الفصل الثاني: لقاء مع غريب

الفصل الثاني: لقاء مع غريب

19 0

"من عاش الخطر يوما، واقترب من الموت ولامسه، لن يعود كما كان. بل سيحمل في روحه علامة، تعيش بداخله إلى الأبد."

****************************

الأمر اتضح أسوأ مما اعتقدت. كل ما يجول بدماغها الآن كان غماما.. لم تعرف ولا تدرك كيف تتصرف وهي الآن تشعر بعدم الأمان حتى في أأمن الأماكن وجوداً.. كانت تجلس أمام الشرطي ولا تستطيع الإجابة على أي سؤال.. ببساطة هي لم تكن تعرف بماذا تجيب. كل شيء كان مثالياً وسعيداً في حياتها.. حتى وصل ذلك الطرد.

لحظة إدراك أسرت الكهرباء في عظامها.. يوم وجدت نوافذها مفتوحة لم تكن مجرد سهو منها.. هي متأكدة من أنها لن تهمل شيئاً كهذا وهو قد ظل جزءاً روتينياً من حياتها..

لكن.. مادام المجرم قد سبق له وقد دخل.. لماذا لم يقتلها؟.. بدأت ليلى تفكر بجدية وهذا شيء قد لاحظه المحقق أمامها.. كيف بدأت بربط الأحداث حتى وصلت للرقم المكتوب على الكتيب..

"آنسة كوتوفا هل تذكرت شيئاً؟"

أجفلت ليلى حينها ولم تدرِ لما قررت أن تخفي ما توصلت إليه.. هل لأنها قد فقدت ثقتها في من عانت لإخباره بمعاناتها أم أن الأمر مقتصر على التهديد الذي توصلت عليه...

********************

ليس من السهل عليها تذكر ما حدث. الرعشة في يدها لا تزال سارية وقلبها لا يزال يضخ الدم إلى عروقها بسرعة لم تعد تتحملها. لكنها يجب أن تتحمل غصبًا عنها. ليس لديها من تستند عليه، هي الآن لوحدها، ولا سند يعينها. لا مكان آخر تلجأ إليه، منزلها الوحيد صار مكانًا مخيفًا وفخًا مكشوفًا.

لا تزال تطمئن نفسها بأن الشرطة تطوق المكان، وأن الحراسة على الحي تم تكثيفها لشؤون أمنية، وأنها قامت بتغيير القفل إلى آخر. رغم كل هذا، لا تزال تشعر بعدم الأمان.

ولا شك أن أول من فتح الباب تجاهها كانت أولغا، وهي تصعد إلى الطابق العلوي محمّلة بأكياس ثقيلة.

ما إن لمحت ليلى حتى أسرعت إليها، ناسية الأكياس التي رمتها خلفها. وبصوت مهزوز، قامت بإمساك ليلى بإحكام وهي تتحدث باندفاعية:

"ليلى، لقد خفت عليك كثيرًا. رجاءً أخبريني أن كل ما تناقله مجرد إشاعات..."

كانت تركز عينيها على ليلى، آملة أن توافقها إيجابًا. لكن أملها خاب، فتراجعت وتنهدت بحسرة:

"كيف قد تكون مجرد إشاعات وأنا قد رأيت الشرطة هنا بعيني... يا لي من غبية!"

"لا تقلقي، أولغا، كل شيء على ما يرام الآن!"

كان التعب واضحًا في صوت ليلى، لكنها بدت ثابتة، رغم أنها من الداخل كانت مهزوزة وغير مستقرة.

"هل ستمكثين هنا؟ ماذا لو عاد؟ الشرطة لم تمسكه بعد، وأنت تدركين ذلك!"

رسمت ليلى ابتسامة مثقلة على وجهها وأومأت لصديقتها بشكر:

"سأتحمل مسؤوليتي، أولغا."

"متأكدة؟ تعلمين أن منزلي مفتوح لك! بإمكانك البقاء معنا ريثما تسيطر الشرطة على الوضع!"

حينها كانت ليلى تدير المفتاح ببطء. استدارت ناحية أولغا وابتسمت قبل أن تفتح الباب وتدخل. وكان آخر ما قالته:

"اعتني بنفسك وبعائلتك جيدًا، أنا سأتحمل مسؤولية نفسي!"

