أمي أوفت بوعدها

أمي أوفت بوعدها

25 0

تلالات أشعة الشمس في أعين الفتاة التي استيقظت لتوها من النوم بعد ليل طويل من البكاء، فأخذت تنظر في أرجاء الغرفة التي لطالما تمنت أن تنام ولا تستيقظ على طلّتها، التي تذكرها بكل ما حدث في الأيام المتكررة من حياتها. وفي هذه الأثناء، شعرت بشيء يلامس يدها، فأدارت رأسها وبدأت تنظر بعينيها المليئتين بالدموع إلى المرأة التي تمسك بيدها، فقبضت هي الأخرى بقوة على يد أمها.

تمعنت في وجهها المليء بعلامات التعب والإرهاق، وشعرها الأبيض الذي دلّ على أنواع الشقاء التي تذوقته في حياتها، وفي يدها الأخرى تمسح دموعها، فقالت في نفسها: "لن أبكي مرة أخرى، أريد أن أكون عونًا لأمي لا أن أكون مصدر قلق لها. أعدكِ يا أمي بأنني سأحقق ما تريدين، أعدكِ بأنني سأخذ بحقكِ، أنا التي ستنسيكِ ألمكِ... أعدكِ."

ابتسمت لأمها التي استيقظت على مسكة يد ابنتها، فقالت لها:

- صباح الخير يا وحيدتي.

فردت أمها وهي تبادلها الابتسامة:

- صباح الخير، كيف حالك؟ هل أنتِ بخير، صغيرتي؟

فأردفت صغيرتها وهي تهز رأسها:

- نعم، إنني بأفضل حال.

فابتسمت أمها في وجهها وقالت:

- حسنًا، هذا يشعرني براحة كبيرة في قلبي.

أومأت ليالي برأسها وابتسمت في وجه أمها، ثم قالت في نفسها: "يا ليت ما نقوله بألسنتنا يكون صادقًا، ولكن في الكثير من الأحيان نكذب، ليس شرًا لأحد، بل لنُشعر من نحبهم بالأمان علينا، ولو قليلًا. أنا أعلم أنها تعرف أنني أكذب، ولكن ماذا سأقول في وجهها المليء بالقلق علي؟ أتمنى أن يأتي يوم أكون فيه صادقة معها عندما أقول إنني بخير... إنها أمنية بالنسبة لي، أليس هذا من حقي؟"

وبينما كانت غارقة في أفكارها، قطعت أمها حبل تفكيرها قائلةً وهي تقف على قدميها النحيلتين:

- إنه يوم مهم بالنسبة لكِ، هيا استعدي، ستأتي جوهرة لكي تذهبي معها، ألا تذكرين؟

فقالت ليالي وهي ترفع شعرها الذي غطّى ظهرها:

- كيف لي أن أنسى وأنتِ تذكرينني بكل ما أحلم به؟

وقفت وبدأت تُرتّب الفراش الذي يتوسط المنزل، بينما كانت أمها تمشي بسرعة نحو المطبخ لتعدّ الفطور الذي ذهب وقته بالنسبة لهما، فالساعة لم تتعدَّ السابعة صباحًا. فقالت وهي تبتسم:

- وأنتِ تذكرينني بأفضل لحظة في حياتي.

كانت تقصد لحظة ولادتها، التي ظنّ فيها جميع من في الحي الصغير أنها ستموت، ولكن كونها أمًّا، آوت طفلتها لسبعة أشهر فقط، شعرت بأن طفلتها لن تستسلم في منتصف الطريق. حاربت لتحميها من الجميع، ومن والدها الذي كان يريد ويتمنى أن تموت ولا تولد في هذه الدنيا.

أراد طفلًا يحمل اسمه لأجيال، لا طفلة تقطع اسمه ونسبه - باعتقاده. حتى عندما ولدت الطفلة التي لا ذنب لها في اختيار أن تكون فتاة أم ولدًا يحمل اسمه، ذهب ليشبع غرائزه الإنسانية، لينسى أن هناك فتاة قد تحمل اسمه لآخر مرة، لا ولدًا يكمل اسمه به.

بعد أن غادرت أم ليالي منزلها مع قبلة طفلتها، وقفت ليالي تنظف طاولة الطعام، فإذا بها تسمع صوت الفتاة الضاحكة. فقالت بصوت لا يكاد يُسمع: "لقد أتت الفتاة الثائرة."

وقفت جوهرة عند الباب المفتوح على مصراعيه، لتدخل أشعة الشمس إلى المنزل، أو لعلها تمنح ذلك المنزل الكئيب بعضًا من الضوء الذي قد ينشر القليل من التفاؤل، على الأقل في اعتقاد ليالي. قالت جوهرة وهي تدخل المنزل:

"لقد سمعتك، لماذا تخفضين صوتك هكذا؟"

استدارت ليالي، وهي تمسك بقطعة قماش تمسح بها الطاولة، وقالت:

"لماذا قد أخفض صوتي؟ هل تعتقدين أنني أخاف منكِ؟"

سحبت جوهرة الكرسي وجلست عليه قائلة:

"لم أقل ذلك، ولكن أفضّل ذلك."

ثم غمزت لليالي، التي كانت تنظر إليها وكأنها تنظر إلى طفل صغير، فقالت ليالي:

"ماذا بكِ؟"

فأردفت جوهرة، وهي تضحك بصوت عالٍ:

"أضحكتني! أعلم أنكِ لا تستطيعين العيش دوني."

نهضت ليالي متجهة إلى الغرفة الصغيرة، دخلت وأغلقت الباب خلفها لتبدّل ملابسها، ثم قالت بسخرية من خلف الباب، الذي كان شفافًا جزئيًا من الأعلى:

"أعتقد أنكِ هنا لشيء أهم من هذا الحديث، أليس كذلك، يا من لا أستطيع العيش دونها؟"

مرت بضع دقائق، خرجت بعدها ليالي وهي تغطي شعرها، فوجدت صديقتها واقفة عند الباب تصرخ على أطفال الحي.

"لماذا تصرخين على الأطفال الذين لم تتعدَّ أعمارهم العاشرة؟" سألتها ليالي مستغربة.

ردّت جوهرة بغضب:

"لقد أصابني بكرته البالية، التي تشبه ملامح وجهه المنكمش! عندما أمسكه، سأقطع أرجله التي يلعب بها!"

وقفت ليالي تنظر إليها بسخرية، ثم اقتربت منها وأمسكت يدها وأدارتها للخلف، وهمست في أذنها بصوت عالٍ:

"إنهم أطفال صغار وجاهلون، لكنكِ تضعين رأسك برأسهم، لذا أعتقد أنكِ أنتِ الطفلة، وليس هم!"

ثم أفلتت يدها وذهبت لترتدي نعلها السوداء، التي مرّ عليها الزمن.

نظرت إليها جوهرة بغضب لطيف، ثم قالت بصوت منخفض:

"يجب أن تصبحي ملاكمة، لا طبيبة، هذا أفضل لكِ!"

اقتربت ليالي ببطء، وهمست في أذنها:

"لقد سمعتك!"

استدارت جوهرة سريعًا ووضعت إصبعها في أذنها قائلة:

"لقد أفزعتني!"

ابتسمت ليالي، ثم أمسكت يدها وقالت:

"إنه اليوم المنتظر، لنذهب!"

خرجت ليالي وجوهرة، التي لم تكن الدنيا تسعها من الفرح، تغني بصوت عالٍ يسمعه جميع من في الحي، ليبدأوا بالحديث عنها، ويتناقلوا الكلام فيما بينهم عن الفتاة الثائرة.

بعد مرور شهر..

بعد مرور شهر، ومع بداية الأيام الباردة، انفتحت عينا الفتاة التي لم تنم طويلًا. بكل حماس وتوتر، بدأت تفكر فيما قد يحدث اليوم. لم تكن تعلم إن كان عليها أن تفرح أم تحزن، لكنها كانت واثقة من أن هذا اليوم سيحدد حياتها بالكامل، وكيف سيكون مستقبلها.

قفزت من فراشها بسرعة بعد أن رتبتهُ، ثم هرعت إلى المطبخ، حيث كانت والدتها تعد الإفطار. قالت لها بحماس يختلط بالتوتر:

"أمي، اليوم ستُعلن نتائج القبول! أشعر بتوتر شديد... هل تشعرين بأنني قد أنجح؟"

اقتربت منها أمها، وضعت يديها على كتفيها برفق، ثم قالت بصوت منخفض يبعث على الطمأنينة:

"اهدئي قليلًا، أنا أشعر أنكِ ستُقبلين هذه المرة. ثقي بي... والآن، اهدئي قليلًا، فقد يسمعنا، إنه في الحمام يستحم."

قبّلت جبين ابنتها وابتسمت لها، فبادلتها ليالي الابتسامة، لكنها سرعان ما اختفت من على وجهها، لتحل محلها ملامح الخوف والقلق من أن يكون قد سمع حديثهما. وقف ينظر إليها ويده في جيبه، ثم قال بصوته المنخفض، ذلك الصوت الذي يجعل كيان ليالي يرتعد:

"ماذا بها فتاتي مبتسمة اليوم؟ هل هناك شيء لا أعلم به؟ لأني أشم رائحة كذب تفوح منكما، أنتما الاثنتان."

أخرج يده من جيبه، وبدأ يقترب من أم ليالي. أمسك بالسكين التي كانت موضوعة على الطاولة، حيث كانت سلة الجزر المتعفن بجانبها. اقترب منها إلى درجة أنه بات يشعر بأنفاسها على وجهه الحنطي، ثم همس في أذنها بصوت منخفض:

"لا تجعليني أغضب، ويكون اليوم آخر يوم في حياتكِ أنتِ وابنتكِ."

أبعد شفتيه عن أذنها، ثم طبع قبلة على جبينها قبل أن يبتعد. نظر إلى ابنته، التي كانت مغمضة العينين وتنظر إلى الخلف،لكي لا تنظر ضعف أمها عندما يقترب منها. فقال لها:

"الكلام لكِ أيضًا، حسنًا، صغيرتي."

رمى السكين في الصحن الممتلئ بالحساء الحار، فانقسم إلى نصفين، وبدأت القطرات الحارقة تتسرب إلى يدي أم ليالي، التي كانت متكئة على الطاولة. لم تشعر بالحرارة التي تعمقت في جلدها، بل كانت فقط تنظر إلى الرجل الذي كان يمشي ويغني بصوته المخيف، بينما تقول في نفسها:

كيف يمكن أن يكون هكذا؟ كيف يمكن أن يكون هناك أناس متحجرة قلوبهم كقلبه؟!

كانت مندهشة منه، فقد كان ذلك الطفل الذي ينظر إليها ويعطيها الحلوى التي كان يسرقها من متجر والده، رغم علمه أنه سيتعرض للضرب المبرح. لكنه لم يأبه، فقط ليعطيها إياها.

أغمضت عينيها، وشعرت بأن كيانها انهزم مرة أخرى أمامه. لقد كانت تكن له المشاعر كونه زوجها، وكانت تتمنى أن يتغير يومًا ما... لكن هيهات للقلب المتحجر أن يتغير.

اقتربت منها ليالي، وقالت بصوتها العالي:

"يدكِ تحترق!"

فتحت أمها عينيها، وقالت بصوت مرتجف:

"أنا بخير...

أزاحت يدها، ثم أمسكت القماش الموضوع على الثلاجة ومسحت يدها فابتسمت في وجه صغيرتها وقالت: "إنني لا أشعر بالجوع، سأذهب لأغير ملابسي لكي أذهب معك، أريد أن أشاركك فرحتك اليوم ،حسنًا صغيرتي كلي وغيري ملابسك ولنذهب سويا إلى المكتبة. جوهرة ستأتي بعد قليل". قبلت جبين ابنتها وابتعدت عنها إلى الغرفة.

وقفت ليالي تنظر بصمت، لم تشعر بشيء هذه المرة، لم تبكي ولم تتفوه لأمها بشيء، فقط التزمت الصمت. كانت تعرف أن أمها تعاني ولكن لم تكن بيدها حيلة. أمسكت بقطعة القماش وبدأت تمسح بالحساء المنسكب وصوت بكاء أمها في الغرفة المجاورة التي تحاول أن تخفي دموعها عنها .شعرت بغضب يعتريها، رمت قطعة القماش وراحت تقف عند النافذة. فرفعت رأسها إلى السماء الزرقاء وأغمضت عينيها، وبدأ الدمع يتساقط على خدها المحمر، والهواء يتلمس وجهها المبتل فتشعر بالبرودة على وجهها. فتمسح عن وجهها دموعها التي لا تتوقف.

وفي هذه الأثناء خرجت أم ليالي تغني بصوتها الشجي: "سوف نفرح اليوم، دقوا طبول الفرح لابنتي الجميلة التي سوف تحقق حلمها". اقتربت من ابنتها التي تعطيها ظهرها، فقالت: "ألم تجهزي بعد؟ هيالنذهب، وها قد أتت جوهرة، أليس كذلك؟ إنني أسمع صوت شجارها مع الأطفال من هنا. أراهن بأنها في آخر الشارع. لن تتغير هذه الطفلة." أمسكَتْ بكتف ابنتها التي كانت تمسح دموعها عن وجهها بسرعة لكي لا تراها أمها، وأدارتها لوجهها، فقالت بصوتها الحنون: "هل أنتي بخير، طفلتي؟ لا تقلقي، سوف تقبلين". فغمزت في وجه ابنتها، وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجه ليالي. فاردفت، محاولة أن تخفي رعشة صوتها: "أعلم ذلك، أنكِ هنا وتدعميني لذلك، سوف أقبل. أنا أشعر بتفاؤل، أمي، طالما أنكِ موجودة في حياتي". فعانقت أمها بقوة، وقالت: "أتعدينني بأنكِ لن تذهبي إلى مكان ما؟ سوف تبقين بجانبي، أليس كذلك؟ أمي، سوف تجعليني أشعر بالأمان دائمًا، أليس كذلك؟". بادلتها أم ليالي العناق بشكل أقوى، وهمست في أذنها: "لن أذهب، أعدكِ. سنحارب معًا، وسوف نفوز بالنهاية التي نريدها. حسنًا، طفلتي".

وفي هذه الأثناء، وصلت جوهرة واقفة بجانب الباب المفتوح، وقالت: "ألن تدعوني إلى عناقكم؟ إنني أشعر بالغيرة". ضحكت أم ليالي وقالت: "إنه من دواعي سروري أن أعانقك، صغيرتي الثانية". راحت تركض جوهرة إليها وشاركت في العناق الذي دام لدقائق، فقالت بصوتها الطفولي: "ألن نذهب؟ أشعر أن هذا العناق لن ينتهي". ابتسمت أم ليالي وابتعدت قليلاً، وقالت: "إنني أشعر بذلك أيضًا". فاردفت ليالي التي تنظر إلى أعز الناس إليها بحب: "وأنا أشعر بأنني أنا سبب تأخير، أليس كذلك يا صديقتي العزيزة؟". هزت جوهرة رأسها بالموافقة، فقالت ليالي: "حسنًا، ثوانٍ، سأغير ونتوجه. هل أنتي راضية يا صغيرة؟". هزت جوهرة رأسها بالموافقة مرة أخرى، فقالت: "إنكِ تأخريننا مرة أخرى، أتعلمين ذلك؟". هزت ليالي رأسها بالموافقة، وقالت: "هذه المرة الأخيرة"، ثم توجهت إلى الغرفة لتبدل.

وقفت أم ليالي تنظر إلى ابنتها، فدارت وجهها إلى جوهرة . اقتربت منها وأمسكت يديها، فقالت لها: "هل يمكنني أن أطلب منكِ شيء، صغيرتي؟". هزت جوهرة رأسها وقالت: "بتأكيد، خالتي". فاردفت أم ليالي وهي تمسح على رأسها: "منذ أن كنتِ طفلة، كنتِ مع ليالي. أنتِ الوحيدة التي كنتِ معها، أنتِ جعلتِ ابنتي تبتسم وتلعب عندما كان الجميع يرفضها، وعشتِ معها طوال عمرها. لذلك، أريد أن أقول لكِ شكراً كثيراً. أعلم أنني أقول كلاماً كثيراً، ولكن أردتُ أن أقوله لكِ. أتمنى دائماً أن تبقى ابتسامتك اللطيفة على وجهكِ. ومطلبي منكِ هو أن تبقي دائماً بجانب ليالي، لا تتركيها، اجعليها دائماً تبتسم. أنا أثق بكِ، صغيرتي. ابتسمت جوهرة وقالت: "كيف يمكن أن تطلبي طلباً كهذا؟ هي أختي. هل أقول لكِ شيئاً؟ لا أستطيع أن أبتعد عنها أو أن أتخيل حياتي دونها. هي صديقتي العزيزة." عانقتها أم ليالي وقالت: "أشعر بذلك. شكراً، صغيرتي." بعد ثوانٍ، خرجت ليالي وقالت وهي تضع يديها على خصرها: "ما هذا الذي تراه عيناي؟" اقتربت منهن وأمسكت أيديهُن، فقالت: "لنذهب؟" خرجت ليالي ممسكةً بيد جوهرة وأغلقت أم ليالي باب المنزل. ثم أمسكت هي الأخرى بيد جوهرة من جانبها الآخر وذهبن إلى المكتب الموجود في الحي المقابل للشارع الرئيسي.

وصلت ليالي وجوهرة إلى المكتب الذي يقع بين الدكاكين الصغيرة. بجانبه كان يوجد دكان أبو علي للخياطة، ومن الجهة الأخرى كانت هناك صيدلية. وأمام المكتبة، كان الطريق الرئيسي مزدحماً بالسيارات. دخلت جوهرة أولاً، وعندما رأت أبو مسعود، رحبت به قائلاً:

"السلام عليكم ."

كان أبو علي مشغولاً كعادته بعد المال ، فهو يدير المكتبة الوحيدة في تلك الأحياء الصغيرة، لكنه رد عليها قائلاً:

"وعليكم السلام يا طفلة، كيف حالكِ؟"

توقفت جوهرة بغضب، ونظرت إليه وقالت:

"أنا لست طفلة، لا تناديني هكذا."

ضحك الرجل وقال لها:

"حسناً، يا سيدة جوهرة، أليس هذا أفضل؟"

ابتسمت جوهرة وقالت:

"نعم، هذا أفضل، جدي."

ثم اقتربت منه وعانقته وقالت:

"جدي، تمنى الحظ الجيد لنا."

ضحك بصوت عالٍ، بينما كان يطبطب على ظهر حفيدته قائلاً:

"كل التوفيق."

لكن فجأة بدأ يركز في أم ليالي وهو يطبطب على ظهر حفيدته، وبدأت ضحكته تتلاشى. نظر إليها بقلق وقال:

"كيف حالكِ يا ابنتي؟ هل أنتِ بخير؟ هل يدكِ على ما يرام؟ في الأمس كانت بأفضل حال، ما لها اليوم؟"

حاولت أم ليالي أن تبتسم وقالت:

"السلام عليكم يا عم، إنها بخير، ولكن عندما كنتُ أطهو في الصباح، انسكب الحساء على يدي كما ترى، ولكن هي أفضل الآن."

ابتسم لها أبو علي ثم همس في نفسه:

"أنا متأكد أنه هو السبب. لن تقولي ذلك. لا أعلم كيف استطاعت هذه المرأة أن تتحمله حتى الآن. فلا أحد قادر على مواجهته أو تحمله. الله بعونكِ يا صغيرة، ضاع عمركِ لشخص لا يستحق جمالكِ وطيبتكِ."

بينما كان سارحاً في أفكاره، قطع حديثه صوت حفيدته جوهرة، التي قالت:

"هل غيرت كلمة المرور؟ لماذا لا يفتح؟ جدي، أتسمعني؟"

أجابها:

"نعم، نعم، أسمعكِ. لقد غيرها أحمد بسبب الأطفال الذين لا يفقهون شيئاً. يقصد لعب المراهقين في الأجهزة دون أن يدفعوا ما عليهم."

دخل شاب في العشرين من عمره، طويل القامة، نحيف الوجه، وهزيل الجسم، يحمل معه سلة قد رتب فيها ألعاب الفيديو الجديدة بعد أن اشتراها. قال له العم مسعود: "ها قد أتيت في الوقت المناسب، افتح لهم الكمبيوتر، لا أعرف كلمة السر الجديدة". رد عليه الشاب وهو يضع حمله على الطاولة التي بجانب الباب الزجاجي: "حسنًا يا عم".

وضع كلمة المرور، وبدأت جوهرة تدخل على موقع المنحة وتقدم بياناتها بأيدٍ مرتجفة. أغمضت عينيها وأمسكت بيد ليالي بيدها الأخرى، وبدأت تهمس لنفسها بدعاء: "يارب، أرجوك" وتكرره، وكلما تعيد كلامها، يبدأ قلبها بالدق أسرع. انفتحت بوابة الموقع بعد أن وضعت "موافق" على بياناتها، فصرخت ليالي من فرحها لصديقتها بعد أن كتب على واجهة الموقع: "لقد تم قبولك في المنحة الكورية في جامعة كوريا".

انفتحت عيون جوهرة دون أن تدرك ذلك، فقفزت من الكرسي وقالت بأعلى صوت: "لقد تم قبولي، باركوا لي!" اقترب منها جدها بكل حماس، وبدت السعادة على وجهه. احتضن حفيدته وقال لها: "مبروك يا حفيدتي الغالية، لقد تم قبولك. أشك بأنه حلم!" بادلته العناق وهي تقفز في حضنه من السعادة، وقالت: "وأنا أيضًا!"

بدأ كل من في المكتبة يبارك لها بقبولها. وفي وسط الفرحة التي هزت المكان، توقفت ليالي بجانبها، وأغمضت عينيها وقالت في نفسها: "يا رب، لقد تم قبول أختي وصديقتي. يارب، اجعل فرحتي فرحتين اليوم." اقتربت منها جوهرة وعلامات القلق على وجهها، وقالت لها لتطمئنها: "لا تقلقي، أشعر أننا سننجح كلانا." ابتسمت لها ليالي، ثم ابتعدت جوهرة عنها وجلست على الكرسي الذي كانت تجلس عليه، وبدأت بتقديم بيانات ليالي.

أغمضت عيونها وضغطت "موافق"، انفتحت عيونها، وفي هذه اللحظة نزلت دموعها، واسترجعت كل ما مرت به ليالي من أيام الطفولة. فقد عاشت معها كأختها أكثر من صديقتها، وكانت تحاول أن تخفي كل ما تمر به. نظرت إلى صديقتها التي كانت مغمضة العينين، ممسكة بيد أمها كأنها الدعوة التي دعت بها. ابتسمت وهي تجلس على الكرسي، وعرفت أم ليالي أنه قد تم قبولها. احتضنتها بكل ما أوتيت من قوة، لكن ليالي لم تدرك ما يحدث. شعرت للحظة بأنها هُزمت مرة أخرى، نزلت دموعها وهي ملزمة الصمت، فقالت في نفسها: "لقد خذلت مرة أخرى، إنه ليس من نصيبي."

حتى بدأت أمها تقول لها: "لقد مررت بالكثير يا صغيرتي، ولكن اليوم سيكون بابك لتغيري مستقبلك لكي لا يصبح كماضيكِ." أدركت ليالي في هذه الأثناء ما تقصده أمها، ابتعدت عنها وقالت بصوت مرتجف: "أتم قبولي؟" وعيونها تدور في كل زوايا المكتبة الصغيرة، حتى توقفت على وجه صديقتها التي كانت تهز رأسها وتبتسم. لم تستطع ليالي أن تعبر عن ما في داخلها، فقط اكتفت بحضن والدتها، تبكي بصمتها المعتاد. همست في أذن أمها: "لم أخذل هذه المرة يا أمي. لقد شعرت طوال حياتي بأن الفرح لم يكتب لي. خفت كثيرًا، أمي، أنني أخاف أن أكون في حلم. أرجو هذه المرة أن لا يكون حلمًا. أرجوك يا ربي، أن لا يكون ما أفكر به."

بادلتها أمها حضنها بكل قوة، وقالت لها: "هذه المرة يا طفلتي، ليس حلمًا، بل واقع. أرجو أن تبدأ حياتك بأن تصبح كجمال وجهك وقلبك الذي منحه الله لكِ." فذرفت دموعها دون أن تدرك مكانها.

وفي هذه اللحظة، بدأ كل من في المكتبة يتعاطف مع ليالي وأمها، ويصفقون قائلين: "إنه واقع، أتسمعين صوت التصفيق؟" ممازحين. ابتعدت ليالي عن أمها واحتضنت صديقتها التي كانت تقف بجانبها لتهنئتها بقبولها. قالت: "لولاكِ، لكنت الآن أندب على حظي المتعثر. في المرة القادمة، سأحرص على أن أثق فيكِ كما الآن." فردت عليها جوهرة: "وأنا سأحرص على أن أراكِ تبتسمين كما الآن، لأرى جمال ابتسامتكِ."

ابتعدت ليالي عن جوهرة، وبارك لها كل من في المكتبة، منهم أبو مسعود، فقال لها بصوته الحنون: "يا ابنتي، سأقول لكِ شيئًا وأتمنى أن تأخذيها كدرس صغير في حياتك السعيدة. القادمة أنتِ كجوهرة عندي، لقد كبرتِ معها، لقد حسبتكِ وسأبقى كحفيدتي الغالية. ربي الذي خلقكِ لن يخلق لكِ إلا الحظ الجيد، نحن البشر من نخلق الحظ السيئ لأنفسنا ولغيرنا. وأريدك أن تعرفي أن بعد العسر يسر، كما قال في كتابه الكريم. أتدركين ما أقول يا طفلة؟" أشارت برأسها نعم وابتسمت له، فقال لها وهو يمازحها: "الآن دعينا من الحزن، نريد الحلوى بمناسبة قبولك، ألا نستحق؟"

همست جوهرة في أذنها من الخلف وقالت: "أنا أيضًا أريد حلوى!" ضحكت ليالي ونظرت إلى أمها وقالت: "الكلام عند أمي، أتعلمين ذلك؟" هزت جوهرة رأسها، واقتربت من أم ليالي، وضعت يدها في يد أم ليالي، فنظرت إليها بجدية، وقالت بصوت هادئ يدل على جديتها: "خالتي، يجب أن تطعميني حلوى، أليس كذلك؟" هزت رأسها أم ليالي، فأردفت قائلة: "أمرك، لنذهب ونأكل حلوى."

خرجت الفتيات ممسكات بأيدي بعض، والفرحة تملأ كيانهن وكل ما يحيط بهن. ووقفت أم ليالي عند باب المكتبة تودع أبو مسعود، فقالت له وهي تحاول أن تقدم له المال لاستخدامها للكمبيوتر: "شكرًا يا عم، لقد قدمت الكثير من أجلي، لن أنسى معروفك. أريد أن أشكرك على كل ما قدمته لي ولابنتي، أنت أبٌ لي أكثر من أبي الحقيقي. وإن رحلت من هذا العالم، لن أكون قلقة على ليالي، لأنني أعلم أنك لن تتركها كما الآن. شكرًا كثيرًا يا أبي."

ابتسم لها وقال بصوت حنون: "ماذا تقولي يا ابنتي؟ ماذا قدمت؟ لم أقدم لكِ شيئًا، لقد جعلتكِ تعيشين مع هذا الوغد طوال هذه السنين، وجعلتكِ تعانين منه طوال هذه الأعوام. ليتني لم أقنع والدكِ ليزوجكِ به. سامحيني يا ابنتي، لم أدرك ما كنت أفعله."

أردفت أم ليالي بسرعة وهي تؤشر بعلامة الرفض: "ماذا تقول يا أبي؟ لم تكن أنت السبب. كان بإمكاني أن أرفض، لكن مشاعر المراهقة غير الناضجة هي من جعلتني أنخدع به، وهي من جعلتني أن أعيش معه لهذا اليوم. كل ما يتمناه قلبي الآن هو أن لا تعيش ليالي ما عشته. أريدها أن تصبح أفضل وأنضج، وكل شيء جميل يساندها في الحياة، هذا كل شيء."

لم يكن أبو مسعود يعرف ما يريد أن يقول، فهز رأسه وأردف: "ما ترينيه يا ابنتي." ودعته أم ليالي، وراحت تنضم إلى الفتيات اللاتي، كل من هبة ودبة في وجههن، يقلن له: "لقد تم قبولها في المنحة."

عند رجوعهن إلى الحي الذي تسكن فيه ليالي، راحت أمها تشتري الحلوى من دكان الحلويات الشهير الذي يقابل منزلها، وبدأت توزعها على كل من مر بجانبها، فتقول له بأن تم قبول ليالي وصديقتها في المنحة الكورية وأنهن سيصبحن طبيبات في المستقبل. بدأ الجميع يبارك، إلا امرأة كانت تقف بعيدًا عنهم، فقالت: "ماذا يجري اليوم يا جارتي العزيزة؟ من الغريب أن أراكِ تضحكين هكذا وتحتفلين. لم أركِ هكذا من قبل، ومن الغريب أكثر أن يكون الحظ معكِ اليوم. ماذا يجري هذا اليوم؟ ولكن، أقال لكِ أحد من قبل إن ابتسامتكِ مخيفة؟"

وقفت أم ليالي تنظر إليها دون أن تدرك، وقالت في نفسها: "لم تقل إلا الحقيقة، فلماذا أشعر بالحزن منها؟" كانت ليالي، كحال أمها، شعرت بأن هذه الفرصة ليست من حقها وأن السعادة ليست لأمثالها. لكن جوهرة لم تستطع أن تقف متفرجة، فقالت بصوتها العالي والواثق في وجه هذه المرأة: "إنني أشعر برائحة حسد وحقد"، وأكملت قائلة: "أتدرون ما سبب هذه الرائحة؟" فأجابت نفسها وهي تهز رأسها وقد وضعت يديها في جيبيها: "ابنها لم ينجح في قبول الجامعة بعد أن تم رفضه في جميع المنح والجامعات في البلاد."

أجابتها المرأة، التي كانت تشتاط غضبًا: "أنتِ فتاة بلا تربية، أتعلمين ذلك؟ والدك ليس برجل لأنه لم يكسر أنفكِ. وإن كان اليوم معكِ أنتِ وصديقتكِ، فلا يعني أنه سيكون دائمًا. وهي تعلم ما أقصده، ليالي وأمها، أليس كذلك?"

اقتربت منها جوهرة بسرعة، كأنها تريد أن تهجم على فريستها، ولكن وقفت أم ليالي في وجهها، وقالت لها: "إنها لا تستحق أن نعكر يومنا لأجلها، أليس كذلك، ابنتي؟" هزت جوهرة رأسها، ثم قالت بصوت مرتفع وهي تحدق في عيون المرأة التي بدأت تشعر بالخوف: "سأصمت لأجلكِ فقط يا خالتي، ولكن أنتِ يا حسودة ويا حقودة، أبي رباني على أن أرفع رأسي عاليًا. أبي رباني على أن لا أصمت في وجه الحق، وأن أقوله، وأن لا أكره الناس، وأن لا أتحدث من خلف ظهورهم، وأن أحب للآخرين ما أحب لنفسي. ولكن أنتِ، ماذا تعلمتِ؟"

صرخت المرأة وقالت وهي تدخل جحرها: "أتمنى أن لا تدوم عليكم سعادة هذا اليوم فقط لأنني لا أشعر أنه في يوم سعيد آخر في حياتكن." دخلت المرأة، وبدأ الحي يشوبه الهدوء التام بعد أن غادرت هذه المرأة الحاقدة على أم ليالي منذ زمن. لم تدم لحظة الهدوء طويلًا حتى جاءت أم أحمد ممازحةً أم ليالي: "ما هذه المرأة الكئيبة اليوم؟ وأمس أيضًا، أشعر أنها تريد أن تأخذ حلوى، ولكن ما دام ابنها لم ينجح في القبول في أي مكان، كيف ستأخذها؟ حسنًا، ماذا نفعل؟ يجب أن تعلم ابنها لكي تأخذ حلوى مثلكِ، أليس كذلك يا أم ليالي?"

ابتسمت أم ليالي في وجهها وأكملت: "مبارك فرحتكِ في ابنتكِ، أشعر أنني سأزيد عشرة كيلو اليوم، أليس كذلك؟" وبدأت تضحك بصوتها العالي، فبدأ الجميع في الحي الصغير يضحك معها.

أجابتها أم ليالي بعد أن نسيت ما حدث قائلة: "وماذا سيحدث إن زدتِ عشرة؟ أنتِ جميلة بجميع أحوالك." اقتربت من أم أحمد وقدمت لها الحلوى، فقالت: "الله يبارك فيكِ يا صديقتي العزيزة." هزت رأسها أم أحمد وقالت: "من المؤسف، لا أستطيع أن أكمل احتفالي معكن، يجب علي الذهاب." ودعت أم ليالي وعادت إلى منزلها، وبدأ الجميع في العودة إلى منازلهم.

دخلت أم ليالي وليالي إلى المنزل، بينما ذهبت جوهرة تركض للاحتفال مع أهلها.

بعد مرور ثلاث ساعات، وفي تمام الساعة الثامنة مساءً، عاد أبو ليالي يمشي ببطء وهو يلتهم سيجارته ويدمدم بكلام غير مفهوم، وملابسه مغطاة بزيت السيارات. عندما كان يمشي، استوقفه الناس وبدأوا يباركون له، لكنه لم يدرك عن ماذا كانوا يتحدثون. توقف قليلاً ليحاول أن يستذكر أو يعرف عن ماذا يتكلمون، لكن دون جدوى. حتى خرجت المرأة الحاقدة، أو أم علي كما يصفها الناس، كانت ممسكة بغطة السفرة لتنفضها، لكن لم تكن نيتها كذلك، فهي كانت تستخدمها كحجة لتخرج وتتحدث معه. هي تعلم يقينًا بأنه لم يكن يعلم عن موضوع تقديم ليالي للمنحة الكورية أو قبولها، فهي تعرف ماذا قد يحدث إذا علم بذلك.

قالت له بصوتها الخبيث: "السلام عليكم يا جار، كيف الحال؟ من الجميل رؤيتك، لنبارك لك بابنتك الوحيدة، أليس كذلك يا جار؟"

استدار إليها بسرعة بعد أن كان قد أعطاها ظهره، فقال بتساؤل: "عن ماذا تتحدثين؟ ومن الغريب هذا السلام الذي لا أرى فيه خيرًا، يا جارة."

ردت عليه بعد أن وضعت غطة السفرة على المِشَر الذي كان يجاور حائط منزلها، واقتربت قليلاً، وقالت بخبث: "أشعر بأنك لا تعلم عن شيء، أليس كذلك؟ أو أنه كان من المفترض أن تكون مفاجأة أعدتها ابنتك وامها؟ أنا آسفة إن كانت كذلك."

لم يكن يعلم عن ماذا تتحدث، فارتسمت علامات الغضب على وجهه وتمعن في عيون المرأة الحاقدة. ثم أمسكها من ثوبها بغضب وقال بصوته الذي يخشاه الجميع: "عن ماذا تتحدثين؟ إنها المرة الأخيرة التي أسالك بها."

وضعت يدها فوق يده وقالت: "مبروك، ابنتك ستسافر لكوريا لتصبح طبيبة. لقد تم قبولها في المنحة الكورية."

بعد أن أنهت كلامها، انفضت يديه من ثوبها وابتعدت عنه قليلاً، وأكملت: "اذهب واغضب على من يعملون وراء ظهرك يا من لا يستطيع أحد أن يقف أمامه."

وقف ينظر إليها وهو يعلم بأنها لن تكذب، لأنها تكره زوجته بسبب زواجها منه فقط، حيث كانت تعشقه عندما كانت صغيرة لكنه لم يكن يعطيها أي انتباه. قالت له وهي تراه غارقًا في تفكيره: "لا تحزن، أعلم أنه شعور سيء أن تكون لا تعلم في وسط يعلم عن كل شيء."

لم يرد عليها، فذهب يمشي بغضب وكأنه قنبلة، إن مسكه أحد سينفجر. وقفت المرأة تنظر إليه وتضحك، وقالت في نفسها: "لم أفعل شيئًا، هي من أرادت أن تلعب معي."

في هذه الأثناء، كانت ليالي وأمها تعدان العشاء ويستمعان إلى الأغنية المفضلة لديهن، فيغنيان معها "سنفرح اليوم كأنه آخر يوم لنا"، ويرقصن معًا في المطبخ الصغير. لكن، لم يكن هناك جانب من الفرح معهن، فهن لا يعرفن كيف سيخبرن الأب بهذا الخبر. توقفت ليالي، بعد أن كانت ترقص من كل قلبها وتغني، حيث التهم القلق قلبها، وقالت لأمها: "أمي، كيف يجب أن نخبره؟ أنا خائفة من ردة فعله، أشعر بأنه لن يصمت على هذا، فهو لا يحب أن نعمل شيئًا دون علمه. ماذا إن رفض أو فعل شيء مجنون؟ أنا خائفة منه، أمي."

اقتربت منها أمها وعانقتها كأنها تريد أن تسحب القلق من قلب ابنتها لقلبها، وقالت: "لن يحدث شيء، أعدكِ. سأجعلكِ تذهبين، وإن كان على دمي. أعديني يا طفلتي بأنكِ لن تستسلمي أو تتوقفي عن حلمك."

قالت ليالي، وهي غاضبة: "ماذا تقولين؟ سنذهب معًا. لا أحب أن أسمع هذا الكلام."

توقفت أمها، تنظر إليها وقالت: "حسنًا، يا صغيرة، ولكن يجب أن تعرفي أن الموت حق، والجميع سيموت في اليوم الذي يريده الله، أليس كذلك?"

راحت ليالي تمشي وهي حاملة الشموع لتضعهما على النافذة، فمن الممكن أن تنطفئ الكهرباء اليوم في الحي الصغير. وضعت الشموع وأغلقت النافذة لأنها شعرت بالبرودة القارسة. فعادت إلى المطبخ وأخذت الصحن من يد أمها، فتمعنت في عيونها وقالت: "أمي، في اليوم الذي سيأخذك فيه الله، سيأخذني معك، حسنًا، أمي?"

راحت لتضع الصحن على طاولة الطعام، فاتبعتها أمها وأخذت منها الصحن، ووضعته على الطاولة بنفسها وقالت: "لا تقولي هكذا، هذا أولًا. ثانيًا، لننسَ أمر هذا الموضوع، حسنًا?"

هزت ليالي رأسها وأمسكت بيد أمها، ليعودا إلى الرقص على ألحان الموسيقى الصاخبة، وبدأت الضحكات تعلو في المنزل السعيد في هذا اليوم. لكن، لم تدم هذه السعادة كالعادة.

وصول أبو ليالي إلى المنزل فتوقف عند الباب، وأمسك بمقبضه ووضع رأسه عليه وهو يستمع إلى صوت الموسيقى من الداخل. فتح الباب بقوة فارتطم بالحائط رأى زوجته وابنته يرقصان دون أن تنتبها. ضحك بصوت عالٍ، فتوقفت أم ليالي لتنظر إلى الرجل الذي أصابته حالة من هستيريا الضحك، فلم يستطع التوقف. علمت أنه قد عرف. سحبت ابنتها خلف ظهرها وأمسكت بيدها.

دخل الرجل الغاضب وأغلق الباب خلفه، ثم اقترب من التلفاز وأمسك بالجهاز لعلي الصوت. بدأ يرقص كالمجنون، ثم اقترب من أم ليالي وبدأ يرقص معها، ثم أسقطها على الأرض. أمسك بيد ابنته وبدأ يرقص معها هي الأخرى. وبعد دقائق قليلة، توقف وهو ممسك بيد طفلته، فقال لها: "مبروك يا صغيرتي"، وهو يمسد شعرها. وأضاف قائلاً: "لقد فعلتِ شيئًا لم أستطع فعله". ثم رمى يدها بقوة من يده وأعطاها صفعة جعلتها تسقط على الأرض، وهي تنظر إلى أمها وكأنها تقول: "أترين يا أمي؟ لن يتركنا، فهو أكسجيننا، وحتى إن متنا، سيأتي ليلحق بنا".

أغمضت عيونها وبدأت دموعها تتساقط على خديها. لم تستطع أم ليالي النظر إلى ابنتها، فأغمضت عيونها بكل قوة وهي ساقطة على الأرض هي الأخرى. في هذه الأثناء، وقف أبو ليالي ينظر إليهن وبدأ يصرخ، ثم رأى صحن الحساء الحار وأسقطه على ليالي عمدًا. فبدأت تصرخ من الألم. نزل مقرفصًا على ركبتيه وقال لها وهو يصرخ في وجهها، بعد أن أمسك بشعرها بيده القوية "يؤلمك، أليس كذلك يا ابنتي؟ أشعر، وأنا أعلم علم اليقين، بأنك أنتِ ووالدتُكِ، الكلبة كما أصفها، تعرفون أنني أكره من يعمل من وراء ظهري، أليس صحيحًا؟" فصرخ في وجهها: "أجيبي!"، بعدما شد شعرها بقوة أكثر. هزّت ليالي رأسها إشارةً إلى أنها تعلم، فقال بهدوء قبل أن تهب العاصفة: "أجل، لماذا قدمتِ على المنحة؟ أتريدين أن أخبركِ، حسنا سأقول. قلتِ أنتِ ووالدتُكِ: هكذا ستتخلصين مني. ولكن هيهات لحلمكِ أنتِ ووالدتكِ!"

ثم ترك شعرها ووقف على قدميه، وبدأ يجمع كل شيء من حوله ويرميه عليها وعلى أم ليالي. لم تستطعان أن تفعلا شيئًا، فقد كان يضربهما ويرمي الأشياء ليرضي ضميره بعد أن شعر أنه كسر كبريائه أمام الحيّ. في اعتقاده، توقف قليلًا ليأخذ نفسًا في وسط المنزل المبعثر، ثم صرخ قائلاً: "كيف تعملون من خلفي؟ لن أجعلكِ تعيشين يوماً آخر، يا صغيرتي!" ثم ركض مسرعًا تجاه المطبخ. خرج بسرعة وهو ممسكٌ بسكين في يده، فاقترب من ليالي وأمسكها من يدها وأوقفها على قدميها المرتجفتين من الألم. ثم أمسك بشعرها ليطعنها بالسكين، فكان كرامته فوق حريته .

في هذه الأثناء، كانت أم ليالي فاقدة للوعي، لكنها بدأت تفتح عينيها بعدما سمعته يقول بأنه سيقتلها. وقفت على قدميها المرتجفتين، وأمسكت بالمطرقة التي كانت قريبة من رأسها، ثم ركضت نحوه وضربته على يده التي كانت ممسكة بالسكين. فأسقطت المطرقة على الأرض وعانقت ابنتها، لتشعر بما فعله بها. بدأ يصرخ من الألم وسقط على الأرض، ثم قال وهو يصرخ: "لن أجعلكِ تكملين حياتكِ أنتِ وابنتكِ بعد اليوم!". ثم وقف على قدميه واقترب من أم ليالي، وأمسكها من شعرها بيده الأخرى، وراح يضرب رأسها في الحائط المجاور للنافذة. لم تستطع ليالي التوقف عن النظر إلى أمها وهي تُضرب، وشعرت أن اليوم قد يكون آخر يوم في حياة أمها. خافت، فركضت نحوه وبدأت ترمي الأشياء عليه، محاولًة أن تفلت شعر أمها من يده، ولكن دون جدوى. فقررت ضربه على يده المصابة، فأسقطها على الأرض، ثم أمسك بها وبدأ يضربها وهو يصرخ كالمجنون: "كيف تجرئين أنتِ ووالدتكِ؟". ثم رماها على النافذة، فسقطت الشمعة على الأرض المليئة بالخشب المقطع والزجاج المكسر والأقمشة المتشققة بعدما ألقى فيها ليالي ووالدتها.

بدأ البيت بالاشتعال سريعًا. ركضت ليالي لتحمل أمها المغشي عليها، محاولًة إيقاظها، ولكن دون جدوى. بدأت تصرخ وسط النيران المشتعلة:" أمي، استيقظي أرجوكِ أرجوكِ ، أمي، انتِ قلتِ لي أنك ستذهبين معي ". انهارت من البكاء ، لكنها لم تتوقف عن المحاولة لإنقاذ أمها أمسكت بها من قدميها محاولًة سحبها نحو الباب في هذه حاول والدها الهرب ولكنه لم يستطع فكان الباب مشتعلاً بالنيران، فابتعد عن الباب وبدأ يصرخ طلبًا للنجدة، لكن رئتاه لم تستطيعا التحمل أكثر بسبب ضعفهها الناتج عن تدخينه الشره. لم يتحمل طويلاً فسقط على الأرض كالجثة الهامدة.

في الخارج، بدأ الناس، كبارًا وصغارًا، يحاولون إطفاء النيران باستخدام الماء المعبأ في سطول صغيرة، لكن محاولاتهم كانت غير مجدية. وبعد وقت طويل، وصلت سيارات الإطفاء، التي تأخرت بسبب ضيق الممرات. ابتعد الناس عن المنطقة وبدأ رجال الإطفاء في عملهم، حيث كان ستة من رجال الإطفاء ممسكين بخراطيم المياه، وثلاثة منهم دخلوا لإنقاذ من في المنزل المشتعل.

عند دخولهم، وجدوا ليالي هي الوحيدة الواعية، جالسة في الغرفة الصغيرة على يسار المنزل، وفي حضنها أمها. كانت تبكي وتقول بصوتٍ يعج بالشهقات ودموعها التي لا تتوقف: "أمي، استيقظي! ماذا تفعلين؟ لا تتركيني، أين ستذهبين؟ لن تدعيني وحدي أليس كذلك؟ أمي، أرجوكِ!" ثم كررت كلامها مجددًا.

اقترب منها أحد رجال الإطفاء ليحملها، لكنها رفضت بشدة. بدأت تدفعه بعيدًا عنها، وقالت له: "سأذهب مع أمي، لن أخرج. أمي هنا، هي وعدتني بأننا سنعيش معًا."

"حياة سعيدة! كيف سأتركها هنا بين النيران؟" فجهشت بالبكاء. فقال لها رجل الإطفاء بعد أن أزال أمها من حضنها: "سأخرجها بعد أن تخرجي، أعدك. لكن الآن دعينا نخرج." بدأت تضربه وتدفعه بجسمها الهزيل، لكن دون فائدة. حملها ووضعها بين يديه، ثم ركض بها للخارج. وضعها بعيدًا عن النيران وهي تصرخ، أرادت العودة فبدأت تركض تجاه المنزل المشتعل. لكن رجل الإطفاء وقف في طريقها محاولًا منعها، ولكن نفذت طاقته.

رأتها جوهرة وهي تحاول الدخول، فركضت إليها. هي ووالدها كانا يحاولان تخفيف ألمها، لكن ليالي لم تستطع التوقف عن الركض. كانت تركض هنا وهناك فيمسكونها من هنا وهناك، فتصرخ عليهم محاولة دفع أيديهم بعيدًا. وتقول وهي تبكي وتجهش "اتركوني! أريد أن أكون معها! إنها تتألم! لماذا يجب أن تتألم أمي هكذا؟ لماذا سعادتي تنتهي دائمًا بالبكاء؟ أريد أن أذهب معها! أرجوكم، اتركوني، اتركوني!"

مسكها جد جوهرة من يدها وضربها على وجهها، وقال: "كيف تذهبين إلى هناك؟ إنه مشتعل! أمك تريدك أن تعيشي، أمك طوال حياتها وهي تحاول من أجلِكِ، تحاول أن تشتري لكِ السعادة. لن أدعك تذهبين وتُهدرين جهودها هكذا! استيقظي يا ليالي!" بدأ يبكي معها واحتضنها بقوة، وقال: "إنها ابنتي قبل أن تكون أمك، ما تعيشينه الآن، أنا أيضًا أعيشه، هل تعلمين ذلك؟"

سقطت ليالي على الأرض وهي تبكي، وتوقفت عن المحاولة. قالت: "لقد شعرت بأنه سيفعل شيئًا، قلت لها لكن طمأنت فوائدي للحظة، لكن الآن ماذا؟" ابتعد جدها أبو مسعود، بينما اقتربت جوهرة منها واحتضنتها بقوة، ثم بدأت تبكي معها. لكنها لم تستطع أن تتحمل، فغابت عن وعيها في حضن جوهرة. بدأت جوهرة تصرخ لسيارات الإسعاف ليكشفوا عليها . اقتربت منها الطبيبة التي كانت مع سيارات الإسعاف، وبدأت تقيس نبضها وضغط دمها، ثم صرخت على المسعفين للاستعجال، فقد بدأت دقات قلبها تنخفض. وضعوها على السرير المتحرك، وركبوها في سيارة الإسعاف، وركبت معها أم ليالي، بينما كان جوهرة وجدها في سيارتهما ليلحقوا بها إلى المستشفى.

بعد دقائق، وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى، فأدخلوها غرفة الإنعاش. وصلت جوهرة وركضت دون نعال إلى الغرفة التي فيها ليالي. توقفت عند باب الغرفة، رفعت يديها إلى الأعلى وقالت: "ربي، يا ربي، أرجوك احميها، أرجوك انقذها، أرجوك ساعدها." خرجت الطبيبة واقتربت منها عائلة جوهرة، فبدأوا يسألونها عن حالة ليالي. قالت الطبيبة مطمئنة: "إنها بخير، لكنها تحتاج للراحة الآن."

قالت جوهرة وهي ممسكة بيدها: "أستطيع أن أدخل لأراها؟" قالت لها الطبيبة وهي تهز رأسها: "نعم، ولكن بعد أن ينقلوها إلى غرفة أخرى." أزالت جوهرة يدها عن يد الطبيبة وقالت: "شكرًا كثيرًا، شكرًا." ثم احتضنت أمها وقالت: "إنها بخير، أمي. أنا خائفة عليها، أرجو أن تستيقظ في أسرع وقت." وقفت أمها تطبطب عليها وقالت: "إنها بخير، عزيزتي، ولكن يجب أن تنتظري قليلاً، حسنًا؟"

في اليوم التالي، وفي الصباح الباكر، فتحت ليالي عينيها للمرة الأولى دون أن ترى وجه أمها. بدأت تحرّك رأسها وتحاول الجلوس، فرأتها أم ليالي واقتربت منها قائلة بلطف:

"ماذا تفعلين يا صغيرتي؟ يجب أن ترتاحي."

لكن ليالي، وهي تحاول إنكار ما يخبرها به عقلها، ردّت بإصرار:

"أريد رؤية أمي... إنها بحاجة إليّ."

استيقظت جوهرة هي الأخرى بعد أن نامت على الكرسي الصغير، تنتظر استيقاظ أختها وصديقتها بعد بكاء طويل. نهضت مسرعة نحو ليالي، محاولة منعها، وقالت بقلق:

"يجب أن ترتاحي الآن."

لكن ليالي بدأت تصرخ بانفعال:

"أريد رؤية أمي!"

هرعت الطبيبة إلى الغرفة برفقة الممرضة، ثم قالت بحزم:

"دعوا الجميع يخرج الآن."

خرجت جوهرة ووالدتها إلى الخارج، وما هي إلا لحظات حتى ركض والد جوهرة وجدها نحو الغرفة بقلق لمعرفة ما حدث. نظر الجد إلى جوهرة، التي كان القلق واضحًا على وجهها، فسألها بلهفة:

"ماذا حدث؟"

أجابته جوهرة بصوت مرتجف:

"ليالي تريد أن ترى أمها."

تنهد الجد بحزن، ثم قال بحزم:

"نعم، يجب أن تراها."

اتجه مسرعًا نحو الغرفة وطلب من الطبيبة قائلًا:

"دعوا ليالي ترى أمها... للمرة الأخيرة."

رفضت ليالي تناول المهدئ، فوافقت الطبيبة على ذلك. دخل الجد أبو مسعود إلى الغرفة واقترب منها، ليجدها جالسة في زاوية الغرفة تبكي بحرقة، ممسكة بمقص بعد أن رفضت الاستلقاء على السرير.

نظر إليها بحنان وسألها:

"ماذا يجري، يا صغيرتي؟"

صرخت ليالي بغضب، ودموعها تغمر عينيها:

"أنت أيضًا لا تريدني أن أرى أمي، أليس كذلك؟!"

حاول الجد الاقتراب منها، لكنها رفعت المقص وقالت بتحذير:

"إن اقتربت، سأضعه في قلبي!"

صرخ الجد بفزع:

"ماذا تقولين؟! لا، لا يا ليالي! لقد جئتُ لأخذكِ لترين والدتك."

نظرت إليه بعينين دامعتين، وقالت بصوت مرتعش:

"إذًا، لماذا يريدون إعطائي مهدئًا؟ أنا أعلم بذلك!"

كانت الطبيبة واقفة خلف الجد، فتقدمت وقالت بهدوء:

"لا، لن أعطيكِ أي مهدئ... لأنني أريدكِ أن تري والدتك أيضًا."

ثم التفتت إلى الممرضة، التي وضعت الإبرة في الصحن وخرجت من الغرفة، مغلقة الباب خلفها.

في الخارج، حاولت جوهرة ووالدتها الدخول، لكن الممرضة منعتهم بناءً على طلب الطبيبة والجد.

داخل الغرفة، وبعد أن رأت الممرضة تغادر، نظرت ليالي إلى جدها أبو مسعود، ودموعها لا تزال تنهمر، ثم قالت بصوت متقطع:

"أرجوك... دعني أراها."

دون أن تدرك، أفلتت المقص من يدها. اقترب الجد منها وأجلسها على الكرسي المجاور للسرير، ثم وضع يده على رأسها ومسح شعرها بحنان، وقال:

"سأدعكِ ترينها، لكن يجب أن تعديني بشيء."

هزّت ليالي رأسها موافقة، فتابع الجد بصوت هادئ:

"لن أكذب عليكِ... هذه ستكون المرة الأخيرة التي ترين فيها والدتك، لكن عليكِ أن تكوني قوية، وأن تحافظي على ما أرادته منكِ. هل تعلمين ما هو؟"

بدأت ليالي بالبكاء بحرقة، حتى تبلّل قميص المستشفى بدموعها، ثم صاحت بألم:

"لماذا لم تجعلوني أذهب معها؟! كان من الأفضل أن أرحل معها... لا أريد شيئًا بعد الآن... ليس لديّ أحد... لقد أصبحت وحيدة... لقد ذهبت حياتي معها... كانت كل ما أملك!"

أمسك الجد أبو مسعود يديها برفق، وضمهما إلى صدره بحنان، ثم قال بصوت دافئ:

"ماذا تقولين، يا ابنتي؟! أنتِ لستِ وحيدة... أنا معكِ، وجوهرة ووالدها ووالدتها معكِ أيضًا... لن نترككِ أبدًا."

نظر إليها الجد أبو مسعود بحزن، وقال بصوت هادئ:

"وكيف لي أن أدعكِ تذهبين؟! أنتِ كنتِ أملها... لقد كانت تعمل من أجلكِ. أتدرين؟ قبل صدور نتيجة القبول، جاءت إليّ وأخبرتني أنها تعلم أن والدكِ لن يسمح لكِ بالذهاب، وأنه سيفعل شيئًا بحجة كبريائه، وربما تفعل شيئًا هي الأخرى لحمايتكِ. لقد كانت تعرف ما سيحدث."

رفعت جوهرة رأسها من بين ذراعيه، وعيناها ممتلئتان بالدموع، ثم صاحت بغضب وألم:

"إذًا، لماذا لم تمنعه؟! لماذا لم تحاول حمايتها؟! لماذا لم تصل في الوقت المناسب لإنقاذها؟!"

تنهد الجد بحسرة، ثم وضع رأسه على رأسها قائلاً بأسى:

"لقد حاولتُ، يا ابنتي... قلتُ لها أن لا تعودوا إلى المنزل في ذلك اليوم، لكنها رفضت. أخبرتني أنها لا تستطيع الهرب، لأنها إن فعلت، فقد يدفعه ذلك إلى الجنون تمامًا. لقد حاولتُ، لكن أمكِ كانت عنيدة مثل والدها. أنا آسف، يا صغيرتي... كان من الممكن أن أمنعها، لكنكِ تعرفينها، لم تكن تستسلم بسهولة."

رفع رأسه عنها برفق، ثم أمسك بوجهها بين يديه، وقال بحزم:

"انظري إليّ، صغيرتي... لقد فعلت كل هذا لكي تعيشي."

أجابت جوهرة وهي تشهق بين دموعها:

"لا أريد أن أعيش! ولن أذهب إلى هذه المنحة المنحوسة! نعم، صحيح أنني قُبلت بها، لكن في المقابل، فقدتُ أمي كتعويضاً لها ! لن أذهب!"

نظر إليها الجد بغضب، ثم قال بصوت صارم:

"لن أسمح لكِ برمي جهود والدتكِ هباءً، جوهرة! ستذهبين، غصبًا عنكِ إن لزم الأمر! وإن اضطررتُ، سأذهب معكِ، هل تفهمين؟! أمكِ، ابنتي، ماتت حتى تحصلي على هذه الفرصة! أتسمعينني؟!"

بدأت ليالي تبكي بحرقة، وعلت شهقاتها أكثر فأكثر، فضمّها الجد أبو مسعود إلى صدره، وراح يربّت على ظهرها بحنان، قائلاً بصوت دافئ:

"يجب أن تكملي... يجب أن تحققي حلمها. إن كنتِ لا تريدين ذلك من أجلكِ، فافعليه من أجلها. لا تجعلي جهودها تضيع سدى، حسنًا، صغيرتي؟"

هزّت ليالي رأسها وهي في حضنه، موافقة دون كلام.

في تلك اللحظة، اقتربت الطبيبة وهي تمسك بكرسي متحرك. عندها، أبعد الجد أبو مسعود رأسها عنه بلطف

نظر الجد أبو مسعود إلى ليالي بحنان، ثم قال بصوت هادئ:

"الآن ستذهبين لرؤية والدتكِ، لكن يجب أن تكوني قوية... فهي تراكِ، حسنًا؟"

هزّت ليالي رأسها موافقة، فرفعها برفق لتجلس على الكرسي المتحرك. جلست بصمت، فقال لها:

"امسحي دموعكِ... أنتِ ابنة أمكِ، لا تنسي ذلك، حسنًا؟"

استجابت لكلامه، وحاولت مسح دموعها التي لم تتوقف. بعدها، بدأ الجد أبو مسعود يدفع الكرسي خارج الغرفة.

في الخارج، أرادت جوهرة أن تقترب وتسألها عن حالها، لكن الجد هزّ رأسه، مشيرًا لها بعدم الاقتراب. فهمت ما يقصده، فوقفت في مكانها تراقب صديقتها الذابلة، التي لم تتوقف دموعها، لكنها كانت تحاول أن تكابر وتتماسك.

واصل الجد دفع الكرسي المتحرك عبر الممرات حتى وصل إلى الغرفة التي يصفها الناس بـ"المخيفة". عند الباب، جلس مقرفصًا على ركبتيه أمام ليالي، ومسح على رأسها بحنان، ثم قال:

"لا تنسي ما قلته لكِ، حسنًا، صغيرتي؟"

هزّت رأسها موافقة، فنهض وأمسك بالكرسي المتحرك، ثم دفعها إلى الداخل. فتحت الطبيبة الباب، فدخل الجد وهو يدرج الكرسي في الغرفة المليئة بمن فارقوا الحياة.

تقدّم حتى وصل إلى نهاية الغرفة، حيث كان هناك سريران: واحد على يسارها والآخر على يمينها. توقّف عند السرير الموجود على اليمين، ثم ابتعد عنها، تاركًا لها لحظاتها الأخيرة مع والدتها.

بدأت ليالي بالبكاء، ثم نادت بصوت مرتجف:

"أمي... أهذه أنتِ؟ أمي، هل تسمعينني؟ لماذا لا تردّين؟! هذه ليست عادتكِ! كنتِ تردّين عليّ قبل حتى أن أنطق باسمكِ..."

تقطّع صوتها بين شهقاتها، ثم تابعت بانهيار:

"ماذا تفعلين؟! قلتِ لي إننا سنذهب معًا، وإننا سنعيش حياةً أفضل بعد قبولي في المنحة! إذًا... لماذا رحلتِ؟! أرجوكِ، ردّي عليّ... لا أريد أن أعيش دونكِ!"

نهضت من الكرسي ببطء، ورفعت القماش الأبيض الطويل عن وجه والدتها. بدأت تتحسّس ملامحها بيديها المرتجفة، وكأنها تريد أن تحفظ تفاصيلها للأبد. وضعت رأسها على صدرها، تستنشق رائحتها للمرة الأخيرة، ثم نامت فوقها دون أن تدرك.

مرّت نصف ساعة، واقترب الجد أبو مسعود منها. مدّ يده، وبدأ يمسح على شعرها برفق، فاستيقظت عندما شعرت بلمسته الدافئة.

سألها بصوت خافت:

"هل أنتِ بخير، يا ابنتي؟"

هزّت رأسها، فقال بهدوء:

"يجب أن نذهب الآن."

نظرت إلى والدتها للحظة، ثم همست:

"حسنًا..."

انحنت ببطء، وقبّلت جبين والدتها للمرة الأخيرة، ثم أعادت القماش على وجهها. أدخلت يدها في يد والدتها للحظة، كأنها تودّعها بصمت، ثم جلست مجددًا على الكرسي المتحرك.

مسحت دموعها، ثم التفتت إلى جدها وقالت بصوت هادئ لكنه مثقل بالحزن:

"جدي... لنخرج."

أومأ الجد برأسه بصمت، ثم دفع الكرسي خارج الغرفة، تاركًا خلفهم المكان الذي سيمر به كل البشر ذات يوم...

بعد مرور شهر ...

بعد مرور شهر، وفي صباح مشرق، استيقظت جوهرة بحماس. التفتت إلى الفتاة التي كانت بجانبها، وبدأت تداعبها، قائلة:

"ألن تستيقظي اليوم؟"

فتحت ليالي عينيها ببطء، ثم قالت بنبرة هادئة:

"أعلم أنه اليوم... أنا مستيقظة، كُفّي عن ذلك يا فتاة!"

هزّت جوهرة رأسها ضاحكة، ثم قفزت من السرير وركضت باتجاه الحمام، وهي تقول بحماس:

"سنسافر اليوم! أشعر بسعادة كبيرة، ألا تشعرين مثلي؟"

نهضت ليالي من سريرها هي الأخرى، وبدأت في ترتيب الفراش. اقتربت منها جوهرة وأخذت منها الغطاء، ثم قالت بمرح:

"ألا تسمعينني؟"

نظرت إليها ليالي وقالت بابتسامة خفيفة:

"أنا أسمع وأرى، والحمد لله."

ردّت جوهرة وهي تساعدها في ترتيب الفراش:

"أرى ذلك!"

في تلك اللحظة، دخلت أم ليالي، قائلة:

"تعاليا إلى الفطور بسرعة، لم يعد هناك وقت! جهّزا أنفسكما فوراً."

بعد ساعة، خرجت ليالي من الغرفة، ثم توجهت إلى المطبخ لمساعدة والدة جوهرة. ألقت التحية قائلة:

"السلام عليكم يا خالتي، كيف يمكنني مساعدتك؟"

ابتسمت أم جوهرة، وهي تمسك بصحن مليء بالخيار وآخر يحتوي على زيت الزيتون، ثم قالت:

"لقد انتهيت يا ابنتي، لكن إن أردتِ، يمكنكِ إحضار صحن الزعتر من الثلاجة وصبّ الشاي، وبعدها نكون جاهزين."

بعد أن وضعت الصحون على الطاولة، جلس الجميع لتناول الفطور، ما عدا جوهرة. عندها، علّق الجد أبو مسعود قائلاً بنبرة مازحة:

"ما بال هذه الفتاة؟ ألا تستطيع إنهاء تجهيز نفسها بسرعة؟"

في تلك اللحظة، خرجت جوهرة وهي تعدّل شعرها، وقالت مبتسمة:

"لقد سمعتك أيها الجد!"

ضحك الجد وقال ممازحًا:

"لذلك قلتها!"

جلست جوهرة على الطاولة، وبدأ الجميع في تناول طعامهم. في أثناء ذلك، كانت ليالي تنظر إليهم بصمت، تتأمل كيف أنهم عائلة مترابطة ومتماسكة، بينما هي تشعر بالوحدة بينهم. فجأة، انزلقت دمعة من عينها دون أن تنتبه.

لاحظ الجد أبو مسعود ذلك، فأمسك بيدها بحنان، ثم سألها بصوت دافئ:

"ابنتي، هل هناك شيء يزعجكِ؟"

مسحت ليالي وجهها سريعًا، ثم قالت متظاهرة بالتماسك:

"لا، لا يوجد شيء... أنا بخير."

نظرت إلى الساعة، ثم قالت بقلق:

"أشعر أننا تأخرنا!"

التفتت أم جوهرة هي الأخرى إلى الساعة، وعندما أدركت الوقت، هرعت نحو الغرفة قائلة بسرعة:

"لا تشعري بذلك يا ابنتي، لأننا بالفعل تأخرنا!"

قام الجميع عن الطاولة مسرعين، يركضون لجمع أغراضهم استعدادًا للمغادرة. توجهت أم ليالي لإحضار الجوازات، بينما ذهب والدها لوضع الحقائب في السيارة، أما الجد أبو مسعود فتوجه لإحضار مفتاح السيارة.

بعد ساعتين من الطريق الطويل، وصلوا إلى المطار، وأتمّوا جميع الإجراءات الأولية. ثم وقفوا يودّعون الفتاتين. اقترب والد جوهرة منهما، ثم قال بنبرة مازحة وهو يربّت على رأسها:

"انتبهوا لأنفسكم، ولا تنسِ يا طفلتي الصغيرة... هل ترين وجهي اللطيف هذا؟ لا تدعيني أراكِ لمدة سنة، أرجوكِ، لأنني أشعر بأنهم سيطردونكِ بعد أيام قليلة!"

اقتربت جوهرة من والدها وهمست بصوت منخفض مليء بالتحدي:

"لن أعود! سترى أنهم لن يطردوني، أعدك بذلك."

نظر إليها والدها مبتسمًا، ثم قال:

"إن لم تفتعلي المشاكل يا ابنتي العزيزة..."

ثم التفت إلى ليالي، ونظر إليها بحنان، وقال:

"ابنتي، إنني أضع أملي بكِ... كل التوفيق لكِ، وأيضًا شيء آخر-بالتوفيق مع هذه المجنونة! سأرتاح منها لسنة كاملة، والله يكون في عونكِ يا صغيرتي!"

رسمت ليالي ابتسامة خفيفة على وجهها، ثم ردّت بثقة:

"بما أنها معي، لن تستطيع أن تفعل شيئًا، أعدك!"

ضحكت أم جوهرة وهي تربّت على ظهر ليالي، ثم قالت:

"لأول مرة، أوافق على ما يقول! كل التوفيق لكِ يا طفلتي، انتبها على نفسيكما، وإن احتجتما إلى أي شيء، لا تنسَونا، حسناً؟"

هزّت ليالي رأسها موافقة، ثم احتضنتها أم جوهرة بحنان. بعد ذلك، اقترب الجد أبو مسعود من ليالي، وبعد أن ودّع جوهرة، قال لها بصوت دافئ:

"لا تحزني يا ابنتي، حياتكِ بدأت الآن، عيشيها وحققي حلم أمكِ، حسناً يا طفلتي؟"

هزّت ليالي رأسها إيجابًا، فاحتضنها الجد أبو مسعود بحب. فجأة، اقتربت جوهرة منهما وهمست بصوت منخفض:

"أنا هنا! أريد عناقًا أيضًا!"

ضحك الجد أبو مسعود، وضمّها إليه من جهته اليمنى، بينما احتضن ليالي من الجهة اليسرى، ليودّع الفتاتين معًا.

بعد ثلاث ساعات من الانتظار في المطار، صعدت جوهرة وليالي إلى الطائرة. كانت ليالي متوترة جدًا، لأنها المرة الأولى التي تركب فيها الطائرة. جلست في مقعدها، وبدأت تفكر في كل ما مرّت به في ماضيها. كانت تعرف ما حصل لها، لكنها لم تكن تعرف ما يخبئه لها المستقبل. شعرت بأن رأسها ممتلئ بالأسئلة التي لا إجابة لها، لكنها أدركت في النهاية أننا، كبشر، لا نملك سوى الحاضر... ويجب أن نعيشه لنكتشف المستقبل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

ارادهُ قلبي ولم يردهُ عقلي

المؤلف LovFant.44
2025/07/20 مستمرة
قائمة الفصول (2)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة