نهايتي هي بدايتي

نهايتي هي بدايتي

22 2

"في الليلة التي تتوقف فيها قلوب الضعفاء عن النبض، تولد الأرواح التي لا تنتمي لعالمٍ واحد... ويُكتب التاريخ بيدٍ لا تذكر اسمها." "من سجلات فاليمير" _____ كانت الشموع تشتعل بهدوء على الطاولة الصغيرة في الزاوية، تحيط بها ستائر من المخمل الكحلي، تُنزل على المكان سكينةً مخملية لا تليق إلا بالحب. مطعم فرنسيّ قديم الطراز، بإنارته الدافئة والموسيقى الكلاسيكية المنخفضة، كان المكان الذي اختاره دانيال، بعناية، بعين قلبٍ يعرف تمامًا ما يُرضي سيليسيا، لا لترف، بل لحنان. جلست أمامه ترتدي فستانًا أسود بسيطًا ينسدل برقة على جسدها النحيل، وشعرها مربوط بنصف رفعة، تاركًا خصلاتٍ سوداء تنسدل على كتفيها. كانت تتوتر في الأماكن الفخمة، لكنه كان يعرف كيف يجعلها تشعر بالأمان. "هل أعجبك المكان؟" سألها وهو يسكب لها كأسًا من العصير الأحمر، مائلًا بخفة، بابتسامة من يعرف الجواب مسبقًا. أومأت برأسها، ثم كتبت في دفترها الصغير الذي لا يُفارقها منذ الحادث. "هادئ... مثلك." ضحك، ضحكته التي تخترق الضوضاء في قلبها، وتزرع السكينة. "أنا؟ هادئ؟! أظنّك تخلطين بيني وبين دانيال آخر." أشارت إليه بإصبعها وهزّت رأسها. "أنت أكثر هدوءًا منّي حين أحب." كان هذا ما يميّزها. تعبيرها بالكلمات لم يكن تقليديًا. كانت حروفها تنبض، وكل كلمة تُنطقها تحمل نبضها كاملاً. بدأ العشاء، طُبق من الريزوتو بالكريما، ونبيذ بلا كحول، ومحادثات نصفها على الورق، ونصفها في العيون. كانا يتبادلان الذكريات، ضحكات صغيرة على أول موعد، أول قبلة خجولة في عتمة موقف السيارات، أول مرة بكَت في حضنه بعد شجارٍ مع أمها بالتبني، وأول مرة قال لها. "أنتِ أكثر من كافية." مرّت لحظات كأنها لُفّت بالحرير، هادئة، غير مستعجلة، كأن الزمن قرر أن يجثو على ركبتيه أمامهما هذه الليلة. ثم، أخرج شيئًا صغيرًا من جيب معطفه ووضعه أمامها، ملفوفًا بورقة حريرية، مربوطة بشريط ذهبي رفيع. ترددت قبل أن تفتحها، ثم نظرت إليه بعينين متسائلتين. "فقط هدية صغيرة... ما قبل الهديّة الحقيقية." فتحتها. قلادة صغيرة، بها حرف D محفور في قلبٍ صغير من الفضة، معلّق على سلسلة دقيقة. فكّت مشبكها ووضعتها حول عنقها ببطء. تطلعت إليه، ثم قالت. "الهدية بقلبي من قبل، الآن فقط انتبهت." مدّ يده عبر الطاولة، أمسك يدها برفق. "سيلي... هل تتذكرين أول مرة قلت لكِ فيها إنكِ الصوت الذي لم أسمعه من قبل، لكني ظللت أبحث عنه؟" هزّت رأسها، وعيناها تلمعان. "كنت جادًا. ومنذ ذلك اليوم، وأنا أعلم... أنّ الحياة بدونك ستكون ناقصة. صامتة." تشنج قلبها. همست، بتردد. "أأنا كافية؟ هكذا... كما أنا الآن؟" قبض على يدها بقوة، وهمس ببطء، وهو ينظر إلى كل جزء في وجهها. "كافية... أنتِ المعنى الكامل لكلمة 'كافية'. سيليس، أحبك كما أنتِ، وسأظلّ أحبك كما ستصيرين..." ثم، تنفّس ببطء. نظر إلى عينيها طويلًا، ثم همس. "وعيناكِ هي السبب... أني احبك دون توقف." في هذه اللحظة، لم يكن شيء على الطاولة يُحرّك سكونها إلا دقات قلبها. لكنها كانت تعرف. عرفت أن دانيال، كعادته، لن يترك شيئًا ناقصًا في حبّه. _____ كان المطر ينهمر كأن السماء تبكي بدلًا عنها. قُبيل الغروب، كانت الطرق مبللة، والأضواء الضبابية للمدينة تنعكس على الزجاج الأمامي للسيارة، مصبوبة في خطوط ذهبية حزينة. سيليسيا كانت تضحك، أو تحاول. ضحكة صغيرة، مشوشة، تكاد تختنق بين حروفها. تجلس إلى جانب دانيال في المقعد الأمامي، يده على المقود، وعيناه، كما دائمًا، تسرقان النظر إليها كل بضع ثوانٍ. "أتعلمين؟" قال بنبرة هادئة، "أحيانًا أفكّر أننا تأخّرنا كثيرًا عن قول الأشياء عِشقي..." نظرت إليه بدهشة خفيفة. "مثل ماذا؟" "مثل، أنا لا أريد حياة بدونك." ابتسمت بخجل، ثم أشاحت وجهها نحو النافذة، كأنها لا تقدر على تحمّل الثقل العاطفي لجملة كهذه. لكنه تابع: "وأني... أريد أن أطلبكِ للزواج الليلة." توقفت أنفاسها. المطر استمر في ضرب الزجاج بإيقاع ثابت، كأن قلبها أصبح ينبض على صوته. "دانيال..." همست، تتنهد، تلتفت إليه وعيناها تلمعان، "أنا..." لكن الكلمات علقت في حلقها. كان الهواء دافئًا داخل السيارة رغم البرد خارجها، وكل شيء في هذه اللحظة بدا كأنه من خارج الزمن. قلبها يخفق بسرعة، ليس من التوتر، بل من الامتلاء. دانيال لم يكن مجرد حبيب. كان الوحيد الذي فهم صمتها حين يتكلم الجميع، الذي رآها حين تجاهلها العالم، الذي علّمها كيف يكون البيت وجهًا لا مكانًا. مرت لحظة صامتة قبل أن تهمس، بصوت خافت يكاد لا يُسمع. "هل أنت جاد؟" ابتسم، تلك الابتسامة التي جعلتها تقع فيه أول مرة، تلك التي تشبه صباحًا هادئًا بعد ليل طويل. "بالطبع، سيلي سُكرتي...جادٌ للغاية، فلا تَنسي، إنّ قلبي ينبض باسمكِ." ضحكت، ضحكة حقيقية هذه المرة، رفعت يدها ولمست خده برقة. "كنت سأقول نعم... حتى قبل أن تسأل." مد يده وأمسك يدها فوق خده، قبّل أطراف أصابعها كأنها شيء مقدّس، وقال. "إذن، لِم لا نبدأ حياتنا معًا الآن؟ بعد العشاء، نذهب إلى المكان الذي التقينا فيه أول مرة... وهناك، أطلبكِ كما ينبغي." "وتجثو على ركبة واحدة؟" سألت بمكر. "ثُمَ تترجاني لاُوافق عليك" همست بتعالٍ لطيف. ضحك بخفة ثم اردف. "وأُخرجُ خاتمًا من جيب سترتي." قالها وضحك، ثم أردف. "وإن ضاعت الركبة في المطر، سأجثو على قلبي بدلًا عنها." أدارت وجهها نحوه تمامًا، نظرت إليه كما لو أنها تحفظ ملامحه للمرّة الأخيرة، رغم أنها لم تكن تعلم بعد أنها حقًا كانت الأخيرة. "أحبك، دانيال." قالتها بنبرة منخفضة، لكن بثقل العالم كلّه. "وأنا... أحبك أكثر مما يسمح لي هذا العمر." ثم، صمتٌ صغير بينهما، صمت لا يحتاج تفسيرًا، فقط نظرات متبادلة تملأها الطمأنينة. وفي تلك اللحظة... لم تكن هناك حروب في العالم، ولا خسارات، ولا ظلال. فقط اثنان... وحب، قوي بما يكفي ليُخلَّد حتى بعد الموت. لكن الموت... كان على بعد إشارة مرور واحدة. الضوء. صرخة. ارتطام حاد. ثم... صمت. الصورة الأخيرة قبل أن تغلق عينيها. وجه دانيال وهو يحاول حمايتها، يده ممدودة نحوها، وعيناه تتسعان بالرعب، ثم السواد يبتلع كل شيء. استفاقت في المستشفى بعد ثلاثة أيام. محاطة بأصوات أجهزة التنفس، رائحة معقمات، ووجوه لا تعرفها. لكن ما خنقها... لم يكن الألم الجسدي، بل الصمت. حين فتحت فمها لتسأل عن دانيال، لم يخرج صوت. لا همسة، لا تنهيدة، لا شيء. الضوء في الممرات كان أبيض قاسيًا، كما لو أن المستشفى رفض أن يشارك في الحداد، فأصرّ على أن يبدو حيًّا، باردًا، وقاسيًا. كانت الغرفة هادئة أكثر من اللازم. فقط صوت جهاز مراقبة القلب ينقر في الجدار بإيقاع رتيب، كأنه يُحصي ما تبقّى من الزمن قبل أن تُدرك الحقيقة بالكامل. سيليسيا كانت هناك، في السرير الأبيض، برباطٍ على جبينها وذراعٍ مكسور في الجبس، لكن الصمت كان في داخلها أشد من أي ألم خارجي. لم تكن تصرخ. لم تكن تبكي. كانت تنظر إلى السقف بعينين خاليتين من اللون، كأن الضوء فيها انطفأ. ممرضة دخلت بخطى خفيفة، تحمل ملفًّا وبعض الأوراق، وتوقّفت على باب الغرفة تراقبها، كما لو كانت تقترب من لوحة لا يُفترض لمسها. "سيليسيا؟ كيف تشعرين اليوم؟" لا إجابة. اقتربت، وجلست بجوارها بلطف، مبتسمة ابتسامة مدروسة، مهنية، تخفي بها القلق الذي بدأ يتسلل. "هل ترغبين في الماء؟" مرة أخرى، لا إجابة. رفّت عينا سيليسيا ببطء. ليس رفضًا... ولا قبولًا. فقط رمشٌ بطيء، حياديّ، كأنها تهمس للعالم. "أنا هنا، ولكن لا تطلب مني أكثر من ذلك." مرّت دقائق. ثم دخل الطبيب. شاب في منتصف الأربعينات، عيناه تتفحّصانها كما لو كان يقرأ كتابًا بلغة قديمة. "مرحبًا، آنسة سيليسيا. اسمي الدكتور نويل، أنا أتابع حالتك منذ دخولك." لا رد. "تعرضتِ لحادث مروري... سيارة اصطدمت بدراجتك عند المنعطف. إصاباتك ليست خطيرة. لكن..." توقّف. "... لكن الّرجل برفقتك..دانيال لم ينجُ." عند سماع الاسم، اهتزّت شفتاها قليلاً، كأن الصوت اخترق شيئًا ما في أعماقها. ارتجفت عيناها للحظة، ثم تجمّد كل شيء من جديد. أكمل الطبيب، وهو يفتح ملفًا صغيرًا. "أردنا إبلاغك في الوقت المناسب، لكن... بدا أنكِ لم تكوني جاهزة." الممرضة نظرت إلى الطبيب وهمست بشيء لم يُفهم، فأومأ. "سنجري لك تقييمًا نفسيًا بسيطًا، فقط لنفهم وضعك. هل تسمحين؟" وضع أمامها ورقة، بها دائرة ووجه مبتسم وآخر حزين، وبعض الأسئلة السهلة. لكنها لم تحرّك ساكنًا. ثم أخرجت الممرضة دفترًا صغيرًا من حقيبتها دفترها. كانت تحمله معها دومًا. فتحته عند الصفحة الأخيرة، حيث كانت آخر كلماتها مكتوبة. "أشعر بأنني على وشك الحياة." الممرضة ابتلعت ريقها، وحدّقت في الصفحة. "سيليسيا... متى كانت آخر مرة شعرتِ فيها بالأمان؟" لم تُجب. "هل تذكرين آخر كلمة قلتِها؟" صمت. "هل ترغبين في التحدث؟" كانت ستقول "نعم" أو على الأقل، هذا ما حاولته. شفتاها تحرّكتا، لكن الصوت لم يخرج. بدا كما لو أن الحنجرة رفضت الانصياع، كأن شيئًا ما تحطّم هناك، غير مرئي، لا ترممه جراحة. في الأيام التالية، توالت الزيارات، أطباء، ممرضات، أخصائيون، عائلة الأم بالتبني التي جاءت مرّة وبكت أمامها بحرقة، لكن سيليسيا لم تحرّك ساكنًا. كانت تقف على نافذة الغرفة كل صباح، تنظر إلى السماء الرمادية، كأنها تسألها بصمت. "هل أنتِ من أخذه؟ هل كان الأمر مكتوبًا؟ أم أنكِ فقط... لم تريني؟" كانت تكتب، أحيانًا. كلمات قصيرة. قصائد مقطّعة. أسئلة بلا إجابات. خربشات لرسم يديه. واسمه... اسمه كان في كل الصفحات. "دانيال." كان الصمت يملأها حتى أصبحت هي نفسها فراغًا. لا كلمات. لا نبرة. لا رجفة حتى. فقدت صوتها في لحظة، لكنها فقدت أكثر من ذلك بكثير. فقدت حنجرتها، نعم... لكن قلبها هو ما نزف. فحص الأطباء حُنجرتها، أحبالها الصوتية، أجلسوها تحت ضوء أبيض بارد، ومرّروا الأجهزة والمصطلحات فوق صمتها الثقيل. وبعد ساعات من التحاليل، جاء التشخيص. قال الطبيب بنبرة حاول أن تكون حيادية. "الضرر في الأحبال الصوتية دائم... إصابة مباشرة عند الاصطدام. للأسف، لن تتمكني من النطق مجددًا." لم تبكِ. فقط نظرت إليه، كما لو أن الكلمات التي لم يعد بإمكانها قولها اختنقت في عينيها. هو لم يكن يعرف أنها فقدت صوتها في اللحظة ذاتها التي فُقِد فيها دانيال. لم يكن يعلم... أن كل شيء فيها صار صامتًا منذ اللحظة التي سُحقت فيها السيارة، وانطفأ الضوء من عينيه أمامها. قالت الممرضة بحنان، تضع يدها على كتفها. "لكن بإمكانكِ الكتابة... أو تعلم لغة الإشارة... ستتأقلمين." "لأجلِ ماذا...ذهب من كُنتُ اتحدثُ لأجلِه..." فكرت سيليسيا بسخرية. تخبرها تتأقلمين؟ كيف يمكن لإنسان أن يتأقلم مع صمت الحبيب الراحل، بعد أن كان قلبه يعرف كيف يغني برفقته؟ لا أحد فهم. هم ظنّوا أن ما فُقد هو صوتها فقط. لكن الحقيقة؟ الذي تحطّم لم يكن الأحبال الصوتية. الذي تحطّم... كان كل ما فيها. الأسابيع التي تلت كانت أشبه بمقبرة للزمن. كل يوم يمرّ بطيئًا، بلا صوت، بلا دفء. حاولت أُمَها بالتبني مساعدتها. كانت تمسك بيديها كل ليلة، وتقرأ لها بصوت مرتجف قصص الطفولة التي اعتادت أن ترويها لها حين كانت صغيرة لعّلها تستجيب. لكن سيليسيا لم تكن هناك حقًا. لم تعد تستجيب. لم تعد ترفع عينيها حتى، وكأن الوجود كله فقد معناه في غيابه. كانت تلك السيدة قد ربّتها منذ أن كانت طفلة يتيمة في الثالثة، احتضنتها، منحتها اسماً وبيتًا ودِفئًا لم تعرفه من قبل. لكن حين بلغت سيليسيا الخامسة عشرة، حدث ما لم تتوقعه سيليسيا قط. حملت السيدة أخيرًا. كان حُلمها أن تصبح أمًّا "حقيقية" كما كانت تقول. ومع أول ركلة من جنينها الجديد، بدأت المسافة تتّسع. ببطء، دون نوايا سيئة، فقط فطرة الأمومة التي استيقظت فيها بطريقة أخرى. لم تعد القصص تُروى. ولا المواعيد تُحفظ. ولا الملامح تُلاحظ. صارت سيليسيا ظلًّا في بيتها... شيئًا طيّبًا وهادئًا، لكنه زائد عن الحاجة. وهناك، في تلك المساحة المهملة، التقت دانيال. كان أول من سألها. "هل ترغبين أن تُسمعي صوتكِ حقًا؟" كان أول من رأى الحزن خلف ابتسامتها، وفهم نظراتها التي تقول أكثر مما تقوله الكلمات. معه، شعرت للمرة الأولى بأنها مرئية. محبوبة. مُختارة. كانت تكتب له خطابات صغيرة وتُخفيها في جيبه، وكان يقرأها في صمت، ثم يبتسم وينظر إليها كما لو أن العالم اختُصِر في عينيها. لكنه الآن... رحل. لم يعد لها مكان في عالم لم يعد فيه من تُحب. ثم، في إحدى الليالي، جلست في شقتها، تنظر إلى صورته. تفكر في الرحيل... لا إلى الموت، بل إلى دانيال. كتبت رسالة بخطٍ مُرتجف، حملت فيها كل ما لم تستطع قوله بصوتها. ____ كانت الغرفة باردة. صوت المكيف يُزمجر في الزاوية، والضوء الأبيض ينساب من النافذة كخيطٍ من الغياب. تجلس سيليسيا على السرير، تنظر إلى جدار رمادي، وتكتب شيئًا في دفترها. لكن عقلها... لم يكن هنا. كان في بيت آخر، في زاوية دافئة، في صباح شتوي منذ سنوات، حين كانت الأصابع الصغيرة ترتجف وهي تمسك بيد امرأة لا تشبهها في شيء سوى أنها الوحيدة التي انتشلتها من الظلام. كانت تبلغ سبع سنوات حينها، تحمل على ظهرها حقيبة قديمة وثقيلة بأشياء لا تخصها، وداخلها قلبٌ صغير يتعلم كيف لا يُظهر الجوع. في مركز الرعاية، أخبروها أن امرأة ستأتي. "مُربية؟ لا... أم." هكذا قيل لها. ثم ظهرت بابتسامة متعبة، ولكن دافئة، تحمل معطفًا بلون القرفة، وعينين مثل المساء حزينة، ولكن صادقة. قالت بصوت خافت. "مرحبًا، سيليسيا... اسمي مارغريت." لم تكن سيليسيا قد تجرأت على النظر في وجه أحد منذ شهور، لكن مارغريت جلست إلى مستواها، ومدّت يدها. "هل يمكنني أن أكون بيتًا لك؟ لا أمًّا... فقط بيتًا." ولسبب لا تعرفه حتى الآن، مدت يدها الصغيرة، وأمسكت بأصابع تلك المرأة. هكذا بدأ كل شيء. ⸻ مارغريت لم تكن أماً مثالية. كانت تنسى عيد ميلادها أحيانًا. تترك الأرز يحترق. وتنام وهي تقرأ كتابًا على الأريكة. لكنها كانت تحبها بطريقتها. بصمت، بعينين تراقبانها دون أن تتدخل، بكوب حليب دافئ على الطاولة، برسالة صغيرة تُخفيها في حقيبتها المدرسية. "أنتِ كافية." "أحبك طِفلتي." "لا بأس إذا بكيتِ." ⸻ حين دخلت سيليسيا المدرسة، لم تكن تعرف كيف تتحدث مع الأطفال الآخرين. كانت تُصاب بنوبات صمت طويلة. تحاول الانسحاب حين يقترب أحدهم منها. وبدلاً من أن تُجبرها على التفاعل، كانت مارغريت تأخذها في نزهات إلى الحدائق، تُريها كيف تتفتح الأزهار دون أن تصرخ، وكيف تسير السحب دون أن تشرح نفسها. قالت لها ذات مساء، بينما تجلسان على السطح تشربان الكاكاو. "بعض الأرواح تولد هادئة يا حبيبتي، لكنها عميقة جدًا... عُمق البحر لا يحتاج ضجيجًا." ⸻ في سن الثانية عشرة، تجرأت سيليسيا لأول مرة أن تناديها "أمي". كان ذلك في لحظة غريبة، حين كانت مريضة، ودرجة حرارتها مرتفعة، تهذي باسمٍ لا تتذكره، ثم همست بها فجأة. "ماما... لا تتركيني." توقفت مارغريت عن تحريك الملعقة، نظرت إليها، ودمعة سالت على خدها. لم تقل شيئًا. فقط قبّلت جبهتها، ونامت بجوارها تلك الليلة. ⸻ ثم جاء دانيال. شاب بشعر بني وعينين كأنهما خرجتا من ضوء القمر. دخل حياتها مثل الأغنية الوحيدة التي حفظتها كاملة. كان أول شخص في عمرها يفهم صمتها دون أن يسأل، وأول من قال لها. "أنتِ لا تحتاجين أن تتكلمي، أنا أسمعك." مارغريت كانت حذرة. لم ترفضه، لكنها راقبت بعين الأم التي تعرف كيف تُخفي خوفها خلف فنجان قهوة لا يُشرب. وحين رأت سعادة سيليسيا، تركت الباب مفتوحًا. وفي أحد الأيام، قالت لها. "إذا آذاكِ... سأدفنه تحت السرير، وأقول إنه شبح." ضحكت سيليسيا حتى دمعت. ⸻ لكن بعد الحادث... تغيّر كل شيء. مارغريت جاءت للمستشفى. عيناها متورمتان من البكاء. أمسكت يدها... ولم تجد شيئًا. "سيليسيا... هل تسمعينني؟ أنا هنا. أنا لن أذهب." لا رد. "أعلم أنك حزينة. أعلم أنك تنزفين من الداخل... لكن لا تتركيني أيضًا، أرجوك...بقيتُ بعيدة عنكِ لفترة لاني لعينة انشغلت بابنة بطني!." سيليسيا كانت تنظر إلى الأرض. مارغريت بكت بصمت، ثم قالت كلماتها الأخيرة قبل أن تغادر. "أنا أحبك... حتى لو لم تعدي تعرفين من أنا." ⸻ في ليالٍ كثيرة بعد ذلك، كانت سيليسيا تتذكر وجهها. رائحة قميصها. دفء يديها. تُقنع نفسها بأن البُكم لن يدوم. بأن كل ما بينهما لم يمت. لكن داخلها كان قد بدأ بالفعل بالتآكل، كما لو أن الخسارة لم تتوقف عند دانيال... بل امتدت لتأكل كل من أحبها. ولأنها لم تستطع أن تصرخ، اختارت أن تكتب. "حين تفقد القدرة على الحديث... تفقد حقّك في أن تُسمع، حتى من الذين يحبونك." _____ مارغريت كانت قد أخفت كل شيء...الأدوية، السكاكين، حتى شظايا الزجاج. كانت تخاف أن تجدها ذات صباح وقد نزفت روحها بهدوء كما تفعل الآن في صمتها اليومي. لكن سيليسيا لم تكن تبحث عن سكين... فقط عن نهاية. وقفت أمام النافذة المفتوحة، على الطابق التاسع، والريح الباردة تُمرّر أصابعها بين شعرها. في تلك الليلة، جلس القمر كالشاهد الأخير في السماء. الغرفة مظلمة، إلّا من ضوء رمادي يتسلل من الستائر المرتجفة. المكتب مرتب بعناية، كما لو أن ساكنته تعلم أن أحدهم سيأتي بعد الرحيل. على الطاولة، وُضعت رسالة صغيرة، مطوية بدقة. الرسالة لم تكن طويلة. ثلاث جُمل فقط. "أنا آسفة لأني لم أعد قادرة. دانيال، ينتظِرني. ماما مارغريت... شكرًا لأنك كنتِ عالمي." وقفت أمام النافذة المفتوحة، على الطابق التاسع. الريح الباردة تمرر أصابعها بين شعرها، وتلعب بطرف قميص نومها كما لو تحاول ردعها بلطف. نظرت إلى السماء النجوم باهتة، لكنها موجودة. كما كانت دائمًا صامتة. ثم قفزت. في اللحظات الأولى للسقوط، لم تشعر بشيء. لا خوف. لا ندم. لا اندفاع. كانت خفيفة جدًا... كما لو أن جسدها تلاشى قبل أن يصطدم بالأرض. لكن عقلها انفجر بالذكريات، شريط حياة يُعرض في ومضات لا ترحم. أول مرة رأته في ردهة الجامعة، يحمل أكواب القهوة وينظر إليها بدهشة. صوته وهو يناديها من الطرف الآخر للممر. "هيا، السباق بدأ!" ضحكاتهما في السيارة وهو يقود بجنون، يده على يدها على ناقل السرعة. نظراته وهو يتأمل وجهها قبل أن يُقبّل جبينها ويهمس. "أنتِ بيتي." رائحة جلده بعد المطر. ابتسامته حين كانت تغضب فيُطفئها بنكتة سخيفة. ضحكته في آخر ليلة، وهو يلوّح لها من الرصيف، قبل أن تنفجر السيارة في منتصف الشارع. صورة وجهه كانت آخر ما رأته. ثم... الظلام. لكن الموت لم يكن كما تخيلته. لا نور في نهاية نفق، لا دفء، لا أصوات مألوفة. فقط... صوت هدير بعيد، وبرد غريب، وملمس خشن تحت جسدها. تفتحت عيناها ببطء. خشب؟ سماء؟ رائحة ملح كثيف، كأن البحر ابتلعها وبصقها في زمن غريب. جلست دفعة واحدة، ثم شهقت. سقف من القماش المهترئ، أعمدة مربوطة بالحبال، وأرض خشبية مبللة تحتها. كانت في... سفينة؟ تحتها أرض خشبية مبللة قليلًا، حولها نساء يرتدين فساتين مُلونة وكأنهن خرجن من لوحة من القرون الوسطى. فساتين طويلة رَثة، شعرهم مُبعثر بأنماط عجيبة، وجلودهم متعبة من الشمس والملح. حاولت أن تستنشق بعمق، لكن الرطوبة كانت ثقيلة، كأنها تعاقبها على العودة. تطلعت حولها ببطء، متأملة المشهد كمن يحاول معرفة الحلم من الواقع. ثم همست، بصوت مبحوح لا تصدقه. "أهذا هو... الفردوس؟ اين دانيال اذًا؟" لكن صوتها هذه المرة... خرج. عينها اتسعتا وهي تضع يدها على حنجرتها. لقد... تحدثت. "أنتِ... لازلتِ على قيد الحياة؟!" جاء صوت فجائي من فتاة بجانبها، صغيرة، ذات جدائل سوداء وعينين واسعتين. "ماذا؟ ماذا حدث واين انا؟" سألتها سيليسيا، مذهولة. قالت الفتاة بقلق من ردها. "لقد صدمتِ رأسك بالعامود الخشبي منذ قليل... أُغمي عليكِ وظننا أنكِ... أنكِ متِ يا سيرافين!" "سيرافين؟" ردّدت الاسم بصوت غريب عنها، كأنه لا ينتمي لها. نظرت إلى يديها... بشرتها صارت شاحبة بطريقة غير مألوفة. اقتربت من مرآة صغيرة علّقت على عمود في السفينة. تقدّمت خطوة... اثنتين... ثم رأت الانعكاس. لم تكن هي. شعر برتقالي ناري، طويل، متموج كألسنة لهب تتمايل، وعيون خضراء زمردية، عميقة كغابات مجهولة. ملامح وجه ناعمة، لكن حادة، كأنها وُلدت في القصور. ارتجفت أصابعها وهي تلامس خدها. الملمس... كان حقيقيًا. "هذا... جسد من؟" همست، تكاد تقع ارضًا من الدهشة. جلست بسرعة، قلبها يتخبط داخلها. "هل تعرفينني؟" قالت الفتاة. "لقد قلتِ لنا إنكِ تُدعين سيرافين إيلووين ديراسيلّيس وأنكِ تم خطفك مثلي وانك في نفس عُمري... ونحن في طريقنا إلى أستاريا، قَصرُ عاصمة الإمبراطورية الفاليميرية.» "إمبراطورية؟" نظرت حولها، كل شيء بدا واقعيًا لدرجة الفزع. "نعم... دولة تحكم نصف العالم، يحكمها السلطان كايليون أورين فاليمير." الاسم سقط في عقلها كحجر في بحيرة راكدة. «فاليمير...؟» رمشت ببطء. هذه لم تكن حياة جديدة. كانت بداية النهاية. _____ صوت تمايل المياه تحتها بات أوضح، كأن البحر قرر أن يفضح سرها. رائحة الملح، الرطوبة الثقيلة، حتى حفيف الحبال حين تحتك بالصواري... كل شيء كان واقعيًا على نحو مزعج. تأملت الفتاة مرة أخرى. لم تكن أكبر من ستة عشر عامًا، شعرها الأسود مربوط في جديلتين سميكتين تتدليان على كتفيها، وعيناها الواسعتان فيهما نوع من البراءة والخوف معًا. كانت ترتدي فستانًا بسيطًا بلون رمليّ باهت، مائل للرمادي من أثر السفر والمياه. "ما اسمك؟" سألتها سيليسيا بصوت خافت. "إلورا." ابتسمت الفتاة بحذر. "أنتِ لا تتذكرينني؟" ترددت سيليسيا، لكنها هزّت رأسها نفيًا ببطء. "أنا آسفة... لا. لقد... اصطدمت رأسي، كما قلتِ." كانت كذبتها ركيكة، لكنها لم تكن تملك غيرها. إلورا لم تُشكك، بل ارتسمت على وجهها نظرة تعاطف. "لا بأس... الطبيب قال إنك قد تُصابين ببعض التشوش. لكنكِ بخير الآن، صحيح؟" هل هي بخير؟ لا. لا شيء في هذا طبيعي. نهضت واقفة، وبدأت تتأمل السفينة أكثر. كان السطح مكشوفًا، يتخلله ضوء شمس رماديّ من بين سُحب ثقيلة تتراكض ببطء. السفينة لم تكن ضخمة، لكنها ليست قارب صيد أيضًا. طرازها يبدو قديمًا، خشبي الصنع، الطلاء تقشّر منذ سنين. الحبال مُدلاة من الصواري الطويلة، والخدم والبحّارة يتحركون هنا وهناك، يصرخون بأوامر لا تفهمها. رجال بلحى كثة وجباه محترقة من الشمس، نساء يحملن دلاء المياه، أطفال يركضون بأقدام حافية. كل شيء بدا كأنه خرج من رواية تاريخية لم تقرأها من قبل. "كم... مضى على وجودنا في البحر؟" سألت سيليسيا وهي تتابع مشهد أحد البحارة وهو يربط شراعًا تُمزقه الرياح. "أربعة أيام." ردّت إلورا، ثم أضافت وهي تقترب منها. "الرحلة من مرفأ داراسيلّيس إلى أستاريا تستغرق أسبوعًا كاملًا. أستاريا قريبة الآن. نحن في مياه فاليمير الإقليمية بالفعل." "داراسيلّيس..." كررت الاسم كأنها تتذوق لغتها الجديدة. "هل كانت... مدينتي؟" إلورا عضّت شفتها. "كانت قلعة أبيكِ، قبل أن... قبل أن تُسلّمي نفسكِ." "أُسلّم نفسي؟" صوتها ارتفع دون قصد، فالتفتت إليها عدة نساء من بعيد، ثم عُدن لانشغالهن. إلورا انكمشت كأنها قالت ما لا يجب. "آسفة، لم أقصد... ظننتكِ تعلمين. الجميع يعلم... هذا ما قيل." سيليسيا اقتربت منها، وجلست القرفصاء أمامها لتكون بمستوى عينيها. "ما الذي تعلمينه أنتِ، يا إلورا؟ أخبريني من فضلك." الفتاة نظرت حولها، ثم همست: "قالوا إنكِ ابنة ملك داراسيلّيس. اسمكِ سيرافين إيلووين ديراسيلّيس، حفيدة العرش، ابنة الأرشيدوق الغربي. كنتِ مخطوبة لأحد أمراء التحالف الشمالي، لكنكِ... اختفيتِ فجأة. وبعد أشهر، ظهر اسمكِ في رسالة رسمية موجهة للسلطان كايليون أورين فالمير، تقولين فيها إنكِ تودّين المجيء إليه... لتُثبتِي ولاءكِ والسلطان غضب بسبب والدُكِ كونه كان فظًا معه فاصدر قرار باغتيال القلعة وقتل الجميع ولكن لانكِ استسلمتِ قرروا اخذكِ كأسيرة وبيعك للقصر." سيليسيا أحسّت أن الهواء تجمّد حولها. "بيعي؟ تبًا انا في حياتي الواقعية لم يتم بيعي!" همست لنفسها، مصدومة مما تسمع. إلورا لم تفهم ما قالت، لكنها أومأت بحذر. "أنتِ سجينة، يا سيرافين. لكنهم لم يُعاملوكِ كسجينة. غرفتكِ نظيفة، والطعام يأتيكِ طازجًا. لا أحد يقيّدكِ... فقط هناك حارس عند باب المقصورة." سيليسيا أبعدت نظرها، تنهيدة طويلة خرجت من صدرها. أي جنون هذا؟ هي انتحرت... ألقت بجسدها من الطابق التاسع. رأت وجه دانيال، رأت الظلام، ثم... استيقظت في جسد فتاة أرستقراطية، تسافر نحو عاصمة إمبراطورية خيالية تحكم نصف العالم، بصفتها أسيرة؟؟ "ما الذي كنتُ أنوي فعله هناك؟" سألت بصوت متهدّج، وكأنها تسأل نفسها أكثر من إلورا. الفتاة لم تُجب، بل قالت شيئًا أكثر رعبًا. "سمعتُ بعض البحارة يتحدثون... عن أنكِ أتيتِ لتتزوجي من السلطان كايليون نفسه." سيليسيا نهضت من مكانها دفعة واحدة. "ماذا؟!" إلورا رفعت يديها فورًا. "لا تصدقي كلامهم! قد يكون هراءً... أو إشاعة. السلطان لا يتزوج بنات الأسرى، والجميع يعرف أن قلبه... لا يعرف الرحمة...كما انه مُحرم على السلطان الزواج من فتاة عشوائية." كانت كلماتها مثل سكاكين تقطّع الهواء. السلطان... زواج؟ اسيرة؟ إمبراطورية؟ يا إلهي، أي كابوس هذا؟ نظرت سيليسيا إلى البحر، كان يتمايل في الأفق بلا نهاية. هربت من موت إلى موت آخر، من واقع موجِع إلى خيال أكثر قسوة. "متى سنصل؟" سألت أخيرًا، بنبرة استسلام. "غدًا صباحًا." أجابت إلورا، ثم قالت بتردد. "هل... هل تريدين بعض الماء؟" هزّت سيليسيا رأسها. لكنها كانت عطشى. ليس للماء. بل لفهم، لهوية، ليقظة تنفي هذا الواقع. وقفت وحدها، والريح تعصف بشعرها الجديد، الناريّ. في داخلها، كانت الفوضى تشتعل. لم تعُد تملك اسمها، ولا جسدها، ولا صوتها القديم. لكنها تنفّست. ولأول مرة منذ وقت طويل، شعرت بشيء يشبه... الفضول. هل تستمر في الدور؟ هل تبحث عن مخرج؟ هل تواجه السلطان؟ أم تحاول الهرب قبل أن تصل إلى عاصمته؟ كان البحر أوسع من كل الإجابات. وكانت وحدها. لكنها... ما زالت على قيد الحياة. _____ مع بزوغ خيوط الفجر الأولى، بدأت أستاريا ترتفع من الأفق كلوحة مرسومة بالذهب والرخام، مدينة تليق بإمبراطوريةٍ تُحكم بنارٍ ودم. لم تكن كأي مدينة رأتها سيليسيا في حياتها، لا في واقعها السابق ولا في الكتب التي كانت تهرب إليها. أسوارها شاهقة، محفورة بنقوش تشبه قصصًا منسية، وقبابها تلمع كأنها مأخوذة من عالم فوق السحاب. كانت السفينة تقترب ببطء من المرفأ الإمبراطوري، وسُمِع صوت قرع جرس نحاسي ثلاث مرات، إيذانًا بالدخول إلى "المياه الحامية". ارتجف قلب سيليسيا في صدرها، لا من خوف، بل من غرابة الشعور. شيء ما فيها، أعمق من وعيها، كان يعرف أن هذه الأرض ستغير كل شيء. "اصطففن!" صرخت امرأة بصوت أجش من طرف السفينة. كانت طويلة، ذات شعر رمادي مربوط بإحكام، ترتدي رداءً أسودًا بسيطًا بلا أي زينة، لكنه نظيف ومشدود كدرع. وقفت كأنها قوس مشدود، تراقب الفتيات وكأنهن محاصيل في سوق لا يعرف الرحمة. سيليسيا، إلورا، وأكثر من عشرين فتاة أُمرن بالوقوف في صفٍّ مستقيم، أقدامهن حافية فوق الخشب المبتل، وجلابيبهن المُهترئة تُخفي ارتجاف أجسادهن. "أخفضن رؤوسكن. لا تتكلمن. لا تنظرن مباشرة إلى الجنود. ولا، تحت أي ظرف، تُظهرن ضعفكن." قالت المرأة، ثم تحركت بخطوات عسكرية نحو السلم الخشبي الذي تم إنزاله إلى الميناء. صعد الجنود أولًا، ملابسهم سوداء بخيوط حمراء على الأكمام، يحملون رموز الشمس المحترقة، شعار الإمبراطورية الفاليميرية. ثم جاءت عربات صغيرة، تُجرّها أحصنة نادرة بفراء فضيّ لامع. على رؤوس الخيول تيجان نحاسية مزخرفة، وعلى العربات شعارات مختلفة، كل واحدة تمثل جناحًا داخل القصر. من بين العربات، نزلت امرأة أخرى. كل من على السفينة صمت تلقائيًا عند رؤيتها. كانت ترتدي عباءة أرجوانية داكنة تُلامس الأرض، مطرزة بخيوط ذهبية دقيقة عند الياقة والأكمام. على رأسها شالٌ سوداء مرصعة بحبات العقيق الأحمر، وعلى صدرها شارة مذهبة تحمل رمز العنقاء المتوهجة، وهو شعار خاص لا يُمنح إلا للموظفات الأعلى مرتبة في القصر، الجوهرات، وسيدات الأسرار، والمُشرفات على جناح السلطانة الأم. اقتربت، وقبل أن تنطق، انحنت لها مشرفة السفينة، وهمست بلقبها. "السيّدة زيرينا... رئيسة الجواري." نظرت زيرينا إلى الفتيات دون أن ترمش، عيناها البندقيتان تُقيمان وتحكمان. كان لديها دفتر صغير جلدّي، تدون فيه الملاحظات، يتبعه قلم فضيّ لا يغادر يدها. "هؤلاء هم الأسيرات؟" سألت ببرود. "نعم، سيدتي. خمسة وعشرون فتاة، بين الرابعة عشرة والعشرين. معظمهن من داراسيلّيس وما حولها." هزّت زيرينا رأسها، ثم قالت. "أمامي خمسة وعشرون جسدًا، لا أكثر. من تليق بالخدمة، تُؤخذ. من لا تليق... تُعاد إلى السوق." رفعت يدها، فاقترب منها اثنتان من الجواري بملابس بيضاء مُحتشمة، يحملن ملفات وقطع قماشية للفحص. أمرت الفتيات بالنزول، واحدة تلو الأخرى، إلى العربة المفتوحة التي ستقلهن نحو القصر. سيليسيا شعرت أن أقدامها بالكاد تتحرك. كان عقلها مشوشًا، وكأنها تسير في حلم ثقيل لا ينتهي. _____ بعد ساعة من الرحلة الصامتة عبر طرق مرصوفة بالحجر الأبيض، ومحاطة بأشجار داكنة كثيفة، وصلت العربة إلى ساحة جانبية داخل القصر، محجوبة عن أنظار العامة. جدار رخامي يُحيط بالمكان، تتخلله أقواس ضخمة ونوافير صغيرة بنقوش زرقاء، فيما تتوزع الحُرس في زوايا المكان كأنهم تماثيل. تم إدخال الفتيات إلى قاعة مربعة، جدرانها ناصعة البياض، بلا نوافذ، ولا زينة، فقط طاولة خشبية واحدة في المنتصف، وكراسي مفردة موزعة على الجوانب. "كل واحدة ستقف أمام الطاولة عندما يُنادَى اسمها. ستُفحص. ستُسأل. وستُصنّف." قالت زيرينا وهي تتقدم إلى منتصف القاعة. بدأت الجواري المساعدات بالنداء، واحدة تلو الأخرى. "إلورا داريل." تقدمت إلورا، ترتجف، خافضة رأسها. "الاسم؟" "إلورا... داريل." "العمر؟" "سبعة عشر عامًا." تفحصتها إحدى السيدات، لمسة خفيفة للمعصم، فحص للعينين، ثم تحسس للعنق خلف الأذن اليمنى، حيث تُزرع عادة الطلاسم الطبية في بعض القبائل الشمالية. لا شيء. "بصحة جيدة، صوت ناعم، مظهر مقبول." قالت الفاحصة، ثم أومأت. زيرينا نظرت إلى إلورا، ثم دوّنت شيئًا. "ستُرسلين إلى جناح السلطان. قسم التهيئة الخاصة." رمشت إلورا، مفزوعة، لكنها لم تعترض. فقط عادت إلى مكانها بخطوات جامدة. مرت الأسماء واحدًا تلو الآخر، وكل واحدة تُرسل إما إلى جناح السلطان، أو إلى "جناح الهيبة العُليا"، والدة السلطان، أو إلى جناح "الوصيفات العاديات"، المرتبط بالأعمال المنزلية. ثم... "سيرافين إيلووين ديراسيلّيس." خرج الاسم من فم زيرينا وكأنه حجر يُلقى في صمت القاعة. سارت سيليسيا ببطء، ووقفت أمام الطاولة. نظرات زيرينا كانت حادة كالسيف. "اسمك؟" سيليسيا ترددت لحظة، لكنها قالت بصوت منخفض. "سيرافين إيلووين ديراسيلّيس." "العمر؟" "...اثنان وعشرون عامًا." "ماذا؟" سألت زيرينا بعدم فهم. فتوترت سيليسيا وقالت. "اوه اعتذر كُنت شاردة الذهن وأعدُ الفتيات....عُمري سبعة عشر عامًا!، مثل إلورا!، أظُن ذلك" تنهدت باحراج كونها تذكرت نفسها، بحق الجحيم هي الان بُعثت بجسد مختلف وعمر اصغر! ما هذا!. تقدمت السيدة الفاحصة، أجرت نفس الاختبارات، ثم توقفت قليلًا عند يدها اليمنى، حيث لاحظت أثر جرح قديم. "جرح قطعي... ليس عميقًا. لا يعيق الحركة." زيرينا رفعت حاجبها. "من أين هذا الجرح؟" كادت سيليسيا أن تقول "لستُ اعرف هذا ليس جسدي"، لكنها تمالكت نفسها. "لا أذكر. رُبما...سقطت في صغري." لم تُعلّق زيرينا. فقط كتبت شيئًا في دفترها، ثم قالت. "ملامح أرستقراطية. انضباط عالٍ. ليست مرهفة الصوت لكنها واضحة النبرة." ثم رفعت نظرها، وببطء. "سيرافين... ستُرسلين لجناح 'الهيبة العُليا'." صمتت الغرفة. حتى الجواري المساعدات تبادلن نظرات صامتة. لم يكن من المعتاد أن تُختار فتاة مباشرة لخدمة والدة السلطان... خصوصًا فتاة كانت أسيرة. لكن زيرينا لم تُفصح بشيء. _____ قادتهن امرأة ترتدي وشاحًا أزرق بلون السماء، مربوطة على خصرها مفاتيح نحاسية عدّة، تدلّ على مكانتها كخادمة دائمة في جناح خاصّ من القصر. عرّفت نفسها بلهجة حازمة. "أنا نيرينا، من خدمة الهيبة العُليا شخصيًا. أنتنّ الآن على أرضٍ لا تخضع لقانون السوق أو الحرس أو حتى السلطان. جناحها مملكة قائمة بذاتها، وكل خطوة فيه تُحسب." كانت الشمس تميل نحو الغروب حين عَبَرنَ ممرًا حجريًا عريضًا، جدرانه مزينة بلوحات نادرة مرسومة مباشرة على الحجر، تمثّل نساءً جالسات على عروش من الذهب والعقيق، يحملن تيجانًا مرصعة بالنجوم. لم يكنّ ملكات، بل "أمهات العرش" النساء اللواتي أنجبن سلاطين فاليمير، كانوا وحدُهم امهات السلاطين تُرسمن على هذا الحائط. في نهاية الممر، ظهرت بوابة ضخمة من خشب الأرز الأسود، محفور عليها رمز زهرة زنبق مُشتعلة شعار الهيبة العُليا، والدة السلطان كايليون أورين فالمير. انفتح الباب ببطء، بصوت يشبه تنفّس وحش قديم يستيقظ من سباته. ثم ظهر الجناح. الجناح لم يكن مكانًا بل عالَمًا. أرضيته من الرخام الأبيض الممزوج بخيوط فضيّة تتلألأ مع كل شعاع. الجدران عالية، مقوّسة في نهايتها، ومرصعة بأحجار كريمة صغيرة توزّع الضوء على شكل دوّامات زرقاء وزمردية. ستائر ثقيلة من الحرير الداكن تتدلّى من السقف، تتمايل مع النسيم مثل نسيجٍ حيّ يتنفس. وكان العطر... مزيج آسر من المسك والمريمية والعنبر. لم يكن عطرًا بل ذاكرة، كأن المكان يلفّك بذراع خفيّة ويغمرك بحضور أنثوي مهيب. نيرينا أشارت إليهنّ بالوقوف في صف. "انحنين عند دخول الهيبة العُليا. لا تنظُرن في عينيها مباشرة. من تتحدث دون إذن... تفقد لسانها." وقبل أن يستوعبنَ التحذير، سُمِعَ صوت خطوات ناعمة قادمة من الجهة اليمنى. توقّفنَ جميعًا، وانحنين. ثم ظهرت هي. الهيبة العُليا. امرأة في أوائل الخمسينيات، ذات حضور لا يُوصف. لم تكن جميلة بالمقاييس الشائعة، لكنها كانت آية في السمو. شعرها الأشقر الرماديّ مضفورٌ بأشرطة ذهبية، يتدلى على كتفٍ واحد كالشلال. ترتدي ثوبًا أسود حريريًا بلا زخارف، لا حاجة لها بزينة. تاجٌ ضئيل الحجم، دقيق التصميم، يزيّن جبهتها رمزًا لمكانتها كأمّ السلطان لا كزوجة السلطان السابق. نظرت إليهنّ نظرة واحدة فقط. كافية لتجمّد الهواء في الرئة. ثم قالت بصوتٍ عميق، رخيم، لا يحتمل الجدل. "من بينكنّ... من اسمها سيرافين ديراسيلّيس؟" ارتعشت سيليسيا، ثم تقدّمت خطوة، وانحنت أكثر. "أنا." صمت. ثم... "ارفعِي رأسك." رفعت رأسها ببطء، والتقت عيني تلك المرأة التي بدت وكأنها ترى من خلال جلدها. ثوانٍ طويلة، صامتة، تتفحّصها فيها بعين صقر. ثم قالت. "وجهك لا يُشبههم." سيليسيا لم تجرؤ على الرد. "لكن عينيك... عيناك فيهما شيء. شيء كُسِر ثم لُمِّع من جديد." استدارت نحو نيرينا. "اجعليها ضمن خدمتي الخاصة. في الجناح الداخلي." "أمرُك، مولاتي." أما البقيات، فأُمرن بالانضمام إلى قسم العناية، وهو طابقٌ سفليّ مخصص للخياطة، تحضير الملابس، وتنظيف المجوهرات. أما جناح الخدمة الخاصة، فهو النواة الصلبة للحريم الملكي. لا يُؤخذ إليه إلا المختارات بدقّة. _____ اقتيدت سيرافين عبر ممرّ حلزوني ضيّق، تتلوى جدرانه كما لو كانت أمعاء قصر ضخم يبتلعها بلا مقاومة. كان الممرّ مضاءً بفوانيس صغيرة ذات لهبٍ أزرق خافت، يُلقي ظلالًا متراقصة على الحجر المصقول كالعظام. رائحة البخور العالق في الهواء تحمل عبق خشب الصندل والعنبر، ممزوجة بشيء خفي يشبه الغبار القديم... أو الذاكرة. كلما مشت خطوة، شعرت أنها تغرق أكثر في عالمٍ لا يشبه عالمها. عالمٌ من الصمت المدجّن، حيث يُقال كل شيء بنظرة، وتُؤمر الأنفس قبل الأجساد. في نهاية الممر، فُتح باب خشبي ثقيل، كشأن كل أبواب القصر، ليُفضي إلى غرفة صغيرة، ذات سقف منخفض، تملأها رائحة النظافة والرتابة. السرير كان منخفضًا، مفروشًا بكتان ناصع البياض، بعناية صارخة تكاد تكون عسكرية. بجانبه طاولة خشبية عتيقة، حُفرت حوافها بزخارف من دوّامات وأوراق لبلاب، ويعلوها إبريق ماء من النحاس وصحن خزفي يحتوي على تمرتين. المرآة، وهي القطعة الأجمل في الغرفة، برونزية مؤطّرة بزخارف يدوية على شكل نوارس محلّقة. دخلت نيرينا خلفها، وأغلقت الباب بصوتٍ مكتوم، كأنها تحبس شيئًا بين الجدران. استدارت إليها بثبات وقالت. "من هذه اللحظة، لا اسم لك سوى 'سيرافين'. لا ديراسيلّيس، لا عائلة، لا أصل. في خدمة الهيبة العُليا، الماضي يُنسى." نطقت كلماتها كأنها تراتيل من طقسٍ قديم، كلمات لا تقبل الجدل. أومأت سيرافين، بصمت ثقيل، بين رغبة في الردّ وشعور بالفراغ. أكملت نيرينا، بصوتٍ أقل صلابة، لكن أكثر حدة. "أول درس: الهيبة العُليا لا تكرر أمرًا مرتين. إن طلبت الماء، تأتين به قبل أن تنهي الكلمة. إن وقعت عيناها على ثوب، تُحضّرينه في المساء التالي. إن نهضت من نومها قبل الموعد، فعليكِ أن تعرفي السبب قبل أن تُخبرك." ثم اقتربت منها خطوة، حتى شعرت سيرافين بأنفاسها. "وفهمتِ؟" "...نعم، سيدتي." جاء صوت سيرافين هامسًا، كأنها تُجرّب النطق في عالم لا يُحبّ الأصوات. نيرينا ابتسمت، لأول مرة، ابتسامة خفيفة، لم تكن شماتة... بل شيء أقرب إلى الشفقة أو الحنين. "لكِ عينان لا تنتميان لداراسيلّيس. لا تضيعِهما. إن رَضَيَتْ عنكِ، قد تصيرين شيئًا لا تحلمين به." تراجعت بعدها، وتركتها وحدها في الغرفة، بينما انغلق الباب من جديد بصوتٍ أقرب للقدر. في تلك الليلة، لم تنم سيرافين. نام الحجر، ونامت الأسِرّة المجاورة، ونامت الأصوات... إلّا عقلها. ظلّ يدور في حلقاتٍ مغلقة. الغربة كانت خانقة. المكان نظيف ومنظم، لكن نظافته خالية من الحنان. كل شيء هنا يُذكّرها أنها لست في المنزل. أنها غريبة... مقبولة لا محبوبة، مطلوبة لا مرغوبة. استلقت على السرير، تراقب خيوط الضوء المنعكسة على السقف من الفانوس الخارجي، وتفكر في الاسم الذي صارت تحمله، والاسم الذي فقدته. في الصباح التالي، استُدعيت إلى مجلس الهيبة العُليا. لم تكن تعرف إلى أين ستُقاد، ولا ماذا ينتظرها، لكنها مشت خلف الخادمة التي جاءت تأخذها، دون أن تنبس بكلمة. اجتازت قوسًا رخاميًا، يعلوه صورة من الفسيفساء يصوّر سمكة العنقاء وهي تُحرق جناحيها. دخلت بعدها إلى حديقة داخلية، ذات شكل دائري، يتوسطها حوض ماء تسبح فيه أزهار لوتس بيضاء وزرقاء. على أطراف الحوض، شُيّدت ممرات حجرية ضيقة، تؤدي إلى شرفات صغيرة. في الجانب الشرقي، جلست امرأة على مقعد من خشب الورد المصقول، مزخرف بأطرافٍ مذهّبة. شعرها الأسود كان مرفوعًا بعناية، وعيناها تلمعان بلون العقيق الداكن. كانت تقرأ كتابًا سميكًا، بينما بجانبها طاولة شاي من العاج. أشارت إليها دون أن ترفع عينيها. "اجلسي." فعلت. جلست عند قدميها، فهذا المكان الوحيد اساسًا. "هل تعرفين من أنا؟" "...أنتِ والدة السلطان...الهيبة العُلية؟." "أكثر من ذلك." رفعت نظرها نحوها، بعينين صافيتين، تخترقان ما وراء الوجه. "أنا التي ربّت كايليون على الخوف من الرحمة. أنا التي جعلته يذبح تمرد الجنوب دون أن يرتجف. أنا التي علمته أن الحُكم ليس عدلًا، بل توازنٌ بين الدم والذهب." أغلقت الكتاب بهدوء، ووضعته على الطاولة. "لكنكِ... راسلتِه بوقاحة.... أعرف ذلك." لم تُجب سيرافين، لا عنادًا، بل لأنها لم تعرف ماذا يُقال في حضرة كهذه. "أخبريني، ما اسم أمّك؟" تردّدت سيرافين، للحظة أطول مما ينبغي. الهواء من حولها صار أثقل، وكأن السؤال ذاته فخّ. "...لا أتذكر." رفعت المرأة رأسها من كتابها، عيناها تحوّلتا من العقيق إلى الخنجر. "لا تتذكّرين؟" أجابت، بصوتٍ خافت لكن صادق. "كأن شيئًا في رأسي... مغلق. أشعر بالذكريات، لكنها كأنها تخصّ امرأة أخرى. امرأة ماتت." سادت لحظة صمت. ثم قالت "الهيبة العُليا"، بصوت منخفض، وكأنها تُحدّث نفسها. "صدمة، إذًا؟" لم تجب سيرافين. "ربما أفضل. من لا ذاكرة له، لا ولاء قديم يشدّه من عنقه. نُعيد تشكيله من الصفر." ثم نهضت، واتجهت نحو الشرفة، وأشارت إلى البعيد. "انظري. من هذه النافذة، أستطيع رؤية جناح السلطان. هناك، يُصنع التاريخ. وأنتِ، إن أحسنتِ خدمتي... ربما تكتبين سطرًا منه. وأُدخلكِ للخُلوة." توقفت، ثم أردفت، بلهجة خافتة لكنها قاتلة. "لكن الولاء... أهمّ من الجمال، وأثمن من الذكاء." _____ ليلةٌ أخرى، وقاعة الجواري. تُضاء القاعة بفوانيس زيتية مُعلقة في السقف، تتمايل لهبها مع نسمات الليل التي تدخل من النوافذ العالية. عشرات الأسرّة مصطفة، ضيقة، مغطاة ببطانيات رقيقة. الجو حار قليلاً، ورائحة العرق والورد المخفف تملأ المكان. سيرافين جلست على سريرها، بثوبها القطني الأبيض، تمشّط شعرها البرتقالي بصمت، تفكّر في كلمات الهيبة، وتلك النظرة الطويلة التي ألقتها عليها قبل أن تُنهي المجلس. وفجأة، في منتصف الليل، انفتح باب القاعة بصوت خافت. التفتت الفتيات. دخلت إلورا، ترتدي فستانًا أحمر قانٍ من الحرير الخفيف، يلتصق بجسدها كوشاح حي. كانت تبتسم ابتسامة واسعة، ووجنتاها متوردتان، وعيناها تلمعان بشيء أكثر من الفرح... شيء كالنشوة. ركضت نحوها عدة فتيات. "كيف كانت الخُلوة؟" سألت إحداهن. "هل لمس وجهك؟" قالت أخرى. "هل... هل كان لطيفًا؟" ضحكت إلورا، ووقفت وسطهن كنجمة في مسرح دائري. "قاسي، وبارد... لكنه مثير للغاية. عيناه، يا إلهي... تشبه الليل حين يغضب. لم يقل شيئًا كثيرًا، لكنه جعلني أشعر أنني الوحيدة التي يتذكرها الآن. أنا واثقة أنه سيطلبني مرة أخرى." ثم جلست بجوار سيرافين، التي كانت تراقب من بعيد، دون أن تُظهر أي ردة فعل. "قالت لي الهيبة العُلية أني نضجت. وأنه آن أوان التجربة. خفت في البداية، لكن... يا لَروعة الشعور." سيرافين ابتسمت لها، ابتسامة صغيرة بلا صوت، ثم وضعت يدها على كتفها وربّتت عليه. "أنتِ قوية." قالت سيرافين، بصوتٍ خافت. ثم استلقت بهدوء، تدفن وجهها في وسادتها الرقيقة. كان عليها أن تستيقظ في الفجر، لتُحضّر ثياب الهيبة العُليا قبل أن تفتح عينيها. لكن داخلها... كان بعيدًا عن النوم. بعيدًا جدًا. . . . . . . . . . . شو رايكممم؟ تعليق؟؟؟ الاجواء؟ سيرافين؟ ادخلوا صفحتي لُطفًا وتابعوني هنا وعلى التيكتوك والانستا، 🌹. حساباتي: Tiktok: elara.nya Insta: elara.nya سينيورينا ايلارا كانت معكم🤍🌹!.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

Astaria | أسْتاريا

المؤلف elara nya
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (4)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة