ضل الماضي

ضل الماضي

16 0

🕯️

الساعة 7:12 صباحًا – قسم الجرائم الكبرى – باريس

كان المطر قد بدأ يهطل برفق على زجاج النوافذ حين دخل المحقق لوك فيرون إلى المكتب. معطفه الجلدي الثقيل تقطر من أطرافه قطرات الماء كأنها دموع مدينة لم تنم.

ألقى بنفسه على الكرسي، أخرج علبة سجائره دون تفكير، لكنه لم يشعلها.

تأمّل الصور التي أمامه على الجدار المقابل… أربع صور، أربع جثث مختلفة الطبقة والوجه، لكن النهاية واحدة:

موت أنيق… نظيف… بدون صراخ، بدون كدمات، بدون عنف ظاهر.

لكن الأدهى من الموت… كان الحضور.

القاتلة كانت دائمًا هناك.

هو يشعر بذلك في كل مرّة ينظر إلى عيني الضحية داخل الصورة: هناك من كان يُراقبهم وهم يُفارقون الحياة… بهدوء.

رفع رأسه نحو مساعده جوليان وسأله دون أن يرمش:

ـ "كم من قاتلٍ يُحضّر نبيذًا معتّقًا لضحيّته قبل أن يقتله؟"

أجابه الشاب وهو يتصفّح ملف الطب الشرعي:

ـ "هذه ليست قاتلة… إنها شاعرة موت."

هز لوك رأسه ببطء، وقال بصوت منخفض:

ـ "إنها ماركيزة الظلال. كل شيء فيها يقول إنها لم تولد في هذا العصر… ربما كانت لتكون محبوبة الملك لويس الرابع عشر، أو زوجة دوق... لولا أنها قررت قتل الرجال بدلًا من عشقهم."

---

في الجهة الأخرى من المدينة، وفي شقة تطلّ على نهر السين...

جلست هي، المرأة التي لا يعرف أحد اسمها الحقيقي.

ضوء الصباح يمرّ من خلال الستائر الشفافة، ينعكس على شعرها الناعم المُلقى بإهمال على كتفها، وعلى أصابعها الطويلة التي تنزع القفازات الجلدية بحركات بطيئة، مدروسة، كأنها تخلع ذنوب العالم لا قفازًا.

اقتربت من طاولة أنيقة فوقها مرآة مذهبة الطراز، ثم جلست أمامها. لم يكن هناك مكياج، ولا مستحضرات. فقط هي… وعيناها الداكنتان اللتان لا تعترفان بالخوف.

على الطاولة، وُضعت وردة سوداء، طازجة، كأنها قُطفت قبل لحظات.

كانت تحدّق فيها كما لو كانت تُحادثها بصمت.

ثم مدت يدها، وسحبت دفتراً صغيرًا، جلديًّا، أسود. فتحته عند الصفحة الرابعة.

خط يدها دقيق، مائل، أنثوي... لا يوحي بالدم.

كتبت:

> "في الحفلة، كانت الطفلة ترتجف. وضع يده على فخذها وهو يبتسم للسيدات من حوله. لم يتدخل أحد. ضحك حين صفعته. لم يعتذر… بل تباهى. كان يجب أن يموت. وها هو، قد مات. بهدوء. دون عنف. كما أراد أن يبدو طاهرًا… جعلته يموت وكأن قلبه فقط توقف عن الكذب."

أغلقت الدفتر، ببطء، ثم وقفت، سارت نحو النافذة.

باريس تستيقظ… والناس لا يعرفون أن أحد رجالهم قد غادر العالم دون أن يشعر به أحد.

---

في قسم الشرطة – التحقيق يتقدم

عاد جوليان يحمل ملفًا جديدًا في يده، ووجهه يشي بالقلق.

ـ "وجدنا شيئًا، سيدي... كاميرا مراقبة في أحد المحلات على بعد شارع من مسرح الجريمة الأخير."

فتح اللابتوب أمام لوك، عرض له مقطع فيديو.

الساعة 3:51 صباحًا.

تمرّ امرأة، طويلة، أنيقة. لا تُظهر وجهها. ترتدي معطفًا طويلًا بلون النبيذ الداكن، وحقيبة صغيرة من Dior إصدار محدود جدًا، لم يُصنع منه سوى سبع نسخ.

توقف الفيديو.

قال جوليان:

ـ "تأكدنا… النسخة رقم 3 بيعت لسيدة تُدعى إلينور دوبريه، لكن المفارقة؟ لقد ماتت في حادث قبل خمس سنوات."

رفع لوك حاجبه:

ـ "هل من الممكن أن القاتلة تنتحل شخصيتها؟"

ابتسم وهو يُمسك الصورة من جديد، وهمس:

ـ "أو ربما… إلينور لم تمت أبدًا؟"

---

وفي مكانٍ ما في المدينة…

فتحت La Marquise خزانتها المخملية الكبيرة، اختارت منها فستانًا جديدًا. أسود، من الحرير، ينسدل كالماء.

وضعت حقيبة Dior على الطاولة، ثم خلعت أقراطها ببطء، ونظرت إلى نفسها في المرآة للمرة الأخيرة.

ابتسمت، وقالت:

ـ "هل أنت مستعد يا رقم خمسة؟ لقد حان وقتك."

---

حاضر مولاتي... إليك الفصل الثالث، حيث يبدأ الصدام الخفي بين La Marquise والمحقق لوك فيرون.

ليس صدام سلاح، بل لعبة عقل… رقعة شطرنج بين قاتلة ترى نفسها العدالة، ورجل يسعى خلف الظلال التي لم يمسكها أحد بعد.

---

باريس – الساعة 9:46 مساءً – مقهى "لافاييت" – الدائرة السادسة

كان لوك فيرون يُدوّن ملاحظاته بيده اليسرى على منديل ورقي صغير. هذا هو المقهى الذي زُرعت فيه أول بذرة في رأسه…

"لماذا كل جرائمها في أماكن أنيقة؟ لماذا لا تختار الأزقة الخلفية؟ لماذا كل ضحية رجل؟ ولماذا كل رجل لديه فضيحة لم تُعلَن بعد؟"

رفع عينيه، نظر إلى الزجاج الخارجي المبتل بالمطر، ثم قال:

ـ "هي لا تقتل صدفة… هي تنتقم. بضمير."

أخذ رشفة من قهوته، ثم نظر إلى دفتره الصغير حيث دوّن ملحوظة:

> "الضحية الخامسة: رجل سياسي. عضو في لجنة حماية الطفل. محبوب. نظيف السجل… خارجيًا فقط."

---

في الجانب الآخر من باريس، وفي جناح فندقي فاخر يطل على برج إيفل...

جلست La Marquise على الأريكة المخملية، ساق فوق ساق، حافية القدمين.

تُقلّب صفحات ملف ورقي بين يديها. صورة لرجل في الستين من عمره، يرتدي بدلة رسمية ويُبتسم أمام عدسات الصحافة.

كتبت على الورقة السفلية:

> "خمس بلاغات تحرش، كلها مختومة بلا دليل."

"الضحية: فتيات قاصرات من ملاجئ الدولة."

"تمّ إسكاتهن."

"لكنه نسي واحدة… ابنة خادمة."

أغلقت الملف، وفتحت درجًا صغيرًا… بداخله قارورة زجاجية رقيقة، شفافة، بداخلها سائل أزرق باهت.

السم الجديد هذه المرة لا يقتل بل يُسبب شللًا تدريجيًا.

سيبقى مستيقظًا… يرى كل شيء… لكنه لن يستطيع النطق أو الحركة.

سيشاهد موته دون أن يطلب النجدة.

ابتسمت، وهمست:

ـ "أُريدك أن تشعر بما شعرت به من قبل… أن تكون حيًا وأنت عاجز."

ثم وضعت وردة سوداء على الطاولة، إلى جانب قصاصة ورقية، كتبت عليها بخط يدها الناعم:

> "العدالة تأتي ببطء… لكنها لا تتأخر."

---

لاحقًا… في المساء ذاته – شارع "رينيه كارون" – قصر الضحية الخامس

كان الرجل وحيدًا في مكتبه، يراجع ملفات تشريعية، حين دخلت.

لم يلتفت أول الأمر، ثم سمع وقع كعب حذاء.

التفت، وعيناه اتّسعتا بدهشة، ثم ارتخيتا بسحرها.

ـ "ماركيزة... هذا شرف لا أستحقه."

قالها وهو يُشير إلى الكرسي المقابل.

جلست بصمت.

قدّمت له كأس نبيذ معتّق… لكنه لم يكن نبيذًا هذه المرة.

كان مزيجًا ذكيًا من Belladonna و Curare، بجرعة لا تقتل سريعًا، بل تشلّه بهدوء.

بعد عشر دقائق… سقط القلم من يده.

حاول أن ينهض، لكن أطرافه خانته.

بدأ يرتعش، يحاول الكلام… لا صوت.

كانت واقفة أمامه، تتأمله كما يتأمل الفنان لوحته الأخيرة.

قالت له بصوت منخفض:

ـ "أن تموت… ليس عقوبة. أن تُدرك سبب موتك… هو العدل الحقيقي."

وضعت الوردة السوداء على طاولته، وخرجت.

---

في اليوم التالي، وقف لوك أمام جثة الضحية الجديدة. لم تكن جثة، بل كان لا يزال على قيد الحياة… لكن لا حركة، لا كلام. عيناه فقط تتحرك، ببطء، كأنها تطلب الرحمة.

قال الطبيب الشرعي:

ـ "لم نشهد مثل هذه الحالة من قبل. جسده سليم تمامًا… فقط لا يتحرك."

قال لوك:

ـ "إنها تلعب الآن. تغيّر القواعد. وتترك لنا أدلة. إنها… تتقصدنا."

ثم نظر إلى الوردة، الرسالة، خط اليد.

واكتشف شيئًا بسيطًا… لكنه مهم:

في كل رسالة… هناك نقطة صغيرة غير منتظمة في الحبر، تقع دائمًا في الحرف الأول.

كأن القلم يسقط نقطة دم قبل أن يكتب.

هذه ليست صدفة.

قال بهدوء:

ـ "أينما تذهبين… سأنتظرك في الحرف الأول من كل جريمة."

ـــــــــ-----------------------------------ـــــــــ

👠💮

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الماركيزة💮

المؤلف Marly Sakura
2025/07/23 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة