مرت ليلتين على مرض سالي، وفي اليوم الثالث فتحت عينيها بوعي لأول مرة. تخللت أشعة الشمس خلال الستائر حتى انتهت الرحلة على عينيها الناعستين، رمشت بعينيها قليلاً ثم فتحتهما بهدوء، حاولت استيعاب العالم من حولها، ولكن عقلها كان في حالة خمول ولم تستطع تحريك دوائره، ظلت على حالها لدقائق حتى عاد عقلها للعمل أخيراً وهو يحضر معه ذكريات قريبة من أمس، كان آخر ما تذكرته هو محاولتها تخفيف درجة حرارة جسدها بالكمادات، وما بعد ذلك كان كالحلم حاولت أن تستحضره من ذاكرتها بصعوبة. وضعت يدها على رأسها وجسدها، كانت الحرارة معتدلة وطبيعية. وضعت يدها على ظهرها لتشعر بأن أحداً دهنه بمرهم ملطف، حاولت النهوض بصعوبة والجلوس على السرير بدلاً من الاستلقاء. نظرت إلى الساعة التي كانت تشير إلى العاشرة صباحاً، تأملتها ثم جلست على سريرها بهدوء. لم تتوقع أن تنهار بهذا الشكل المثير للشفقة، لقد فقدت الوعي وغابت عن الواقع تماماً، ولكنها هذه المرة لم تقاوم بمفردها، كان بجوارها من يعتني بها ويمرضها، فلطالما خاضت تلك التجربة الصعبة بمفردها وكان عليها دائماً أن تستلقي في سريرها تضمد جراحها بمفردها. مرت نصف ساعة تقريباً وهي غارقة في أفكارها، حتى سمعت باب غرفتها يتم فتحه بهدوء، كانت الست ذكية التي تفاجأة باستيقاظ سالي، وضعت المرأة صينية الفطور على المكتب وقالت بلهفة وهي تضع يدها على جبين سالي: "لقد استيقظتِ عزيزتي!". سألتها سالي بهدوء: "ست ذكية هل طلبتم طبيب بالأمس؟". قالت المرأة العاطفية: "نعم، لقد كنت مريضة يا دكتورة، وظهرك كانت حالته صعبة جداً، لماذا لم تخبرينا؟". "لماذا أتعبتم نفسكم؟ إنها مجرد نزلة برد، كما أن ظهري يومين وسيكون بخير". همست ذكية بحب وهي تعدل الوسادة خلف ظهرها: "مستر خالد هو من أصر على إحضار الطبيب، حسن أخبره أنك لم تكونِ على مايرام، فجاء إلى غرفتي وطلب مني أن اتفقدك، حبيبتي كنت تضعين الكمادات لنفسك، لماذا لم تخبرينا؟!". ابتسمت سالي بتواضع وهي تسمع انفاسها المتسارعة ودقات قلبها: "أنا متعودة على ذلك، أشكركم على اعتنائكم بي". "بالنظر إلى الظروف، الأسبوع الماضي كان صعباً عليك، لقد كنتِ تعتنين بكل من في المنزل، من الطبيعي أن تنهاري حتى لو لم يكن عبدالله قد دفعك إلى الماء، نحن بشر في النهاية". اكتفت سالي بالصمت فنهضت ذكية وهي تلتقط صينية الفطور قائلة: "هيا عليك أن تتغذي جيداً فالطبيب قال إنك ضعيفة جداً". ولم تخرج ذكية من الغرفة إلا عندما تأكدت أن سالي أطاعتها وتناولت فطورها بأكمله، والأهم من ذلك أنها تناولت شوربة الدجاج الدافئة اللذيذة الخاصة بها. أخذت سالي دوائها الموضوع بجوارها ومعه الروشتة التي كتبها لها الطبيب، وظلت في غرفتها على الرغم من تماثلها للشفاء وانخفاض الأعراض إلى أقل حد، فالأطفال حساسين للغاية وعددهم كبير، وهي في الواقع لا ترغب أن تحتك بهم مباشرة وتعيد الكرة مرةً أخرى كطبيبة أو مريضة، لذلك فضلت البقاء في غرفتها واستغلت الوقت لترتيب إحدى حقائبها. تفحصت هاتفها لتجد رسائل من والدها وأمها يستفسرون عن موعد وصولها، ورسالة من محمود فتحتها: [آنسة سالي كيف حالك؟ سمعت من خالد بمرضك وشعرت بالقلق الشديد، اتمنى لك السلامة وأن تكون بخير في أقرب وقت]. أجابت سالي على رسالته باختصار: [أنا بخير شكراً لك مستر محمود على اهتمامك]. حاولت اختصار الرد قدر الإمكان حتى لا تدع فرصة للحديث الجانبي. وبدأت بعدها في ترتيب حقيبتها، وبينما وهي مستغرقة في عملها، سمعت طرقاً على باب غرفتها ودخلت السيدة أنيسة بعد إذنها. سألت المرأة وهي تجلس على السرير وتنظر بدقة إلى سالي التي تجلس على الأرض ترتب حقيبتها: "كيف حالك الآن؟". "بخير سيدة أنيسة، أشكركم على اعتنائكم بي". نظرت المرأة إلى حقيبة سالي قائلة: "أراك تجهزين حقيبتك، متى ستذهبين؟". "غداً بإذن الله". قالت المرأة بصدق: "اتمنى ألا تتأخري وتعودي إلينا بخير". ابتسمت سالي بتواضع، وفي تلك اللحظة أدركت مدى خوفها من الذهاب واحتمالية عدم العودة إلى المنزل مرةً اخرى إليهم. حاولت نفض تلك الأفكار السلبية وهي تنتبه إلى المزاج العام في الغرفة الذي كان غريباً عليها. قالت أنيسة وهي تتأملها بطريقة أثارت استغراب سالي: "لقد كنا قلقين عليك بالأمس خاصة خالد، كان حقاً مستاءً بسبب الحالة التي أوصلك إليه عبدالله". همست سالي: "آه". "لم يكن الأمر هكذا