الفصل الأول : حديث من الماضي

الفصل الأول : حديث من الماضي

24 0

لا تزال تتذكر دفء يده، ذلك الحصن الآمن الذي كان يحتويها، كما لا تزال تشعر بحرقة الألم الذي مزّق قدميها الحافيتين وهي تركض بلا وجهة، وصوت أنفاسها المتسارعة يكاد يوقظ المدينة من سباتها. لم تكن طفلة بعد؛ فقد كان عمرها كافيًا لحفر أدق التفاصيل في ذاكرتها عن تلك الليلة المروعة. ليلة اختلط فيها الظلام بصوت الرصاص، وشهدت بعينيها كيف أقدموا على قتل والدها بدم بارد، وكيف نسجوا حول موته كذبة جعلته يبدو كحادث عابر.

\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.

"آآخ، مجددًا؟" شخرت بغضب وهي تمسك الظرف الأبيض بيدها. بدا، كما العادة، فارغًا. لم تتردد لحظة في تمزيقه ورميه في سلة المهملات.

ليليان، أو ليلى كما تفضل أن يعرفها الآخرون، محررة ومترجمة حرة... أو هكذا كانت تُعرّف بنفسها، على الأقل. كانت تبدو فخورة بعملها المستقل وبحياتها المنفردة، التي اختارتها بعناية لتكون بعيدة كل البعد عن عائلتها المتشددة.

في أرجاء شقتها الصغيرة، تحركت بخفة، بينما كلبها قصير القامة، "بيكي"، يلاحقها بحماس. لم يكن يكف عن ملاحقتها بتذمر لطيف، مطالبًا بوجبته الصباحية، بينما كانت هي منهمكة في إعداد قهوتها السوداء.

"هيا يا بيكي، كن طفلًا هادئًا وإلا ستُغضب ماما منك!" قالت بنبرة تحذيرية، ملامحها الحادة تضيف صدقًا إلى تهديدها المازح.

لكن شتاتها لم يدم طويلًا. انشغالها عن عملها وتشتيت انتباهها قادها إلى خطأ مأساوي صغير؛ لم تنتبه إلا بعدما التصقت يدها بأنبوب القهوة الساخن. صرخت متألمة وهي تسحب يدها سريعًا، ناظرة بغضب إلى بيكي، الذي كان يقف هناك ببراءة مصطنعة.

"أوه، بالطبع، الأمر دائمًا خطأك!" زفرت بحنق وهي تحدق في ملامحه الظريفة، ثم استسلمت بهدوء لحظة، وكأنها تخجل من صراخها على كائن صغير بهذا الجمال.

خرجت من المطبخ حاملة كوب قهوتها المحترقة ويدها المصابة، متجاهلة النظر إلى بيكي الذي أخذ ينبح باعتذار صادق، وهو يتبعها كأنه يشاركها إحساسها بالفوضى التي تملأ صباحها.

فتحت حاسوبها بعد أن أنهت ترتيب فوضى صباحها المعتاد. لم تنسَ أن تطعم بيكي، فقد جهزت له وجبته بحرص، وتأكدت من فتح النوافذ التي تغلقها دائمًا بإحكام قبل النوم.

لم يكن روتينها معقدًا، لكنه في الوقت نفسه لم يكن مملًا بالنسبة لشابة يافعة في بداية الثلاثينيات. كانت ترى في كل حركة صغيرة معنى، وفي كل تفصيلة لمسة من حريتها التي ناضلت للوصول إليها.

نظاراتها المصححة أصبحت جزءًا لا يتجزأ من ملامحها، كما لو أنها امتداد طبيعي لعينيها. ارتدتها وهي تغوص في عالمها الرقمي، مستعدة لمواجهة مسؤولياتها العويصة التي بدت أكبر من حجمها أحيانًا.

كان العمل الحر يعني الحرية، لكنه أيضًا كان يعني تحديًا دائمًا: كتابة تقارير مستعجلة، ترجمة نصوص معقدة، ومواصلة السعي لتأمين لقمة العيش لها ولبيكي، الذي بدا سعيدًا بمضغ طعامه دون أي فكرة عن هذه الضغوط.

نظرت إلى الشاشة المضيئة أمامها، ارتشفت من قهوتها التي لم تعد ساخنة، ثم أغمضت عينيها للحظة قصيرة كأنها تستجمع طاقتها. رغم كل شيء، لم تكن تمانع هذا الروتين؛ كانت تشعر بأنه جزء من مغامرتها الصغيرة التي تخوضها كل يوم، ولو وسط أربعة جدران فقط.

انشغالها العميق بالعمل لم يمنعها من ملاحظة الرسالة التي ظهرت على شاشة حاسوبها. تجهمت ملامحها وزفرت بحنق؛ الآن حقًا، لم يعد لديها أدنى رغبة في العمل.

وضعت الحاسوب جانبًا وتمددت لتريح عضلاتها المتشنجة، قبل أن تمد يدها إلى هاتفها وتنظر إلى الرسالة:

"توقفي عن تجاهل اتصالاتي، ليليان. لن أكرر كلامي؛ الأحد القادم ستأتين، ولو اضطررت للمجيء وسحبك من جذور شعرك!"

شعرت بحرارة الغضب تتصاعد في صدرها. صاحب الرسالة بدا غاضبًا ومقتًا كعادته، لكنها لم تكترث. تنهدت وهي ترمي الهاتف بعيدًا وتتكئ برأسها على الأريكة، محدقة إلى السقف: "يبدو أنني لن أرتاح منهم أبدًا!"

كانت ليلى تنتمي إلى عائلة كبيرة ومتجذرة. عائلة، رغم ترابطها الظاهري، كانت تشكل عبئًا عليها. بالنسبة لهم، كانت ليلى استثناءً، الخروف الأسود الذي تمرد على نظامهم الصارم.

افتقارها لوجود والدها في حياتها جعلها تناضل بشدة للخروج من جناح العائلة والعيش باستقلالية. لكن ما زاد الأمر سوءًا هو أن والدتها لم تدعمها أبدًا؛ بل اختارت العيش في منزل جدها، الذي توفي العام الماضي، تاركًا عمها الأكبر ليصبح المسؤول عن العائلة.

والآن، تلقت رسالة من ذلك العم، تُجبرها على حضور الاجتماع العائلي الشهري. مجرد التفكير في مواجهة أفراد العائلة الواحد تلو الآخر وسماع انتقاداتهم المتكررة كان كافيًا لإفساد مزاجها. والأسوأ من ذلك، فكرة رؤية وجه والدتها.

وضعت يدها على جبهتها وهي تشعر بالصداع يشتد: "مجرد التفكير في الأمر يجعلني أفقد صبري!"

\.\.\.\.\.\. \.\.\.\.\.

كانت تلعب بمفاتيحها بينما تمسك بإحكام حبل طوق بيكي، الذي لم يتوقف عن النط والمشاغبة. تقدمت بتململ نحو شقتها، بعد نزهة قصيرة ظنت أن بيكي من يحتاجها، لكنها في الحقيقة كانت هي من احتاجتها بشدة.

وقبل أن تضع المفتاح في الباب، انفتح باب الشقة المقابلة. ظهرت جارها، الذي ابتسم فور أن لمحها.

"آنسة ليليان، تبدين في حالة مزاجية جيدة!"

كان لتأثير المشي فعل خيالي على مزاجها، وبدت ابتسامتها تلقائية وهي تستدير صوبه. كان ماثيو جارها الجديد، رجلًا ثلاثينيًا تعرّفت عليه منذ فترة قصيرة، وبدت عليه علامات الاستعداد للخروج.

"سيد ماثيو... آه! لقد كنت مع بيكي في نزهة، وأعتقد أن الجو بارد قليلًا!"

أشارت بيدها إلى سترته الخفيفة، فنظر إلى نفسه ليفهم قصدها. ارتسمت على وجهه ابتسامة شكر وهو يعيد النظر إليها قائلاً:

"أشكرك على التنبيه، للتو شُفيت من نزلة برد قوية ولا أرغب في تكرار التجربة!"

أومأت برأسها بابتسامة خفيفة، واستدارت لتفتح باب شقتها، بينما عاد هو إلى الداخل ليرتدي ملابس أثقل.

بمجرد دخولها، أغلقت الباب خلفها ووضعت المفاتيح على الطاولة، متجهة مباشرة نحو المطبخ. كانت تشعر بجوع شديد ولم تلاحظ الظرف الأبيض الصغير الذي استقر خلف الباب.

\.\.\.\.\.\.\.\.\.\.

كان بيكي، كعادته، يضفي حياة على شقة شابة وحيدة. بفضوله المعتاد، جرّ لعبته نحو الظرف الأبيض الذي بدا أنه يحتوي على شيء ما داخله.

محاولاته الفاشلة لحمله أشعلت ضجة أخرجت ليلى من المطبخ. تقدمت وهي تمسح يديها بفوطة، ملامحها متجهمة:

"ما بك بيكي هذه المرة؟!"

لكن عينيها وقعتا على الظرف الأبيض، فتوقفت في مكانها. تنهدت بتثاقل، تهمس بغيظ:

"مجدداً؟!"

اقتربت أكثر، وأمسكت الظرف الذي بدا مختلفاً عن تلك الأظرف الفارغة التي كانت تصلها بشكل شبه يومي منذ عام. كان أكبر حجماً، أثقل وزناً.

تأملت الظرف للحظة، ثم همهمت وهي تسارع بفتحه. لطالما أرادت معرفة هوية هذا الشخص الذي أرهقها بأظرف فارغة لا معنى لها. حاولت تقديم أكثر من عشر شكايات للشرطة، لكن أحداً لم يأخذ قضيتها بجدية. الآن، ربما هذا الظرف يحمل الإجابة التي طال انتظارها.

لكنها لم تكن مستعدة لما رأته. داخل الظرف كان هناك دفتر صغير، من تلك الدفاتر العادية ذات الـ24 ورقة. شعرت بصدمة غريبة وهي تسحب الدفتر، تقلب أوراقه بسرعة.

كانت الأوراق مليئة برموز غريبة، خربشات بألوان سوداء وحمراء، وصور مبهمة. نظرت إليها بانزعاج، محاولة فك طلاسمها، لكنها لم تفهم شيئاً.

"أتمزحون معي؟!" صاحت وهي ترمي الدفتر على الطاولة بعصبية.

جلست على الأريكة، تحاول استيعاب الأمر. لِمَ يُرسل لها هذا الغريب شيئاً كهذا بعد عام كامل من الأظرف الفارغة؟ ولماذا الآن؟

بيكي، الذي جلس بجانبها بهدوء، رفع رأسه ينظر إليها وكأنه يشاركها الحيرة. مدت يدها وأخذت الدفتر مجدداً، تقلبه ببطء، تبحث عن أي دليل. لم تكن تعلم أن هذا الدفتر الصغير سيقلب حياتها رأساً على عقب.

استوقفتها صفحة معينة، بدت مكتوبة بخط يد مرتبك، كأن صاحبها لا يجيد الكتابة مطلقًا.

تجهمت ليلى وهي تحاول فك طلاسم الكلمات، تقرأ بصوت منخفض:

"من الأفضل لك الاتصال على هذا الرقم... إنه الشخص الوحيد الذي سيساعدك!"

كانت الأرقام مدونة أسفل العبارة، بخط غير متزن، وكأن الكاتب كان على عجلة أو تحت ضغط. نظرت إلى الأرقام بارتباك، ثم إلى بيكي الذي أخذ ينظر إليها وكأنه ينتظر قرارها.

"ما هذا بحق الجحيم؟" تمتمت وهي تعيد قراءة العبارة، كأنها تأمل أن تجد في الكلمات إجابة على أسئلتها.

شعرت بارتباك شديد. من يكون هذا الشخص؟ ولماذا عليها الاتصال به؟ وما علاقة ذلك بالأظرف التي تلقتها طوال العام؟

وضعت الدفتر جانبًا، ناظرة إلى الهاتف المحمول على الطاولة. لم تعرف إن كانت تريد الاتصال أم تجاهل الأمر كليًا، لكن شيئًا ما في داخلها كان يصرخ بأنها لا تستطيع تجاهل هذا التحذير.

ورغم أن الفضول كان ينهش قلبها، قررت ليلى تجاهل الأمر. لا شك أن ألخاندرو، ابن جيرانها صاحب السنوات السبع، والمعجب السري الذي يكاد لا يخفى أمره عن أحد، هو المشتبه به الأول في هذه القضية الغريبة.

نظرت إلى الظرف وإلى الدفتر ثم أغلقت كليهما بحركة حاسمة، قائلة لنفسها:

"هذا يكفي. غدًا سأشتكي لأمه. لقد نفد صبري على أساليبه الطفولية!"

استعادت في ذاكرتها تلك اللحظة المحرجة التي لن تنساها أبدًا: عندما انتظرها ألخاندرو أمام باب شقتها، مرتديًا بذلة والده الرسمية التي كانت واسعة عليه بشكل مضحك، وهو يحمل وردة حمراء بيد صغيرة ترتجف خجلًا وصوته الرقيق الذي عانا في تفخيمه.

زفرت بضيق وهي تتذكر كيف حاولت كبح نفسها آنذاك، وكيف شعرت بحرج شديد حين مر أحد الجيران بالمصادفة وابتسم بمكر. كانت لحظة مضحكة لكنها أحرجتها حد التوتر.

"تبا له... رغم أنه مجرد طفل، إلا أن حماقاته قادرة على جعلي أجن!" قالت لنفسها وهي تعيد ترتيب الدفتر في الظرف وتلقيه على الطاولة بلا اكتراث، محاولة تجاهل الفكرة تمامًا.

لكن، حتى وهي تبتعد عنه، شعرت بشيء ما في أعماقها يهمس لها أن هذا الظرف ليس مجرد لعبة طفولية...

\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*

كان جسد ليلى مستسلمًا لتعبه، وحرارتها المرتفعة جعلت وعيها يترنح بين الحلم والواقع. لقد شعرت بيد حنونة تربت على جبينها بلطف، كما لو أن شخصًا ما كان يهتم بها. تلك اللمسة المريحة هدأت من اضطرابها للحظات، لكنها لم تدرك أبدًا تعرقها الغزير أو انزعاج نومها.

لم تكن تسمع شيئًا من العالم الخارجي، حتى نباح بيكي، الذي بدا كصدى بعيد يتردد في أركان الحلم.

عندما فتحت عينيها أخيرًا، كان النهار قد أشرق، وأشعة الشمس تسللت بخفة إلى غرفتها. شعرت ببرودة غريبة تلامس بشرتها، تزامنها مع نسيم هواء لم تفهم مصدره.

نهضت ببطء، رأسها ثقيل وجسدها مثقل بالوهن. أغمضت عينيها للحظة وهي تحاول استيعاب ما حولها، ثم حدقت في النافذة المفتوحة.

"مستحيل... أنا متأكدة أنني أغلقتها البارحة!" همست بصوت خافت، محاولة إقناع نفسها أنها ربما نسيت بسبب مرضها.

لكن عقلها رفض التصديق. كانت حريصة دائمًا على إغلاق كل شيء قبل النوم، خاصة مع البرودة الليلية. بيكي اقترب منها بصمت، بدا عليه التوتر وهو ينظر إليها بعيون قلقة.

ربتت عليه وسرعانما تجاهلت أمر النوافذ وأسرعت تقوم لتتمدد...

"يبدوا أنني قد التقطت نزلة برد بالأمس!... هذا حظي!" زفرت وهي تدخل الحمام...

\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*

"أقسم أنني بريء!" صرخ الطفل بصوت عالٍ، متشبثًا بساق أمه الصغيرة، وهو يرفع رأسه ليحدق بها بحزم طفولي مضحك. "لو كان الأمر بيدي، لأمسكت هذا المجنون الذي يزعجك وأطعمته لغودزيلا!"

تنهدت الأم، محاولة كتم ضحكتها وهي تمسح على رأسه برفق. كان واضحًا أنها لا تملك الحيلة أمام صخبه وبراءته. اكتفت بالتربيت على شعره وأمرته بالدخول.

الصغير، قبل أن يركض إلى الداخل، أرسل قبلة لطيفة في الهواء بكلا يديه الصغيرتين، مما جعل ليلى وأمه تلتفتان لبعضهما بدهشة لا تخلو من التعجب.

بعد لحظات من الصمت، انفجرت الأم في ضحكة لطيفة، تبعتها ليلى بابتسامة استسلام.

"رأيتِ؟" قالت الأم، التي تدعى أولغا، وهي تهز رأسها بابتسامة عريضة. "أعلم أنه متعلق بك، لكنني متأكدة من أنه بعيد كل البعد عن الظروف البيضاء الغريبة!"

احمرّت وجنتا ليلى قليلاً، وابتسمت بتوتر. ربتت على كتف أولغا معتذرة بلطف:

"آسفة، أولغا، يبدو أنني لم أكن بخير مؤخرًا... أرجوكِ، أبلغي دانييل سلامي."

أومأت أولغا موافقة، لكنها لم تتردد في امساك ذراع ليلى، بل أمسكته بلطف وأصرت قائلة:

"ليلى، أنتِ لم ترافقينا في أي نزهة منذ مدة! اشتقنا للخروج ثلاثتنا... من دون ألخاندرو بالطبع."

قهقهت ليلى وهي تهز رأسها بنفي واضح:

"بالتأكيد من دون ألخاندرو! أم ترغبين مني أن أجن؟"

كان واضحًا أن علاقة ليلى بأولغا ودانييل تمتد لسنوات طويلة. هما ثنائي لطيف ومقرب منها للغاية. رغم ذلك، مرت علاقتهم ببعض التقلبات مؤخرًا، لكن الصداقة بقيت قوية.

بعد لحظات، ودعت ليلى أولغا، مؤكدة أنها ستتواصل معها قريبًا. شعرت بالحاجة إلى العودة سريعًا إلى منزلها؛ لا يزال هناك عمل متراكم ينتظرها، ولم تكن ترغب في تأجيله أكثر من ذلك.

\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*

كان الليل هادئًا على غير العادة، هدوء كان يثير في قلب ليلى شعورًا غريبًا. اعتادت سماع نباح كلبها الصغير بين الحين والآخر، يعلن عن أي حركة غريبة في الخارج. ولكن هذه الليلة... كان الصمت ثقيلًا.

استفاقت فجأة، قلبها ينبض بسرعة، وكان هناك شعور ثقيل بالخطر يجثم على صدرها. لم تسمع نباح "بيكي" طوال الليل، وهو أمر غير مألوف. ضغطت على زر المصباح بجانب السرير، لكن الضوء لم يشتغل. أخرجت هاتفها من تحت الوسادة، واستخدمت ضوءه في محاولة لتفحص الغرفة.

النوافذ كانت مغلقة بإحكام، وكذلك الباب. ومع ذلك، كان هناك شيء غير مريح. نهضت ببطء، وقدميها تلامسان الأرض بقلق. أنفاسها كانت قصيرة وسريعة، وحركتها خفيفة، فبدأت تنادي بهمس: "بيكي؟ أين أنت؟"

عبرت الغرفة في صمت، متجهة نحو الصالة. الضوء الخافت المنبعث من الشارع بالكاد كشف ملامح المكان. شعرت ببرودة الأرض تحت قدميها العاريتين، وبرودة أخرى أشد تجتاح أعماقها عندما لاحظت بقعة مظلمة على السجاد.

اقتربت منها بحذر، وركعت فجأة، الضوء يسلط على المكان. شهقت بصوت مكتوم. كان كلبها، "بيكي"، مسجى على الأرض بلا حراك.

ركعت بجانبه، أصابعها ترتجف وهي تلمس فروه البارد. جرح عميق يقطع عنقه، والدم لا يزال طريًا، يلطخ السجاد.

"مستحيل..." تمتمت بصوت خافت، عيناها تتسعان بالرعب. نظرت حولها بسرعة، محاولةً تذكر أي صوت، أو أي دليل على وجود شخص آخر. لكن الصمت كان مهيمنًا.

لم تكن تعرف ما الذي يجب أن تفعله. كان قلبها يتأرجح بين خوف عميق وحزن مفاجئ. كان الارتجاف يغزو جسدها، مما جعل تفكيرها ضبابيًا. لم تكن تعرف إن كان هذا الأمر مقتصرًا على "بيكي" فقط... أم أن الخطر كان يقترب منها هي أيضًا؟

كانت تشعر كما لو أن رعبًا حقيقيًا قد بدأ يتسلل لحياتها.

\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*\*

يتبع...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

دم على الجليد

المؤلف Raya
2025/07/19 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة