ستة عشر طفلاً قضت سالي باقي يومها في غرفتها الجميلة، تأتيها الست ذكية بغدائها وعشاءها في أوقاتهم، ومضى الوقت وهي تفرغ حقيبتها وتنظم خزانة ملابسها، وغيرت قليلاً في شكل وترتيب غرفتها لتلائمها أكثر، والأهم من ذلك جلست تعيد ترتيب أفكارها، وتتخيل لقاءها بالأطفال وحجم المسؤولية التي تقع على عاتقها الآن، فمع ستة عشر طفلًا وطفلة الوضع لن يكون سهلًا بكل تأكيد. تقلبت على سريرها الجديد والمريح، وهمست مُفكرة: - "ستة عشر طفل، هذا عدد كبير حقاً". كانت في الواقع مُندهشة من تقلبات القدر المُفاجئة، فمنذ أسبوعين فقط حسمت أمورها بعد الاستقالة، وخططت كيف سيكون شكل حياتها الجديدة، ورسمتها بطريقة لطالما تخيلتها، كان لديها الكثير من الأحلام التي راودتها وسعت في تحقيقها، وعندما خطت أول خطوة في طريقها جاءها هذا الاتصال القدري من مدير المستشفى دكتور "نوفل"، والذي عارضها في أمر استقالتها مُعارضة شديدة، ودبر لمنعها من هذا القرار، ويبدو أنه بالفعل نجح في ذلك، استرجعت سالي كلامه: - "سالي، أنتِ تلميذة قديرة والأهم من ذلك ابنة عزيزة، أنا أحاول أن أجنبك الحياد عن الطريق، فأنت مُستقبل طبيبة ممتازة، لا يهم إن مشيتي ببطء أو تعثرت، ولكن دون أن تضلي الطريق، وهذا واجبي بصفتي رئيسك أن أوجهك وأساعدك في مثل هذه الأمور وأجنبك مثل هذه القرارات المتهورة". في الواقع لم ترى أبدًا أن استقالتها كانت قرارًا متهورًا، بالعكس رأت أنه أهم وأنسب قرار اتخذته في حياتها وتحمست له جدًا، أما الآن تبدل الوضع، لا تعلم الآن كيف ستسير الأمور معها، أو كيف سيكون مستقبلها خاصة أنها لم تبتعد كثيراً عن طريقها المهني الذي كانت قد قررت بكل ثقة الابتعاد عنه، لكنها لا تنكر أنها شعرت في قرارة نفسها ببعض الأمل، خاصة في بيئة عمل مُختلفة، ربما كان ذلك ما تحتاجه، تغير البيئة، أو ممارسة مهنتها بطريقة مُختلفة عما اعتادت عليه، فرصة جديدة لاحت في الأفق ستخوض غمارها إن اعجبتها اكملت وإن لم تعجبها ترحل بكل بساطة، فقط شهر وكل شيء سيتضح، لكن للأسف الخوف ما زال حاضراً، التوتر لا يزال كما هو، والأرق تتمنى أن تتخلص منه، تغيرت حياتها ومازالت مُلتصقة بتلك المشاعر السلبية كما يلتصق الفأر بالمصيدة، نفضت أفكارها وتقلبت مُتنهدة على السرير، والتقطت هاتفها لتتصل بوالدتها، لم تمر ثانيتين، وسمعت الصوت المُتلهف، كانت والدتها الشخص الذي شجعها على قبول عرض دكتور "نوفل": - "سالي كيف حالك، اتصلت بكِ عدة مرات، كيف سارت الأمور، أخبريني!". ابتسمت سالي على الحماس المُنفجر من الهاتف: - "أعتذر ماما، لم أنتبه للهاتف، الأمور بخير". - "كيف هو المكان عندك؟". تأملت سالي غرفتها وقالت: - "المكان مُختلف قليلًا عما تخيلته، ولكنه جيد سيدة المنزل لطيفة جداً". سمعت نفساً مرتاحاً في الجهة الأخرى: - "هذا جيد". كان هناك صمت قطعته والدتها: - "ابنتي، هل تشعرين بالراحة؟، لا تتردي في الاستقالة على الفور لو شعرتي بعدم الراحة". - "ماما لا تقلقي هذا يومي الأول، اتفقت مع مديرة المنزل أن اتعايش مع الوضع لمدة شهر، إن لم أعتد على الأمر سأرحل على الفور". سكتت المرأة لثوان ثم تحدثت بصوت خافت مُتردد: - "سالي ...". - "نعم؟". - "حبيبتي، أيا كان ما تفعلينه، وأيًا كان قرارك فيما يخص مُستقبلك، سأكون أول داعم لك، اعلمي دائماً أن أمك لن تتخلى عنكِ أبداً". صدمت سالي من هذه الكلمات التي تصدر من والدتها لأول مرة، فلم تُكن العلاقة العاطفية بينها وبين والدتها تغطيها مثل هذه التعبيرات والعاطفة المُفصح عنها بصدق، وهذا أثار استغرابها، ولم تشعر بنفسها وهي تبتسم، ولكنها شعرت بالدموع الميتة في عيونها وهي على وشك الاستيقاظ، فأغمضت عينيها لتمنعهم: - "شكراً ماما، أحبك". - "وأنا أيضًا، اهتمي بنفسك وبصحتك عزيزتي، ولا تخسري المزيد من الوزن". ضحكت سالي: - "حسنًا لا تقلقي". جاء صوت أمها الصارم: - "سالي أنا جادة في حديثي، لا أريد أن أراك المرة القادمة ووزنك أقل من 60 كيلو". قالت سالي بمرح: - "سأخبرهم هنا أن يهتموا بغذائي حتى أصبح كالبقرة، ماما أنا في التاسعة والعشرين، لقد كبرت على مثل هذا الكلام!". ردت والدتها بعند: - "60 كيلو، هل تفهمين؟". غيرت سالي مجرى الحديث: - "حسنًا أخبريني ما أخباركم، هل تحتاجون إلى المال". كان هناك صمت على الهاتف لمدة ثوانٍ، ثم تحدثت المرأة بصوت مبحوح: - "نحن بخير لا تقلقي علينا، اهتمي فقط بنفسك". شعرت سالي بأن هناك خطب ما، فقالت بقلق: - "حقا؟". قالت والدتها بسرعة: - "حقاً، أهتمي فقط بنفسك". سألتها سالي: - "أين زينة؟". - "ليست هنا، ستحدثك فور عودتها". - "لا بأس سأتصل بها فيما بعد". أنهت المكالمة وهي تشعر بالخجل من هذا الموقف العاطفي بين الأم وابنتها، بعد الكثير من الخلافات والنزاعات وسوء الفهم بينهما، ربما بدأت والدتها تفهم الآن ما تمر به من تشتت وضياع نفسي، وهذا هدأ قليلاً من خوفها وحاوطها ببعض الاطمئنان، استرجعت المُكالمة مرةً أخرى فتدحرجت على السرير بخجل في مُحاولة للتغاضي عما حدث. التقطت سالي فيما بعد كتابًا عن تاريخ الموسيقى، أمست تقرؤه حتى قاطعها ضجيج الأطفال في الخارج، فقالت برهبة: - 'يبدو أنهم عادوا'. *** في غرفة الطعام الكبيرة جلس خمسة عشر طفلاً وطفلة، أكبرهم حسن البالغ من العمر 16 عاماً، وأصغرهم ماريا التي لم تكمل عاماً، كان الأطفال يثيرون الشغب مع إخوتهم الأكبر منهم، كانت أصواتهم عالية تخالطها أصوات الملاعق والأطباق والتذمر والضحك والأحاديث الجانبية، فقاطعتهم السيدة أنيسة وهي تضرب بكفها على الطاولة لينتبه إليها الجميع: - "يا أولاد اهدئوا قليلاً! أريد أن أحدثكم في أمر ما". صمت الأولاد بسرعة، وبعد ثوان من الصمت تأكدت السيدة أنيسة أن الأولاد يعيرونها الانتباه، فقالت مُعلنة: - "اليوم وصلت الطبيبة الجديدة، اسمها سالي". فصرخت لارا: - "لقد رأيتها، إنها مُخيفة وستعطينا جمعياً الحقن". قالت أنيسة وهي تمسح ظهر الطفلة التي تجلس بجوارها: - "اصمتي يا لارا، أريد أن أكمل كلامي، أتمنى منكم أن تعاملوها بصبر وأدب". تدخل حسن قائلاً وملامحه يكسوها الملل والبرود: - "لا أعلم ما الحاجة لوجود طبيب؟، هذه رفاهية مبالغ فيها". قالت السيدة أنيسة بصرامة: - "حسن أنت الأكبر فأحسن التصرف، نحن نحتاج بالفعل إلى طبيب مُقيم يتعامل بسرعة مع الحالات الطارئة، كما ترى علي كان مُصاباً بالإنفلونزا، واحتجنا إلى طبيب بصفة مُستمرة، أختكم الصغيرة ماريا ما زالت رضيعة ومشاكلها الصحية كثيرة ومستمرة، كما أن عددكم كبير لذا نحن نحتاج إلى طبيب بصفة ضرورية". قالت ليان عندئذٍ: - "أتمنى ألا تكون مثل الدكتورة نادية". أنيسة وهي تتنهد: - "مازالت شابة صغيرة، اعتقد أنكم ستتوافقون معها". قالت فرح وهي تعبث بهاتفها، وتسند خدها بقبضها وعلى يدها اسورة مصنوعة من الصوف: - "جميعهم في النهاية أطباء". قالت لارا: - "إنها فظيعة يا فرح، لقد رأيت الحقنة". ردت عليها سارة: - "لا يا لارا، لم يكن معها حقنة". أغمضت أنيسة عينيها بيأس للحظات، ثم قالت: - "كفاكم تذمراً يا أطفال، ستتعرفون عليها قريباً وستدركون كم هي لطيفة جداً". قالت نور بابتسامتها اللطيفة: - "ماما، لماذا لم تنضم إلينا على الغداء؟". ردت أنيسة عليها: - "أخبرتني أنها مُتعبة وتفضل قضاء باقي اليوم بمفردها". جاء رد حسن سريعاً: - "هذا أفضل، اتمنى ألا تنضم إلى الأبد". تنهدت السيدة أنيسة ثم تذكرت مُلاحظة، ووجهت حديثها إلى رحيم: - "رحيم بالمناسبة الآنسة سالي تعزف على العود". استبشرت ملامح رحيم بهذا الخبر: - "حقاً؟، هل أخبرتها عني؟". - "لا، تحدثنا فقط التفاصيل المُهمة، طلبت منها فقط أن تعلمكم الموسيقى في أوقات فراغها، ولكنك يا رحيم ستنتظم على دروسك مع الأستاذ أحمد". تدخل حسن بعنف: - "نحن لم نطلب أن نتعلم الموسيقى". نظرت إليه أنيسة بصرامة وقالت: - "ومن سيجبركم على هذا؟ من يريد التعلم فليطلب من الآنسة سالي أن تعلمه". قال فؤاد بكلماته المتلعثمة: - "انا سأتعلم يا ماما". وانقاد وراءه الفراخ الأربعة كل يريد ان يتعلم أيضاً، لتتدخل السيدة مُنى وهي تغرف القليل من الأرز في طبق عبدالله: - "لا أرى حاجة لتعلم الموسيقى، وقت الأطفال لن يسمح بذلك من الأساس". - "كلامي واضح يا منى، من يريد أن يتعلم فليطب منها، أنا فقط أطرح الفكرة". قالت نور بهدوء: - "أحب أن أجرب يا ماما". نظر أحمد إلى نور باستغراب ولم يُعلق، فأكملت الطفلة الكفيفة: - "أشعر أنني أريد أجرب، ربما أحب الأمر وأمارسه كهواية مثل رحيم". رد رحيم على نور قائلاً بحماس: "ستحبين ذلك يا نور". كانت فرح تدقق النظر في هاتفها، فصعد يحيى على الكرسي المجاور لها وهو يتطفل عليها ويريد مشاركتها، ولكن فرح ابعدته برفق قائلة: - "يحيى ابتعد، لا يجوز التطفل على الآخرين". ولكن الفتي نظر إلى الهاتف بفضول قائلاً: - "اريد أن العب مثلك". - "ولكني لا ألعب عليه يا يحيى، هيا ابتعد عني وأكمل طعامك". دفعته فرح عنها، فكور الفتى شفتيه بحزن وقال: - "ماما فرح ترفض أن العب على هاتفها" نظرت أنيسة إلى فرح وقالت بصوت صارم: - "فرح اتركي الهاتف قليلاً! وأنت يا يحيى تعال هنا بجوار اخوتك لتتناول غدائك". لم تستطع فرح مجادلة أمها فأغلقت هاتفها وهي تنظر بعتاب إلى الفتى الصغير الخبيث الذي قاطع محادثتها المهمة مع أصدقائها. غيرت أميرة الموضوع وقالت: - "ماما متى سيعود أبيه خالد؟". تدخلت فرح بسرعة وردت نيابةً عن أنيسة: - "تحدثت معه بالأمس، كان مشغولاً للغاية وأخبرني أنه لا يعلم بعد متى سيعود هو ومحمود". اكملت حديثها بتنهد: - "اشتقت إليه كثيراً". قالت انيسة وملامحها يكسوها القلق: - "اعتقد ان سيعود في أي وقت خلال اليومين القادمين، هذا الولد الغامض لم ينعم علي بالراحة أبداً". ردت عليها أميرة بنبرة جادة مُعاتبة: - "ماما هو ليس ولد، أبيه خالد رجل كبير، لا يجوز ان نقلل منه بكلمة ولد". ابتسمت السيدة انيسة على عتاب اميرة الرزين والمشروع، والذي يحمل بين طياته لمسات طفولية لذيذة، كانت قلبها مغمور بالامتنان لله وهي ترى ثمارها الصغيرة وهي تنضج وتكبر أمام أنظارها لتصبح بهذا الجمال الخلاب، حتى أنها شعرت بالخوف أن تصيب ما يخصها بالحسد، قالت بابتسامة جميلة: - "هيا أكملوا طعامكم يا أولاد". *** اجتمع الأطفال مساءاً في غرفة المعيشة، داعبت فرح أختها الصغيرة ماريا التي استيقظت للتو من نومها، وشدت برفق وجنتيها المصبوغتان باللون الأحمر وهي تقول: - "من منكم يستطيع تخمين المدة التي ستقضيها تلك الطبيبة هنا في المنزل؟". تنهدت ليلي قائلةً: - "لا أعلم لماذا ماما وأبيه خالد مصران على وجود طبيب معنا". أخفضت الفتاة صوتها وهي تمثل البكاء: - "يكفي علينا الست منى، لقد أصبحت لا تطاق مؤخراً". عقب حسن الذي يلعب مع أحمد البلايستيشن على كلام ليلي: "إنها لا تكف عن التدخل في شئوني". قالت أميرة وهي تقلب صفحة كتابها: - "من الأفضل أن تبقى معنا ولا ترحل، حتى لا يأتي غيرها ونستمر داخل تلك الحلقة المفرغة، كما أن ماما وأبيه لم يعد لديهم الوقت ولا المجهود الكافي لملاحقة مشاكلنا، وجود الطبيبة معنا هنا سيوفر كثيراً عليهم". تساءلت ليان وهي ترتب لعبة البازل مع عبدالله: - "لماذا أنت متضايقة من وجودها يا فرح؟، لا أعتقد أنها مثل الدكتورة نادية". قالت فرح وهي ترفع ماريا وتداعبها حتى تقهقه: - "ولماذا أفعل هذا؟ أنا فقط أتساءل، بما أن الدكتورة نادية لم تبق معنا 5 شهور، لارا أنتم رأيتموها كيف هيّ؟". سألت فرح لارا التي كانت تجلس بجوار أحمد في انتظار دورها، ردت عليها الطفلة الشاردة في اللعبة دون أن تلتفت: - "مخيفة، كانت ستعطينا حقنة". قالتها وكأنه نص حفظته من قبل، عاتبها شقيقها التوأم الذي يقف مثلها في انتظار دوره: - "لارا تكذب يا فرح". تنهدت فرح وأدركت أنها لن تحصل على إجابة واضحة من أطفال لم يبلغوا الخامسة بعد، فقالت نور بهدوء: - "ماما قالت أنها طبيبة صغيرة السن، ربما تكون ألطف من الدكتورة نادية، أليس كذلك؟". عقبت أحمد على كلام نور وهو يتمايل بجسده مع الذراع الخاص باللعبة: - "أنا أعتقد ذلك أيضاً". قال عبدالله دون تفكير: - "وهل جربتي أنت ورحيم قسوتها يا نور؟، نحن من تم معاملتنا بقسوة وإهمالنا وليس أنتم". صدمت تلك الكلمة جميع من في الغرفة، فصاح حسن بصوت خشن: - "عبدالله!". قالت فرح وهي تضع ماريا على ساقيها وتنظر بغضب إلى عبدالله: - "عبدالله، التزم حدودك عند الكلام، وإلا سأخبر أبيه وماما، وأنت تعرف كيف يكون عقابهم لك". اقشعر جسد ليلى وهي تقول: - "هذه الدكتورة كانت مخيفة من الجيد أنها رحلت، لن أنسى لها يوم جلوسها فوق علي، أتمنى ألا تكون الطبيبة الجديدة مثلها، لن أتحمل هذا!". قال رحيم الذي يتابع لعب أخويه: - "الدكتورة سالي موسيقية وبالتأكيد هي شخص لطيف، أنا متحمس جداً لمقابلتها". صرخت ليان على عبدالله الذي فكك اللعبة بعد أن قطعا شوطاً فيها: - "عبدالله لماذا فعلت هذا! سنضطر لإعادتها". نهض الفتى وهو يقول بمكر: - "افعليها بمفردك". قال حسن المشغول في اللعبة أمامه: "دعيه يا ليان، فيومه غداً سيكون طويل جداً". نظر حسن إلى أخيه بخبث، فأحمر وجه عبدالله وخرج بسرعة الفتى من غرفة المعيشة. سألت ليان حسن: "ماذا تقصد يا حسن؟". لم يرد حسن واكتفى بالابتسامة وهو يتذكر أمه وهي توبخ الفتى على سرقته الكيك. رفعت ماريا يديها السمينتان لتلتقط زجاجة الحليب الخاصة بها من يد فرح، حتى جاء لفرح رسالة على هاتفها، تفحصتها من الخارج ثم نهضت بسرعة، وسلمت الطفلة لحسن على عجل وهي تقول: - "حسن أرجوك أطعم ماريا، قبل أن تأتي الست منى". قهقهت الطفلة عندما رأت أخوها الكبير الذي تأملها قليلاً بحيرة، ثم اعطاها مرادها اللذيذ والذي شربته بنهم. *** أمسى الليل وأصواتهم الضجيج الصادرة من الطابق الأول ما زالت تغمر أجواء المكان، انتبهت سالي لها جيداً وهي تفكر في مستقبلها في هذا المنزل ومع هؤلاء الأطفال، وغرقت في افكارها حتى خلدت إلى الفراش باكرًا في التاسعة وهي تدعو الله أن تنام بسلام دون أن يبقيها الأرق مستيقظة حتى ساعات الفجر الأولى، أغمضت عيناها مُستعدة لليوم الجديد والذي بالتأكيد سيكون حافلًا بالأحداث. في التاسعة والنصف صباح اليوم التالي، جلست سالي على سريرها وحول عيونها هالات سوداء، وهي تتمتم بسخط: - 'لم أستطع النوم بسبب تلك الشجرة المجنونة'. نهضت من سريرها وفتحت النافذة لتتفقد الشجرة المعنية، كانت شجرة كبيرة لم تستطع تحديد نوعها، بعض أغصانها تواجه نافذتها، هذه الأغصان منعتها من النوم بهناء، ظلت تتقلب طوال الليل تحت أنغام تلك الشجرة ولم تنم إلا في الخامسة فجرًا، حاولت التفكير بمنطقية، ولاحظت أن الشجرة ليست مُلتصقة مُباشرةً بنافذتها إلى الحد الذي يبقيها مستيقظة طوال الليل: - 'ربما كانت الرياح'. من الوارد مع حلول الخريف أن تهب الرياح، ولكن بهذا الشده وطوال الليل؟، كما أن الجو مُشرق لا غبار فيه، ففتحت هاتفها لتتفقد الأرصاد ولم تجد خبرًا يفيد بهبوب رياح في تلك الليلة، فزادت حيرتها، ولكن الساعة في هاتفها جعلتها تنهض على عجل، لتغتسل وترتدي ملابسها، فاليوم ستتفقد عيادتها الصغيرة وتتعرف على الأطفال، الستة عشر، بعد أن فوتت أول فرصة على الفطور للتعرف عليهم. خرجت سالي من غرفتها ومشت بهدوء تتأمل المكان، الحوائط البيضاء النظيفة مُزينة بصور كثيرة للأطفال في لحظاتهم السعيدة، وقفت تتأمل الصور، وارتسمت ابتسامة جميلة على شفتيها، لكنها لاحظت أن معظم الصور يظهر فيها رجل، نفس الرجل يقاسم الأطفال في الكثير من اللحظات، حتى الأطفال في بعض الصور يقفون أو يتعلقون به بسعادة، خمنت سالي أنه خالد ابن السيدة أنيسة الذي تحدثت عنه بالأمس، وبينما وهي تتأمل اللقطات السعيدة قاطعها صوت: - "هذه أنت يا دكتورة؟". التفتت لترى ذكية تقف في الطرقة: - "صباح الخير ست ذكية". - "صباح الخير يا دكتورة، السيدة أنيسة أرسلتني لأطمئن عليك، الساعة الآن قاربت على العاشرة". - "اعتذر على التأخير، أرجوك أرشديني لمكان السيدة أنيسة". كانت السيدة في مكتبها في الدور الأول، وكعادتها التي اكتسبتها سالي مؤخراً، عدلت من وقفتها ثم طرقت الباب ولم تدخل إلا عندما سمعت صوت السيدة يخالطه صوت أغنية للست أم كلثوم: - "أدخلي يا دكتورة". أغلقت سالي الباب وهي تقول: - "صباح الخير". كانت أنيسة تجلس على أريكة مُريحة وأمامها فنجان من القهوة، وهاتفها يخرج منه صوت الست العذب في مطلع أغنية "ذكريات" قائلةً:  [ذكريات عبرت افق خيالي.... بارقاً يلمع في جنح الليالي، نبهت قلبي من غفوته.... وجلت لي ستر ايامي الخوالي] شعرت سالي وكأنها قطعت خلوتها الخاصة، خاصة أنه كان على وجه المرأة العجوز بقايا مشاعر خاصة، يبدو أنها كانت مُسترسلة وتائهة فيها، كافحت المرأة لمسح هذه المشاعر، وابتسمت وهي تخفض صوت الهاتف قليلاً حتى صار كالهمس، واعتدلت في جلستها، مُتحدثة: - "اجلسي يا دكتورة". جلست سالي والمرأة تكمل حديثها: - "هذا الباب لا يطرقه إلا القليلون ويبدو أنك صرت منهم، فكما تعلمين ستة عشر طفلاً لن يطرق جميعهم الباب". ردت على السيدة المسنة بابتسامة لطيفة: - "نحتاج مع الأطفال الكثير الصبر وطول البال". تنهدت المرأة قائلةً: - "هذا صحيح، أخبريني كيف كانت ليلتك الأولى؟". ظهر الاستياء للحظات على وجه سالي، عندما تذكرت الشجرة ثم بدلته باعتذار: - "اعتذر حقًا على التأخير، كنت مُرهقة ويبدو أنني استغرقت في النوم ولم أنتبه إلى الساعة". - "إطلاقًا عزيزتي لا تعتذري، الأيام الأولى ستكون هكذا نظرًا للتغيير المُفاجئ، وليس مطلوب منك الاستيقاظ أو النوم في ميعاد محدد، هل تفقدتِ مكتبك؟". - "ليس بعد". وضعت المرأة فنجان القهوة الذي فرغت منه وهي تقول: - "حسناً، تناولي فطورك أولاً وذكية سترشدك بعدها إلى المكتب، ستجدين ملفات صحية للأطفال تستطيعين الاطلاع عليها، وإن أردتِ أن تتفقدي المكان وتأخذين جولة فافعلي على راحتك، وبالنسبة للأطفال فتوقيت عودتهم من المدرسة الساعة الثالثة مساءًا، والغداء الساعة الرابعة". كانت سالي مُشتتة مع همس أم كلثوم وهي تكرر: [كيف أنساها وقلبي لم يزل يسكن جنبي، إنها قصة حبي]. فلاحظتها السيدة أنيسة ورفعت حاجبيها مُتسائلة: - "ألا تحبيها أنت أيضًا؟". ردت سالي بسرعة وهي تنفي عنها هذه التهمة الشنيعة: - "على الإطلاق". ثم أكملت دفاعها عن نفسها بصدق: - "في الواقع لم تكن تستهويني وأنا صغيرة، ولكن بعد ممارستي الموسيقى، تغير مزاجي الموسيقي وصرت لا استمتع إلا بالكلاسيكيات". قالت أنيسة براحة: - "كم أسعدني هذا، كما تعلمين الأطفال والشباب هذه الأيام لا يشعرون بالراحة عند سماع هذه الأغاني ولا يستسيغون حتى صوت أم كلثوم، أسمعها دائمًا وهم في الخارج". اعتذرت سالي نيابةً عنهم: - "هم معذورون، فالألحان والكلمات مُعقدة من وجهة نظرهم، ووقعها صعب على مسامعهم، خاصةً في زمن مثل هذا، أصبحنا لا نتقيد بمعظم هذه الجمل الموسيقية أو المُصطلحات اللفظية، والشباب يحبون الأسرع والأسهل". رفعت المرأة حاجبيها بإعجاب: - "أنت محقة، لم أتوقع أنك ستوضحين هذا الأمر بهذه الطريقة السلسة، من الواضح أنك موسيقية جيدة". لم تستطع سالي تحديد معنى كلامها، ولم تجد ردًا عليها، فعقبت المرأة على كلامها: - "لا تحتاري هذا مدح، فمعظم الشباب هذه الأيام يفتقدون إلى العمق، وأنا ألاحظ فيكِ عمقًا خاصًا وجميلًا، يتلاءم مع ذوقي". ابتسمت سالي بحرج لمدح المرأة التي استأنفت كلامها: - "في الحقيقة أنا مُتحمسة للاستماع إلى عزفك على العود، أنا شخص يحب الجلسات الموسيقية وافتقدها هذه الأيام، لذلك أتمنى ألا يكون لديك مانع، وتتحملي أن تكون المرأة العجوز رفيقتك فيها". عدلت الطبيبة الشابة جلستها الغير مُرتاحة: - "لا مانع لدي بالتأكيد، ولكن أنا لم أجلب العود الخاص بي معي". ردت عليها أنيسة ببساطة: - "ليست بمشكلة كبيرة، لدينا هنا غرفة للموسيقى، إن أحببتِ أن تتفقديها فأطلبي من ذكيه أن تريها لك، لا أحد يدخلها هنا في المنزل غيري أنا ورحيم". ظهرت إشراقة على وجه سالي: - "حسناً سأتفقدها في أقرب وقت". أدركت سالي بالفطنة أن هذا هو نهاية الحديث، ومن المهم جداً أن يمتلك الإنسان هذا النوع من الفطنة، فقالت وهي تنهض: - "سأستأذن الآن سيدتي". ابتسمت المرأة بلطف: - "حسنًا تفضلي عزيزتي". كان حوار قصير نهضت بعده سالي لتترك المرأة لحالها الذي كانت عليه قبل قليل، وقبل أن تخرج من الباب، نادتها السيدة انيسة: - "سالي". التفتت لها، وابتسمت المرأة باعتذار: - "اسمحي لي أن أناديكِ سالي بين بعضنا البعض، فأنت في عمر أبنائي". ابتسمت سالي ابتسامة وصل لعينيها التي تقوستا: - "لا بأس، سأكون أكثر راحة دون رسميات". - "هذا ما أود أخبارك به، لا أحب أن تشعري أنك في عمل رسمي، خذي راحتك في المنزل وتجولي كما تشائين، لا تتردي في طلب ما تحتاجينه مني أو من ذكية، والعيادة ليست لزامًا عليك هي فقط في حالات الطوارئ، وأتمنى أن تعاملي الأطفال أيضاً دون رسميات، حتى لا يشعروا بعدم الراحة". اشارت سالي برأسها: - "تمام". وخرجت من الغرفة، وصوت أم كلثوم يعلو ورائها بالتدريج: [ذكريات داعبت فكري وظني... لست أدرى ايها أقرب مني، هي في سمعي على طول المدى... نغم ينساب في لحن اغنى، بين شدو وحنين وبكاء وأنين... كيف انساها وسمعي لم يزل يذكر دمعي]. وبدأت سالي جولتها في المنزل، وهي تلقي تحية من حين إلى حين إلى أم بديلة، خادمة، أو عامل، كانت الأجواء حيوية جداً في المكان وهذا ما أحبته، تفقدت القاعتان الرئيستان في المنزل، القاعة التي تم استقبالها فيها للضيوف، والأخرى مُنفصلة عنها ليس فيها الكثير من الأثاث، يتوسطها نافورة شبيهة تماماً بالتي رأتها في الحديقة ولكنها أصغر قليلاً من مثيلتها، كانت محتارة من وجود نافورة ماء داخل منزل، ولكن الفكرة أعجبتها، وظلت تتأملها قليلاً مُنبهرة بجمالها الأخاذ، خاصةً عندما تتسلل أشعة الشمس من النوافذ وتنعكس عليها مثل مثيلتها في الخارج، لم تبق سالي كثيراً في القاعة وغادرت لتعثر على وجهتها الأولى وهي المطبخ، كانت معدتها تتلوى من الجوع الشديد فهي لم تأكل منذ التاسعة مساءًا والآن العاشرة والنصف صباحًا. عثرت سالي على قاعة الطعام وتجولت فيها، كانت كبيرة جداً، أنيقة ومُنفصلة عن المطبخ الفعلي، تجولت حول طاولة الطعام الكبيرة، الواسعة والتي تستوعب الكثير من الأفراد، حاولت سالي أن تحسب الطول فخمنت: - 'خمسة أو ستة أمتار مثلاً، إنها ليست طاولة بل مائدة طعام'. همست وهي تلمسها: - "بالتأكيد منزلاً كهذا يليق به مثل هذه القاعة والمائدة". كان هناك ثلاث نوافذ كبيرة في المطبخ تطل على الحديقة، وقفت تتأمل من خلالها الدفيئة الزجاجية التي أثارت شغفها وأرادت أن تتفقدها بأسرع وقت، خاصة أن هذه أول مرة ترى دفيئة في حياتها، وبينما وهي على هذا الحال، قاطع تأملها صوت خطوات تأتي من المطبخ، لترى فتاة شابة مُسترسلة بالدندنة تمسك بين يديها طبقاً ملياً بالفاكهة، والتي يبدو أنه تم غسلها للتو. تفاجأت الفتاة فور رؤيتها للدخيل الذي يقف في منتصف في قاعة الطعام، فبادرت سالي بالكلام بسرعة: - "اعتذر، يبدو أنني فاجأتك، أنا الدكتورة سالي". تحولت تعابير الفتاة من المفاجأة إلى الترحيب: - "صباح الخير يا دكتورة، لقد أخبرتني عمتي عنك". ونادت الفتاة بصوت عالٍ: - "عمتي ذكية، تعالِ". جاءت المرأة بسرعة ومعها فتاة شابة أخرى، يتفقدان هذا النداء المُفاجئ: - "آه، هذا أنت يا دكتورة، ارتاحي هنا وفطورك سيكون جاهزاً على الفور، إسراء وندى بنات أخي يُساعدانني هنا في المطبخ". رحبت سالي بابتسامة لطيفة: - "مرحباً، كيف حالكم؟". بدأت الفتاتان تثرثران مع سالي، بينما عمتهما تُجهز الفطور، لاحظت سالي أنهما جميلتان كعمتهما وخفيفتا الظل، استمتعت بثرثرتهما التي تعودت على مثلها أثناء عملها في الاستقبال مع أهالي الأطفال، فصار لديها الملكة في الاسترسال والتوافق معهم في الحديث، حضرت لها ذكية الفطور الذي اكتفت فيه سالي ببعض الجبن والطماطم والخبز البلدي، وبجواره الشاي والحليب الذي طلبته بامتنان وبالطبع الكيك الذي كان متوفراً اليوم قالت الست ذكية بابتسامة مرحة وهي تقدمه لسالي: - "هذا الكيك من صنع عبدالله، نهض في السادسة صباحاً مشكوراً ليساعدني في خبزه". نظرت سالي إليها وهي محتارة ولا تعرف عن ماذا تتحدث، ولكن كان هناك سؤالاً مُلحاً في ذهنها يشغلها أكثر فسألت ذكية التي كانت تُغلق إحدى النوافذ: - "ست ذكية، لمن هذا المنزل؟". فالتفتت لها ذكية بحيرة، فقالت سالي بسرعة: - "أقصد هل هناك راعٍ للمكان؟". كان يبدو أن ذكية محتارة من السؤال المفاجئ، فقالت بحيرة: - "هذا المنزل ملك للست أنيسة ومستر خالد، لا راعٍ له غيرهم". كانت سالي هي الشخص المحتار هذه المرة ولكن لأنها لم ترغب أن تكون متطفلة وفضولية سكتت ولم تسأل السؤال الذي يتكرر في ذهنها: - 'مستر خالد؟ من هو؟ أقصد ما هي صفته؟'. كان عقلها يربط الصور التي رأتها على الحائط في الطابق العلوي بهذا الرجل، فتدخلت ندى وهي تهمس: - "ألم تقابلي مستر خالد؟". فنهرتها إسراء: - "أيتها الغبية كيف هذا وهو في رحلة عمل!". تجاهلت ندى شقيقتها وقالت وهي توجه كلامها لسالي: - "مستر خالد هو ابن الست أنيسة، وهو الأكبر بين الأولاد". أكملت ندى حديثها بعد لحظات: - "لا أعلم، ولكني أخاف منه ولا أحب التعامل معه، كما أنه قليل الكلام ولا يرد على أغلب الحديث الموجه له". تدخلت إسراء: - "لا تستمعي لهذا الهراء يا دكتورة مستر خالد رجل مُحترم جداً، هو فقط شخص عملي ولا يُحب الكلام الكثير". سألتهما سالي بصوت هامس حتى لا تسمعها ذكية: - "ما هي وظيفته؟". قالت ندى بحسد: - "مهندس معماري، لديه شركة معمارية ومصنع للألعاب ومشاريع أخرى". سألت سالي بفضول: - "هل يقطن هنا مع الأطفال". تدخلت إسراء: - "الطابق الثالث يخص مستر خالد، وأحيانًا يعتزل في الملحق". رفعت سالي حاجبيها وكأنها حلت لغز: - "آه ذلك الملحق الصغير؟ اعتقدت أنه يخص الحراس". صححت لها إسراء المعلومة الخاطئة: - "لا، الحراس يبيتون في الملحق بجوار البوابة". كونت سالي خلفية بسيطة عن هذا المكان وأصحابه، وذلك بفضل ثرثرة إسراء وندى، ولكنها كانت فضولية بشكل خاص بشأن هذا الرجل الذي يدعى خالد والذي لم يتم ذكر أسمه أبداً، وعلى الرغم من ذلك شعرت بالذنب من هذا الفضول، فلم تكن هي شخصًا فضوليًا من الأساس، ولم تتدخل يوماً بشؤون الآخرين، ولكن وضع هذا المنزل الغريب سيثير فضول أي شخص. بعد الفطور الخفيف قادتها ذكية إلى مكتبها أو عيادتها التي تفقدتها باهتمام، كان فيها سرير للكشف، دولاب للإسعافات الأولية، آخر للأدوية الشائعة وأدوات جراحة بسيطة في حالة التعرض للجروح، المكان مثل عيادة الاستقبال بسيطة ولكنه أكثر أناقة وراحة. أحبت سالي المكتب وأعادت ترتيبه كما يحلو لها، وبعد القليل من العمل وترتيب المكان، جلست أخيراً على مكتبها مُتنهدة وهي تتأمل المُحيط من حولها، ثم وقع نظرها على الأدراج لتفتحها وتستكشف ما بها، عثرت على ملفات الأطفال الصحية، وبدأت في تفقدها، أول ملف كان فتى يدعى حسن عمره 16عاما ويبدو أنها أكبرهم، ثم فرح (16)، أحمد (15)، نور (14) كفيفة، رحيم (12) مصابًا بالشلل ولا يستطيع التحرك والمشي على قدميه، أميرة (12)، ليلي (10)، ليان (8)، عبدالله (8)، علي (5)، لارا (4)، فؤاد (4)، سارة (4)، يحيى (3)، ماريا (10 شهور)، كانت أعمار الأطفال مُختلفة، بمعنى أنها تحتاج إلى كم كبير من الصبر والهدوء لتتعامل معهم بحرفية، خاصة أن التعامل لن يكون فقط على المستوى المهني، بل أيضًا على المستوى الشخصي في أغلب الأوقات لأنها ستقيم في المنزل بشكل دائم على الأقل لمدة شهر، هذا العدد الكبير جعلها تتوتر، فوضعت يدها على بطنها بعدم راحة، وبينما هي مُستغرقة في تصفح الملفات الطبية للأطفال، شعرت بصوت صادر من وراء الباب الذي لم تغلقه تماماً، حافظت سالي على ثباتها، ولكنها نظرت بطرف عينها ورأت رأس صغيرة تمتد من وراء الباب، ولمحت الشعر البني الناعم الذي أعجبت به بالأمس، كان هناك مُتلصص ماكر يراقبها، حاولت أن تكتم ضحكتها حتى لا تُنبه المتلصص أنه تم الإمساك به، فظلت تراجع الأوراق بين يدها وعينيها تتابعان الموقف باستمرار، كانت تشعر بنفاذ الصبر الذي يكاد ينفجر من وراء الباب، ولكنها حافظت على هدوئها مراقبة الوضع بصمت، حتى فُتح الباب باندفاع وسقط المتطفلون الخمسة الصغار فوق بعضهم البعض، نهضت "لارا" وهي تنفض الغبار عن فستانها صارخة: - "أيها الأغبياء لقد كُشفنا، الدكتورة ستعطينا الحقنة". وضعت يدها على مؤخرتها وهي تقول آخر جملة، فصرخ توأمها "فؤاد" في وجهها: - "انتِ من دفعنا أيتها الغبية". قالت "سارة" وهي تخلي مسؤوليتها: - "أنا لم أفعل شيئًا، ولن آخذ الحقنة". قال "علي" الذي يسيل أنفه منذ البارحة: - "وأنا أيضًا". ثار مزاج لارا الحاد وصرخت مشيرة ليحيى الذي يقف هادئًا ويتأمل سالي: - "يحيى أنت من دفعنا". كانت تلقي التهمة على أي أحد لتتهرب هي من المسؤولية، فدافع فؤاد عنه: - "أيتها الكاذبة!". كان الشجار قائمًا كالحرب حتى شعروا بنظرات "يحيى" إلي سالي فالتفتوا جميعًا: - "أهلاً يا أطفال". رحبت بهم سالي بابتسامة وهي تكتم الضحكة، لم يرد عليها أحد فتابعت: - "يا ترى هل ضيوفي الأعزاء يحتاجون إلى شيء ما؟". قال فؤاد وهو يغيظ شقيقته التوأم: - "نعم لارا تحتاج إلى حقنه...". فرفسته لارا بكوعها وأسكتته فورًا: - "ماما أخبرتنا أن نأتي ونعلمك أن إخوتنا سيصلون قريبًا". تفقدت سالي ساعة يدها التي تقترب من الثالثة قائلة: - "آه حان الوقت". تأملت العصابة الصغيرة التي تقف أمامها على غير صبر: - "حسنًا، ما رأيكم أن نذهب جميعًا معاً؟". نظروا إلى بعضهم البعض في استشارة صامتة، فمدت كفها إليهم: - "من يريد أن يمسك يدي؟". بعد ثوانٍ والقليل من التفكير، مد يحيى يده بجرأة وقبض كفها بقوته الصغيرة، فتشجع فؤاد وامسك الأخرى. في قاعة الجلوس اجتمعت السيدة أنيسة التي تحمل الرضيعة النائمة ماريا، وتسعة أولاد عادوا للتو من مدرستهم، في انتظار الترحيب بالضيف الجديد، كان هناك جوًا من الملل وعدم الاهتمام بهذا الترحيب، هذا غير النقاشات الجانبية الدائرة بينهم، قاطعهم دخول سيدة شابة مُبتسمة تُحيطها العصابة الصغيرة المكونة من إخوتهم الخمسة، يحيى يمسك بإحدى يديها، ولارا والتي على ما يبدو كان لها رأي آخر حول من يمسك بالكف الآخر للطبيبة الجديدة، وبجوارها فؤاد الذي تسيل الدموع من عينيه بسبب عنف توأمه، وسارة وعلي، ركض فؤاد إلى أحد إخوته الكبار فور رؤيته وهو يبكي شاكيًا له سطوة أخته عليه. لاحظت سالي الأعمار المختلفة كانوا 4 صبية و5 فتيات بالإضافة إلى هؤلاء الأطفال كانت الرضيعة ماريا، والخمس الباقين إذاً عددهم خمسة عشر. - 'ناقص واحد'. كان من بين الأطفال من بينهم ولد يجلس على كرسي متحرك 'هذا بالتأكيد رحيم'، حاولت أن تميز "نور" من بينهم، ولكنها لم تفلح، كان الأطفال هادئين ولم يصدر منهم عداوة كما توقعت، ولكن كان هناك عدم اهتمام ولامبالاة، سقفت السيدة انسية لتنبه الحضور: - "انتبهوا جميعاً يا أولاد، اعرفكم على الدكتورة سالي، من اليوم ستكون أحد افراد اسرتنا، رحبوا بها". فكرت سالي بعند: - 'لمدة شهر تجريبي'. عم الهدوء المكان ولم تسمع كلمة ترحيب واحدة، فبررت لنفسها وهي محرجة: - 'بالتأكيد بعد المدرسة لا حماس ولا طاقة لديهم ليرحبوا سعداء بالطبيبة الجديدة'. فتحدثت انيسة بصوت صارم: - "عرفوا عن أنفسكم!". تقدمت فتاة يبدو انها في عمر المراهقة تبدو عليها الرشاقة، تشد وترفع شعرها البني الطويل في ذيل حصان، ابتسامتها لطيفة ممزوجة ببعض الدهاء، سلمت عليها: - "اهلا بك يا دكتورة اسمي فرح، سأعرفك انا على باقي اخوتي، فكما ترين هم يشعرون بالخجل قليلاً، لذا سأتولى أنا هذه المهمة بسعادة، هذا حسن اخونا الكبير، ثم لدينا هنا أحمد، ونور". اوما حسن واحمد لها بابتسامة مُهذبة فيها القليل من الملل وعدم الصبر، وابتسمت نور ابتسامة وصلت إلى عيونها الشاردة، أكملت فرح: - "ثم رحيم". اشارت الى الفتى الذي يجلس على كرسي متحرك وعلى وجهه ابتسامة ودودة مُشعة بالطاقة. - "وهذه اميرة، ثم ليلى، وليان، وعبدالله، واختنا الصغيرة ماريا والتي تأخذ الآن قيلولتها، وبالنظر إليهم...". اشارت لإخوتها الصغار المُجتمعين حول سالي واكملت بابتسامة مرحة: "يبدو أنك بالفعل تعرفت عليهم" احبت سالي فرح ونبرة صوتها الجميلة، كان حديثها خفيفًا وظريفا يقع على الأذن كالموسيقى ردت: - "أهلاً بكم أنا سالي طبيبتكم الجديدة، سعيدة جداً بالتعرف عليكم، وأتمنى أن نقضي وقتًا رائعًا مع بعضنا البعض". - "ولكنك أصغر من هذه العجوز الشمطاء التي كانت قبلك". حذرتها أنيسة بصرامة: - "فرح!". أشارت فرح بكفيها دفاعًا عن نفسها: - "حسنًا أنا أعتذر، لا تنفعلي". تأملت سالي وجوه الأولاد التسعة وحاولت أن تراجع اساميهم الكثيرة، بالكاد استطاعت تذكرها، وبينما وهي مُنشغلة في مُراجعة أسمائهم، همست لها فرح: - "هل أستطيع مناداتك باسمك، أقصد أن نتعامل دون رسميات؟". همست سالي وهي تقابل ابتسامتها الماكرة بواحدة مثلها: - "خذي راحتك في هذا الأمر فقط". تقدم "رحيم" وهو يحرك عجلات كرسيه المُحرك، قائلاً وعلى وجهه ابتسامة لطيفة: - "أنا رحيم". أمسكت سالي كفه الممدود إليها وسلمت عليه: - "أهلاً يا رحيم أنا سالي، كيف حالك؟". قال الفتى بسرعة: - "أنا بخير، سمعت من ماما أنك تحبين الموسيقى، أنا أيضاً أتعلم الكمان". تحمست سالي: - "حقًا؟ أحب أن أرى موهبتك قريباً". - "لن أضايقك؟ فإخوتي يتضايقون من صوته". - "بالعكس أنا مُتحمسة جداً لأستمع إلى عزفك". قاطعت حديثهم ذكية في وسط التجمع الصاخب وهي تقول بصوت عال: - "يا أولاد الغداء سيكون جاهزًا بعد دقائق، اصعدوا وغيروا ملابسكم، وليبلغ أحدكم المربيات والسيدة منى". قال حسن بصوت منخفض: - "أنا سأبلغهم". كان مراهقًا قوي البنية مُقارنة بأقرانه هو أول من غادر المكان، ثم تسرب الأولاد واحداً تلو الآخر، واصطحبوا معهم إخوتهم الصغار لمربياتهم حتى يغيروا ملابسهم بعد يوم طويل من اللعب وأصواتهم تملأ المنزل الذي دبت فيه الحيوية بعد عودتهم من المدرسة. صعدت سالي أيضاً إلى غرفتها لترتدي ملابس أكثر راحة، وبعد نصف ساعة اجتمعوا جميعًا على طاولة الطعام، وعلى رأس الطاولة كان مكان السيدة أنيسة، الضجيج ساد الغرفة وأصوات الأطباق والملاعق تتخبط مُحدثة أصوات عالية، كانت أصناف الطعام كثيرة، متنوعة، والرائحة الطيبة تملأ القاعة، أخذت سالي على عاتقها عد الأصناف، المكرونة بصوص البشاميل، وصينية الرقاق باللحم المفروم، الملوخية، والعديد من الأصناف العديدة التي ميزت الطاولة وكأنها وليمة، بدأت ذكية مع أبنتي أخيها توزع الطعام في الأطباق، والصغار بدئوا في تناوله بحماس ملوثين ملابسهم التي غيروها للتو، كانت مربياتهم تعانين في كبح جماحهم، ولكنهن فشلوا وبكل جدارة، جلست سالي بجوار نور، فتاة هادئة، شاردة، ولكنها لطيفة، انتظرت الفتاة أن تملأ لها ذكية الطبق الخاص بها ثم شكرتها بتهذيب، كان أحمد يجلس بجوارها في الجهة الأخرى يمسك يدها ويوجهها في بعض الأوقات، وأحيانا يهمس في أذنها ثم تومئ برأسها، وهكذا كانت سالي تتابع الأولاد من بعيد ودون أن يلاحظها أحد، تحدثت أنيسة: - "كيف كان يومكم؟". تحدثت ليان بحماس: - "كان هناك مُسابقة رسم اليوم، حصلت على المركز الأول". - "برافو، ماذا كان موضوعها؟". - "الكائنات الفضائية". سألتها ليلى: - "وكيف رسمتِ كائنات فضائية؟ هذا موضوع صعب جداً". - "لحسن حظي كنت قد شاهدت برنامجًا على التلفزيون عن الكائنات الفضائية، ومع بعض الخيال رسمت أجمل لوحة بين المتسابقين". تحدثت أميرة بصوت رزين وهي ترفع نظارتها: - "أتذكر هذا الوثائقي الذي أردت أن تبدليه بقناة كارتون سخيفة". قالت ليان وهي تشير إلى نفسها ثم إلى أختها: - "أنا شاهدت معك الوثائقي وأنت شاهدتِ معي المسلسل، وقد أعجبتك قصته لا تنكري، إذاً نحن مُتعادلتان". قالت أميرة بكبرياء وهي تعدل نظارتها: - "أعجبني لأنه مأخوذ عن رواية قرأتها من قبل". سألتها أنيسة: - "ما هي الرواية؟". - "البؤساء". فكرت أنيسة للحظات وسألتها: - "هل هي لفيكتور هوجو؟". ردت عليها أميرة بعد أن ابتلعت لقمتها: - "نعم". - "أتذكر أنني قرأتها وأنا شابة، تلك القصة مأساوية حقاً، هل هي معك؟". - "نعم تستطيعين أن تستعيرها مني يا ماما". ابتسمت أنيسة للطفلة الجادة: - "تمام عزيزتي". التفتت أنيسة لعبدالله الذي يتسلى بتقليب طعامه دون ان يأكل ويبدو عليه السأم: - "عبدالله لماذا لا تأكل؟". تدخل أحمد مُمازحاً اخوه الذي يجلس قباله: - "ربما يخزن الطعام لأصدقائه العصافير". نظر إليه عبدالله بشراسة: - "اخرس!". تذمرت انيسة: - "أحمد لا تستفزه، وعبدالله لا تتحدث هكذا مع اخوك الأكبر". - "أعتذر". قالها أحمد بأدب، ثم تذكر شيئًا ما وقال بلهفة: - "ماما، بطولة الجمهورية للملاكمة بعد شهر ونصف، ألم تخبرها يا حسن؟". سألت أنيسة حسن: - "هل قدمت أوراقك؟". رد عليها حسن بهدوء وهو يأكل دون أن ينظر إليها: - "لن أقدم". تدخلت السيدة منى بحدة: - "لماذا!". فتوجهت جميع الأنظار إليها باستغراب لتتوتر وتتحدث مُتلعثمة: - "اقصد لماذا وحسن كان مُتحمسًا لهذه البطولة؟". تحدث حسن رداً على كلامها: - "لم أعد مُتحمسًا الآن، أحمد يستطيع التقديم فيها". رد أحمد عليه: - "ولكنني لست مثلك يا حسن، أنت أكثر مهارة عني". تدخلت لارا بطفولة مُتحمسة: - "أخي حسن أقوى واحد في العالم!". رد فؤاد عليها مُقتنعاً بكلام شقيقته: - "سيحصل على المركز الأول!". تحدث حسن موجها كلامه لأحمد: - "سأساعدك في التمرين". - "لا أريد مساعدتك، أريدك أنتـ...". سقفت السيدة أنيسة لتقاطعهم: - "حسنًا اصمتوا الآن ولننهي الطعام، ونناقش هذا فيما بعد". كان سالي تُنصت باستمتاع إلى حديث الأطفال المسلي، ولكنها كانت تشعر بالألم في معدتها ولم تقترب من طبقها على الرغم من المائدة الكبيرة والأصناف التي تفضلها، إلا أن معدتها لم تتحمل سوى لقمتين اكتفت بهما، ولاحظت السيدة أنيسة هذا فسألتها باهتمام: - "ألم يعجبك طعامنا يا آنسة سالي، أراكِ بالكاد تأكلين". ابتسمت سالي باعتذار: - "لا مشكلة في الطعام، ولكن...". وضعت يدها على بطنها دون أن يلاحظها أحد وأكملت كلامها: - "اعتقد أنه ليس لدي شهية الآن". صاح فؤاد بنشاط وهو يمسك شوكته المغروسة في قطعة دجاج مسكينة: - "الطعام لذيذ!". قالت له السيدة منى بصرامة: - "فؤاد لا تضع هذه الكمية الكبيرة من الطعام في فمك وكل ببطء، وأنت يا يحيى لا تضع الطعام على الطاولة!". ابتسم الفتى الصغير بمكر وأخذ قطعة من الدجاج الممزوج بالصلصة ووضعها على الطاولة وهو ينظر للسيدة بابتسامة ماكرة مُتحدية، ولكنه نال حظه من التوبيخ وتلقى صفعة صغيرة على ظهر يده. بعد الطعام كانت القاعة وكأنها أصابها إعصار مُدمر، بسبب الأطفال المُفعمين بالحيوية، تدخلت ذكية بسرعة مع ابنتي أخيها وتداركوا الموقف وعادت القاعة كما كانت في الأصل، نظيفة مرتبة لامعة، ولا ذرة غبار فيها. جلست سالي مع السيدة أنيسة والسيدة منى بينما الأطفال تفرقوا، منهم من صعد إلى غرفته ومنهم ذهب إلى غرفة الدراسة، وألم بطنها لم يهدأ، بل تفاقم بمرور الوقت فتحاملت على نفسها وهي تشرب الشاي مع السيدتين أنيسة ومنى، سيدتان عمرهما يفوق عمرها بمراحل، وهذا جعلها تجلس على أهبة الاستعداد، تستمع إلى الحوار الدائر عن مشكلة حسن ولاحظت أن السيدة منى مهتمة جدا بهذه المشكلة: - "حاولي إقناعه بالتقديم في المسابقة، أنا مُتأكدة من أنه سيحصل على المركز الأول". ارتشفت السيدة أنيسة رشفة من فنجان الشاي وتحدثت براحة: - "أنت تعلمين كم هذا الفتى عنيد، وأنا لن أجبره على فعل ما لا يريده". - "ربما السيد خالد يقنعه". "سأتحدث مع خالد فور عودته، هو فقط من يستطيع اقناعه والتأثير عليه". - "لا تنسي أرجوك، أنا مُتأكدة أنه سيقنعه، فهو من دفعه منذ البداية لممارسة الجودو". تنهدت أنيسة من إلحاح المرأة وقالت: - "سننتظر عودته، ونرى رأيه". تبدلت ملامح السيدة أنيسة للقلق: - "ولكن أنا قلقة عليه، لم يتصل بي هذا الولد منذ يومين". - "أنت مفرطة القلق على مستر خالد، أكثر من باقي الأولاد على الرغم من سنه، هو رجل بالغ الآن وناجح جداً، فلا داع لهذا القلق المفرط". ردت عليها السيدة أنيسة بابتسامة لطيفة وهي تفكر كم هذه المرأة جاهلة بما لديها من روابط بينها وبين هذا الولد الكبير. كانت سالي تستمع بإنصات بينما تحرك كوب الشاي الخاص بها بين كفيها في محاولة لنسيان ألم معدتها، فقطع تفكيرها السيدة مُنى التي وجهت حديثها إليها: - "سمعت يا دكتورة أنك استقلت من الحكومة، هل لي أن أسألك عن السبب؟". شعرت سالي وكأن صقرًا يُلاحقها بعيونه الحادة، فتململت في جلستها بسبب هذا السؤال المُفاجئ الذي تكرهه بشدة، وفكرت في الإجابة للحظات ثم تحدثت وهي تحاول محو أمارات الألم من على وجهها: - "ليس لدي سبب خاص لذلك، فقط انتهى بي الحال بعدم الراحة ثم الاستقالة". كان رد سالي مختصراً دون الدخول في تفاصيل ونقاشات لا حاجة لها، فتأملتها المرأة من رأسها حتى أخمص قدميها وسألتها: - "اعذريني يا دكتورة، ولكن هل من المعقول أن الشخص منا كلما شعر بعدم الراحة استقال من عمله، خاصة في سنك هذا". شعرت سالي بعداوة مخفية صادرة من السيدة منى، لم تفهم مصدرها: - "بالتأكيد لا، ولكن أظنك تفهمين أنه ليس من الضرورة أن تتماثل ردود أفعالنا واعتباراتنا، أليس كذلك؟، خاصة أننا لسنا مُتماثلين في العمر". ابتسمت السيدة أنيسة على رد سالي واكتفت برشفة من الشاي، فاستمرت منى في اسئلتها الملحة: - "وهل تعتقدين أن ظروف المكان هنا لن تكون مُختلفة عن ظروف عملك في المستشفى؟". - 'أنت مُصرة إذًا على استفزازي'. ردت سالي برزانة: - "لا أعلم، ولا أحاول التفكير في مثل هذه الأمور، فما زالت الحياة أمامي لمُختلف التجارب". تنهدت المرأة بلا مُبالاة: - "حسنًا، من المهم أن تكوني مرتاحة". ابتسمت سالي ببرود: - "أنا مُرتاحة". اتجهت أنظار أنيسه إلى الباب: - "ادخل يا رحيم". دخيل رحيم وعلى وجهه ابتسامة استحياء وعلى قدميه كمان قائلاً لسالي: - "لا أريد أن أقاطعكم، ولكني جئت أسألك عن أوقات فراغك". تفاجأت سالي من لطف الفتى، ففكرت قليلاً ثم تحدثت: - "حسناً ما رأيك في مساء الغد بعد أن تنهي واجباتك، ولكن أخبرني ماذا ستحضر لي؟". - "ماذا تحبين أنت، شرقي أم غربي؟". - "ممم، أفضل الشرقي كبداية، ولكني سأحب أن تختار بنفسك". انتفض الحماس في وجه رحيم قائلاً: - "حسناً، سأجهز لك شيئًا سيعجبك". - "اتفقنا وأنا سأستعير العود من غرفة الموسيقى، ربما نتوافق في شيء ما". كانت سالي قد وصلت إلى حدها والألم أصبح لا يطاق فاستأذنت وصعدت إلى غرفتها، ولكن استوقفتها الصور التي تأملها في الصباح، ثم قاطعها صوت باب يُفتح من غرف الأولاد، كانت فرح التي تفاجأت بسالي: - "دكتورة؟". التفتت لها سالي ويداها على بطنها بألم وهي تقول: - "فرح، أريد أن أسألك سؤالاً". - "هل أنت بخير؟". - "نعم لا تقلقي، ولكن أخبريني من هذا؟". ردت فرح عليها: - "لست قلقة". وتأملت الفتاة المكان الذي يشير إليه إصبع سالي وارتسمت السعادة على وجهها عندما رأت الصور: - "هذا خالد". نفس الرجل التي تحدثت عنه ذكية وأبنتا أخيها، فسألتها سالي لعلها تسمع جوابًا آخر: - "من خالد؟". - "أنت لم تقابليه حتى الآن، فهو في رحلة عمل، ويبدو أن ماما لم تحدثك عنه". لم ترد سالي فتنهدت فرح قائلة: - "يبدو أنها لم تفعل". وضعت يدها على كتف سالي: - "ممم، خالد هو أهم فرد في هذا المكان، هو أخونا الأكبر وقائد هذا المنزل الكبير". ردت سالي المحتارة بصوت مُنخفض: - "أليست ماما أنيسة..". قاطعتها فرح: - "ماما أنيسة الشخص الذي يدير هذا المكان، المدير التنفيذي بلغة رجال الأعمال، لكن خالد هو الرئيس، رجل هذا المنزل وكل القرارات المصيرية ترجع إليه في النهاية، وهو ابن ماما الأول". استنتجت سالي الآن لماذا أخبرتها السيدة أنيسة أن عددهم ستة عشر، اشتد الألم عليها فقطع تفكيرها، رفعت ذراع فرح من على كتفها وركضت تجاه غرفتها وهي تقول: - "اعذريني يا فرح". دخلت إلى غرفتها واستلقت على سريرها، تنفست ببطء في محاولة لتخفيف الألم الصادر من القولون العصبي بسبب توترها اليومين الماضيين، استرجعت كلام ندى وإسراء وفرح، وتساءلت لماذا لم تخبرها السيدة أنيسة عن هذا الشخص الذي يدعى خالد، هل تجاهلت ذلك أم نسيت، ربما لأنها ترى أنه لا عمل للطبيبة معه، استرجعت ايضًا حديث السيدة مُنى التي قالت انه في رحلة عمل، فأصبح لدى سالي أسئلة أكثر، على سبيل المثال هل هو رجل أعمال نظراً لهذا المستوى الراقي الذي يعيشون فيه، هل هو يتيم أم الأبن البيولوجي لأنيسة، الكثير الكثير من الأسئلة التي تتوق لإجابة عليها، على كل حال هذا ليس من شأنها، تأملت الساعة بجوار سريرها، كانت تقترب من الخامسة، قررت أن تنام لمدة ساعة لعل ألم بطنها يزول، ولكن على المساء لم يكن الألم قد خف، طرقت ليلى باب غرفتها لتنبئها بموعد العشاء، كانت سالي محرجة من الرفض، لذلك نزلت وشاركتهم الطاولة، ولكنها لم تستطع تناول أي شيء، بعد العشاء سألتها السيدة أنيسة إن كانت تشعر بالمرض، ولكنها نفت واحتجت بالنوم باكراً لتصعد إلى غرفتها، وظلت تتقلب على سريرها حتى الساعة الواحدة ليلاً بسبب الألم، حتى اكتفت وقررت أن تنزل وتحصل على علاج يسكن آلامها من العيادة. فتحت سالي باب غرفتها ومشت بهدوء حتى لا يسمعها أحد الأطفال ويستيقظ، وتفاجأت بأن وجدت باب العيادة غير مُغلق تماماً مما أثار استغرابها، لكنها سرعان ما تجاهلت الأمر ودخلت تبحث في خزانة الأدوية حتى عثرت على مُسكن، همست لنفسها: - "سيفي هذا بالغرض". وبينما وهي تشرب الماء شعرت بحركة في الخارج فتسمرت لثوان، على الرغم من كونها شخصًا يخاف من مثل هذه المواقف لكن الفضول غلبها لمعرفة مصدر الحركة في الخارج، فأحياناً الإنسان في قلب العاصفة تدب فيه الشجاعة لينسى خوفه ويتقدم، خرجت من العيادة، وأخذت تتجول في المكان المظلم، حتى وصلت إلى باب قاعة النافورة، كان الباب مفتوحاً قليلاً تصدر منه إضاءة خافتة، وقفت سالي وراء الباب ونبضات قلبها تتسارع حتى شعرت أنها وصلت إلى طبلتي أذناها، رأت هناك شخص يجلس على حافة النافورة، دققت النظر أكثر فأكثر، حتى فوجئت بهوية ذلك الشخص، كانت فرح تصب تركيزها على معصمها، واليد الأخرى تمسك بشيء لامع، برد جسد سالي وشحبت، وأحست أن نبضات قلبها توقفت لثوان فور إدراكها لما كان يحدث، إنها تقطع معصمها: - "فرح!". يتبع...
Alaa Tarek