أبداً" نظرت إليها سالي مستفسرة: "أقصد أنني لم أره أبداً مستاءً بسبب أحد كما فعل بالأمس، حتى مع الأطفال". لم يكن لدى سالي الرد المناسب على تلميحات المرأة التي فهمتها منذ البداية: "....". تاهت عيون المرأة في الفضاء ثم قالت: "أنا لم احدثك أبداً عن خالد منذ مجيئك إلى هنا، هذه أول مرة تقريباً، ولكن أحياناً إذا حاولت الحديث أشعر بأن لساني يتجمد". "ست أنيسة أنا أسمعك، خذي راحتك في الحديث من فضلك". قالت أنيسة بابتسامة: "انت لطيفة جداً يا سالي، وجودك من حولي والحديث معك يبعثان بالراحة على قلبي". صمتت المرأة ثم نظرت إليها لأول مرة بتردد، وتحدثت وهي تتجنب مواجهتها بعينيها: "أعتقد أنك تملكين من الذكاء وسرعة البديهة ما يجعلك تفهمين تلميحاتي". كانت هذا دور سالي لتتجنب نظراتها وهي تسمع هذا الحديث: ".....". "في الحقيقة علاقتي بخالد غير كل الأطفال، هذا طفلي الأول، عندما رأيته لأول مرة في الدار شعرت بصلة غريبة تربطني به". ابتسمت المرأة إلى سالي: "بالمناسبة كنت أعمل مشرفة في دار أيتام، وخالد ابني مثل باقي الأطفال هنا في المنزل". تفاجئت سالي بهذه المعلومة الصريحة عن المرأة، فاتسعت ابتسامة أنيسة وهي تقول: "كنت مشرفة لأكثر من دار أيتام ولسنين طويلة منذ شبابي. مر عليّ الكثير من الأطفال في مختلف الأعمار. في الحقيقة لم اتمنى يوماً إنجاب طفل، ولا حتى التبني، حتى قابلت خالد لأول مرة، إحساسي تجاه الفتى كان مرعباً وصادماً لي، حطم كل المعايير والخطوط التي رسمتها في حياتي، كان الولد هزيلاً ضعيفاً ولا يتحدث مع أحد، علمت أنه كان في المستشفى بسبب حادثة سير تعرض لها، وتم نقله إلى الدار لأنه لم يتذكر أية أحداث سابقة، اسمه أيضاً لم يتذكره، حتى نهض في يوم من الأيام وأخبرنا أن اسمه خالد". وقع هذه التفاصيل كان صادماً بشدة على سالي، وهي تتخيل هذا الرجل صاحب الحضور القوي كان يوماً ما طفلاً وحيداً ضعيفاً فاقداً للذاكرة، أكملت المرأة وهي تقطع أفكارها: "كنت أعرف فقدان الذاكرة من الأفلام والدراما، ولكني لم أصادف يوماً شخص تعرض لمثل هذا الأمر. عندما أخبرنا أنه تذكر اسمه شعرت بالاطمئنان أن باقي ذكرياته ستعود، ولكن مرت الأيام والشهور ولا جديد حدث، ظل الفتى كما هو لا يتذكر سوى اسمه. في تلك الفترة كنت أشعر بالقرب منه، أو بشكل أدق كنت أتقرب أنا منه، كان هادئاً ولكنه عنيد ويرفض التعامل المريح مع الناس حتى مع اخوته في الدار، يجلس في غرفته شارداً هادئاً يتأمل النافذة وكأنه ينتظر شخصاً ما. على الرغم من ذلك لم ايأس، تقربت منه وجمعتنا الكثير من المواقف التي جعلته يسكن ويطمئن لي في البداية، حتى أخذت القرار يوماً ما وقررت ترك العمل في الدار وتبني خالد". تنهدت أنيسة وقالت: "وهكذا بدأ هذا الفصل الجديد من حياتي مع ابني الأول". أنهت المرأة حديثها بابتسامة ونظرت إلى سالي بحب: "قليلون هم من يعرفون قصتي مع خالد وأنت آخرهم". "....". "أعتقد أنك تتساءلين الآن لماذا أحكي لك هذه القصة". ".....". "لأنني أريدك أن تكوني من القلائل الذين يعرفون حقيقة الأمر، أعلم أنني أغش وأختصر الطريق الذي ربما لا يكون موجوداً من الأساس، ولكنني أريدك أنت أن تنظري إلى خالد بشكل مختلف عن الآن، والباقي سأتركه للقدر حتى يلعب لعبته ويختم الحكاية". حاولت سالي البحث عن الكلمات المناسبة لترد على هذه المرأة التي تبطن حديثها بكلام غير منطوق: "لا أريد احراجك يا حبيبتي، أو أن أضعك في موقف حيرة. أنا فقط أُملي عليك آمالي وأمانيَّ، اعتبريه تلميح ضعيه في عين الاعتبار أو تجاهليه على راحتك، الأهم ألا تشعري بالضغط أو الإجبار على موقف ما". تأملت سالي الفضاء لثوان ثم قات: "سيدة أنيسة، لا أعلم كيف أجيب على كلامك..". قاطعتها المرأة: "لا أنتظر منك رداً يا حبيبتي على أي نقطة من حديثي، أنا كما أخبرتك، فقط أملي عليك آمالي، ولا أنتظر منك سوى أن تنصتي إليها، أما الباقي فهو متروك لأصحاب الشأن". "...". تنهدت المرأة ونهضت قائلةً: "أعتقد أنني اضعت وقتك، سأذهب الآن وسأدعو الله أن تعودي بسلام". وقبل أن تخرج التفتت إليها: "أرجوك لا تأخذي كلامي ذريعة للهرب، أتمنى أن أراك هنا بيننا الاسبوع المقبل". خرجت أنيسة من الغرفة وتركت سالي غارقة في بحر أفكارها، تائهة لا تعلم كيف تنجو من هذا الموقف الذي وضعتها فيه سيدة المنزل، أخبرتها ألا تأخذ هذا الكلام ذريعة للهرب من هنا، ولكنها لا تريد أن تهرب، ربما لو كانت الأمور والظروف مختلفة في هذا المنزل، لهربت بالفعل، ولكنها لا تريد ذلك، لأول مرة لا تفكر في الهرب، ولأول مرة لا تشعر بالخوف، بل بالشجاعة والرغبة في مواجهة أي تحدي، وأية أمور اخرى مؤجلة حتى عودتها. *** اغلقت أنيسة بوابة الدفيئة والتفتت لتتفاجأ بإحدى المربيات تقف أمامها والخجل يبدو على قسمات ملامحها، مال رأس المرأة الكبيرة في حيرة وسألتها: "لما تقفين هكذا؟ هل حدث أمر ما؟". تململت الفتاة في وقفتها وقالت: "سيدة أنيسة أريد أن أخبرك بشيء ما ولكن لا أعرف كيف ستكون ردة فعلك". شعرت المرأة بالقلق وسألتها: "ماذا حدث؟ هل الأطفال...". قاطعتها المربية وهي تقول بسرعة: "لا شيء حدث للأطفال، لا تقلقي". أخرجت المربية من جيبها مظروفاً، كان الرتب الذي استلمته من السيدة أنيسة للتو: "الراتب التي استلمته منك اليوم، ينقصه مبلغ". ازداد خجل المربية وقالت: "هو صغير ولكنني أردت اعلامك فقط". نظرت انيسة إلى المظروف بحيرة ثم إلى المربية التي خافت أن تشك فيها رئيستها: "سيدتي هل تشكين بي؟". لم ترد أنيسة على المربية، وتنهدت قائلة: "بالطبع لا، أعطني المظروف وابقي انت هنا سأستدعيكِ مرةً أخرى". أخذته أنيسة وتوجهت إلى غرفة مكتبها. وبالفعل الراتب ينقصه مبلغ صغير، شعرت أنيسة بالحيرة فلم تكن شخصاً مهملاً في عد الرواتب أبداً، ولكن من الوارد الخطأ لما لا؟ وبينما وهي تصحح المبلغ سمعت طرقاُ على الباب ودخلت السيدة منى ومعها موظفة أخرى: "ست أنيسة، هل تسمحين لنا بالحديث معك؟". وكانت نفس المشكلة الرواتب ينقصها نفس المبلغ، فتحت أنيسة باقي الرواتب التي لم تسلمها وبالفعل معظمها ينقصها المبلغ، فكرت المرأة، من المستحيل أن تكون هذه صدفة، ربما يحدث الخطأ في راتب أو اثنين او ثلاثة كحد أقصى ولكن أكثر من 7 رواتب، هذا بالفعل كثير جداً. وفجأة خطر على بالها ذكرى منذ أربعة أيام حيث عثرت على المفاتيح على مكتبها، كانت متأكدة انها لم تتركها على المكتب، هل هناك أحد ما دخل المكتب دون علمها وفتح الرواتب وسرق منها تلك المبالغ؟ هذا وارد جداً بل يكاد يكون أكيد. مسحت أنيسة وجهها وقالت بصوت متعب: "اذهبوا". أمسكت هاتفها وأرسلت رسالة إلى خالد: [متى ستعود؟]. [لن اتأخر، انتظروني على الغداء]. *** كانت عيون خالد حائرة بين طاولة الطعام وباب المطبخ، حتى شتته أنيسة بسؤالها: "هل يجب عليك السفر في مثل هذا الوقت؟". "هل تعتبرين الذهاب إلى الاسكندرية سفر؟". "في مثل هذا الوقت نعم". "إنه أمر يخص العمل، لا أستطيع تأجيله". نظرت إليه المرأة بحيرة وقالت: "لماذا الاسكندرية؟". ابتسم خالد وقال: "أنت كثيرة القلق". نظرت المرأة إلى طبقها بحيرة وقالت: "ربما". التفتت إليه مرةً أخرى وسألته: "متى ستعود؟". "على حسب الطريق ومدة الاجتماع، لا تقلقي سأحاول أن أمضي ليلتي هنا". نظرت المرأة إلى الساعة التي كانت تشير إلى الخامسة مساءاً، وسألته: "هل محمود سيرافقك؟". "لا". "لماذا، هل ستقود بنفسك؟". "هل أنا صغير لتقلق علي؟". "لا أقول هذا ولكنك لا تفضل القيادة في أغلب الأوقات". "نعم ولكنني مضطر". سكتت أنيسة وهي تشعر بالقلق على ولدها، فسألها خالد قاطعاً أفكارها: "هناك أمر أردتِ الحديث فيه، ماذا كان؟". نظرت المرأة حولها وهمست في أذنه: "لنتحدث في المكتب بعد الغداء". في غرفة المكتب، وبعد الغداء، جلست أنيسة أمام خالد الذي كان منهمكًا في عدّ الرواتب بتركيز. كانت الأرقام تتكرر أمام عينيه، لكن شكوكًا بدأت تراوده. بعد أن أنهى العد، رفع رأسه وسأل والدته بجدية: "هل أنتِ متأكدة أنكِ قمتي بعدّ الرواتب بدقة؟". أنيسة، التي بدت متوترة، أجابت بصوت هادئ لكن حازم: "بالتأكيد، يا خالد. هناك شيء غير صحيح هنا". "إذاً هل تشكين في أحد ما؟" أنيسة أغمضت عينيها للحظة ثم أجابت: "لا أستطيع التفكير في شخص معين. هذه الحادثة لم تحدث من قبل". "حسنًا، المبلغ المفقود ليس كبيرًا إلى هذا الحد. دعينا نرجح أنكِ أخطأتِ في العد". أنيسة بوضوح: "أنا متأكدة أنني لم أخطئ في العد، يا خالد!". خالد أومأ برأسه بتفهم، وأضاف: "أفهمكِ، ولكن في الوقت الحالي، ليس لدينا سوى خيار أن نترك الأمر يمر وكأن شيئًا لم يحدث. إذا كان هناك سارق بيننا، فلنجعله يطمئن أن السرقة لم تُكتشف بعد. أنا متأكد أنه سيكررها إذا شعر بالأمان". "هل تعتقد انه سيكررها؟". "ربما، هذا لو