمز سُلالتنا، منذ قرون. النسر رمز للهيبة، للقوة... وحتى الرحمة، إن أردتِ أن تؤمني بذلك." ثم سألها. "وأنتِ؟ ما الحيوان الذي تُحبينه؟" رفعت وجهها ببطء. "الخُيول. دائمًا أحببت الخُيول." أومأ لها دون تعليق، فأحاطت عنقه بذراعيها، وشدت احتضانها، وكأنها تحتمي به من نظرات النسر المتربص. ظلّ يحتضنها بإحدى يديه، بينما باليد الأخرى يُكمل الكتابة بريشته. راحت تراقب حركته، ثم نظرت إلى الورقة أمامه لدقائق بينما يكتب. "مولاي... إن لم توقف هذا التمرد في الجنوب، سيكبر ويُهدد العاصمة." رفع حاجبيه ونظر إليها. "تقرئين؟" أومأت. وعبست وهي تهتف. "عيبٌ عليك مولاي!.." ضحك بخفة. نسيت أنكِ ابنة الأرشيدوق الغربي. لا بد أنه علّمكِ القراءة والكتابة... كان يظن أنكِ ستُصبحين خليفته." ابتسمت ابتسامة حزينة، ثم همست. "رغم كوني لا اتذكرُ شيء ولكني الآن... لست شيئًا. لا أميرة، ولا وريثة." نظر إليها بصمت لحظة، ثم قرص خدّها بلطف. "أنتِ بوسيسّا خاصتي. وهذا يكفيني." ضحكت، ووضعت رأسها على صدره. "إن احتجتَ مساعدة في شيء... فأنا موجودة." "لا أحتاج شيئًا الليلة... فقط أن تنامي بجانبي." أومأت برأسها، وانكمشت في أحضانه، وأغمضت عينيها ببطء، بينما هو تابع الكتابة، يداه تتحركان بثبات، وذراعاه يحيطان بها كقلعة من دفء. _____ أشرقت الشمس على جناح السلطان بخيوط ذهبية خافتة، تدفّقت من بين الستائر الثقيلة بلونها القرمزي الداكن. لم يكن في الغرفة سوى صوت خفيف لعصفور عند الشرفة، وكأنّ العالم نفسه لا يجرؤ أن يُقاطع هذا السكون الملكي. كانت سيرافين لا تزال مستلقية بين ذراعيه. قميص النوم الملكي بلونه الابيض الهادئ انسدل على جسدها كأنّه جزءٌ منها، ناعمًا، منسوجًا بخيوط من الراحة. رأسها مستند إلى صدره، وأنفاسها متساوية، بينما أصابع كايليون تمرّ ببطء على خصلات شعرها الناري المتناثر فوق صدره العاري. فتح عينيه ببطء. نظر إليها نظرة تحمل شيئًا لم يعتدها في نفسه. لم تكن شهوة. لم تكن رغبة في امتلاك. بل دهشة... من هذه الكائن الغريب الذي بدأ يتسلّل بصمت إلى مساحات كان يظنّها مغلقة. همس، كأنه لا يريد كسر الهدوء. "أأنتِ مستيقظة، بوسيسّا سُلطانُكِ؟" تحركت قليلاً، همهمت، ثم فتحت عينيها. حدّقت فيه لثوانٍ، ثم قالت بنعاسٍ ساحر. "كان عليّ أن أستيقظ قبلك... لكنّني ارتحت." ضحك بخفة، وقال. "أخيرًا، ترتاحين هنا." رفعت حاجبيها بمكر. "وهل هو شرفٌ عظيم أن أرتاح في سريرك، مولاي؟" "هو شرف لي أن لا تشعري بالخوف." صمتت. كانت كلماته مثل قطرات مطرٍ على تربة عطشى. "كأنني... نسيت كل الأحلام التي كنت أراها." نظر إليها بتمعن. "وأيّ أحلام كانت؟" تنهّدت. "كنت أركض دائمًا... في طرقات لا أعرفها... أبحث عن أحد، وأستيقظ كل مرة وأنا لا أتذكر من." مدّ يده ولمس وجنتها برفق. "لستِ مضطرة للركض هنا." أغمضت عينيها للحظة، ثم فتحتها وقالت. "أتعلم؟ أنت لا تشبه الصورة التي يرسمها الآخرون عنك." ابتسم ببطء. "وهل خيّبْتُ توقّعاتكِ؟" ضحكت بخفة. "ربما... خيّبت خوفي." ضمّها إليه مجددًا، كأن الجسدين تعلّما معنى الراحة أخيرًا. ثم سألها. "ما أول شيء تفعلينه حين تستيقظين عادة؟" فكرت قليلاً، ثم قالت. "أقف عند النافذة، أراقب الحياة تمضي... دوني." "وهنا؟" "أفتح عيني... فأجدك." "هل هذا جيد، بوسيسّا؟" "جيد بما يكفي لأنسى فوضاي، مولاي." ظلّ صامتًا للحظة، ثم قال بصوت خافت. "حين تكونين هنا، لا شيء يبدو فوضويًّا، بوسيسّا سُلطانُكِ." ثم جلس ببطء على السرير، ومدّ يده نحوها. "بوسيسّا، دعيني أريك شيئًا." "الآن؟" "قبل أن تستيقظ القصور من سباتها." أمسكت يده، نهضت وهي ترتدي قميصها الطويل، قدماها حافيتان. وقادها إلى الشرفة، حيث نسيم الصباح العليل يعبق برائحة الأرض الندية. "هنا، كل صباح، أقف وحدي." نظرت إليه. "والآن؟" "أقف معكِ، بوسيسّا." وقفا معًا بصمت، يراقبان ألوان السماء وهي تتحوّل من الكهرماني إلى الأزرق الفاتح. دقائق من السكون، قبل أن يُقاطع الهدوء صوته. "هل تذكرين... ما قلته عن الخيول؟" استدارت نحوه بدهشة لسؤاله. "بالطبع، قلتُ إنني أحبها." ابتسم، وأشار نحو الممر الطويل. "إذًا، تعالي." سارا سويًا، الحراس يفتحون لهم الأبواب بصمت، حتى وصلا إلى الإسطبل الملكي، حيث عبق التبن والجلد والحديد. توقفت سيرافين عند المدخل، تحدق في المكان كأنها ترى شيئًا من حياتها الماضية. وقف كايليون أمام باب أحد الإسطبلات الخاصة، ثم أشار للحارس بفتحه. وحين انفتح الباب، تقدّم منه حصانٌ أسود ضخم، بعيون ليلية وشعر كثيف أسود. "اسمه... سيكون من اختيارك، بوسيسّا." تقدمت سيرافين، ورفعت يدها ببطء، وضعتها على عنق الحصان الذي لم يتحرك، كأنه يعرفها او يستكشف هويتها. "سأسميه... سيراليون، مولاي." همست بلمعة بأعينها. رفع حاجبيه. "اسم ثقيل بوسيسّا." ابتسمت. "سيرا... من سيرافين. وليون... منك." توقف لحظة، ثم تمتم. "وكأننا في كائنٍ واحد." أومأت وهي تربت على عنق الحصان. "لأنه يرمز إلى القوة والحرية والظلّ النبيل. يشبهك... لكنه يشبهني أيضًا." وقفا معًا، يراقبان الحصان يدور في ساحته. ثم التفت إليها، وقال. "هل تُجيدين ركوب الخيل؟" ضحكت. "هل نسيت أنني ابنة الأرشيدوق؟ تعلمت ركوبه قبل أن أتقن القراءة." كذبت. فقد علمها دانيال كيف تركبه ليذهبوا بجولة ولكنهم في النهاية لم يفعلوا. "إذًا، سنجعلها عادة. كل فجر، سباق بيننا." "وسأفوز." "وسأمنحكِ التاج." في تلك اللحظة، لم يكن هناك شيء إلا صوت الحصان، ورفيف قلوب تتقارب. سارت سيرافين نحو كايليون ببطء، خطواتها كأنها نُسجت من نَسيم، وعيناها تبرقان بوميضٍ خفيّ. كان واقفًا أمام الحصان، يراقبه بإعجاب... لكن حين أحسّ باقترابها، التفت إليها، وابتسم. لم تتوقف. وقفت أمامه، قريبة بما يكفي لتسمع دقات قلبه... ثم رفعت يديها ببطء، ولفّتهما حول عنقه، بأنوثة صامتة، دون أن تقول كلمة. لم يسأل. ولم ينتظر. ضمّها إلى صدره، احتواها بكفيه العريضتين من خصرها، فمالت نحوه، شفتيها تلامسان شفتيه، تقبّله ببطء بحرارةٍ، بشوق، بكلمات لم تُنطق أبدًا. بادلها القبلة. عمقها، هدوءها، رغبتها غير المعلنة للحُب. يداه شدّتا على خصرها، ثم رفعها برفق، وجعلها تجلس على طرف الرخام البارد قرب الساحة، والهواء يدور حولهما، كأنهما وحدهما في هذا العالم. حين فصلت شفتيها عنه، بقيت قريبة وضعت جبينها على جبينه، وهمست بنبرة مرتجفة. "أحيانًا أشعر أنني لا أنتمي إلى أيّ مكان ثم، تلمسني، فأشعر أنني وُلدتُ لأكون هنا، مولاي." لم يجب. كان يحدق في عينيها كأنه يرى أشياء لم يملك لها اسمًا بعد. لكن صوتًا خافتًا كسر ذلك السكون. "مولاي...؟" استدارا معًا. كانت إلورا تقف عند مدخل الساحة، ترتدي ثوبًا رماديًّا بسيطًا، عيناها تبرقان، ليس بالدموع... بل بشيءٍ أقسى، غيرة لم تنطفئ. نظرت سيرافين إليها، ثم أنزلت ساقيها من على الرخام بهدوء، واستقامت، تُحاول لملمة اللحظة التي تبعثرت أمام عيونٍ أخرى. ابتسم كايليون ابتسامة خفيفة، ورفع يده بإشارة هادئة إلى إلورا، التي انحنت فورًا له، كأنه يُخبرها، ما زلتِ قريبة. ثم التفت إلى سيرافين، وقال بنبرة منخفضة، فيها دفء الحُكم، لا حدة السُّلطة. "بوسيسّا، هل ترين أن فترة عقابها ستُساعدها في أن تعود مُؤدبة كما ينبغي؟" ترددت سيرافين، ثم نظرت إلى إلورا مطولًا. الفتاة كانت تحاول أن تبدو هادئة، تُخفي انكسارها تحت ملامح هادئة. قالت سيرافين بلطفٍ عجيب، وهي تُمسك بخيط وشاحها بين أصابعها دون وعي. "أظنّها اشتاقت... لا للامتياز، بل لأن تُرى." ثم أضافت، دون أن تنظر إلى السلطان. "القلوب التي يُهملها الضوء... تبدأ بالإيذاء، مولاي." أومأ كايليون ببطء. نظرة عينيه لم تعد فقط تُقيم، بل بدأت... تُصغي. "تغارين سيرا؟" احمرت وجنتيها وتركت وشاحها بسرعة وانزلت راسها بخجل. ضحك بخفة. ثم عادا إلى القصر متشابكي الأيدي. وعندما دخل جناحه، جلس على حافة السرير، وجذبها لتقف بين ركبتيه. "بوسيسّا..." "مولاي؟" "أخاف أن أعتاد وجودك." نظرت إليه، مدت يدها ولمست وجنته برفق. "إذن، اعتدني." ابتسم، ثم سحبها إلى حضنه مجددًا. كانت هناك موسيقى صامتة تُعزف بين قلبيهما، لا تسمعها الآذان، بل الأرواح. في ذلك الفجرُ، لم يحتاجا إلى كلمات. . . . . . . . . . . ما احب وجوده مع غيرها😭😭!!! اعععع معلش الأحداث تتطلب🤌🏻🤌🏻! في ناس الله يهديهم يتركون الرواية من الجُمل الي يكون فيها السُلطان مع غيرها وينسون ان زوجهم المُستقبلي بيكون مع مليون بنت🤔! شو رايكممم؟ تعليق؟؟؟ الاجواء؟ ادخلوا صفحتي لُطفًا وتابعوني، يوجد رابط به حساباتي بمواقع التواصل🌹. سينيورينا ايلارا كانت معكم🤍🌹!.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Astaria | أسْتاريا

المؤلف elara nya
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة