عارُُ بحق الجمال... أن تكتئبي، بحق كل ما هو جميل، إخجلي من جمالك وبتسمي...
❃
❃
❃
.
.
هَلْ فَكَّرتُم يَوماً أَنَّ الاسْتِحمَام قَدْ يَكُونُ طَقْساً لِلبقَاءِ عَلى قَيْدِ الحيَاة؟!
هذَا تَمَاماً مَا يَحْدُث مَعِي، ويَا لَسُخْرِيَّةِ القَدر، يَفْصِلُ بَيْنِي وَبَيْنَ المَوت – جرثومةٌ صغيرة أو ذَرَّةُ غُبَار... أو يَوْمٌ بِدُونِ استحمام، بِدُونِ تَعْقِيمٍ لَحْظَةً واحِدَة، أَو مُجَرَّد دَقَائِق مَعْدُودَة، كُلُّ مَا يَتَطَلَّبُهُ الأَمْرُ فَيْرُوسٌ صَغِيرٌ دَاخِلَ جَسَدِي.
سَأَصْدِمُكُمْ وَأَقُولُ إِنَّ هذَا لَيْسَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَكِنْ لِتَفْهَمُوا الوَضْعَ يَنْبَغِي أَنْ نَعُودَ بِالزَّمَنِ لِلْوَرَاءِ.
مَتَى؟!
حِين كُنتُ أَبلُغُ مِنَ العُمْرِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ فَقَط، تَرَدَّدَتْ كَلِمَاتُ الدُّكْتُورِ عَلَى مَسَامِعِ أُمِّي وَهُوَ يَقُولُ بِجِدِّيَّةٍ وَبَعْضِ القَسْوَة:
"الحياةُ لَيْسَتْ عَادِلَة، إِنْ كَانَ بِاسْتِطَاعَةِ أَحَدِهِمْ سَحْبُ بُضْعِ ذَرَّاتٍ مِنَ الأُوكسِجِينِ إِلَى رِئَتَيْهِ دُونَ أَنْ يَتَأَلَّمَ، فَهُوَ بِخَيْر."
نَفَثَ كَلِمَاتِهِ بِبُرُودٍ يُمَاثِلُ بُرُودَ أَلَاسْكا لَيْلاً، وَهُوَ يَمْسَحُ نَظَّارَاتِهِ الطِّبِّيَّةَ بِمِنْدِيلٍ وَرَقِيٍّ، وَبِاخْتِصَارٍ، تَمَّ تَشْخِيصِي بِمَرَضِ فُقَاعَاتِ الصَّابُونِ، أَعْلَمُ أَنَّ الاسْمَ يَبْدُو غَرِيباً وَمُضْحِكاً، لَكِنْ رَجَاءً... اِحْتَرِمُوا حُزْنِي. أَسْمَعُ صَوْتَ قَهْقَهَتِكُمْ يَخْتَرِقُ الصَّفَحَاتِ إِلَيَّ.
فِي الحَقِيقَةِ، الاسْمُ العِلْمِيُّ لِلْمَرَضِ هُوَ: "العَوَزُ المَنَاعِيُّ المُشْتَرَكُ الحَادُّ".
وَقَدْ يَتَسَاءَلُ البَعْضُ عَنْ سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِفُقَاعَاتِ الصَّابُونِ، حَسَناً... كُلُّ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّهُ مَا إِنْ تُصَابَ بِهذَا المَرَضِ، حَتَّى يُكْبَتَ كِيَانُكَ وَيَضِيقَ خِنَاقُكَ أَكْثَر، مَا يَعْنِي سِجْناً مِنْ فُقَاعَةِ صَابُونٍ.
مَثَلاً... أَنَا لَمْ أَخْرُجْ مِنَ المَنْزِلِ قَطّ، وَأَعْنِي بِذَلِكَ: وَلا حَتَّى لِمَرَّةٍ وَاحِدَة، لِثَمَانِيَةَ عَشَرَ عَاماً.
هَلْ تَعْلَمُونَ كَيْفَ يَكُونُ شُعُورُ اللَّعِبِ تَحْتَ المَطَرِ؟!
أَنَا لا أَعْلَمُ...كَيْفَ يَكُونُ شُعُورُ اللَّعِبِ تَحْتَ المَطَرِ وَالسِّبَاحَةِ فِي البَحْرِ الشَّاسِعِ بَيْنَ الأَمْوَاجِ... أَوْ كَيْفَ سَيَكُونُ شُعُورِي حِينَ أُعَانِقُ أُمِّي وَأُجَدِّلُ لَهَا ظَفَائِرَهَا النَّاعِمَة... كَيْفَ تَشْعُرُونَ حِينَ تُعَانِقُونَ شَخْصاً مَا؟!
وَمِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، أَعْلَمُ أَنَّهُ لا بُدَّ أَنْ أَسْتَحِمَّ لِمُدَّةِ أَرْبَعِ سَاعَاتٍ يَوْمِيّاً...أَنْ أُغْرِقَ نَفْسِي بِالمُعَقِّمَاتِ لِأَعِيشَ، لِأَرَى شُرُوقَ شَمْسٍ آخَر، لِأَحْيَا يَوْماً آخَر،يَوْماً لَنْ أَخْرُجَ فِيهِ، وَلَنْ أَحْتَضِنَ أَحَداً،يَوْماً لَنْ أَقْتَنِيَ فِيهِ قِطّاً صَغِيراً وَأُدَاعِبَ فِرَاءَهُ النَّاعِمَ،يَوْماً لَنْ أَقْفِزَ وَأُحَرِّرَ يَدَيَّ لِتَرْتَطِمَ بِهِمَا قَطَرَاتُ المَطَرِ.
وَأُدْرِكُ أَنَّنِي يَجِبُ أَنْ لا أَلْمِسَ شَيْئاً إِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَقَّماً، وَأَفْهَمُ تَمَاماً أَنَّنِي لا يَجِبُ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ المَنْزِلِ، وَأَعِي أَنَّنِي لَنْ أُقَابِلَ إِلَّا شَخْصَيْنِ فَقَطْ لِمَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِي...
لَكِنِّي عَلَى قَيْدِ الحَيَاةِ، وَإِنْ... وَإِنْ كَانَ بِمَقْدُورِي سَحْبُ بُضْعِ ذَرَّاتٍ مِنَ الأُوكسِجِينِ إِلَى رِئَتَيَّ، فَأَنَا بِخَيْر.
حَيَاتِي لَيْسَتْ سَيِّئَةً تَمَاماً، يَتِمُّ تَوْفِيرُ كُلِّ مَا أَحْتَاجُهُ، الكَثِيرُ مِنَ الأَجْهِزَةِ الذَّكِيَّةِ، وَالكَثِيرُ مِنَ الكُتُبِ وَالرِّوَايَاتِ، وَالكَثِيرُ وَالكَثِيرُ مِنَ الحِصَصِ الإِلِكْتْرُونِيَّةِ. لَمْ تَظُنُّوا أَنِّي أَرْتَادُ المَدْرَسَةَ مِثْلَ كُلِّ شَخْصٍ طَبِيعِيٍّ، صَحِيح؟!
وَحَتَّى مِنْ دَاخِلِ فُقَاعَةِ الصَّابُونِ، أَبْرَعُ فِي فِعْلِ الكَثِيرِ،
أُتْقِنُ بِنَاءَ المُجَسَّمَاتِ الهَنْدَسِيَّةِ المُصَغَّرَةِ، أُصَمِّمُ الكَثِيرَ مِنَ المُجَسَّمَاتِ...اليَوْمَ أَنْهَيْتُ مُجَسَّمَ مَكْتَبَةٍ، صَمَّمْتُ هَنْدَسَتَهَا الدَّاخِلِيَّةَ وَالخَارِجِيَّةَ بِنَفْسِي.
فَعِوَضاً عَنْ مُشَاهَدَةِ المَكْتَبَةِ عَلَى الإِنْتَرْنِتِ وَتَمَنِّي أَمَانِيَ لا يُمْكِنُ أَنْ تُحَقَّقَ بِزِيَارَتِهَا، أَقُومُ بِبِنَاءِ كُلِّ مَكَانٍ أَتَمَنَّى زِيَارَتَهُ، مَا عَدَا البُقْعَةَ الوَحِيدَةَ الَّتِي قَدْ أَدْفَعُ مَا تَبَقَّى مِنْ حَيَاتِي القَصِيرَةِ لِرُؤْيَتِهَا بِعَيْنَيَّ بَدَلًا مِنْ تَصْمِيمِ مُجَسَّمَاتٍ لَهَا —بَحْرُ النُّجُومِ —حَيْثُ لا تَنْعَكِسُ النُّجُومُ عَلَى صَفْحَةِ المِيَاهِ، بَلْ تَتَوَلَّدُ مِنْ أَعْمَاقِ البَحْرِ، لا أَسْتَطِيعُ حَتَّى تَخَيُّلَ الأَمْرِ، كَيْفَ سَيَكُونُ شُعُورُ السِّبَاحَةِ بَيْنَ النُّجُومِ بَيْنَمَا تَنْظُرُ لَهَا فِي السَّمَاءِ، كَمْ أَتَمَنَّى أَنْ يَسْقُطَ شِهَابٌ أَوْ شِهَابَانِ بَيْنَمَا أَسْبَحُ...كَانَتْ إِحْدَى أُمْنِيَاتِ الطُّفُولَةِ أَنْ أُسْقِطَ نَجْمًا لِيَغْدُوَ شِهَاباً،هُنَاك... هُنَاكَ فَقَط، عِنْدَ بَحْرِ النُّجُومِ، يُمْكِنُنِي تَحْقِيقُ أُمْنِيَتِي.
لَكِنِّي لَسْتُ مُسْتَعِدَّةً حَقّاً لِدَفْعِ حَيَاتِي ثَمَناً لِذَلِكَ، أَوْ... لَيْسَ الآنَ عَلَى الأَقَلِّ.لَدَيَّ الكَثِيرُ لِفِعْلِهِ، و... و...وَأَنَا فِي الحَقِيقَةِ خَائِفَةٌ؛مَاذَا سَيَحْدُثُ لِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَ الحَيَاةَ؟!إِلَى أَيْنَ سَأَذْهَبُ؟ وَمَعَ مَنْ؟!كَيْفَ أَتَحَقَّقُ مِنْ هَذِهِ الإِجَابَةِ حَتَّى؟!...بِحَقِّكُمْ، لَمْ يَمُتْ شَخْصٌ وَعَادَ لِيُخْبِرَنَا بِمَا حَدَثَ لَهُ وَكَيْفَ يَكُونُ الأَمْرُ...مِنَ الطَّبِيعِيِّ أَنْ أَشْعُرَ بِالخَوْفِ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟!
عِوَضاً عَنْ ذَلِكَ، أَنَا أُحِبُّ الحَيَاةَ،وَإِنْ كَانَتْ حَيَاتِي خَانِقَةً، وَلَيْسَتْ بِحَيَاةٍ حَتَّى لِلْبَعْضِ، لَكِنَّهَا جَيِّدَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِي.
أُحِبُّ نَفْسِي وَجَسَدِي، وَإِنْ كَانَ ضَعِيفاً...ضَعِيفاً لِدَرَجَةٍ أَنَّهُ لَنْ يَحْتَمِلَ حَتَّى جَرْثُومَةً وَاحِدَة، لَكِنِّي أُحِبُّهُ.
فَهِمْتُ مَعَ الوَقْتِ أَنْ أَتَقَبَّلَ حَيَاتِي كَمَا هِيَ، وَأَنْ لا أُحَاوِلَ تَغْيِيرَهَا، لَيْسَ وَكَأَنَّنِي أَسْتَطِيعُ...فَقَطْ... لِيَبْقَى كُلُّ شَيْءٍ عَلَى حَالِهِ.
لَنْ أُغَيِّرَ مِنْ حَقِيقَةِ أَنَّ خِزَانَتِي تَضُمُّ خَمْسِينَ قِطْعَةَ قُمَاشٍ بِاللَّوْنِ الأَبْيَضِ:تَنَانِيرُ، قُمْصَانٌ، سَرَاوِيلُ، فَسَاتِينُ... كُلُّهَا بَيْضَاءُ،
وَذَلِكَ لِيَسْهُلَ مُلَاحَظَةُ أَصْغَرِ البُقَعِ وَأَدَقِّ الأَوْسَاخِ.
وَحَتْماً لَنْ أُغَيِّرَ رُوتِينِي الغِذَائِيَّ الصَّارِمَ،
وَسَأَتَنَاوَلُ البُرُوكْلِي وَالسَّبَانِخَ وَأَنَا أُجْبِرُ نَفْسِي عَلَى الِابْتِسَامِ.
وَكَكُلِّ عَامٍ، سَأَتَرَقَّبُ أَنْ تَدُقَّ السَّاعَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَ،
لِأَحْتَفِلَ بِعِيدِ مِيلَادِي... وَحْدِي،أَفْعَلُ كُلَّ هَذَا مُنْذُ ثَمَانِيَةَ عَشْرَ عَاماً،وَهَا أَنَا أَبْلُغُ التَّاسِعَةَ عَشْرَ،وَلَم يَتَغَيَّرْ شَيْءٌ، سِوَى أَنِّي تَقَبَّلْتُ الأَمْرَ... حَقّاً.
❃
❃
❃
.
.
23/4/2018
وفي حال كنتم تتساءلون كيف أبدأ يومي، أبدأ يومي بزعزعة المنزل بصراخي:
"يومٌ جديد، استيقظوا! لنبدأ بحماس... اليوم عيد ميلادي!"
أُوقِن أني مزعجة، ولكن إن لم تستطع أن تكون سعيدًا، فَزَعْزِعْ فَرَحَ الآخرين.
أُحَاوِلُ كُلَّ يَوْمٍ صُنْعَ يَوْمٍ مُمَيَّزٍ لِنَفْسِي، مثلًا: في إحدى الأيّام، استيقظتُ وأعلنتُ أن اليوم هو "يوم الرغوة"، وقمتُ بصنع رغوةٍ عملاقة في الحمّام،
وفي يومٍ آخر، كان "يوم التزحلق"، وبدأتُ أتزحلق في أنحاء المنزل كالبطريق.
أه، صحيح! ويوم أمس كان "يوم الشقلبة"، وأجل... قضيتُ اليومَ كلَّه أتشقلب.
ولن أتستّر على الأمر... بدأ "جونسون" – ممرّضي – يشعر أنني على وشك فقدان عقلي،
وهو يُخطّط يوميًّا لجرّ مُعالجٍ نفسيٍّ إلى المنزل.
ولن أنسى ردّة فعله عند حديثي عن أساليب القتل الرحيم...
بالطبع كنتُ أمزح، ولكنه لا يفهم السخرية أبدًا.
وبالحديث عن السخرية...
كلّ سخرية العالم قرّرت أن تجتمع في منزلي اليوم،
ويا لحظّي – العاثرِ على ما يبدو – قرّرت والدتي البقاء بصحبتي وتحضير طبق بروكلي بالزبيب لعيد ميلادي.
"بحقّ كل ما هو جميل... لَيْس الزبيب والبروكلي!"
"لمَ يا عزيزتي، ما خَطْبُها؟... هيا، أنتِ لم تتذوّقيها حتى!"
لا أريد أن أصف لكم تعابير وجهي الآن، ولكن سأحاول... هل جرّبتَ تناول المخلّل بالعسل من قبل؟!
الآن هذا ما أتحدّث عنه.
هذا بالضبط ما يعنيه تناول البروكلي مع الزبيب.
"أمي، هل هذه مزحة العيد؟! ... بحقّ الزبيب نفسه، هل أنتِ جادّة؟!"
"كارلا، أنتِ تحبّين الزبيب، و... و... لقد وجدتُ هذه الوصفة على الإنترنت... تبدو جميلة وصحيّة، والأهم: عقّمتُها جيّدًا!"
"لمَ أشعر دائمًا أن الإنترنت الذي تستخدمينه يُبَثّ من مركبات فضائية؟!
جدّيًا... من يضع الزبيب على البروكلي؟
إن وضعتُ يدي على صاحب الفكرة، ذو عقل البروكلي الفذّ ذاك، سأُرسله إلى المريخ!"
لا أعلم ماذا حدث،ولكنّ أمي حدّقت فيّ بنظرة: "أنتِ ميتة بعد قليل"،وأقسم لكم أنها ستتلو نشيد البروكلي الصباحي على مسامعي للمرة الثانية عشرة بعد المئة:
"البروكلي مفيد وغني بالفيتامينات والمعادن...
يَحوي فيتامين C أكثر من البرتقال... أتصدّقين هذا؟!
ويَحوي فيتامين K، وحمض الفوليك، والبوتاسيوم..."
الرررررّحمة...!
بالطبع، لن ترحمني أمي من تحية البروكلي الصباحية، ولكني سأفعل! كونوا ممتنّين رجاءً.
وكم وددتُ تقبيل جونسون حين قاطع حديث أمي بدخوله، ورغم أنّنا لا نستلطف بعضنا كثيرًا – لأسباب ذكرتها سابقًا –إلّا أن تعابير وجهه تجاه وعاء الزبيب والبروكلي، أكّدت لي أننا نتفق على شيءٍ ما.
جونسون في الثلاثين من عمره، ذو بُنيةٍ جسديةٍ متوسّطة، وابتسامةٍ لعينة لا تُغادر ثغره مطلقًا،
يملك طاقة إيجابية حدّ اللعنة، وكلما حاولتُ اللعب معه قليلًا لرفع ضغطه، يرتفع ضغطي أنا،
بل ويصل عنان السماء.
جديًا... أشعر أنه يلعب مع اليونيكورن بين أقواس المطر كل صباح، ويستيقظ ليحتسي شراب القيقب بدلًا عن القهوة.
حاولتُ جاهدةً أن أرسم أجمل ابتسامة قد ابتسمتُها يومًا، لكن سرعان ما سقط وجهي مع ابتسامتي، حين تكرّم جونسون وتلا كلماته بثقة قنفذٍ يبني جسرًا من أعواد الأسنان:
"سيدة أشلي، لقد قرأتِ مقال البروكلي الذي أرسلته لكِ، هذا رائع... لابدّ أن كارلا ممتنّة لهذه الوجبة الشهيّة."
صدقوني... كل ما أشتهيه الآن ركل مؤخرة هذا القنفذ،
وقد عشتُ حتى رأيتُ قنفذًا آخر يكتب مقالًا عن البروكلي، ما خطب كوكب المشتري لِيكتب عن البروكلي؟!
لا... لا... لا قوة لي لمُحدَثات البروكلي وأفكار الركل التي تدور في عقلي، وأخيرًا، حملتُ قدمي إلى غرفتي في الطابق الثاني، هويتُ بجسدي على السرير، أراقب الأضواء الصغيرة في السقف، أتذكّر ذلك اليوم... يوم النجوم.
يومها لم أجد أفكارًا ليومٍ مميز، كان النهار في أوّله، وشعرت أني أفتقد النجوم، لذلك قُمتُ بطلبها من الإنترنت، لكني لم أجرؤ على تعليقها في المنزل بالكامل، بل اكتفيتُ بغرفتي فقط. لن أحتمل عالمًا من النجوم.
لماذا ينتهي بي المطاف دائمًا مع النجوم؟! ربما لأنه المكان حيث سأكون بعد مدة.
"لا... لن أتذمّر. اليوم عيد ميلادي، لم يظنّ أحد أني سأكمل العشرة سنوات، وها أنا أبلغ التاسعة عشر.
عامٌ فقط، وأُكمل العشرين عامًا... فقط اثنا عشر شهرًا أخرى."
لابدّ أن تكون فكرة اليوم مميّزة، فاليوم مميز.
لن يكون الرسم فكرة جيّدة، أو حتى العزف، وقد جرّبتُ سابقًا "يوم الصراخ بصوتٍ عالٍ".
لم أكن أخطط أن أقضي اليوم أمام النافذة أتأمل شاحنة النقل:
قيتار، سجّاد، صور عائلية، أريكة باللون الأبيض...
يبدو أننا سنحظى بجيرانٍ جُدد.
هذا رائع! كنتُ أتأمل نافذة الغرفة التي في المنزل المقابل كثيرًا...
إذًا سيتحقق حلمي بأن أتجسّس على أحدهم أخيرًا!
أعني... هيا، فكّرتم بالأمر مرة على الأقل، صحيح؟!
ومن العدم... تقابلت عيناي مع عينيه، لمدة... لا أعلم، ربما دقيقة، أو خمس، أو خمس عشرة. لا أصدق أني ميّزت لون عينيه من هذه المسافة... زرقة عينيه تنافس السماء.
سبحان من أبدع في خلقهما! كيف لعينين أن تأسر شخصًا بهذه الطريقة؟ أقسم أني لم ولن أرَ مثل عينيه يومًا...ولا أعلم إن كان ينظر إليّ حتى.
"النظر إلى الشمس طويلًا يؤذي العينين يا كارلا..."
ومن عساه يحشر نفسه في لحظةٍ جميلة كهذه سوى قنفذ أعواد الأسنان! فهمتُ ما يعنيه تمامًا... أدرك أنه لا يقصد الشمس، وبدون قصد، خرجت نبرتي منزعجة، بل وبدت تقاسيم الانزعاج جليةً على وجهي:
"تحترق حياتي ببطء كل ليلة، لا مانع من احتراق عينَيّ قبلها...على الأقل لن أرى نفسي وأنا أحترق عندها."
بقدر ما أشعر بالانزعاج من كلماتي، بقدر ما أعلم أنها الحقيقة.
لكن... صدمني قنفذ أعواد الأسنان بكلماته، التي تسلّلت إلى عقلي ببطء:
"كلّنا على درب الاحتراق...كارلا، قد تبدين مرحة وفطنة، ولكني أُجيد النظر عبر الأشياء... خصوصًا..."
نظر إلى عينَيّ مطوّلًا، وكأنه ينزع عني كلّ ما دسستُ به ضعفي، ثم أردف بنظرة حانية وصوتٍ لطيف:
"الأقنعة."
"ماذا؟!"
"بمقدوري انتشال الأقنعة من الوجوه... دون لمسها حتى."
وكما قلتُ:
يصل ضغط دمي عنان السماء،
لأنه، وبشكلٍ واضح، أحمق يملك ثقة قنفذ يبني جسرًا بأعواد الأسنان، وبما أن محور الحديث لا يعجبني، سأتجاهله تمامًا، ويبدو أنه يملك الكثير ليقوله،
ولستُ في مزاجٍ للاستماع إليه.
لذا قابلتُه بظهري...لأُصعَق بنظرات الفتى معلّقة عليّ.
أقسم أني شعرتُ بجفاف في حلقي، وبدت الدهشة واضحةً وجلية من وسع عينيّ...
لماذا ينظر إليّ هكذا؟!
أشعر أن نظراته قد تخترق الزجاج لتصل إليّ...لا أعلم منذ متى وهو ينظر إلي، أو لماذا لا يزال يُبحلق بي كالأحمق...هو فقط يبدو منبهرًا.
ولِمَ بحق السماء أرى بريقًا في سماء عينيه؟!
لربما يعجبه التصميم الخارجي للمنزل،
أو بعض ديكور الغرفة الذي يظهر للعيان من خلال النافذة...
في النهاية، كلّ ما استطعت فعله هو:
تقديم ابتسامةٍ صادقةٍ له، وتأمّل يده التي ارتفعت لتلوّح لي، ومجدّدًا قابلته بابتسامة، بينما أغلق الستائر وأبتعد عن النافذة نهائيًا...
هل تظنّون أن تصرّفي كان وقحًا؟!
"ربما."
ماذا تتوقّعون؟! لا أملك الكثير...فقط هذه الابتسامة. هذا جُلّ ما أستطيعُ تقديمه.
❃
❃
❃
.
.
أتمنى أن الفصل نال إعجابكم، ورتقى لكم....
ماذا تتقعون أنه سيحدث لكارلا؟!
وأي يوم ستطنع لنفسها في عيد ميلادها؟!
وما قصة الفتى؟!
إلى لقاءِِ قريب...
𝑀𝑎𝑟𝑖𝑏·𝑆𝑒𝐶