كان بيننا فعلاً سارق" أنيسة، التي بدا عليها اليأس، قالت: "اتمنى أن يكون الخطأ مني". بعد لحظات قالت المرأة: "حسنًا، أكمل النواقص حتى أسلم الرواتب مرة أخرى". توقف خالد للحظة، ثم قال بصوت منخفض وهو يتجنب النظر إلى عينيها: "أنا سأتولى تسليم الرواتب. اذهبي وأرتاحي قليلاً، تبدين متعبة". أنيسة نظرت إليه بامتنان وقالت: "أنا حقاً متعبة، سأترك الأمر لك، ولا تنس راتب سالي فهي ستسافر غداً". وفجاة تبدلت ملامحها إلى الحيوية وغمزت له وهي تنهض بسرعة وتبتسم بخفة، نظر إليها خالد بصدمة ولم يتفوه بأية كلمة حتى خرجت من الغرفة لتتركه وحيداً يفكر في تصرفها الواضح. وضع يده على وجهه وابتسم بمرح على خفة ظل أمه. لم تكن هذه المرأة سهلة أبداً. إنه حقاً يعشقها. *** وقفت سالي أمام غرفة المكتب بعد أن أعلمتها ليان أن خالد ينتظرها في المكتب، طرقت الباب وبالكاد سمعت همساً يأذن لها بالدخول، كانت خالد يجلس على المكتب عاقداً حاجبيه وعقله منشغل في مشكلة الرواتب الناقصة، رفع رأسه وأشار إليها بالجلوس جلست سالي أمامه ولم يمهلها الكثير من الوقت لتأخذ نفساً، رفع رأسه وتأملها، كانت شاحبة جداً ويبدو أنها فقدت وزناً خلال اليومين الماضيين، سألها: "هل تحسنت صحتك؟". "حمداً لله، أنا بخير". صمتت ثم نظرت حولها قبل أن تثبت نظراتها عليه وهي تقول: "أشكرك على اهتمامك". "لا شكر على واجب، كنت تعانين وكان علينا التصرف بسرعة، هل ظهرك بخير؟ هل تحتاجين لعمل أشعة لتطمئني عليه؟". "إنه أفضل بكثير ولا داعي لعمل أشعة، أنا متأكدة أنني بخير". نظر خالد إليها يديها المتشابكتين: "سمعت من ماما أنك غيرت رأيك وقررت البقاء معنا، هل هذا قرار نهائي هذه المرة؟". تاملها مباشرة، فقالت بثقة: "نعم مستر خالد هذا قرار نهائي". "إذاً لنمض عقد لمدة سنة". تأملته سالي باستغراب، فقال: "لا أحب أن تكون أمور العمل غير محمية ومضمونة بعقود، نحن يجمعنا عمل وهذا العقد ليضمن حقك قبل حقنا". أخفضت رأسها: "حسناً". مرت لحظات قبل أن يسألها: "سمعت أنك ستسافرين غداً، متى ستعودين؟". رفعت سالي رأسها وتأملته لم يكن وسيماً إلى حد كبير، لكنه ملامحه الجادة والمسؤولة جعلته جذاب: "خلال أسبوع أو أقل". تنهد خالد ثم قال ويسحب مظروف من الدرج قائلاً: "حسناً، تفضلي هذا راتبك هذا الشهر، والعقد سيبدأ خلال اسبوع". التقطت سالي المظروف وسمعته يقول: "أعتذر مرةً أخرى، ربما واجهتك الكثير من المشاكل، ولم أستطع الايفاء بوعدي لك بالتخييم في وادي الحيتان". تفاجئت سالي، كانت قد نسيت أمر التخييم من الأساس، فأكمل هو قبل أن يتيح لها الفرصة للرد: "وأعتذر مرةً اخرى عن التصرف الذي صدر من عبدالله، والذي قادك إلى تلك الحالة، في الحقيقة من حسن حظنا أنك قررت أن تستمري في العمل هنا بعد هذا التصرف الغير مسؤول الذي صدر منه". ابتسمت سالي قائلة: "لا حاجة للاعتذار مستر خالد، بصراحة، لم تكن لدي النية للاستمرار هنا لولا الأطفال". رفعت رأسها وعينيها الشاحبتان تلمعان بالدفء: "أنا أحبهم حقاً، ربما لم يمض على اقامتي معهم سوى شهر ولكن الله يعلم كم أحببتهم وتعلقت بهم، أحببت طبيعتهم وحياتهم كما هي، وبالنسبة لعبدالله فأنا من ضايقه أولاً، وعليّ أنا أعتذر منه". تفاجئ خالد وقبل أن يرد عليها، قاطعته سالي وهي تنظر إليه بعزيمة: "أرجوك مستر خالد سامحه وارفع عنه العقاب". "لكنك لم تخطئي في حقه حتى تعتذري". قاطعته سالي مرةً أخرى: "من فضلك ارفع عنه العقاب، وأعطني فرصة لأحدثه واتفاهم معه، أنا استأذنك". كان هناك اصرار في عيونها دفعه للصمت ولم يستطع الرد عليها فقالت: "أعلم انني مجرد طبيبة مقيمة ودوري يقتصر فقط على صحة الاطفال لا شيء زيادة عليه، ولكن بما أنني قررت أن أمضي معكم هنا سنة كاملة، علي إذاً أن أوطد العلاقات بيني وبين الجميع. أريد من الجميع أن يتقبلني، خاصة الأطفال، لذلك اسمح لي أن تكون علاقتي بالأطفال في إطار معقول أستطيع فيه التعامل معهم شخصياً وليس مهنياً، سأحاول أن اكون على القدر الكافي من المسؤولية، أعدك بذلك". استمع خالد إلى خطابها بهدوء متأملاً، كان يعلم بالفعل أن هناك أسرار بينها وبين بعض الأطفال، حاول من قبل أن يستفسر عنها ولكنه لم يستطع، وهذا معناه أن هناك علاقة مختلفة بينها وبين الأطفال، وأنهم ربما يثقون بها. إحساس المسؤولية لديه تجاه الأولاد كان يدفعه للقلق أنهم قد يثقون في غريب وليس فيه أو في أنيسة، ولكن يبدو أن الأوان قد فات وعليه أن يسلم للأمر الواقع ويراقب علاقتهم من بعيد. تنهد قائلاً: "حسناً دكتورة سالي، اتمنى أن تعتني بالأطفال طوال اقامتك هنا". ابتسمت سالي أجمل ابتسامة لديها، كانت ابتسامة انتصار سحرته: "اشكرك مستر خالد، سأبذل أقصى ما في وسعي، استأذنك الآن سأذهب إلى عبدالله". نهضت وخالد ينبهها: "آنسة سالي راتبك". رفع المظروف الذي كادت أن تنساه، فالتقطته وهي تقول: "أشكرك مستر خالد". بعد خروج سالي من الغرفة، نظر خالد إلى ساعته التي كانت تشير إلى السادسة، كان عليه أن يذهب الآن، فأمامه طريق طويل إلى الاسكندرية، ولقاء مهم جداً ينتظره منذ شهر. *** جلس عبدالله على الأرض في غرفته يشكل الأوراق على أشكال الحيوانات والطيور بفن الأوريجامي، وبينما وهو غارق في عمله سمع صوت الطرق على الباب، رفع الفتى رأسه بحيرة فلو كانوا اخوته لدخلوا دون طرق الباب، بالتأكيد كان أحد البالغين هو من يطرق باب الغرفة، فنهض الفتى بسرعة ونام على سريرة وهو يغطي نفسه بالغطاء، بعد ثوان سمع صوت سالي الرقيق: "عبدالله، أنا سالي هل تسمح لي بالدخول؟". شعر الفتى بالغضب عندما سمع صوتها كيف تتجرأ على القدوم الى غرفته، والحديث معه بعد فعلتها، سمعها تقول: "عبدالله، أريد الحديث معك قليلاً" لم يرد الفتى عليها، فقالت: "هل تعلم لقد أحضرت لك هدية تحبها، أريد أن اهديها لك قبل أن أرحل غداً، هل تسمح لي بذلك؟". تنهدت قائلة: "أعتقد انني لن أذهب حتى تفتح لي الباب، أنا أجلس الآن على الأرض بجوار غرفتك". مرت دقائق وشعر عبدالله بالتوتر والخوف من أمه وخالد لو علموا أنه جعل الدكتور تجلس على الأرض بجوار غرفته تنتظر سماحه لها بالدخول. كانت سالي تجلس على الأرض وهي تشعر باليأس، هذا الفتى حقاً عنيد، هذه المعركة سينتصر فيها من هو أطول نفساً، وهي تشعر بالإرهاق أمام نشاط هؤلاء الأطفال، مرت نصف ساعة وصلت فيها سالي إلى قمة اليأس حتى سمعت صوت الباب، فالتفتت لتراه يُفتح بهدوء والفتى يخرج رأسه يتفحص الطرقة، تفاجأ الأثنان وظلا على حالهما لثوان يتأملان بعضهما البعض بصدمة. جلست سالي على أحد الكراسي وهي تتأمل غرفة الأولاد، كان الفتى يجلس على سريره ويعطيها ظهره ولا يريد الحديث معها، ولكنها سمح لها بالدخول وهذه خطوة جيدة كبداية، وضعت سالي علبة صغيرة على مكتبه، وقالت: "أحضرت لك هدية صغيرة لأصالحك بها، ألا تريد أن تراها؟". "لا أريد شيئاً منك". صدمت سالي من الرد وبعد لحظات لمحت بعض الأوراق على الأرض التي كان عبدالله يشكلها، فأخذت ورقة وقالت: "أفهم شعورك، عبدالله. لكن أريدك أن تعرف أنني لم أكن أقصد أن أغضبك". سمع الفتى كلامها وهو يفكر في الهدية الصغيرة على المكتب، كان يشعر بشيء من التردد، لكنه لم ينطق. تابعت سالي بحكمة وصبر: "أنا أعلم أنك غاضب الآن، وهذا طبيعي. لكن في النهاية، أنا كنت أحاول الحديث معك فنحن لم نتحدث أبداً منذ وصولي، ولم أتمنى أبداً أن تصل الأمور بيننا إلى هذا الحد". أخذت سالي نفساً عميقاً وأضافت: "إذا لم تكن مستعداً للحديث الآن، فلا بأس. لكن عندما تكون جاهزاً سأكون أنا أيضاً جاهزة لأستمع إليك ونتفاهم، غداً سأسافر في إجازة قصيرة، ولم أرغب في الرحيل دون أن أودعك، أتمنى أن تتغير الأمور عند عودتي، إلى اللقاء عبدالله". تركت سالي على هديتها فراشة صغيرة باللون الوردي صنعتها بالورقة التي التقطتها، ورحلت بهدوء من الغرفة ولم يتبقى إلا الصمت يدوي في الغرفة، تأمل عبدالله كلمات سالي بعمق، وشيئاً فشيئاً بدأت مشاعره تهدأ. نظر إلى الهدية، وشعر بمدى الصبر والاحترام التي تعاملت بهما معه. فنهض من سريره وأمسك الفراشة الصغيرة، ثم الهدية التي فتحها ليجد بها قطعة من البراونيز التي يحبها، مرفقة بورقة مكتوب عليها [صنعت بحب إلى عبدالله. سالي]. نظر الفتى إلى الباب ثم إلى الهدية وهو يشعر بالحيرة. *** ركن خالد سيارته بجوار أحد المنازل في مدينة الاسكندرية، كان منزل مصمم على طراز قديم، يبدو أن عمره سنين طويلة وشهد أحداثاً عظيمة ومثيرة. خرج من السيارة والتقط مجموعة من أكياس الهدايا. أغلق سيارته ورفع رأسه يتأمل المنزل قليلاً، ثم تقدم وضغط على الجرس بجوار البوابة، حتى خرجت خادمة من الباب الداخلي للمنزل وقالت: "مستر خالد مرحباً بك، تفضل". فتحت المرأة البوابة، ودخل خالد تقوده الخادمة إلى الداخل، حتى انتهي به المطاف في غرفة الضيوف، وبينما وهو ينتظر لمح من بعيد رأس أسود صغير ممتد من الباب، فابتسم خالد وقال: "تعالي إلى هنا". وفجأة ركضت طفلة صغيرة جداً تبلغ من العمر سنتان ذات شعر أسود قصير، وارتمت في حضنه، ابتسم خالد بحب وقال: "كيف حالك؟ هل تتذكريني". أومأت الطفلة التي تمسك بدمية صغيرة ذات شعر أشقر، مازالت تتذكره: "أحضرت لكي هدية". التفتت الطفلة حولها لترى الهدية وقالت بكلمات مبعثرة ذكرته بأطفاله: "أين هي؟". التقط خالد أحد الأكياس التي جلبها معه، وأخرج منها دمية صغيرة ذات شعر أسود قصير: "صنعت خصيصاً لك، ما رأيك؟". نظرت الطفلة إلى الدمية ثم إلى خالد الذي قال: "إنها تشبهك، وأسمك محفور هنا". قلب خالد الدمية وأشار إلى باطن قدمها الذي حفر عليه أسم "آسية". نظرت إليه آسية ببراءة وهي لا تفهم لغز الكتابة، ليقبلها خالد رأسها بخفة. وبينما وهو يلاغي الطفلة سمع صوت خطوات تتقدم حتى الغرفة ورأى رجلاً عجوزاً يستند على عصاه الخشبية ووراءه امرأتان، الأولى في الستينات من عمرها، والأخرى شابة يبدو أنها مازالت في بداية الثلاثينات، رأت الطفلة والدتها وركضت إليها وهي ترفع دميها الجديدة: "ماما، دمية". رفعتها والدتها وقالت: "إنها جميلة جداً وتشبه آسية، هل قلتي لعمك شكراً؟". شعرت الطفلة بالطرب وابتسمت وهي تشير إلى خالد بما أنه من اهداها الدمية وصاحت: "شكراً!". كان خالد في ذلك الوقت قد نهض على قدميه ووقف أمام الرجل الذي يبلغ من عمره ثمانون عاماً، احتضنه الرجل العجوز بحب وقال: "مرحباً بك يا بني، كيف حالك؟". "بخير يا عمي، كيف هي صحتك؟". "بأتم عافية حمداً لله". سلم خالد على المرأتان وجلس بعد أن أشار له الرجل، بعد بضعة أحاديث جانبية معه ومع ابنته وحفيدته، والطفلة الصغيرة حفيدته الصغرى التي تجلس على ساق جدها الأكبر وهي تأرجح قدميها فرحة بدميتها الجديدة، أربعة أجيال تتجسد أمامه على هيئة أشخاص. قال الرجل العجوز بابتسامة معتذرة: "اعتذر لك، فإبني وعائلته لم يتواجدوا اليوم ليرحبوا بك لأسباب خاصة". ابتسم خالد قائلاً: "لا بأس عمي، أنا من فاجأكم بالموعد بسبب ظروف عملي". قال الرجل بقلق: "أتمنى ألا تكون زيارتك الشهرية لنا قد سببت لك التعقيد في مواعيدك". "لا على الإطلاق، أنتم في مثابة عائلتي وهذا واجبي". بعد لحظات، مال الرجل قليلاً تجاه خالد بعيون فضولية لامعتان وقال بصوت محشرج: "أخبرني كيف حالها؟ هل صحتها جيدة". "هي بخير". "هل أخبرتها عني، هل تعلم أنك هنا؟". أومأ خالد بالنفي وهو يشعر بأن قلبه يعتصر، فقال الرجل متنهداً واليأس في عيونه: "هذا جيد". تأمل خالد المشهد أمامه، كان الرجل يجسد الصراع بين الراحة الظاهرة والعذاب المستتر، وألمًا عميقًا ملامح وجهه. هكذا كانت علاقة الأخوين أسعد وأنيسة أصلان، أحفاد باشوات مصر الذين شتتهم ظروف الحياة وجرّدتهم من دفء الصلة. أسعد، الأخ الأكبر، كان يشتعل شوقًا إلى شقيقته أنيسة، ويحلم بها ليل نهار. ولكنه في الوقت ذاته، كان مكبلًا بوعود قاسية وقصص ماضية بعيدة، تلك التي لم تترك له سوى الندم والحسرة. كانت آمال أسعد تتجدد في كل ذكرى، لكن الجراح لم تلتئم، مما جعل عذابه لا ينفك يرافقه. وفي المقابل، كان خالد في مدينة الإسكندرية يجلس في منزل أسعد أصلان دون علم أنيسة التي تفتقد بدورها أخاها العزيز. العلاقة بين الشقيقين كانت غريبة، مليئة بالألم الذي يعمق من خيوط الزمن الممزقة، وبين مشاعر الحنين التي لا تكف عن التسلل إلى ذكرياتهم المنسية. وكانت الحياة قد أبعدتهما عن بعضهما البعض لسنوات طويلة، تاركةً وراءها حكاية غير مكتملة، حيث تعانقت الذكريات والمشاعر في تناغم مؤلم ومؤثر. المشهد أمام خالد عمق من الاستياء الذي سيطر على قلبه، فقال وعينيه تلمعان بالأسى: "عمي أريد أن أساعدك في لم الشمل بينكما". رد عليه أسعد بصوت منخفض ومليء بالحزن: "بني، لقد مر وقت طويل جدًا. سنوات عديدة، بل عمر يفصلنا عن آخر لقاء. لا أعتقد أن هناك أي فائدة في محاولة إعادة ما فقدناه". "لكن الأمل لا يزال موجودًا. إنك لم تفقد كل شيء. هناك فرصة لإصلاح الأمور، لإعادة التواصل معها. صدقني كل يوم أشعر بشوقها وحنينها إليك". أسعد بأسى: "أشعر تجاهها بشوق لا يصدق، لكن الحقيقة أن الوقت قد سرق منا كل شيء. فقدنا الثقة، وانزوت فكرة التواصل مرةً أخرى في زوايا الماضي. ماذا يمكنني أن أقول لها بعد كل هذه السنوات؟". "ليس الأمر يتعلق بما تقوله بقدر ما يتعلق بما تشعر به. ما يزال هناك وقت لتصحح الأمور، لتظهر لها أنك لم تنسها. ماما تشتاق إليك، ولديها أحلامها أيضًا للقائك. ربما تكون هذه فرصتك لإعادة الاتصال وإعادة بناء العلاقة". أسعد متمتمًا: "لكن، ماذا لو رفضت؟ ماذا لو كانت قد تآلفت مع حياتها الجديدة ولا تريد العودة إلى الماضي المؤلم؟". وهنا ظهر العرق التركي العنيد الذي تسيطر عليه الكرامة وعزة النفس والذي لطالما رآه خالد في أمه، فقال بإصرار: "حتى لو كان هناك احتمال للرفض، فهو يستحق المحاولة. الألم الذي شعرت به لا يمكن أن يختفي إلا بمحاولة إصلاح الأمور. لا يمكن أن تعرف النتيجة دون أن تجرب. دعنا نحاول على الأقل، قد تكون هذه الخطوة الأخيرة التي تحتاجها لتجد السلام". قال أسعد بأسى: "بني أنت شاب مليء بالأمل، لكنني متعب. الحياة علمتني أن بعض الجروح لا تلتئم، وأن بعض الروابط لا يمكن استعادتها". صمت الرجل قليلاً ثم أكمل: "انظر إلي انا طاعن في السن، في أي لحظة قد لا أكون هنا بينكم، ألم يكن أولى لو كانت هذه الخطوة مبكرة قليلاً؟". أصر خالد: "عمي، لا تدع اليأس يسيطر عليك. قد تكون هذه الخطوة صعبة، لكنها قد تكون بداية جديدة. إذا كنت مستعدًا للقيام بذلك، فأنا هنا لدعمك في كل خطوة". أسعد بصوت خافت متأملاً أرض ويشد على عصاه: "لديك الحق، ربما تكون هذه فرصتي الأخيرة". شجعه خالد: "دعنا نحاول معًا". نظر الرجل إليه بحسرة وتأمله: "أعتقد أن قرار أنيسة في تربية رجلاً مثلك كان قراراً صائباً، لقد أفلحت حقاً في تربيتك يا بني". ابتسم خالد بفخر، لم تكن أمه امرأة عادية بل كانت دائماً إنسانة مخلصة محبة، وبالفعل هو ممتن لها لأنها اختارت أن تكون أماً له. وهنا كان قد ضمن المحاولة من الطرف الأول، وعليه الآن يقنع الطرف الثاني، كان متأكداً أن الأخوة يشتاقون إلى بعضهم البعض، ولكن العند والكبر كان دائماً العائق بينهم طوال تلك السنين الماضية. كما أنه في قرارة نفسه أراد أن يسدد بعضاً من الدين الذي يحمله في رقبته تجاه المرأة التي التقطته وأنشأته حتى وصل حاله الآن. لو استطاع أن يهديها العالم كلها بسمائه وأرضه وعجائبه لفعل، ولن يكفي كل هذا لسد هذا الدين العظيم. أمضى خالد الوقت مع الرجل العجوز وابنته وحفيدته، والحفيدة الصغرى تجري في الأرجاء فرحة بدميتها الجديدة، كانت عائلة مرحبة وودودة فيها من روح أمه، ولم يشعر أبداً بأنه غريب عنهم. عندما وصلته رسالة من أنيسة تطمئن عليها وتسأله عن موعد عودته، تأمل الساعة التي أشارت الساعة إلى منتصف الليل، فاستأذن وحاول أسعد اقناعه بالمبيت معهم هذه الليلة ولكن خالد اعتذر بلياقة ووعدهم بالزيارة مرةً أخرى. وبالفعل قاد سيارته عائداً إلى المنزل مرةً أخرى وعقله منشغل بشخص استولى على تفكيره تلك الأيام الماضية، وجعله تائهاً شارداً يعيش منتظراً أمراً لا يعلمه. هكذا كان حاله وهو لا يدري أنه يختبر مشاعر تستولي على قلبه لأول مرة منذ سنين المراهقة والدراسة الجامعية. قاد السيارة على حاله من الشرود حتى وصل إلى المنزل بأمان في الثانية والنصف فجراً، ليجد أنيسة في انتظاره، كانت قد سقطت في النوم أثناء انتظاره في غرفة الجلوس وحيدة بجوارها انارة خافته سقطت على وجهها، ليرى خالد ما كان غافلاً عنه أخيراً، لقد كبرت أمه في السن وصارت عجوز تملأ التجاعيد صفحة وجهها الذي لطالما كان جميلاً وجذاباً، صار وجهاً باهتاً شاحباً الحياة تكاد تهرب منه، هل هكذا كانت أنيسة طوال الفترة الماضية، رجع بذاكرته إلى الوراء ولم يستطع تذكر نقطة التحول، فلطالما رآها جميلة هانئة والحياة تغزو وجهها، جلس بجوارها يتأملها عن قرب وهو يشعر بالخوف لأول مرة، حتى أنه خاف أن يعترف لنفسه مما يخاف، نفض أفكاره تلك السوداوية، واقترب منها وهز كتفها برفق: "ماما، استيقظي". فتحت المرأة عينيها بسرعة ولهفة: "خالد هذا أنت، لقد وصلت!". "نعم، انهضي واذهبي الآن إلى فراشك". "كم الساعة الآن؟". "إنها تقترب من الثالثة، لماذا لم تخلدي إلى فراشك؟". "كنت قلقلة عليك، أن تقود في مثل هذا الوقت المتأخر على طريق دولي جعلني لا يغمض لي جفن". "حسناً أنا أمامك الآن، هيا سأساعدك لتذهبي إلى غرفتك". ساعدها خالد وعقله يقع على حقيقة مرة، كانت ثقيلة في الحركة وتستند عليه بثقلها وكأنها لا تستطيع رفع جسدها، سألها: "هل هناك مشكلة في قدمك؟ هل هناك منطقة في جسدك تؤلمك؟". نظرت إليه المرأة بتوتر وقالت وهي تسحب يدها عنه: "أنا بخير، فقط جسدي كان خاملاً بسبب النوم". "حسناً، ما رأيك أن نجري بعض الفحوصات لنتأكد من سلامتك؟". أغمضت المرأة عينيها بابتسامة محبة: "هذا لو اشتكيت لك من أمر ما، ولكنِ لا أشتكي من أي ألم". "أنت حقاً عنيدة، إنها فقط فحوصات دورية لا بأس بها". سألته المرأة بابتسامة طريقة: "ماذا لو أن فحوصاتي لم تكن سليمة وليس لدي وقت، سأعيش باقي أيامي في خوف وتوتر". لم تكن أنيسة مدركة لخطورة هذا السؤال ووقعه على خالد الذي وقف وسحب يدها ليوقفها هي الأخرى، نظرت المرأة إلى ابنها الذي أظلم وجهه، وتمتمت بحيرة: "خالد..". "ماذا تعنين بكلامك؟". نظرت المرأة إليه بثبات وقالت: "لا أعني شيء أنا فقط أعلق على حديثك". مسحت على رأسه بحب وابتسمت: "لا تخف علي يا بني، لن نهرب من المكتوب". لم يكن لديه تفسير عن سبب القلق الذي احتل قلبه فجأة، أم أنه يبالغ في القلق بسبب الصورة التي رآها عليها منذ قليل وهي مستغرفة في النوم؟ لم تتح له أنيسة فرصة للتفكير وشبكت ذراعها بذراعه وسحبته وهي تتحدث معه بمرح: "هيا عليك أن تخلد إلى النوم، حتى تستطيع الذهاب إلى عملك مبكراً". سار خالد بجوار أمه التي تثرثر، وعقله مازال عند صورتها وهي نائمة، وللأسف لم يمضي الباقي من تلك الليلة هانئاً وشكلها الضعيف لم يغب عن تفكيره. *** وقفت سالي أمام باب المنزل، أنيسة وخالد الذي يحمل حقيبتها في انتظارها، والأطفال يفرغون من فطورهم، تقدمت فرح واحتضنتها وهي تقول: "لا تتأخري علينا، سأنتظرك". ضمتها سالي: "سأتواصل معك باستمرار". جاءت لارا راكضة ووقفت وهي تميل برقة وطفولة: "متى سترجعين؟". مسحت سالي على شعر لارا بحب: "بعد اسبوع". تدخلت سارة وهي تحتضن ساق سالي: "سأشتاق إليك". انحت سالي وهي تضمها، وعيونها تبحث عن شخص ما ولكنها لم تلمحه، تقدم رحيم: "سنشتاق جميعاً إليك". تقدم حسن الذي كان يرتدي ملابس المدرسة للمرة الأولي منذ اسبوع، وقال ببرود: "لا تقل جميعاً". نظرت سالي إليه بطرافة وقالت: "أتمنى ألا تثير المشاكل مرةً أخرى في المدرسة". مدت يدها إليه، فنظر إليها الفتى قليلاً ثم التقطتها وقال: "لا تتأخري". كان كل الأطفال مهذبين جداً ليودعوا طبيبتهم الشابة، عدا عبدالله الذي كان يجلس في غرفته وهو يشعر لأول مرة بأنه مذنب، امسك بالفراشة الصغيرة وردية اللون وهو يسمع أصوات اخوته في الأسفل، وبعند لم يرد مشاركتهم وداع سالي على الرغم من أن العقاب رفع من عليه بطلب منها شخصياً. رفع خالد العقاب بعد أن لقاه توبيخاً ودرساً عن الأدب والاحترام، ظل الفتى وحيداً في غرفته نادماً حزيناً بسبب تصرفاته الغير مهذبة التي شعر بثقلها أخيراً. وهكذا رحلت سالي عن المنزل مؤقتاً لمدة أسبوع، بعد أن وعدتهم جميعاً بالعودة مرةً أخرى. انطلقت في مهمة قصيرة لتقرر مصيرها بنفسها وترسم طريق حياتها ومستقبلها بيدها، حتى تعود إلى المنزل دون ندم أو تفكير في الهروب. نهاية الفصل الثالث عشر نهاية الجزء الأول من رواية المنزل *** أهلاً بكم! أخيراً الجزء الأول من الرواية انتهي وهنبدأ مع بعض فصل تاني وجزء تاني من القصة، وأحداث كتيرة جداً محورية، الرواية دي ملهاش بطل في نظري لأن كل الشخصيات أبطال فيها ودورهم أساسي ومهم، فيه حاجات كتير هنعرفها الجزء الجاي، قصة أنيسة هنفهمها، وقصة كل طفل من الأطفال والظروف اللي وصلتهم للمنزل، الجزء الجاي أحداثة تقيلة ودرامية وطبعاً ظرافة الأطفال هي اللي هتهون شوية وقع الأحداث، أتمنى أكون على قدر توقعاتكم ولو قصرت في حاجة ياريت تلفتوا انتباهي ليها. حقيقي عملية الكتابة وربط الأحداث والحوارات بين الأشخاص عملية مش سهلة خالص بتاخد وقت ومجهود كبير مني، ده غير أنها مش الحاجة الوحيدة اللي بمارسها في حياتي، علشان كده بتأخر شوية في تنزيل الفصل، بس أوعدكم هحاول أحط معاد معين أنزل فيه الفصل، بس أنظم شوية بعض الأمور في حياتي، أعذروني واستحملوني، وأوعدكم بعمل راقي محترم وأعمال تانية كتير غيره. شكراً * اعذروني على أية أخطاء أكيد أكيد غير مقصودة. بشكركم جداً على صبركم عليا وانتظروا الأفضل بإذن الله. رواية المنزل: https://alaatareks.blogspot.com تابعوني على: instagram: alaatareks TikTok: alaatareks x: alaatareks متنسوش تقرأوا قصصي القصيرة الخيالية، متأكدة انها هتعجبكم.
Alaa Tarek