|~• شرارة أمل •~|

|~• شرارة أمل •~|

22 0

ٱلذَّهَبُ ثَمِينٌ، وَلٰكِنَّهُ مُتَاحٌ... أَمَّا ٱلأَلْمَاسُ، فَلَا يُلَمِّعُهُ ٱلْقَدَرُ إِلَّا فِي يَدِ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ.

_______________________________________

بينما كان تياغو واقفًا أمام زاك، يحدّق في وجهه دون أن يرفّ له جفن، كان يحمل كاميليا بين ذراعيه، تنام بهدوء كأن العالم اختفى.

قال بصوت هادئ، لا يحمل تردّدًا:

"كاميليا نامت... وأحضرتها لغرفتها."

لم يتحرك زاك، ظلّ واقفًا مكانه، عيناه تشتعلان غضبًا. نبرته كانت عميقة، متوترة:

"أفلتها... فورًا."

أجابه تياغو دون أن يزحزح قدمه:

"إنها مرهقة... بالكاد تقوى على الوقوف. أأتوقع منك أن تطلب مني رميها أرضًا؟"

كانت أونيكا تقف خلف زاك، متأهبة، يدها على خنجرها المخفي.

تقدم زاك خطوة أخرى، عيناه تضيقان أكثر:

"أنا آخر من يحتاج نصيحة عن شقيقتي. ضعها وانصرف."

رفع تياغو زاوية فمه ساخرًا:

"أوه... أخوكِ غاضب، يا أميرتي النائمة، نومكِ وحده يشعل الحروب."

وضع كاميليا على سريرها، بهدوء يفتقر للندم. مدّ معطفه ليغطي جسدها النائم، ثم همس بصوت خافت:

"احلمي بي... فالواقع لا يسعني دونكِ."

استدار، نظر إلى زاك، ثم غادر دون أن يتفوه بكلمة أخرى.

مرت خمس دقائق، فتحت كاميليا عينيها ببطء. حدّقت في السقف ثم في معطف تياغو الملفوف حولها. جلست، تنظر نحو زاك، الذي كان جالسًا يراقبها بصمت.

"تياغو؟"

أجابها زاك وهو ينقل بصره نحو النافذة:

"غادر بعد أن وضعكِ."

ابتسمت، ثم قالت:

"أنت غاضب، أليس كذلك؟"

اقترب زاك منها، صوته كان هادئًا على غير عادته:

"ذلك الفتى لا يلعب. وأنتِ... لستِ شخصًا يستحق أن يُجرَّ في هذه الدوامة."

رفعت حاجبها وقالت:

"أعلم."

"إذا كنتِ تعلمين... فلماذا؟"

نظرت إليه بثبات، بابتسامة باردة:

"لأنني لم أبدأ بعد."

سكت لحظة، ثم قال:

"إن أبكاكِ، ولو مرة واحدة، سأدفنه بيدي."

ضحكت بخفة، تنهض من على السرير، تتوجه إلى المرآة، تعدّل خصلات شعرها، نظرت إلى انعكاسها وقالت:

"كل ما أحتاجه الآن... فنجان قهوة وكسر قلب واحد."

في الخارج، وقف تياغو تحت المطر، ينظر إلى السماء، كأنها تعكس فوضاه. قبضته مشدودة، أخرج هاتفه، نظر إلى رسالة محفوظة لم يُرسلها بعد.

"لو كان الأمر بيدي... لجعلت العالم بأكمله حقل ألغام لأي أحد يفكر في الاقتراب منكِ، حتى ظلّكِ."

أغلق الهاتف، واتجه بصمت نحو الساحة الخلفية.

كان كارلوس هناك، يتدرّب بصمت. توقف حين رآه.

تقابلت العيون، لم يتحدثا. لكن كل شيء قد قيل بين النظرات.

في ذات الوقت، جلست كاميليا على مقعدها أمام مرآتها، تنظر إلى نفسها، وابتسامة هادئة على شفتيها.

الصراع لم ينتهِ... بل بدأ الآن.

هدأت الأمطار، لكن التوتر في الساحة الخلفية ظلّ متأججًا كبركانٍ على وشك الانفجار.

كارلوس لم يتراجع، مسح جبينه بكمّ قميصه، حدّق في تياغو الذي يقترب بخطى بطيئة، واثقة.

توقف تياغو على بُعد خطوات منه، نظر إليه طويلًا، ثم قال بنبرة منخفضة:

"أتعلم... كنت أحترمك."

كارلوس لم يبتسم، لم يغضب، فقط قال:

"لستُ بحاجة لاحترامك، ولا صداقتك، ما دمتَ تنظر إلى كاميليا بتلك الطريقة."

صمت لحظة، ثم أضاف:

"إن كنتَ جادًا تجاهها، فسأكون أول من يبارك لك. وإن كنت تتلاعب بها، سأكون أول من يكسر عظامك."

اقترب تياغو أكثر، كان المطر يُبلّل شعره وكتفيه، لكنه لم يهتم. قال بهدوء قاتل:

"أنت متأخر. متأخر عامين، وربما حياةً كاملة."

ضحك كارلوس بسخرية، ثم قال:

"وهل كنتَ معها؟ هل كنتَ تعرفها؟ أنا كنت أراقبها بصمت حين لم يكن أحد يعرف اسمها... حين كنتَ مشغولاً بالركض خلف ألعابك."

عينا تياغو اشتعلتا بنار لا تُطفأ، قبضته تشدّدت، لكنه لم يتحرك.

"كاميليا ليست جائزة نثبت بها رجولتنا. إنها عاصفة... ومن لا يعرف كيف يواجهها، سيُقتل في أول نسمة."

ابتسم كارلوس بتحدٍ وقال:

"وأنا أحب العواصف... وأعشق السقوط في عينها."

في تلك اللحظة، دخل زاك الساحة، وقف بصمت، يراقب كل شيء.

أونيكا كانت خلفه، تمسك بملف المهمة القادمة، لكنها توقفت حين رأت المشهد. لم تتكلم، فقط همست:

"العاصفة بدأت..."

زاك اقترب، عيناه تقدحان شررًا. لم يتكلم مع كارلوس، بل توجه مباشرة نحو تياغو، وقف أمامه وقال:

"توقف عن العبث. خطوة واحدة تجاه أختي دون وضوح، وسأعتبرك هدفًا."

قالها ثم استدار، دون أن ينتظر ردًا.

لكن تياغو ناداه:

"زاك..."

التفت إليه زاك، عينه لا ترمش.

"أنا لا أعبث. لكنّي أغار حتى من الهواء الذي تتنفسه هي... ومن اسمها حين يُقال أمامي."

اقترب زاك خطوة:

"وما الذي ستفعله بغَيرتك؟"

نظر تياغو إلى السماء، ثم عاد بنظره إلى زاك:

"سأحبّها حتى تفنى، أو أفنى."

•••

في المساء، كانت كاميليا تمشي وحدها في الحديقة الخلفية للقصر. نسيم الليل يداعب خصلاتها، والقمر ينعكس في عينيها الواسعتين.

كانت تفكر.

تفكر بكل شيء.

تياغو... كارلوس... زاك... العالم بأسره.

تنهدت، اقتربت منها أونيكا بهدوء، مدت لها فنجان القهوة المفضل.

"لازلتِ تفكرين؟"

أجابت كاميليا دون أن تنظر إليها:

"نعم... لا أريد أن أكون ضعف أحد. ولا هدف أحد."

أونيكا جلست بجانبها، نظرت إليها وقالت:

"وهل تفكرين فيه؟"

نظرت كاميليا إليها، عينيها فيها شرارة لم تُطفأ:

"أنا لا أفكر بأحد. أنا أقرر من سيبقى ومن سيرحل."

ثم ابتسمت ابتسامة هادئة وقالت:

"لكن تياغو... ليس من النوع الذي يرحل بسهولة."

أونيكا صمتت، ثم قالت:

"وكارلوس؟"

كاميليا شربت من فنجانها، وقالت:

"كارلوس حلم نقي... لكني لا أعيش في الأحلام."

رفعت عينيها إلى السماء:

"تياغو واقعٌ مجنون... وأنا مجنونة بالقدر الكافي لأخوضه."

ثم سحبت نفسًا عميقًا، وقالت:

"غدًا تبدأ المهمة... وغدًا، سأختار."

•••

في صباح اليوم التالي، كانت كاميليا واقفة أمام المرآة، ترتدي ملابس سوداء أنيقة، مخصصة للمهام الخاصة. عينيها كانتا حادتين كالسيف، وملامحها لا تشبه الطالبة المتعبة التي غفت بالأمس... بل تشبه قائدة.

دخل زاك، ألقى عليها نظرة طويلة، ثم قال:

"جاهزة؟"

أجابت دون أن تنظر إليه:

"كنتُ جاهزة منذ ولادتي."

اقترب منها، وضع سماعة أذن في يدها:

"المهمة اليوم... أكثر تعقيدًا من المتوقع."

أونيكا ظهرت من الخلف، ترتدي سترة جلدية وخنجرها مزين بفيونكة جديدة.

"سيكون ممتعًا... أعدكم."

وقفت كاميليا بينهما، ابتسمت ابتسامة باردة، وقالت:

"فلنجعل هذا اليوم... لا يُنسى."

ثم خرجوا.

أربعة وجوه، أربعة أسرار، ومهمة واحدة...

لكن وحدها كاميليا، كانت تحمل القرار الأخطر...

من سيبقى، ومن سيُمحى من المشهد إلى الأبد.

الساعة تشير إلى العاشرة صباحًا، السماء ملبدة بغيوم رمادية، والجو هادئ حد التوتر. أمام إحدى البنايات المهجورة في أطراف المدينة، توقفت سيارة سوداء مظللة بالكامل. فتحت الأبواب بهدوء، نزل منها زاك أولًا، يتبعه نايف، ثم أونيكا، وأخيرًا كاميليا بخطوات واثقة، نظراتها ثابتة لا تزيغ، وملامحها لا تحمل أيّ تردد.

قال زاك وهو يتفقد المكان:

"الموقع واضح... الهدف في الطابق الثالث، مراقب بكاميرا واحدة، ومنفذ واحد، بلا حراس ظاهرين. لكنه ليس غبيًّا ليكون وحده."

أومأت كاميليا، نظرت إلى المبنى، ثم قالت:

"ندخل دون ضجة. المهمة تصفية صامتة، ليس ذبحًا في سوق."

أونيكا ضحكت بخفة وهي تخرج خنجرها:

"لكنّي أحب الضجيج أحيانًا... يجعلني أشعر أنني أعيش."

ردت عليها كاميليا دون أن تبتسم:

"اصمتي، وركزي. هذه المهمة ليست للهو."

نايف فتح الباب الخلفي للبناء بصمت، دخل الجميع بتنسيقٍ متقن... صعدوا السلالم بهدوء. كاميليا تمشي أولاً، زاك خلفها مباشرة، أونيكا تراقب الزوايا ونايف يغطي الخلف.

وصلوا للطابق الثالث. أخرج زاك جهاز التشويش، ضغط الزر، توقفت الكاميرا.

همست كاميليا:

"ثلاث... اثنان... الآن."

فتح زاك الباب برجله، تسللت كاميليا أولًا، تبعها الجميع.

كان الهدف واقفًا قرب النافذة، يدخن، ظهره لهم، وكأنّه يجهل أن نهايته تقترب.

أشارت كاميليا لنايف، في لحظة خاطفة، قفز وأغلق فم الرجل، ثبّته زاك بقوة، تقدّمت كاميليا، حدّقت في عينيه، ثم همست:

"قالوا أنك بدأت تنبش في أماكن لا تخصك... كنت أرجو أن يكون ذلك كذبة."

الرجل حاول التملص، لكن زاك شد قبضته أكثر.

"للأسف... ما من كذبة في هذا العالم، فقط حقائق لم يكن يجب أن تُقال."

ثم نظرت لأونيكا:

"أكملي."

بهدوء، تقدمت أونيكا، مسحت على وجهه بخفة، ثم غرست خنجرها أسفل عنقه بدقة قاتلة، سقط أرضًا بلا صوت، عينا كاميليا لم ترمش، وقلبها لم يرتجف.

قالت وهي تمسح قطرات الدم من على وجهها:

"تمت التصفية. نغادر."

خرجوا كما دخلوا. صمت تام. لا أثر، لا ضجيج، فقط عيون باردة وخطوات واثقة.

~~~

في الطريق للعودة، كان زاك يقود السيارة، ونايف يحدق في الطريق بصمت، بينما أونيكا كانت تعدل فيونكتها الجديدة وتهمس بصوت خافت:

"جميلة، أليس كذلك؟ ربطتها جيدًا."

كاميليا تنظر من النافذة، تفكر... لكنّها ليست شاردة. إنها تحلل... تتذكر... تحسم.

في عقلها، كل شيء يعاد ترتيبه. كل اسم، كل حركة، كل شعور.

حتى حين وصلوا للقصر، لم تقل شيئًا. دخلت غرفتها مباشرة.

فتحت خزانتها، نزعت سترتها، نظرت في المرآة. لا تعب، لا ندم.

ثم سمعت طرقًا على الباب.

"ادخل."

دخل تياغو.

كان يحمل دفترًا صغيرًا في يده. لم يتكلم. فقط تقدم ووضعه على الطاولة.

"ما هذا؟"

"مذكراتي... كنت أكتبها منذ لقائي بكِ."

نظرت إليه، عقدت ذراعيها:

"ولمَ تعطيني إياها الآن؟"

اقترب منها، عينه عميقة ومليئة بأشياء لم تُقال بعد:

"لأنني لا أريد أن تُروى قصتي معكِ بعد رحيلي... بل أريدكِ أن تكتبيها أنتِ، كما تشائين."

سكتت. لم ترد.

همس:

"هل سأكون أنا من تختارين؟"

همست كاميليا، دون أن تنظر إليه:

"غدًا، حين أكتب... سأبدأ باسم من استحق أن يكون السطر الأول."

استدار تياغو، خرج من الغرفة دون أن يلتفت.

كاميليا حملت الدفتر... فتحته.

في الصفحة الأولى كُتب:

"مُشكلتي أنّي أغار بسرعة... ومُتملك اتجاه أشيائي... والمشكلة الأعظم أنكِ أثمن أشيائي."

توقفت أنامل كاميليا عند السطر الأخير، نظرت إلى الكلمات طويلاً... لا لِرهافتها، بل للغضب الذي أثارته فيها.

"أثمن أشيائي؟"

رددت الكلمة بصوت خافت، فيه لسعة سخرية، ثم أغلقت الدفتر بقوة، ورمته على الطاولة دون تردد.

لم يكن الأمر حبًا. لم يكن حتى إعجابًا. تياغو... مجرد رجل آخر يحاول فتح أبوابها بأكاذيب مغلّفة بالبلاغة.

"يكتب لي كأنني مشروع عاطفي ينتظر الترويض."

نهضت من مكانها، سارت في الغرفة، خطواتها تحمل توتّرًا واضحًا. نظراتها حادة، وكأنها تقتل كل سطر قرأته للتو.

كاميليا لا تقع في الحب بالكلمات... لا تُقاد بالإطراء... قلبها لا يهتز بخاطرة ولا يلين بنظرة.

إن أحبّت، فهي تحب الصدق، الأفعال، المواقف التي تُكسر فيها العظام لا الأقلام.

وتياغو؟

هو مجرد مغامر جديد... يظن أنه سيخترقها عبر ثغراتها، دون أن يعرف أنها لا تملك واحدة.

طرقات على الباب.

"ادخل."

دخل كارلوس، يحمل هاتفه، بدا متوترًا بعض الشيء، لكنه كالعادة، يخفيه بابتسامة صغيرة.

"كنتُ مارًّا من الممر... سمعت صوت ارتطام شيء ما. هل أنتِ بخير؟"

نظرت إليه، لا تزال في دوامة مزاجها المتقلب، لكنها ردت بجفاف:

"أفضل من أي رجل ظن أنه يستطيع كتابتي."

نظر إلى الطاولة، لاحظ الدفتر، رفع حاجبه:

"هذا... منه؟"

أومأت، دون أن تشرح.

اقترب، حمل الدفتر، تصفحه قليلًا، ثم أطلق صفيرًا خافتًا:

"تياغو روميو، يا له من شاعر."

ضحكت بسخرية، جلست على طرف السرير وقالت:

"روميو؟ هو لا يصل حتى لمستوى الظل خلف روميو. يتصرف كأنه يعرفني... كأنه يرى ما لا يُرى. لكن كل ما فعله حتى الآن هو محاولة إقناعي بأني ملكه، قبل أن أقرر حتى إن كان يستحق أن أقول له صباح الخير."

كارلوس جلس أمامها، نظر إليها بتركيز.

"إذن... لا شيء تجاهه؟"

رفعت عينيها بثبات، وأجابت:

"لا شيء. ولا حتى احتمالية."

هز رأسه، ابتسم:

"مسرور لسماع ذلك."

نظرت إليه باستفهام:

"لماذا؟"

قال بنبرة أخف، فيها صدق لم تعهده منه من قبل:

"لأني لا أحب أن يُراهن أحد على خسارتكِ، ثم يكتبكِ على هيئة نصر."

ساد الصمت. نظراتهما تلاقت.

لم يكن الجو رومانسياً... بل عميقًا، حقيقيًا، ثقيلًا بنوع من الراحة النادرة.

قالت كاميليا، بصوت خافت:

"لن أكون لأحد إلا حين أشعر أني ما زلت أنا معه. لا أكثر ولا أقل."

رد كارلوس:

"وذاك هو الاختبار الذي لن ينجح فيه إلا القليل."

لحظة مرت... تبادل فيها الاثنان نظرة طويلة، لم تَحمل وعودًا، لكنها حملت وضوحًا نادرًا.

ثم قطعت كاميليا الصمت وهي تنهض:

"لدينا تدريب بعد نصف ساعة. أخبر البقية. وأخبر تياغو ألا يكرر هذا النوع من المسرحيات مجددًا... قبل أن أقرر أن أكون أنا من يكتب نهايته."

ابتسم كارلوس، نهض، اتجه نحو الباب، وقبل أن يخرج قال بهدوء:

"فهمتِه على حقيقته... وهذا أكثر ما يُخيفه."

ثم خرج.

وبقيت كاميليا في الغرفة، واقفة أمام مرآتها، تحدّق في انعكاس عينيها.

بلا حب. بلا ضعف. بلا تردد.

كاميليا... ليست لمن يكتبها.

بل لمن يفهمها حين تصمت.

في اللحظة التي أُغلق فيها الباب خلف كارلوس، عمّ الهدوء أرجاء الغرفة مجددًا... لكن الهدوء لم يكن سوى غلاف هشّ، تحته الكثير من الحكايات التي لم تُكشف بعد.

كاميليا تنهدت، سحبت المعطف الذي كان ملقى على الكرسي، معطف تياغو... ذلك الذي تركه منذ يومين، يوم غفت وهي تحاول قراءة تقرير المهمة.

تأملت نسيجه، لحظة، شيء ما لفت نظرها.

حركت أصابعها بخفة داخل الجيب الداخلي... ثم توقفت.

جهاز صغير جدًا، أسود اللون، بالكاد يُرى.

عينها لم ترمش. قلبها لم يخفق.

لكن عقلها؟ اشتعل.

جهاز تعقّب.

ضحكت بهدوء، ضحكة باردة، وكأنها وجدت في الأمر ما يشبه التهكم على ذكاءها.

"كم أنت غبي يا تياغو..." همست لنفسها، ثم أخرجت الجهاز ووضعته على الطاولة.

وفي مكانٍ بعيد، في غرفة معتمة، على شاشة صغيرة، كان تياغو يحدّق بدهشة وغصة.

نعم، كان يسمع. كان يسمع كل شيء.

منذ دخل كارلوس غرفتها، ومنذ رمت هي دفتره كأنّه لا يعني شيئًا.

منذ نطقت تلك الجملة:

"لا شيء. ولا حتى احتمالية."

شعر بصفعة داخلية، شيء في صدره انكسر ولم يصدر صوتًا.

هل كان غبيًا؟

ربما.

هل راهن على وهم؟

بالتأكيد.

لكن ما آلَمه أكثر...

أنها لم تتردد. لم تتلعثم. لم تترك له حتى نافذة صغيرة يدخل منها.

كاميليا بالنسبة له كانت معركة، لكنه لم يدرك أنه لم يدخلها أساسًا.

هو فقط... وقف أمام قلعتها، يكتب شعرًا ويظن أنها ستفتح له الأبواب.

بينما هي، منذ البداية، كانت تراقب ارتفاع الجدار... لا الكلمات.

ضغط زرّ الإيقاف. أطفأ الجهاز.

جلس بصمت، شعره مبلل من المطر، ويداه ترتجفان لا بردًا... بل خيبة.

~~~

في غرفة القيادة، كانت أونيكا تتفحص الخرائط، بينما نايف يراقب الأخبار.

دخلت كاميليا عليهم، رمت الجهاز الصغير على الطاولة.

قالت بهدوء:

"هذا كان في معطفه."

أونيكا رفعت حاجبها، تفحصت الجهاز، ثم همست:

"يا إلهي... جدي جدًا."

كاميليا قالت دون أي انفعال:

"احذفوا كل ما سجّله، ثم اجعلوه يُرسل له شيئًا واحدًا فقط..."

سكتت لحظة، ثم أكملت:

"رسالة صوتية: أنت لم تخسرني... لأنك لم تقترب يومًا."

نايف أطلق صفيرًا، وأونيكا صفّقت بخفة:

"أحببت النهاية!"

لكن كاميليا لم تبتسم.

نظرت إليهم، وقالت:

"من يحاول امتلاكي دون أن يقدّرني، لا يخسرني فقط... بل يخسر احترامه عندي إلى الأبد."

سكتت، ثم أضافت:

"وأنا لا أُعيد من أسقطهم عندي."

ثم استدارت، وخرجت.

~~~

في الخارج، تياغو كان واقفًا أمام البوابة، ينظر إلى الأعلى... إلى شرفة كاميليا.

لم يكن يعرف إن كانت تراه، لكن قلبه كان يأمل.

ثم، وصلته رسالة. فتحها.

صوتها. واضح، حاسم، قاطع.

> "أنت لم تخسرني... لأنك لم تقترب يومًا."

أغلق الهاتف ببطء.

نظر للأعلى مرة أخيرة، ثم همس:

"أنتِ محقّة... لكنكِ لم ترَي كل شيء بعد."

ثم استدار، وغادر.

لكن قلبه؟ تركه معلّقًا عند نافذتها... معلقًا بأمل ميّت.

مرت أيام قليلة على الرسالة التي حطمت تياغو، وأعادته إلى واقعه الحقيقي: كاميليا لا تُشترى بالعاطفة، ولا تقترب بالمراقبة.

لكن التياغو الحقيقي… لا يستسلم. ليس لأنه عنيد، بل لأنه يفهم جيدًا ما تعنيه كاميليا حين تتحدث بالصمت، وتهاجم بالحذر.

لم يكن بحاجة لدفتر آخر، ولا شعر إضافي.

كان بحاجة فقط… لخطوة لا تتوقعها.

فعل لا يشبه أي رجل مر في حياتها.

---

في إحدى الليالي، وبينما كانت كاميليا تتفقد ملفات جديدة وصلت بشأن المهمة القادمة، وصلها إشعار غريب على نظام الحماية الداخلي الخاص بالقصر:

“انتهاك أمني – البوابة الغربية.”

ضغطت فورًا على الكاميرا… الشاشة أظهرت ما لم تتوقعه.

ثلاثة رجال غرباء يحاولون التسلل عبر الحقل الخلفي.

نظام الدفاع لم يتحرك. شبكة الليزر لم تعمل.

نظرت إلى التفاصيل… تم اختراق النظام يدويًا.

أمسكت بسلاحها، ركضت للخارج، دون أن تنادي أحدًا.

عقلها يعمل بسرعة. هناك اختراق. هناك خطر.

ركضت نحو الزاوية الغربية… لكن قبل أن تصل، سمعت صوت إطلاق نار.

اختبأت خلف الجدار، رفعت سلاحها، تقدّمت بهدوء…

فجأة، رأتهم.

الثلاثة ممدّدين على الأرض. بلا حركة.

ورجل واحد واقف فوقهم، يلتقط أنفاسه، ويده تنزف.

تياغو.

كانت نظراته مرهقة، عيناه بالكاد تُفتحان من شدة الضرب، لكنه ما زال واقفًا، يحميها… دون أن تقول له أن يفعل.

كاميليا لم تنطق. مشت نحوه، عيناها على الجرح في كتفه، وعلى الدم الذي يلطخ قميصه.

هو أيضًا لم يتكلم. فقط قال:

"لو لم أكن أراقب محيطك بطريقتي... لما لحقتُ بهم قبل أن يصلوا لغرفتك."

سكتت.

ثم اقتربت أكثر، حتى وقفت أمامه تمامًا.

نظرت إلى الدم، ثم إلى عينيه.

أدركت لحظتها… أنّه لم يُراقبها ليُسيطر.

بل لأنه الوحيد الذي شعر بالخطر دون أن يُطلب منه.

الوحيد الذي لم يتكلم… بل تصرّف.

رفعت يدها، وضغطت على الجرح لتوقف النزيف.

عيناها ثابتتان، وصوتها خرج للمرة الأولى وهو يحمل شيء لم يعتده تياغو منها:

"أحيانًا… لا نعرف من معنا، إلا حين يسيل الدم دون أن نطلب شيئًا."

قالت الجملة، ثم سحبت قطعة قماش ولفت بها الجرح.

تياغو شعر أن قلبه توقف للحظة…

كأن جملتها الصغيرة تلك كانت أدفأ من كل القصائد، وأقوى من كل الردود.

هي لم تقل أنها تحبه.

لكنها قالت… أنه أثبت وجوده.

وهذا وحده، أعاد الأمل الذي دفنه.

نظرت إليه، وهمست بهدوء:

"هذه المرة… تصرّفت."

ثم استدارت، وقالت دون أن تنظر:

"ادخل، قبل أن تصاب بنزيف داخلي… أو كرامة زائدة."

ابتسم تياغو رغم الألم، وسار خلفها ببطء.

ولأول مرة... شعر أن الجدار بدأ يتشقّق.

دخلت كاميليا الغرفة تتقدّمها نظراتها الحادة، وخلفها تياغو يجرّ خطواته بصمت، بين ألمٍ يسكن كتفه ودهشةٍ لم تهدأ في قلبه منذ أن سمع تلك الجملة التي نطقتها دون أن تنظر إليه.

أغلقت الباب خلفها، وأشارت بيدها نحو الكرسي القريب من الطاولة:

"اجلس."

امتثل لأمرها دون أن ينطق بكلمة، والابتسامة تكاد تخونه، خفيفة، مكسورة، لكنها حقيقية.

تقدّمت نحوه، فتحت خزانة صغيرة وسحبت منها صندوق الإسعافات، ثم جلست أمامه مباشرة.

لم تطلب الإذن، ولم تنتظر ردًا، مزّقت كمّ قميصه بعناية، وعينها على الجرح.

كان النزيف قد توقف جزئيًا، لكن أثر الطعنة بدا واضحًا، والجلد حوله متهتكًا.

ناولته قطعة قماش:

"ضعها بين أسنانك… كي لا تصرخ وتفسد عليّ التركيز."

تناولها وهو يبتسم من طرف فمه:

"أعدك أني لن أصرخ… إلا إذا تعمّدتِ إيذائي."

رمقته بنظرة سريعة، لم تكن تهديدًا… بل أقرب للابتسامة الخفية.

ثم بدأت بتنظيف الجرح بالكحول. لم يتأوه، لكنه أشاح بوجهه عنها، يقبض على طرف الكرسي حتى كادت عظامه تبرز.

همست، بصوت ناعم لكنه مشوب باللوم:

"كان من الممكن أن تموت… أيها الأحمق."

ردّ بصوت واهن، لكنه مليء بالصدق:

"لو متُّ أمام باب غرفتك… فلن أندم."

رفعت عينيها إليه، للحظة اختل توازنها.

كانت تلك الجملة، على بساطتها، قادرة على اختراق أي حذرٍ شيّدته حول قلبها.

أكملت تضميد الجرح بصمت. كانت يدها ثابتة، إلا من رجفة خفيفة، لم يلحظها سوى قلبها الذي بدأ يخذلها.

وحين انتهت، أغلقت الصندوق، نهضت قليلًا، ثم توقفت.

نظرت إليه للحظة طويلة، ثم قالت بصوت خافت، أشبه بالاعتراف:

"شكرًا… تياغو."

رفع عينيه إليها، كأنه لم يسمع اسمه من قبل بهذا اللطف.

قال بهدوء:

"وهل يكفيني الشكر؟"

ترددت، ثم همست:

"و… أعتذر عن ما قلته سابقًا. كنت غاضبة… وربما قاسية أكثر مما يجب."

ابتسم، تلك الابتسامة التي تسكن الزوايا، وقال:

"صوتك حين تغضبين لا يُنسى… لكنه لا يُؤلم."

ضحكت، رغمًا عنها.

ضحكة قصيرة، لكنها صادقة… وخارجة من مكان عميق في روحها.

استدارت عنه، ثم قالت وهي تتجه إلى الباب:

"مادمت قد أريقت دماؤك لأجلي… لك أن تبقى هنا الليلة."

سألها، ونصف ابتسامة تلوّن وجهه:

"على الكرسي؟"

أجابته وهي تفتح النافذة، دون أن تلتفت:

"على السرير… إن وصلت إليه قبل أن أغيّر رأيي."

ثم غادرت، تاركة وراءها سكونًا ملوّنًا بالفراشات.

وفي قلب تياغو… عاد النبضُ من جديد.

.

.

.

.

.

.

.

.

رأيكم بالبارت؟.

كاميليا؟

تياغو؟

كارلوس؟

أونيكا🎀

زاك الجنتل كان🫦🫦🫦

ملاحظة : زاك قال شقيقتي عن كاميليا لأنه يعتبرها كأخته كونهم تربو منذ الصغر مع بعض

انتهى البارت اراكم في البارت الثامن

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أميرة القناص🍒

المؤلف Romeo
2025/07/18 مستمرة
قائمة الفصول (6)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة