رائحة المطر كانت لا تزال عالقة في شوارع وسط البلد حين أوقفت سلمى سيارتها بجوار البناية القديمة.
فتحت الباب ببطء، حملت ملفاتها، ونظرت لأعلى نحو النوافذ المطفأة.
البلاغ وصل قبل أقل من ساعة: "شقة مغلقة، وجثة مجهولة".
خطواتها على الدرج الحجري كانت ثابتة، لكنها لم تكن عادية.
الرائد سلمى الشافعي، خبيرة في تحليل الجرائم الغامضة، كانت ترى في كل تفصيلة إشارة محتملة، حتى في صرير السلم تحت قدميها.
عند الطابق الثالث، كانت هناك امرأة مسنّة، ترتجف بين الخوف والفضول.
– "حضرتك الضابطة؟ أنا أم صابر، ساكنة قصادهم، والريحة كانت طالعة… معرفتش أسكت."
سلمى أومأت برأسها، ودفعت الباب المفتوح قليلًا.
الهواء كان خانقًا…
داخل الشقة، كان الصمت أكثر فتكًا من الرائحة.
الجثة كانت ممددة على الأرض، مغطاة جزئيًا ببطنية خفيفة، بجانبها كوب قهوة لم يُكمل، وورقة مطوية بدقة.
قالت سلمى بهدوء: – "مفيش علامات اقتحام… ولا كسر… ودي مش أول مرة نشوف حالة زي دي، بس في حاجة مش راكبة."
ظهر في الباب المقدم كريم فوزي، طويل القامة، يحمل جهاز تسجيل، ودفتر ملاحظات.
– "كأننا دخلنا على مسرح جريمة نظيف… نظيف زيادة عن اللزوم."
سلمى نظرت للجارة: – "قوليلنا يا حاجة، الشقة دي مين ساكن فيها؟"
– "من زمان مفيش حد. كانت البنت اللي ماتت دي بتجي من وقت للتاني، لوحدها، ومحدش يعرف اسمها حتى. ساكنة بس كأنها مش هنا."
كريم كتب ملاحظاته، ثم أشار لأحد أفراد الفريق.
– "حازم، خد الجارة تحت واستجوبها براحة… وسجل كل كلمة. أي حد شاف حاجة أو سمع صوت."
**
في الركن، وقف شابان من وحدة الأدلة الجنائية، يتحدثان بهمس، لكن صوت أحدهم وصل لأذن سلمى:
– "هي دي اللي اتكلموا عنها في الكلية… الرائد سلمى.
اللي فكت قضية شقة المعادي بس من بصمة على زرار."
التفتت إليهم فجأة، فاعتذر أحدهم بخجل، لكن ملامح سلمى لم تتغير.
– "كملوا شغلكم… وافتكروا إن اللي بنسيبه ورا ممكن يقول أكتر من اللي بنقوله."
**
في الخارج، وقف كريم يشاهد الفيديو المسجل من كاميرا مدخل العمارة، بينما تسجل سلمى ملاحظاتها.
لاحظت شيئًا في الورقة… لم تفتحها بعد، لكنها كتبت بجوارها:
"موقعها مقصود… زي رسالة مستنية متلقي معين".
**
بعد انتهاء المعاينة الأولية، نزلت سلمى على السلم ببطء، وملف القضية في يدها.
كل شيء كان هادئًا، أكثر من اللازم.
وحين وصلت إلى الباب، رن هاتفها.
– "ألو؟"
– "أخيرًا وصلتِ…"
الصوت ناعم، هادئ، وهادئ جدًا.
– "مين؟"
– "ساعات كتير، بنفتكر إننا بنتحكم في الخيوط…
بس الحقيقة، إن الخيط هو اللي بيختار يوصلنا لفين."
انتهت المكالمة.
لم يظهر رقم على الشاشة.
لكن عيناها لم ترمشان، كأنها تعرف هذا الصوت… أو تعرف ما ينتظرها في الورقة.
"لو كل طريق بيبدأ بجثة… يبقى النهاية مش موت، النهاية دايمًا بتكشف اللي عايش."
TASNEEM ✨
تسنيم محمد