كانت المدينة تغط في نومها العميق، لكن هناك شيء ما لم يهدأ، شيء في عمق الظلام يحمل صدى صمت غريب.
في شارع ضيق مهجور، تلوح بين المباني القديمة بناية قديمة بواجهتها المتداعية، كأنها شاهدة على أسرار لا يرغب أحد في كشفها.
في الطابق الرابع من تلك البناية، كان باب شقة نصف مفتوح، يكشف عن غرفة مظلمة بداخله، لا يسطع فيها سوى وهج خافت من مصباح قديم يتدلّى من السقف.
كانت الغرفة خالية من الحياة، لكن هناك من لم يغادرها بعد.
دخل شخص ما، خطواته خفيفة، كما لو أنه لا يريد أن يترك أثراً، لكن في عينيه كان هناك شيء أكثر من مجرد هدوء.
تقدم نحو وسط الغرفة حيث كان جسد أنثى ممددًا على الأرض، بلا حركة، بلا صوت.
وجهها غير واضح في الظلام، لكن برودة المكان كانت تنطق بما لم تقله الشفتان.
لم يكن هناك أي علامة على مقاومة، ولا صوت استغاثة، فقط سكون قاتل يلف المكان.
وقف في مكانه لثوانٍ، يتأمل الجسد الملقى أمامه دون أن يقترب.
كأن مجرد النظر إليها كافٍ لتأكيد ما يعرفه بالفعل... أنها لن تتنفس مجددًا.
لم يكن بينهما حوار أخير، ولا صراخ، ولا دموع.
حتى الموت هنا كان مرتبًا... باردًا... كأنهما اتفقا عليه سلفًا.
اقترب بهدوء من الطاولة، أخرج من جيبه ورقة صغيرة، مطوية بعناية، وضعها بجوار كوب القهوة الذي ما زال يحتفظ ببعض دفئه، كأن صاحبه غادر على عجل.
ثم تجولت عيناه في أرجاء الغرفة، يبحث عن شيء معين، أو يتأكد من شيء ما.
كان كل شيء في مكانه، باستثناء ستارة صغيرة تهتز مع النسيم، وكوب على الطاولة، ورسالة لم تُقرأ بعد.
اقترب من النافذة، لم يفتحها. فقط وضع يده على الزجاج، ومسح عليه بإبهامه، تاركًا خلفه خطًا طفيفًا... بصمة لا تُرى، لكنها تقول: "كنت هنا".
لحظة صمت تلتها همهمة خفيفة من الأسفل... خطوات شخص ما يصعد الدرج ببطء.
توقف للحظة، كأن الصوت لم يفاجئه، بل أكّد له أن الوقت انتهى.
توجه نحو الباب، فتحه بصمت، ثم خرج... دون أن يغلقه.
الصمت في تلك الشقة لم يكن بريئًا، كان يحمل أسرارًا تنتظر من يكتشفها.
وفي الأعلى، ظلت الشقة كما هي.
الجسد ما زال في مكانه، الستارة تتحرك كأنها تتنفس، والمصباح القديم يهتز على وتيرته البطيئة، كأن الحياة تحاول أن تقنع نفسها أنها ما زالت هنا.
لكن هناك شيء واحد تغيّر.
الهواء أصبح أثقل.
الصمت أصبح أكثر توترًا.
والورقة على الطاولة بدأت حوافها ترتجف... كأنها تخشى ما سيأتي بعدها.
في الطابق الرابع من بناية لا يسكنها أحد، ماتت امرأة لا يعرفها أحد، وخرج القاتل كما دخل... بلا وجه، بلا اسم.
لم يكن هناك شاهد.
لم يُكسر شيء.
لم تُطلق رصاصة.
مجرد جسد بارد ورسالة مطوية على الطاولة، تُخفي أكثر مما تقول.
والباب... ظل نصف مفتوح.
كأن كل شيء فيها كان ينتظر أن يسمعه أحد.
لكن لا أحد سمع.
عندما لا يسمع أحد... تبدأ الحقيقة في الصراخ وحدها.
TASNEEM ✨
تسنيم محمد