___________

*************************

"نيكولاي، الطرد الذي تحمله سيجلب لك مشاكل أكبر مما تتخيل! أنت تقحم نفسك في أمور لا تخصك! كم مرة تظن أن الحظ سيبقى بجانبك؟"

كان توماس يصيح، خطواته الثقيلة تضرب الأرض بحدة بينما يلاحق صديقه عبر الممر المظلم. نبرة صوته كانت مزيجًا من القلق والغضب، لكن نيكولاي لم يكن يلقي له بالًا.

مظهرهما كان كأنهما من عالمين مختلفين تمامًا؛ توماس يرتدي بدلة مرتبة، شعره مصفف بعناية، وعيناه تعكسان خوفا مبررا. أما نيكولاي، فقد كان أشعث الشعر، قميصه مكرمشًا، ووجهه ينضح بإصرار العنيد.

دون أن يتوقف أو حتى يلتفت، قال نيكولاي بصوت منخفض لكنه حاد: "إذا كنت خائفًا، يمكنك التراجع الآن. لن ألومك."

"هذا ليس خوفًا!" صاح توماس، وهو يسرع خطواته ليحاذي نيكولاي. "إنه تحذير! هذه الأمور أكبر منك ومني... من الجميع! لماذا لا تفهم؟"

تجاهل نيكولاي الكلمات الملقاة خلفه، وواصل السير بخطوات سريعة حتى وصل إلى غرفة المكتب. فتح الباب بقوة جعلت صريره يملأ المكان، ثم دخل وأغلق الباب خلفه بعنف، لكن توماس لم يترك له فرصة الانفراد.

دفع الباب بقوة، واقتحم الغرفة، قائلاً بحدة: "أنت أعند من عصا جدّي الأكبر، لكن هذا العناد سيقتلك يومًا ما، نيكولاي!"

لم يجبه لحظتها بل خيّم صمت مميت الغرفة. كان المكتب غارقًا في ظلال ضوء خافت، وأكوام من الأوراق تملأ الطاولة. وضع نيكولاي الطرد على سطح المكتب بحذر، ثم استدار ليواجه توماس بنظرة حادة.

"ربما،" قال ببرود، "لكن على الأقل سأموت وأنا أفعل الشيء الصحيح."

نظر توماس إلى صديقه، ثم إلى الطرد الغامض. صوت قلبه كان يكاد يغلب على صمتهما. وأخيرًا، قال: "لا أريد أن أخسرك، نيكولاي... إذا فتحت هذا الطرد، قد لا يكون هناك طريق للعودة."

نظر نيكولاي إليه، عيناه مشعتان بتصميم لا يتزعزع. ثم مد يده نحو الطرد وبدأ بتمزيق الورق المغلّف.

لكن قبل أن يتبيّن ما بداخل الظرف، رنّ هاتفه فجأة.

الصوت اخترق الصمت المشحون، وتسبّب في تواصل بصري بين الاثنين استمر لثوانٍ معدودة... لكنها بدت كدهر.

توماس لم يعُد قادرًا على الاحتمال. في كل لحظة، في كل ثانية، كان يخشى أن يفقد صديقه — أن لا يعيش حتى الثانية التالية.

لكن الآن... من قد يتصل بصديقٍ متوحّد، لا يعرف أحدًا في حياته؟

"من؟" بدى كما لو يخشى أن يسأل..

رفع نيكولاي الهاتف، نظر إلى الرقم ثم رفع كتفيه ببرود:

"لا أدري."

*********************

كانت الشمس قد اقتربت من الغروب، والسماء ملبدة بالغيوم، مما جعل الجو يبدو مظلمًا أكثر. كانت تجلس في أحد المقاهي، وكلتا يديها تحيطان بكوب القهوة السوداء أمامها. ملابسها كانت ثقيلة تغطي جسدها النحيل، ورغم ذلك لم تكن تحس بالدفء أبدًا.

كانت تبدو ثابتة، خاصة نظراتها الحادة التي كانت تغلف المكان شبرا شبرا. فلما دخل أحد الزوار حينها، فزع من نظراتها نحوه، وراح متجهًا لأبعد مكان عنها.

بينما هي تنهدت للمرة المليون هذا اليوم، من الواضح أنه ليس الشخص الذي من المفترض أن تقابله، ثم إنها لم تتخيله بهذا المستوى من الجبن.

لكن هذه المرة، لما رن الجرس بسبب فتح الباب معلنًا عن زبون جديد، اشتدت قبضتا يديها على الكأس، وزادت حدة نظراتها، خصوصًا عندما سقطت عيناها عليه. ويبدو أنه عرفها من خلال طوق الكلب الموضوع على الطاولة، إذ إن عينيه لم تتزحزحا عن موضعه، ولا يبدو مستغربًا من تواجده في هكذا مكان.

اقترابه منها زاد من توترها. تنحنحت وهي تتفحصه بالكامل من دون خجل أو تردد. بدا طويلًا قليلا بالنسبة لها، هي ذات المتر والخمسة والسبعين سنتيمترًا. شعره لم يكن مرتبًا، مما جعلها تتنبأ بشخصيته المتمردة. ورغم برودة الجو، كان يحمل معطفه الطويل في يده، ويرتدي سترة قطنية خفيفة بدت أزرارها غير منتظمة.

أما من جانبه، فقد التقطت عينيه هيكلًا عظميًا كما لو لم يأكل منذ سنوات. شعرها الطويل الأسود بدا خفيفًا، وهو مربوط بمثالية على شكل ذيل حصان. لم يكن شيئًا سهل الملاحظة، لكن بالنسبة له من البديهيات، فهذا عمله الذي يفني فيه عمره: ملاحظة أدق التفاصيل. بدت كما لو كانت تتمسك بشعرها وترفض التخلي عنه، كما نقلت يديها لطوق الكلب حينما اقترب أكثر. الجو بدا مشحونًا، خاصة لما وقف أمامها ومدّ يده. وقفت هي الأخرى ومدت يدها، تسمعه يعرف بنفسه: "كورشينوف نيكولاي... صحفي!" كان تعريفه بسيطًا، يحمل نبرة محترمة وراقية. هزت رأسها بهدوء، وردت بنبرة أهدأ لكنها أبرد وأحد: "كوتوفا ليفيان... الشخص الذي حدثك على الهاتف سابقًا!"

لاحظت كيف رفع حاجبيه لما سمع اسمها، وكيف مدّ يده لها "عن إذنك!" يطلب منها الجلوس باحترام. وبعدما استقر على الكرسي، بدا كما لو أن الجو اشتد قليلًا، وكأن وقت الجد قد بدأ للتو.

بللت شفتيها وهي تخرج الدفتر من حقيبتها. كانت عيناه تتتبعان حركاتها وهي تضعه على الطاولة أمامها، وتقول: "لست متأكدة حقًا ما إن كنت تعرف شيئًا عن هذا الدفتر أو عما يحدث من حولي أم لا... أو حتى ما إن كنت الصاحب الأصلي للرقم المكتوب هنا، لكنني كنت مجبرة على التواصل معك."

بدت عيناه ثابتتين على الدفتر قبل أن يعيد نظره لوجهها الشاحب، حينما لاحظ أن نبرتها صارت أكثر حدة وصرامة: "لكنني أحس أن لك علاقة بالشخص الذي قتل الكلب خاصتي! والذي يسعى الآن لتحويل حياتي لجحيم."

'هل لهذا جعلت من الطوق علامة ؟' تساءل في نفسه، قبل أن ينطق أخيرًا: "آنسة كوتوفا، أرى أنه من الحكمة إخباري بالقصة كاملة حتى أعرف ما الذي يجري!"

بدا كما لو أن حلقها قد نشف، فبللت شفتيها واضطرت لحكي كل شيء، من الظروف البيضاء مجهولة المصدر، إلى كلبها بيكو الذي وجدته منحوًرا في قلب بيتها، وكيف اضطرت للاتصال على الرقم الذي وجدته في الدفتر بعدها.

كان يبدو منصتًا ويستمع بحرص شديد، يقاطع كلامها بقليل من الأسئلة بين الحين والآخر، ليردف في آخر كلامها: "هل استطيع رؤية الرقم؟" كان قد مدّ يده بالفعل، لكن عدم ثقتها به جعلها تتردد في إعطائه له. لكنه لم يكن محرجًا ليسحب يده، بل اكتفى بالنظر لعينيها المترددتين. كان يعلم أنها مضطرة لفعل هذا، وهذا تجلى عندما تنهدت بخفة وفتحت الدفتر على الصفحة التي تحتوي على الرقم. حينها فقط، قلبت الدفتر لزاوية نظره ودفعته بحرص له.

عدل جلسته واتكأ برأسه على مرفقه وهو يسحب الدفتر أمامه. بدا كما لو أن لمعة خطفت في جوف عينيه، ليهمس بهدوء: "أنا أفهم الآن!"

أجفلت ليليان وهي تنظر له بتركيز، ولا شك أن تأخره في إكمال جملته جعلها تنبس بخفة وقلق: "ماذا؟"

نبس حينها بهدوء: "إنه بالفعل رقمي!" جعلها هذا تزفر بحنق صامت، وهي تحس كما لو أنها تضيع الوقت بالجلوس مع شخص مثله هنا.

لكنها أسرعت توقِفه بوضع أطراف أناملها على الورقة حالما أراد تغيير الصفحة. لم يغير وضعيته، بل نظر لها فقط من أعلى عينيه. بلعت ريقها بقوة، ليس من المفترض عليها أن تثق بأي شخص، ولا حتى بمن طلب منها أن تثق بهذا الشخص. ليس كما لو أنه المختار لتسمح له بالاطلاع على كل شيء من حياتها. هو أيضًا لا يزال مشكوكًا فيه، لكن نظراته جعلتها تتراجع. عسليتاه بدتا هادئتين، لم يطلب منها أن تثق به، لم يكن بحاجة لذلك. لكنها، بطريقة ما، تراجعت، كانت ترى أن هذا هو التصرف الصحيح حينها.

أعاد بنظره للدفتر، يقلب الصفحات ويرى الرموز والخط الغريب. اتكأ على ظهر الكرسي وهو يغلق الدفتر، ليظهر تمزق يبدو حديثًا على غلافه. لتتذكر ليليان ما حدث يوم قامت الشرطة بتفتيش المنزل، وكيف تصرف أحد الضباط حينما أمسك الدفتر من فوق الطاولة ومرر عينيه عليه، قبل أن يرميه بإهمال بعدما ظنه مجرد خربشات، مسببًا تمزق غلافه.

– "سآخذ الدفتر وأخبرك ما إن وجدت جديدًا!"

لكنها أسرعت تسحب الدفتر من يده، وبدا كما لو أنها ستصرخ في وجهه: "هل جُننت؟ أنا لست مجبرة على الثقة بك! كيف أعرف أنك لست تهديدًا؟!"

نظر لها لثوانٍ قبل أن يجيبها بهدوء جعلها تتردد: "استرخي، آنستي... ثم إنني لا أظن أن من يترصدك الآن هدفه أن يخلص على حياتك، بما أنه بالفعل قد تسلل إلى منزلك واكتفى بالإجهاز على كلبك ولم يفتك بك حينها. أظنه فقط يقوم بتهديدك. لذا دعينا، على الأقل، نعرف سبب قيامه بهذا!"

بدت كما لو أنها انزعجت من فكرة أنه لا يكفّ عن إقناعها مرارًا وتكرارًا، لكنها، ورغم ذلك، أصرت على موقفها. فاستسلم نيكولاي أخيرًا، وقال بعدما أخرج هاتفه من جيبه: "على الأقل اسمحي لي بنسخة إلكترونية!"

--------------

"واو... يبدو أن موعدك جعلك تتأنق!" سخر توماس من صديقه، الذي رمى معطفه بإهمال داخل السيارة ودخل مغلقًا الباب بنفاد صبر.

لم يكن يبدو هكذا قبل قليل، كان كما لو أنه كبح نفسه من إظهار أي شيء لمدة طويلة. أعاد الكرسي للخلف واتكأ، محاولًا إعادة ترتيب المعلومات في رأسه. وقد كان هذا مجهدًا.

"واو... لقد صُدمت عندما أخبرتني بأن أقلك! هل كان موعدك مزعجًا لهذا الحد؟"

لكن لا جواب من الآخر. رفع توماس كتفيه باستغراب وأدار مفتاح السيارة، حينها صُدم عندما قرر الآخر إلقاء الحقيقة عليه:

– "إن لها علاقة بالمنظمة... لكنها لا تبدو على علم بهذه الحقيقة حتى."

بدت نبرته متأسفة، لكن توماس لم يسمح له بإكمال كلامه. لقد استدار يهزّ صديقه من كتفيه وهو يصرخ في وجهه بقوة، آمرًا:

– "اسمع جيدًا... تلك الفتاة يجب عليك أن تبتعد عنها!"

لم يجبه نيكولاي، بل اكتفى بالإشاحة بوجهه. ليس كما لو أنه وافق، لكنه يعرف أن لكل واحد منهما فلسفته الخاصة. توماس سيفضل أن يبقى في منطقته الآمنة... لكن نيكولاي لا. سيفضل الموت من أجل مبادئه. والجارح أن توماس يدرك ذلك. يعرف أن صديقه المتهور يجعل من عمره يقل، ويضع لنفسه أجلًا قبل وقته. تراجع بهدوء لمكانه، وبدأ السياقة بصمت.

"فقط من أين نزلت علينا هذه المصيبة الآن!" نبس توماس بين أنفاسه.

****************

استلقت بجسدها المنهك على السرير. يبدو أن جلّ طاقتها الباقية قد خارت. لم تكن تعلم متى سيقتحم ذلك المجهول المنزل مجددًا ويقتلها هي الأخرى، لكنها أبت أن تلتجئ لأحد لحل مشاكلها. كانت فكرة أن الشرطة تطوّق المكان فكرة غبية، لكنها جعلتها تحس بالأمان ولو قليلًا. ومع ذلك، تشبثت بتلك النقطة.

ما زاد من سوء وضعيتها هو المرآة التي تقابلها الآن. كانت تنظر لنفسها ولجسدها المستلقي. لاحظت كيف أن كل عنائها في إعادة بناء جسدها قد انهار في لحظات. بدا وجهها شاحبًا، خاصة وأن شيئًا لم يدخل جوفها منذ أيام.

لم تكن تملك حتى الرغبة في زيارة طبيبها، أو حتى البدء من جديد. زفرت بقوة وهي تدير جسدها نحو الحائط، رافضة النظر إلى نفسها مجددًا. ليس من السهل معالجة اضطرابات الأكل، لكن هذا كان آخر همّها.

إنها الآن تريد معرفة الوضع الذي هي فيه، وتريد فهم ما الذي يحدث حولها. وهذا ما أرقها.

رنّ جرس منزلها فجأة، مما جعل جسدها يجفل. ترنحت قبل أن تستقيم ببطء؛ لقد بدأ فقر الدم يلعب لعبته على يديها.

اتجهت إلى العين السحرية ونظرت من الموجود عندها. لم تكن حينها خائفة، لقد كانت، نوعًا ما، متقبّلة للأمر ومستعدة لأي شيء.

تفاجأت حين لمحت زائرها المفاجئ: جارها الجديد يحمل باقة من الورد، ويقف منتظرًا إياها. لكن العجيب أنها تجاهلته. استدارت وكأنها لم ترَ أحدًا، كأنه ليس الزائر الذي تريد مقابلته. كان يستطيع سماع صوت خطواتها، لقد عرف أنها بالمنزل، ورغم ذلك، رفضت أن تفتح الباب. تنهد ماثيو، وقد خلّل يده في شعره الأشقر بقلة حيلة، قبل أن يستدير عائدًا إلى شقته.

لم تكن ليفيان مهتمة حتى بأن تجعل صوت أقدامها غير مسموع. اتجهت مجددًا لترمي نفسها فوق السرير، قبل أن تزفر عندما وقعت عيناها على الدرج بجانبها. مدت يدها سريعًا وفتحت الدرج الأول، لتسحب الدفتر منه.

بدت الكلمات مبهمة، وذات خط سيئ للغاية، لكنها اكتفت بفتح الصفحة الأولى، وحاولت قراءة خط الأطفال ذاك:

---

"حين تجفّ المياه عن فم الحجر،

ويُسمع خرير بلا مصدر،

ابحث عن الرقم المنقوش

خلف جناح الحرية.

النافذة ليست بابًا،

لكنها البداية.

ستصل إلى فمٍ يبتلع الضوء،

كل من نُسوا... كُتبوا هناك،

عند الحجر الذي لا يُسميه أحد.

واحذر الخمسة... وخامسهم أخطرهم."

---

قد تبدو قراءتها لهذه الكلمات البسيطة سهلة، لكنها احتاجت إلى خمس ساعات بالفعل. لم تلاحظ متى خيّم الظلام، لكنها كانت بالفعل مشغولة بتحليل هذه الأقاويل السخيفة التي تبدو كشِعر ركيك.

"حين تجف المياه من فم الحجر؟ ما اللعنة التي ينطق بها هذا المخبول؟"

***********************

قرائي الأعزائي.. لقد وصلنا بالفعل للفصل الثاني وقد أمهلتكم فرصة حتى ترتبطوا ببعض الشخصيات.

فأي شخصية تفضلون أكثر؟ أيها الأقرب لكم؟؟

كيف تتوقعون الأحداث القادمة؟

هل استطاع أحدكم أن يحل الأحجية أو على الأقل نبذة منها؟

مارأيكم بالعمل ككل؟

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

دم على الجليد

المؤلف Raya
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة